Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

كَانَتْ تَعِيشُ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ، وزهرة . وَلَمْ يَكُنْ بِالقُربِ مِنْ بَيْتِ الْأَسْرَةِ جيران كثِيرُونَ، فكانَتِ الأسْرَةُ تَقْضِي . كَانَتْ وَرْدَةُ تُعِدُّ الشاي فَوْقَ المَوْقِدِ، بَيْنَمَا تَقُومُ الأَمُ بِإِعْدَادِ فَطِيرَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ وَعَسَلِ النَّحْلِ ، المطبخ المَفْتُوحَةِ، شَبَحُ ضَنِيلٌ. صَاحَتْ وَرْدَةُ : « إِنَّهُ قَزَمٌ ضَعِيلٌ مُضْحِكُ الشَّكْلِ، لَهُ لِحْيَةً بَيْضَاءُ، طويلة » . وَسَادَ الصَّمْتُ لَحْظَةً ، ثمَّ قَطَعَتْهُ زَهْرةً قائلةً : « لَقَدِ الْتَقَتْ عَيْنَايَ بِعَيْنَيْهِ، فَلَمْ أَطْمَئِنَّ لِنَظَرَاتِهِ ! . وَتَطَلَّعَتِ الأم في دَهْشَةٍ إِلَى زَهْرَةَ، جَذَبَتْهُ إِلَيْنَا رَائِحَةُ الطَّعَامِ ». وهُنا أَسْرَعَتْ وَرْدَةً تَقُولُ : « هَيَّا نُنَادِيهِ، يَصِحُ أَنْ نَتْرُكَهُ جَائِعًا». التَفَتَتْ زَهْرَةُ إلى أُخْتِها، لَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَتَجَسَّسُ عَلَيْنَا ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَفَى بِسُرْعَةٍ عِنْدَمَا الْتَفَتَنا إِلَيْهِ، شِرِّيرَةٍ. أَجابَتْ زَهْرَةُ : أَتَمَنَّى أَنْ يَبْتَعِدَ هَذَا القَزَمُ عَنْ بَيْتِنا». وَلَمْ تَقُلْ وَرْدَةُ ولا الأمَّ شَيْئًا، تَقْرأْ لَهُمَا حِكَايَةٌ مُمْتِعَةٌ مِنْ كِتَابٍ كَبِيرٍ، فِي حِينِ أَخَذَتْ زَهْرَةٌ فِي تَطْرِيزِ ثَوْبٍ جميل . وفجأةً، تَوَقَّفَتِ الأمْ عَنِ القِرَاءَةِ، وَرَفَعَتْ عَيْنَيْهَا عَنِ الكِتابِ، لِتَعْرِفا سَبَبَ تَوَقُفِهَا عَنِ القِراءَةِ. في أثناء وُجُودِكُما فِي الغَابَةِ تتنزهان . . فَقَالَتْ وَرْدَةُ فِي قَلَقٍ : « مَاذَا سَمِعْتِ يا أُمِّي ؟». فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الأَمِيرَ الَّذِي يَحْكُمُ هَذِهِ البِلادَ، أَخُوهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، فَلَمْ يَعْثُرْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ!». الَّتِي دَارَتْ كَثِيرًا حَوْلَ ذَلِكَ الأَمِيرِ. فَصَاحَتْ : لَقَدْ سَمِعْنَا كَثِيرًا عَنْ شَجَاعَةِ أَمِيرِنا ماذَا حَدَثَ لَهُ يا تُرى ؟ ». قَالَتِ الأم : لا أَحَدَ يَدْرِي . وَيَقُولُونَ إِنَّهُ ، الحُزْنَ يُخَيِّمُ عَلَى قَصْرِهِ الكَبِيرِ . ثُمَّ قَالَتِ الأم : « يَقُولُونَ إِنَّ وُحُوشَ الغَابَةِ قَتَلَتْهُ . صاحت وردة : مُسْتَحِيلٌ ، إِنَّنِي أَخْرُجُ مَعَ زَهْرَةَ لِلنُّزْهَةِ فِي العَابَةِ مُنْذُ ولم يَحْدُتْ أَنْ أَصابَنا مَكْرُوهُ». وقالت زهرة : يُمكنُ أَنْ أَتَوَقَعَ الشَّرَّ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ، لَكِنَّنِي لَا أَتَوَقَّعُهُ أَبَدًا مِنْ حيوانات الغابة. لقد اعتادَتْ كُلُّ الحَيواناتِ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنَّا، وأنتَأْكُلَ مِنْ أَيْدِينا . لا . لَيْسَ في الغابة أَيُّ خَطَرٍ». فِي مُسَاعَدَةِ كُلِّ مَنْ يَطْلُبُ المُساعدة ، وكانتْ كُلُّ مِنْهُما تَقُولُ لِلأَخْرَى : ستثبت الحَوادِثُ أَنَّنِي عَلَى حَقِّ». سوف كان الثلج يتساقط خارج البَيْتِ فِي رقائق ناعمة، وأفراد الأسْرَةِ يَجْلِسُونَ فِي سَعادَة داخل بَيْتِهِمُ الدَّافِي، عِنْدَما سَمِعُوا فَجْأَةً طَرَقاتٍ شَدِيدَةً على الباب . قَالَتِ الأم : « افْتَجِي البَابَ بِسُرْعَةٍ يا وَرْدَةُ، لَعَلَّهُ مُسافِرُ غَرِيبٌ ضَلَّ طَرِيقَهُ ، أَسْرَعَتْ وَرْدَةً، وَفَتحت الباب، وَتَطَلَعَتْ إِلَى الخَارِج ، لكنْ لَمْ يَكُنْ هناكَ مُسَافِرٌ غَرِيبٌ، وَتَرَاجَعَتْ وَرْدَةً ارتاعَ الجَمِيعُ لِرُؤيَةِ الدُّبُ، فَانْدَفَعَتْ وَرْدَةً فِي فَزَعِ نَحْوَ أُمَّهَا، وَاخْتَبَاتْ زَهْرَةُ خَلْفَ مَقْعَدٍ كَبِيرٍ، الحَمَامَةُ مُضْطَرِبَةً فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ. وَوقَفَ الدُّبُّ فِي مَدْخَل الباب، وقَالَ بِصَوْتِ هَادِي : لا تَخَافُوا وَدَعُونِي أَدْخُلُ. البرودة، أريدُ أَنْ احْتَمِي مِنَ البَرْدِ». قالت الأم : «ادْخُلْ أيُّها الدَّبُّ اللَّطِيفُ ، وَارْقُدْ بِجِوارِ نَارِ المَوْقِدِ . لَكِنْ خُذْ حَذَرَكَ حَتَّى لا تَحْتَرِقَ فَرْوَتُكَ الكَثِيفَةُ » . ثُمَّ قَالَتْ لابنتيها : « يَا وَرْدَةُ . زهرة . . لا دَاعِيَ الخَوْفِ . هَذا دُبُّ لَطِيفٌ، لَنْ يُؤْذِي أَحَدًا. يا دخل الدب ، وتَمَدَّدَ بِجِوارِ المِدْفَاةِ، وَتَرَكَ حَرَارَةَ النَّارِ تُجَفِّفُ شَعْرَهُ، وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الرَّاحَةِ والاطمئنان ، وَطَارَتِ الحَمَامَةُ حَوْلَهُ فِي هُدُوءٍ ، عِنْدَئدٍ تَشَجَعَتْ وَرْدَةً فَتَقَدَّمَتْ بِحَذَرٍ نَحْوَالدب، وتَناوَلَتْ فُرْشَاةً، وَأَخَذَتْ فِي تَسْوِيَةِ فِرَاءِ الدُّبِّ ، عِنْدَئِدٍ تَقَدَّمَتْ زَهْرَةُ وَعَاوَنَتْ أَخْتَها، وَأَحَسَّتْ وَرْدَةُ أَنَّ الدُّبَّ أَصْبَحَ صَدِيقًا لَهَا، قَالَ الدُّب : «أَنَا لَا أَعْرِفُ أَي لُعْبَةٍ ! » إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَلْعَبُ ! فَابْتَسَمَتِ الأم وقالَتْ : «إِنَّهُ يَتَظَاهَرُ بِذَلِكَ فَقَطْ». ۱۲ وَصَاحَتْ زَهْرَةٌ ضَاحِكَةٌ : وتركَبُ فَوْقَهُ » . وَاعْتَلَتِ الْأَخْتَانِ ظهر الدب، وصاحَتْ وَرْدَةُ : «هيا يَا دُبُّ ». فَأَخَذَ يَسِيرُ بِهِمَا فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ ضَحِكَاتُهُما المَرِحَةُ الصَّافِيَةُ . وَأَخَذَتِ الفَتَاتَانِ تَلْعَبَانِ مَعَ الدُّبِّ وَتَمْرَحَانِ ، وَإِذَا زَمْجَرَ مُدَاعِبًا، تَنْطَلِقانِ في ضَحِكَ مُجَلْجِلٍ ، وتَتَدَخْرَجَانِ مَعَهُ فَوْقَ البساط . وَحَانَ مَوْعِدُ النَّومِ ، فَقَالَتِ الأم للدب : « أَيُّهَا الدَّبُّ الطَّيِّبُ، لِكَيْ لا تَتَعَرَّضَ لِلْبَرْدِ وَالمَطَرِ فِي الخَارِج ». وَفِي فَجْرِ اليَوْمِ التَّالِي ، اسْتَيْقَظَ الدَّبُّ نَشِيطًا سَعِيدًا، فَفَتَحَتْ لَهُ زَهْرَةُ الباب، في حين أَخَذَتْ وَرْدةً تُمَشْطُ لَهُ شَعْرَ فَرْوَتِهِ. قَالَتْ لَهُ الأم : «أَهْلًا وَسَهْلًا بِكَ فِي أَي وَقْتِ». وَوَدَعَ الدُّبُّ الوَدُودُ أَفْرَادَ الأَسْرَةِ، وَاخْتَفَى بَيْنَ أَشْجَارِ الغَابَةِ، وَفِي مَسَاءِ نَفْسٍ اليَوْمِ ، عَادَ إِلَى بَيْتِ أَصْدِقَائِهِ . وَاعْتَادَ الدُّبُّ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى البَيْتِ الصَّغِيرِ مَسَاءَ كُلِّ يَوْمٍ ، عِنْدَ حُلُول الظلام . وَلَمْ يَكُنْ بَابُ البَيْتِ يُغْلَقُ أَبَدًا في المساء قبل أَنْ يَصِلَ الدُّبُّ الأَسْوَدُوتتابعت زيارَاتُ الدُّبِّ اللَّيْلِيَّةُ، إِلَى أَنْ بَدَا فَضْلُ الرَّبِيعِ ، وَأَعَادَتْ أَوْرَاقُ الأَشْجَارِ الجَدِيدَةُ إِلَى الغَابَةِ لَوْنَها الأخضر، عِنْدَئِذٍ قَالَ الدُّبُّ بأسف : ه يا أعزائي . لَقَدْ حَانَ الآن وقْتُ رَحِيلِي ، يَجِبُ أَنْ أَتَغَيَّبَ فَتْرَةً، سالَتْ وَرْدَةُ فِي قَلَقٍ : «إِلَى أَيْنَ تَتْرُكْنَا أَيُّهَا الدُّبُّ العَزِيزُ ؟». لَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنِ اسْتَولَى عَلَى جُزْءٍ كَبِيرٍ من ثروتِي، أَمَّا فِي الرَّبِيعِ والصَّيْفِ، وَعِنْدَما فَتَحَتْ وَرْدَةُ البَابَ لِكَيْ يَخْرُجَ صَدِيقُهُنَّ الدَّبُّ اشْتَبَكَتْ خُصْلَةٌ مِنْ شَعْرِهِ فِي البَابِ، فَظَهَرَ جِلْدُ الدَّبِّ فِي مَوْضِعِ الشَّعْرِ الْمَنزُوعِ لامعًا بَرَاقًا مِثْلَ الذَّهَبِ . ووقَفَتِ الفَتاتَانِ عِنْدَ بَابِ البَيْتِ تُلَوِّحَانِ مَوَدَّعَتَانِ لِصَدِيقِهِمَا، وَوَرْدَةُ تَقُولُ لِزَهْرَةَ فِي أَسف : « كَيْفَ سَنَقْضِي مَسَاءَ كُلِّ يَوْمٍ ، بِغَيْرِ أَنْ يَكُونَ صَدِيقُنا الدب بيننا ؟! . وَابْتَعَدَ الدُّبُّ، وَسَرْعَانَ مَا اخْتَفَى بَيْنَ الأَشْجَارِ. بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ ، أَرْسَلَتِ الأم ابنتيها إِلَى الغَابَةِ، وبجوارِهِ شَيْءٌ يَظْهَرُ ويَخْتَفِي مِنْ بَيْنِ الحشائش . وتأملَتْ زَهْرَةُ المَنْظَرَ، ثُمَّ قَالَتْ : لَعَلَّهُ حَيَوانٌ مَرْبُوطٌ إِلَى جِذْعِ الشَّجَرَةِ، اقْتَرَبَتِ البنتانِ ، فَصَاحَتْ زَهْرَةُ : «إِنَّهُ القَزَمُ العَجُوزُ الَّذِي شَاهَدْنَاهُ مِنْ نَافِذَةِ بَيْتِنَا . كَانَ قَصِيرًا، وَلِحْيَةً بَيْضَاءُ، صَاحَتْ وَرْدَةً : لَقَدِ انْحَشَرَ طَرَفُ لِحْيَتِهِ الطَّوِيلَةِ دَاخِلَ شَكٍّ فِي جِذْعِ الشجرة». وكَانَ القَزَمُ يَنْطُ فَوْقَ الجِذْعِ مَرَّةً، وبِجوَارِ الجِذْعِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَتْ وَرْدَةُ : المِسْكِينُ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَ نَفْسِهِ». صاحَ القَزَمُ فِى ضِيقٍ : لِمَاذَا تَقِفَانِ هَكَذَا كَالتِّمَاثِيلِ تُحَمْلِقانِ فِي ؟! اقْتَرِبا لِمُسَاعَدَتِي » . سألتْ زَهْرَةُ : « مَاذَا حَدَثَ لَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ القَصِيرُ ؟ ) صاح القَزَمُ فِي غَضَبٍ : كُنْتُ أَشُقُّ هَذَا الشَّقِّ، وَأَمْسَكَ الجِذْعُ بها في قُوَّةٍ. تَوَقَّفِي عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لا تُفِيدُ، وَسَاعِدِيني ». وَتَضَايَقَتْ زَهْرَةُ مِنْ شَرَاسَةِ الرَّجُلِ وفَظَاظَتِهِ، لَكِنْ وَرْدَةَ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ ، وفَحَصَتْ جِذْعَ الشَّجَرَةِ عَنْ قُرْبٍ. وَأَثَارَ دَهْشَتَهَا ضَحَامَةُ الجِذْعِ ، فَلَمْ تَكُنْ تَتَصَوَّرُ أَنَّ لَدَى القَزَمِ الضَّئِيلَ تِلْكَ القُوَّةَ الهَائِلَةَ الَّتِي مَكَّنَتَهُ مِنْ شَقِّ الجذع . وَبِرَغْمِ ضِيقٍ زَهْرَةَ مِنَ الرَّجُلِ ، فَقَدْ أَمْسَكَتْ مَعَ وَرْدَةَ وَتَأَوَّهُ الرَّجُلُ القَصِيرُ ، وأَخَذَ يَصِيحُ : آه يا لِحْيَتِى . إنَّها لَنْ تَخْرُجَ. عِنْدَئِذٍ قَالَتْ وَرْدَةُ : « سَأَعُودُ جَرْيًا إِلَى المَنْزِلِ ، وَاسْتَدْعِي مَنْ يُساعِدُكَ. لَكِنَّ القَزَمَ صَاحَ سَاخِطًا : «أَيَّتُهَا الغَبِيَّةُ . الا يَخْطُرُ عَلَى بَالِكِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِي وَالعَوْدَة إِلَى الْمَنْزِلِ ؟! » قَالَتْ زَهْرَةُ : «إِنَّ مَعِى أدواتُ التَّطْرِيزِ » . صَاحَ القَزَمُ : « مَاذَا سَتَصْنَعِينَ فِي لِحْيَتِي بأدوات التطريز ؟ قَالَتْ زَهْرَةٌ : كُنْ صَبُورًا». وَمِنْ بَيْنِ أدواتها ، وَأَسْرَعَتْ وقَصَّتْ بِهِ لِحْيَةً القَوْمِ ، فَخَلَّصَتْهَا مِنَ الشَّقِّ الَّذِي دَخَلَتْ فِيهِ. وَصَاحَتْ وَرْدَةً فِي حَمَاسِ : هَا قَدْ أَصْبَحْتَ حُبًّا». يا لحظى السَّيِّ الَّذِي أَوْقَعَنِي بَيْنَ أَيْدِيكُمَا . كَيْفَ أَقْدَمْتُمَا عَلَى قَصْ جُزْءٍ مِنْ لِحْيَتِي التي أعْتَزُّ بِها أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيا ؟!. لَقَدْ كَانَ طُولُهَا مِثْلَ طُولِي ، وَقَدْ ضَاعَ الآن رُبْعُها ! » . انتابَتِ الفَتَاتَانِ دَهْشَةٌ بالِغَةٌ، إِلَى شُعُور بالأسف، فَإِذَا بِهِ يَبْحَثُ بَيْنَ جُذُوعِ الأَشْجَارِ، إِلَى أَنْ عَثَرَ عَلَى كِيسَ كَبِيرٍ مِنَ الجِلْدِ، ومِنْ فُتِحَةِ الكيس ، ظَهَرَتْ مِئات مِنْ قطع الذَّهَبِالصفراء اللامِعَةِ، وَأَسْرَعَ الرَّجُلُ يُخْفِي الذَّهَبَ، ثُمَّ تَاهَبَ الرَّجُلُ لِيَحْمِلَ الْكِيسَ فَوْقَ ظَهْرِهِ، وَكَانَ وَاصْحًا أَنَّهُ اعْتَادَ القِيامَ بمِثْلِ هَذَا العَمَل فِي سُهُولَةٍ ويُسْرٍ، لَكنَّهُ عِنْدَمَا حَاوَلَ هَذِهِ الْمَرَّةَ حَمْلَ الكيس كما اعتاد، أفلَتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَنَظَرَ القَزَمُ إلى الكيس في دَهْشَةٍ وغَضَبٍ، ثُمَّ عَادَ فَانْحَنَى عَلَى الْأَرْضِ وَأَمْسَكَ بالكيس ، وَبَذَلَ جُهْدًا كَبِيرًا حَتَّى وَضَعَهُ فَوْقَ ظَهْرِهِ، فَانْحَنَى تَحْتَ ثِقَلِهِ انحناء شَدِيدًا . وَابْتَعَدَ في بَطْءٍ بِسَبَبٍ ثِقَلَ حَمْلِهِ، وَنَحْنُ لا تنتَظِرُ شُكْرًا عَلَى مُسَاعَدَةِ الْآخَرِينَ». ويَبْدُو أَنَّ القَزَمَ سَمِعَهُما ، وَعَادَ يَصِيحُ : « اذْهَبَا فَوْرًا مِنْ هُنَا مُنْذُهُ قَلِيلٍ أَثَرْتُمَا غَضَبِى بِقَطْعِ لِحْيَنِي الَّتِي أَحْرِصُ عَلَى أَنْ تظلُّ طَوِيلَةٌ جَمِيلةً ، وَالآنَ تُثِيرانِ غَيْظِي بِانْتِقادِ سُلُوكِي ! . يا لحيتي البيضاء الطويلة». وَعِنْدَما رَجَعَتْ وَرْدَةً وَزَهْرَةُ إِلَى البَيْتِ، أَخْبَرَنَا أُمَّهُمَا بِمَا حَدَثَ، فَتَطلَعَتْ إِلَيْهِمَا الأم مُبْتَسِمَةٍ، لا تَتَردَّدَانِ في صُنْعِ الخَيْرِ وَمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ، شَاهَدَتَا شَيْئًا كَأَنَّهُ جَرَادَةٌ ضَخْمَةٌ تَتَواثَبُ عَلَى الشَّاطِئِ، فَإِذَا بِهِمَا تَجِدَانِ القَزَمِ الَّذِي سَبَقَ أَنْ أَنْقَذَنَا لِحْيَتَهُ مِنْ شَقِّ الشَّجَرَةِ، يَقِفُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ، يَصْطادُ السَّمَكَ بِقَصَبَةِ صَيْدِ السَّمَكِ. سأَلْتُهُ وَرْدَة، إلَى المَاءِ وَأَنْتَ تَرْتَدِى مَلَابِسَكَ ؟! . ثُمَّ أشار إلى المَاءِ بِحَرَكاتٍ غَرِيبَةٍ وَقَالَ : «الا تُشَاهِدَانِ هَذِهِ السَّمَكَةَ الضَّخْمَةَ الَّتِي أَمْسَكَ بِهَا خَيْطُ الصَّيْدِ ؟ إِنَّهَا تُحَاوِلُ سَحْيِي إِلى النَّهْرِ ! ». وأَخَذَ الرَّجُلُ يَجْذِبُ الخيط إلى الشاطئ. وعلَى غَفْلَةٍ مِنْهُ، الْتَفَّ الخَيْطُ حَوْلَ شَعْرِ لِحْيَتِهِ الطَّوِيل . وفجأة، القَوْمُ يَصْرُخُ وَيُوَلُّولُ : «آه . سَأَغْرَقُ». وشَاهَدَتِ الأختانِ السَّمَكَةَ الكَبِيرَة تَتَواثَبُ فِي المَاءِ عِنْدَ طَرَفِ الخَيْطِ، ولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَ لِحْيَتَهُ مِنَ الخَيْطِ الَّذِي الْتَفَّ حَوْلَها ، وَكُلَّمَا ابْتَعَدَتِ السَّمكَةُ عَنِ الشَّاطِئِ، سَحَبَتِ القَزَمَ فَيَزْدادُ اقْتِرَابًا مِنَ المَاءِ. أَسْرِعَتْ وَرْدَةُ فَأَمَسْكَتْ بِذِراع الرَّجُلِ ، فِي حِينِ اسْتَخْدَمَتْ زَهْرَةُ أَصَابِعَها بِمَهَارَةٍ تُحاوِلُ فَكَ خَيْطِ الصَّيْدِ مِنْ لِحْيَتِهِ، بِرَغْمَ ضِيقِها الشَّدِيدِ مِنْ سُلُوكِ القَزَمِ غَيْرِ المُهَذَّبِ. لكِنَّ اللَّحْيَةَ والخَيْطَ كَانَا مُتَشَابِكَيْنِ تَمامًا. مِنَ الخَيْطِ، الماء». وَصَاحَتْ وَرْدَةُ، وَلَمْ تُجِبْ زَهْرَهُ، وَقَصَّتْ جُزْءَ اللَّحْيَةِ الَّذِي اشْتَبَكَ مَعَ خَيْطِ الصَّيْدِ، وَعِندما تَخَلَّصَ القَزَمُ مِنْ خَيْطِ الصَّيْدِ، فِي حِينِ غَاصَتِ السَّمَكَةُ مَعَ الخَيْطِ في أَعْمَاقِ النَّهْرِ. وَقَامَ القَزَمُ من سَقْطَتِهِ ، فَصَاحَتْ وَرْدَةُ فِي سَعَادَةٍ وَهِي تُصَفِّقُ فِي مَرَح : ولَقَدْ أَنْقَذْنَاهُ. أسْرِعَ القَزَمُ يَتَحَسَّسُ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ صَوَّبَ بَصَرَهُ إِلَى الْمِقْصُ الَّذِي كَانَ لا يَزَالُ فِي يَدِ زَهْرَةَ. وَمَعَ أَنَّهُ عَرَفَ جَيْدًا أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ بِلِحْيَتِهِ كَانَ لِإِنْقَاذِ حَيَاتِهِ، فَقَدِ انْتَابَهُ غَضَبٌ شَدِيدٌ، وَصَاحَ فِي زَهْرَةَ : هَلْ يَدْخُلُ ضِمْنَ الأخلاق الحميدَةِ، أَنْ تُشَوِّهِي وَجْهَ إِنْسَانٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؟ لَقَدْ قَصَصْتِ لحْيَتي العزيزة الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وَعِنْدَ هَذِهِ العِبَارَةِ، سَكَتَ القَزَمُ فَجْأَةً عَنِ الكلام ، وَعادَ يَصِيحُ فِي حُزْنٍ وغَضَبٍ : كيف أَسْتَطِيعُ أَنْ أَظْهَرَ أمام أهلى وَاصْدِقَائِي بِهَذَا الشَّكْلِ الْمُضْحِكِ ؟! ». وتبادلت الأختانِ نَظَراتِ الدَّهْشَةَ لِهَذَا التَّصَرُّفِ الغَرِيبِ مِنَ القَرَمِ الشرس ، فِي حين أَسْرِعَ القَزَمُ يُزِيحُ النباتات الَّتِي عَلَى الشَّاطِئ، ويُخْرِجُ مِنْ بَيْنِها كيسًا كَبِيرًا. وَتَدَفَقَتْ مِنْهُ حَبَّاتٌ مِنَ اللُّؤْلُةِ الثَّمِينِ الغَالِي . وَيُعِيدُهُ إِلى الكيس، ثُمَّ أَخَذَ يُحاوِلُ رَفْعَ الكِيس لِيَضَعَهُ فَوْقَ ظَهْرِهِ وَلَا حَظَتْ وَرْدَةُ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ رَفَعَهُ بِالسُّهُولَةِ الَّتِي سَبَقَ أَنْ حَمَلَ بِهَا كِيسَ الذَّهَبِ، كَأَنَّمَا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ هَذِهِ المَرَّةَ، لِذلِكَ فَإِنَّهُ أَخَذَ يَجْذِبُهُ عَلَى الْأَرْضِ خَلْفَهُ، إِلَى أَن اختَفَى وَرَاءَ صَخْرَةٍ عَالِيَةٍ . وَعِنْدَ عَودَةِ الأَخْتَيْنِ إِلَى المَنْزِلِ ، وَأَحَسَّتْ أَنَّهُمَا تَتَأَلْمَانِ بِسَبَبٍ جُحُودِ ذَلِكَ الرَّجُلِ القَصِيرِ، فَطَوَّقَتْهُما بِذِرَاعَيْهَا، في حُبُّ وَحَنانٍ وَهِيَ تَقُولُ : ( لَقَدْ أَنقَذْتُمَا حَيَاتَهُ . وَأَنَا وَائِقَةً أَنَّكُمَا لَنْ تَتَرَدَّدَا في إِنْقاذِ حَيَاتِهِ مَرَّةً وَمَرَّاتٍ أُخْرَى، مَهمَا فَعَلَ أَوْ قَالَ . وَقَدْ وَافَقَتْهَا وَرْدَةُ عَلَى مَا قَالَتْ ، في اليوم التالي، وَخِلالَ الطَّرِيقِ ، لَاحَظَتِ الأَخْتَانِ أَنَّ هُناكَ نَسْرًا كَبِيرًا يُحَلِّقُ فِي الهَوَاءِ، وَيَدُورُ بِبُطْءٍ فَوقَهما . كَانَ الطَّائِرُ الهَائِلُ يَهْبِطُ إِلَى أَسْفَلَ، ثُمَّ يَعُودُ إلى الارتفاع . وَتَأَمَّلَتْ وَرْدَةُ الطَّائِرَ في دَهْشَةٍ ، ثُمَّ قَالَتْ : « إِنِّي أَعْجَبُ . لِمَاذَا يَطِيرُ هَذَا النَّسْرُ الضَّخْمُ ، اندفعت الأخْتَانِ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ ، فَشَاهَدَنَا، وَهُمَا فِي غَايَةِ الفَزَعِ ، ذلِكَ الطَّائِرَ الهَائِلَ، وقَدِ انْقَضَّ عَلَى القَوْمِ نَفْسِهِ. كَانَ القَزَمُ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْتَمِي بِصَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ، لِيُخْرِجَهُ مِنْ تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي احْتَمَى بِهَا ، والقَزَمُ يَصْرُحُ ويَسْتَغِيثُ. وَأَخِيرًا نَجَحَ الطَّائِرُ في جَذْبِ الرَّجُلِ بَعِيدًا عَنِ الصَّخْرَةِ، وَكَادَ يُوشِكُ أن يَحْمِلَهُ وَيَطِيرُ بِهِ عَالِيًا، إِلَّا أَنَّ الأَخْتَيْنِ رَقِيقَتَي القَلْبِ أَسْرَعَنَا، وَتَعَلَّقَنَا بالرجل القصير، بالقرمِ، وفجأةً تَذَكَّرَتْ زَهْرَةُ المِقَصَّ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ جَيْبِهَا، فَسَقَطَ القَزَمُ مَعَ البِنْتَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ ، أَكْثَرَ مِنْ رُبع طولها ، ومَا إِنْ أَفَاقَ القَزَمُ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي كَانَ قَدْ تَمَلَّكَهُ، غَيْرَ مُهْتَمَّ بِمَلابِسِهِ الْمُمَزَّقَةِ الَّتِي فَقَدَتْ كُلَّ نظامها، وَامْتَلَا غَضَبًا، أَنْتُمَا تَقْصِدَانِ قَصَّ كُلِّ لِحْيَتِى ! كَانَ طُولُهَا مِثْلَ طُولِي وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا الآن إِلَّا رُبْعُها أَنْتُمَا مُؤْذِيَتَانِ شَرِّيرَتانِ » . الَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى خِرَقٍ بَالِيَةٍ لا نَفْعَ فِيهَا ، لَكِنَّهُ لا يَغْضَبُ إِلَّا بِسَبَبٍ لِحْيَتِهِ ! ) قَالَتْ وَرْدَةُ : «لابدَّ أَنَّ هُنَاكَ سِرًّا لَا نَعْرِفُهُ، وترك القَزَمُ الفَتاتَيْنِ، كَانَ يُخْرِجُ مَا بِهَا مَنْ ماس وأحجارٍ ثَمِينَةٍ، عِنْدَمَا فَاجَأَهُ النَّسْرُ. انْدَفَعَ بِسُرْعَةٍ يَجْمَعُ كَنْزَهُ، تَعذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وأدارَ ظَهْرَهُ لِلأَخْتَيْنِ. فلم تتوقع أيتهما أَنْ تَسْمَعَ مِنْهُ كَلِمَةً طَيِّبَةً، لَكِنَّ وَرْدَةَ هَمَسَتْ لِاخْتِها : كلما قابلنا هَذَا الرَّجُلَ ، أَجِدُ قُوَّتَهُ تَضْعُفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَنْ سَابِقَتِها » . ويرَغْمِ صَوْتِهَا الخَافِتِ، فَقَدْ سَمِعَها القَزَمُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمَا، وَقَدْ تَحَوَّلَ لوْنُ وَجْهِهِ إِلَى الأَحْمَرِ القُرْمزِى بِسَبَبِ شِدَّةِ الغَضَبِ. مُتَّهِمَا الفَتَاتَيْنِ بِكُلِّ سُوءٍ كثرة حَشَراتِ النَّحْلِ الَّتِي كَانَتْ تَرُوحُ وَتَجيءُ فِي طريقهما، فَقَالَتْ وَردة : «لا شَكٍّ أنَّ زُهُورَ شَجَرَة فَاكِهَةٍ قَدْ تفتحت بالقرب مِنْ هُنَا عِنْدَئِذٍ أَشَارَتْ زَهْرَةُ إِلَى مِئَاتٍ مِنَ النَّحْلِ قَدْ تَكَدَّسَ بَعْضُهُ فَوقَ بعض ، وفي أثناء عودتهما بعد شراء الإبر والخيط، فوجئنا بالنحل قد أحاط بالقزم ، والقزم يصيحُ كالمَجْنُونِ : « سَيَقْتُلَنِي هَذَا النَّحِلُ . الكسول، نحل لا عَسَل عنده، ويُريد قتلى !! » وفهمتِ الأَخْتَانِ أَنَّ القَزم حَاوَل أَخْذَ بَعْضَ العَسَلَ مِنْ خَلِيَّةِ النَّحلِ الجَدِيدَةِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّ النَّحْل لمْ يَبْدَأَ مِنْ بَعْدُ فِي صُنْعِ أَقْرَاصِ الشَّمْعِ الخَاصَّةِ بمسكنه الجديد، فانقض عليه النحل يَلْدَعَهُ، مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ. وقبل أن تُفكّر الأختان في وسيلة لإنقاذ الرَّجُل، يكفيني ما فعلتماه حتى الآن بِلِحْيَتِي، أيتها الشريرتان ! ) حَدَثَ شَيْءٌ مُفَاجِي، لقَدْ سَمِعَ الجَمِيعُ صَوْتَ زَثِيرٍ مُخِيفٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الأَشْجَارِ المُجَاوِرَةِ دُبُّ أَسْوَدُ كَبِيرٌ، تَقَدَّمَ نَحْوَهُم بِسُرْعَة. وَقَفَزَ صَارِفًا فِي رُعْبٍ شَدِيدٍ وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِهِ الَّذِي كَانَ أَحْمَرَ مِنَ الغَضَبِ إِلَى اللَّوْنِ الأَبْيَضُ الشَّاحِبِ بِسَبَبِ الخُوْفِ وقَبْلَ أَنْ يَجِدَ القَزَمُ وقتًا لِلْهُرُوبِ، ورَفَعَ كَفَّهُ الضَّخْمَ، ذَا المَخالِبِ الْقَاتِلَةِ، فَوْقَ رَأْسِهِ. وفي صَوْتٍ مُضْطَرِبٍ، رَكَعَ القَزَمُ أَمَامَ الدَّبِّ، اصْفَحْ عَنِّى . سَاعِيدُ إِلَيْكَ كُلَّ أَمْوَالِكَ،

Original text

يُحكى أَنَّ سَيِّدَةً عَجُوزًا، كَانَتْ تَعِيشُ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ، قُرْبَ غَابَةٍ كبيرة. وكان للسَّيِّدَةِ ابْنَتَانِ، هُما وَرْدَة


وزهرة .


وَلَمْ يَكُنْ بِالقُربِ مِنْ بَيْتِ الْأَسْرَةِ جيران كثِيرُونَ، فكانَتِ الأسْرَةُ تَقْضِي . مُعْظَمَ وَقْتِها فِي صُحْبَةِ خَرُوفٍ


صَغِيرٍ، وَحَمامَةٍ بَيْضَاءَ . وذات صباح ، كَانَتْ وَرْدَةُ تُعِدُّ الشاي فَوْقَ المَوْقِدِ، وَزَهْرَةُ تَغْسِلُ أواني المائِدَةِ، بَيْنَمَا تَقُومُ الأَمُ بِإِعْدَادِ فَطِيرَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ وَعَسَلِ النَّحْلِ ، عِندما ظَهَرَ فَجْأَةً، خارِجَ نَافِذَةِ


المطبخ المَفْتُوحَةِ، شَبَحُ ضَنِيلٌ. وَالْتَفَتَ الثلاثَةُ مَعًا يَتَطَلُعُونَ إِلَيْهِ، لَكِنْ الشبح اسْرَعَ يَخْتَفِي بَعِيدًا عَنِ النافذة .
صَاحَتْ وَرْدَةُ : « إِنَّهُ قَزَمٌ ضَعِيلٌ مُضْحِكُ الشَّكْلِ، لَهُ لِحْيَةً بَيْضَاءُ، طويلة » .


وَسَادَ الصَّمْتُ لَحْظَةً ، ثمَّ قَطَعَتْهُ زَهْرةً قائلةً : « لَقَدِ الْتَقَتْ عَيْنَايَ بِعَيْنَيْهِ، فَلَمْ أَطْمَئِنَّ لِنَظَرَاتِهِ ! ..


وَتَطَلَّعَتِ الأم في دَهْشَةٍ إِلَى زَهْرَةَ، ثُمَّ قَالَتْ فِي هُدُوءٍ : «لَعَلَّهُ جَائِعٌ ، جَذَبَتْهُ إِلَيْنَا رَائِحَةُ الطَّعَامِ ». وهُنا أَسْرَعَتْ وَرْدَةً تَقُولُ : « هَيَّا نُنَادِيهِ، فَلَا


يَصِحُ أَنْ نَتْرُكَهُ جَائِعًا».


التَفَتَتْ زَهْرَةُ إلى أُخْتِها، وقالَتْ في لَهْجَةٍ غَرِيبَةٍ : « أَنْتِ طَيِّبَةُ القَلْبِ يا وَرْدَةُ. لَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَتَجَسَّسُ عَلَيْنَا ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَفَى بِسُرْعَةٍ عِنْدَمَا الْتَفَتَنا إِلَيْهِ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ في الحكايات أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَقْرَامِ يَقُومُونَ بأعمال. شِرِّيرَةٍ. ضَحِكَتِ الأم وقالت : الحِكَايَاتُ فِيهَا خَيَالٌ يُسَلِّينَا . أَجابَتْ


زَهْرَةُ : أَتَمَنَّى أَنْ يَبْتَعِدَ هَذَا القَزَمُ عَنْ بَيْتِنا». وَلَمْ تَقُلْ وَرْدَةُ ولا الأمَّ شَيْئًا، لَكِنَّ حَدِيثَ زَهْرَةَ أَثَارَ قَلَقَهُما .




وَفِي مَسَاءِ اليَوْمِ التَّالِي ، جَلَسَتِ الأمُ قُرْبَ نَارِ المِدْفَاةِ مَعَ ابْنَتَيْهَا، تَقْرأْ


لَهُمَا حِكَايَةٌ مُمْتِعَةٌ مِنْ كِتَابٍ كَبِيرٍ، فِي حِينِ أَخَذَتْ زَهْرَةٌ فِي تَطْرِيزِ ثَوْبٍ


جميل .


وفجأةً، تَوَقَّفَتِ الأمْ عَنِ القِرَاءَةِ، وَرَفَعَتْ عَيْنَيْهَا عَنِ الكِتابِ، فَتَطَلَّعَتْزَهْرَهُ وَوَرْدَهُ إلَى أُمِّهِمَا، لِتَعْرِفا سَبَبَ تَوَقُفِهَا عَنِ القِراءَةِ.


قالت الأم : « سَمِعْتُ اليَوْمَ خَبَرًا غَرِيبًا، في أثناء وُجُودِكُما فِي الغَابَةِ تتنزهان . .


فَقَالَتْ وَرْدَةُ فِي قَلَقٍ : « مَاذَا سَمِعْتِ يا أُمِّي ؟».


قالت الأم : « ذَهَبْتُ إِلَى القَرْيَةِ المُجاوِرَةِ، فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الأَمِيرَ الَّذِي يَحْكُمُ هَذِهِ البِلادَ، قَدِ اخْتَفَى فَجْأَةً مُنْذُ عِدَّةِ شُهُورٍ ، وَقَدْ بَحَثَ عَنْهُ


أَخُوهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، فَلَمْ يَعْثُرْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ!».


وَتَذَكَّرَتْ وَرْدَةُ أحْلامَها ، الَّتِي دَارَتْ كَثِيرًا حَوْلَ ذَلِكَ الأَمِيرِ. كَانَ مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ فَتًى شُجَاعٌ حَكِيمٌ ، فَصَاحَتْ : لَقَدْ سَمِعْنَا كَثِيرًا عَنْ شَجَاعَةِ أَمِيرِنا


وَعَدَالَتِهِ ، ماذَا حَدَثَ لَهُ يا تُرى ؟ ».


قَالَتِ الأم : لا أَحَدَ يَدْرِي .. وَيَقُولُونَ إِنَّهُ ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ ، كَانَ يَبْحَثُ عَنْ زَوْجَةٍ مُخْلِصَةٍ ذَكِيَّةٍ حَسَنَةِ الأَخْلَاقِ، لِكُنَّ هَذَا الاخْتِفَاءَ الغَرِيبَ جَعَلَ


الحُزْنَ يُخَيِّمُ عَلَى قَصْرِهِ الكَبِيرِ .


وساد الصَّمْتُ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتِ الأم : « يَقُولُونَ إِنَّ وُحُوشَ الغَابَةِ قَتَلَتْهُ ..


صاحت وردة : مُسْتَحِيلٌ ، إِنَّنِي أَخْرُجُ مَعَ زَهْرَةَ لِلنُّزْهَةِ فِي العَابَةِ مُنْذُ


طفولتنا، ولم يَحْدُتْ أَنْ أَصابَنا مَكْرُوهُ».


وقالت زهرة : يُمكنُ أَنْ أَتَوَقَعَ الشَّرَّ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ، لَكِنَّنِي لَا أَتَوَقَّعُهُ أَبَدًا مِنْ حيوانات الغابة. لقد اعتادَتْ كُلُّ الحَيواناتِ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنَّا، وأنتَأْكُلَ مِنْ أَيْدِينا . لا .. لَيْسَ في الغابة أَيُّ خَطَرٍ». وَتَطَلَّعَتِ الأم مُفكرةً إلى ابنتيها. كانَتْ وَرْدَةُ تَيْقُ فِي كُلِّ النَّاسِ، وَتُسَاعِدُ الآخَرِينَ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي حِينِ أَنَّ زَهْرَةَ لَا تَتَحَمَّسُ لانْدِفَاعِ أُخْتِهَا


فِي مُسَاعَدَةِ كُلِّ مَنْ يَطْلُبُ المُساعدة ، وكانتْ كُلُّ مِنْهُما تَقُولُ لِلأَخْرَى :


ستثبت الحَوادِثُ أَنَّنِي عَلَى حَقِّ».


ولَمْ تَكُنْ إِحْدَاهُمَا تَتَصوَّرُ أَنَّهُ، فِي خِلال الأيام القليلة القادمة، سوف


عَدَدُ كبِيرٌ مِنَ الحَوادِثِ الغَرِيبَةِ وَالعَجِيبة .
ففي إحدى ليالى الشتاء الباردة، كان الثلج يتساقط خارج البَيْتِ فِي رقائق ناعمة، وأفراد الأسْرَةِ يَجْلِسُونَ فِي سَعادَة داخل بَيْتِهِمُ الدَّافِي، عِنْدَما سَمِعُوا فَجْأَةً طَرَقاتٍ شَدِيدَةً على الباب . قَالَتِ الأم : « افْتَجِي البَابَ بِسُرْعَةٍ يا وَرْدَةُ، لَعَلَّهُ مُسافِرُ غَرِيبٌ ضَلَّ طَرِيقَهُ ، يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ يَسْتَرِيحُ فِيهِ ».


أَسْرَعَتْ وَرْدَةً، وَفَتحت الباب، وَتَطَلَعَتْ إِلَى الخَارِج ، لكنْ لَمْ يَكُنْ هناكَ مُسَافِرٌ غَرِيبٌ، بَلْ دُبِّ أَسْوَدُ اللَّوْنِ كَثِيفُ الشَّعْرِ ، وَتَرَاجَعَتْ وَرْدَةً


مَذْعُورَةً، فَتَقَدَّمَ الدُّبُّ، وَأَطَلَّ بِرَأْسِهِ مِنَ الْبَابِ .


ارتاعَ الجَمِيعُ لِرُؤيَةِ الدُّبُ، فَانْدَفَعَتْ وَرْدَةً فِي فَزَعِ نَحْوَ أُمَّهَا، وَاخْتَبَاتْ زَهْرَةُ خَلْفَ مَقْعَدٍ كَبِيرٍ، وَارْتَفَعَ صَوْتُ ثُغَاءِ الْحَرُوفِ فِي حِينِ طَارَتِ


الحَمَامَةُ مُضْطَرِبَةً فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ.


وَوقَفَ الدُّبُّ فِي مَدْخَل الباب، وقَالَ بِصَوْتِ هَادِي : لا تَخَافُوا وَدَعُونِي أَدْخُلُ. أنا دُبَّ لا أكُلُ إِلَّا العَسَلَ الجَو فِي الخَارِج شَدِيدُ


البرودة، أريدُ أَنْ احْتَمِي مِنَ البَرْدِ».


قالت الأم : «ادْخُلْ أيُّها الدَّبُّ اللَّطِيفُ ، وَارْقُدْ بِجِوارِ نَارِ المَوْقِدِ . لَكِنْ خُذْ حَذَرَكَ حَتَّى لا تَحْتَرِقَ فَرْوَتُكَ الكَثِيفَةُ » . ثُمَّ قَالَتْ لابنتيها : « يَا وَرْدَةُ ... زهرة . . لا دَاعِيَ الخَوْفِ .. هَذا دُبُّ لَطِيفٌ، لَنْ يُؤْذِي أَحَدًا.


يا دخل الدب ، وتَمَدَّدَ بِجِوارِ المِدْفَاةِ، وَتَرَكَ حَرَارَةَ النَّارِ تُجَفِّفُ شَعْرَهُ، وَقَدْ


ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الرَّاحَةِ والاطمئنان ، واقْتَرَبَ الخَرُوفُ مِنَ الذُّب، وَطَارَتِ الحَمَامَةُ حَوْلَهُ فِي هُدُوءٍ ، عِنْدَئدٍ تَشَجَعَتْ وَرْدَةً فَتَقَدَّمَتْ بِحَذَرٍ نَحْوَالدب، فالتفت إليها وقال : هلْ تَتَفَضَّلِينَ بِتَمْشِيطِ فِرَائِي ؟ » فَأَسْرَعَتْ وَرْدَةُ ، وتَناوَلَتْ فُرْشَاةً، وَأَخَذَتْ فِي تَسْوِيَةِ فِرَاءِ الدُّبِّ ، عِنْدَئِدٍ تَقَدَّمَتْ زَهْرَةُ وَعَاوَنَتْ أَخْتَها، بَعْدَ أَنْ زَالَ الخَوْفُ والتَّرَدُّدُ مِنْ قَلْبَيْهِمَا . وَأَحَسَّتْ وَرْدَةُ أَنَّ الدُّبَّ أَصْبَحَ صَدِيقًا لَهَا، فَصَاحَتْ : « هَيَّا نَلْعَبُ أَيُّهَا الدب » .
قَالَ الدُّب : «أَنَا لَا أَعْرِفُ أَي لُعْبَةٍ ! »


فَالْتَفَتَتْ وَرْدَةُ إِلى أُمِّها وَقَالَتْ ضَاحِكَةٌ : « تَصَوَّرِي يَا أُمِّي .. إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَلْعَبُ ! فَابْتَسَمَتِ الأم وقالَتْ : «إِنَّهُ يَتَظَاهَرُ بِذَلِكَ فَقَطْ».


۱۲


قَالَتْ وَرْدَةُ : لِنَجْعَلِ الدُّبُ حِصَانًا ، وَصَاحَتْ زَهْرَةٌ ضَاحِكَةٌ : وتركَبُ فَوْقَهُ » .


صَاحَ الدُّبُّ فِي مَرَح : « أَرْجُو أَلَّا يَقْتُلَنِي هَذَا الثَّقَلُ». وَاعْتَلَتِ الْأَخْتَانِ ظهر الدب، وصاحَتْ وَرْدَةُ : «هيا يَا دُبُّ ». فَأَخَذَ يَسِيرُ بِهِمَا فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ ضَحِكَاتُهُما المَرِحَةُ الصَّافِيَةُ .


وَأَخَذَتِ الفَتَاتَانِ تَلْعَبَانِ مَعَ الدُّبِّ وَتَمْرَحَانِ ، وَإِذَا زَمْجَرَ مُدَاعِبًا، تَنْطَلِقانِ في ضَحِكَ مُجَلْجِلٍ ، وتَتَدَخْرَجَانِ مَعَهُ فَوْقَ البساط .


وَحَانَ مَوْعِدُ النَّومِ ، فَقَالَتِ الأم للدب : « أَيُّهَا الدَّبُّ الطَّيِّبُ، يُمْكِنُكَ البقاء هنا طُولَ اللَّيْلِ ، لِكَيْ لا تَتَعَرَّضَ لِلْبَرْدِ وَالمَطَرِ فِي الخَارِج ».


وَفِي فَجْرِ اليَوْمِ التَّالِي ، اسْتَيْقَظَ الدَّبُّ نَشِيطًا سَعِيدًا، فَفَتَحَتْ لَهُ زَهْرَةُ


الباب، في حين أَخَذَتْ وَرْدةً تُمَشْطُ لَهُ شَعْرَ فَرْوَتِهِ. وَعِنْدَمَا اسْتَعَدَّ لِلْخُرُوجِ ، قَالَتْ لَهُ الأم : «أَهْلًا وَسَهْلًا بِكَ فِي أَي وَقْتِ».


وَوَدَعَ الدُّبُّ الوَدُودُ أَفْرَادَ الأَسْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَاخْتَفَى بَيْنَ أَشْجَارِ الغَابَةِ، وَفِي مَسَاءِ نَفْسٍ اليَوْمِ ، عَادَ إِلَى بَيْتِ أَصْدِقَائِهِ .


وَاعْتَادَ الدُّبُّ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى البَيْتِ الصَّغِيرِ مَسَاءَ كُلِّ يَوْمٍ ، عِنْدَ حُلُول


الظلام . وَنَشَأْتُ بَيْنَ الدُّبِّ والبثْتَيْنِ صَدَاقَةٌ قَوِيَّةٌ، فَكَانَ يَسْمَحُ لَهُمَا


بِمُدَاعَبَتِهِ كَمَا يَحْلُو لَهُمَا وَهُوَ سَعِيدٌ رَاضِ، وَلَمْ يَكُنْ بَابُ البَيْتِ يُغْلَقُ أَبَدًا في المساء قبل أَنْ يَصِلَ الدُّبُّ الأَسْوَدُوتتابعت زيارَاتُ الدُّبِّ اللَّيْلِيَّةُ، إِلَى أَنْ بَدَا فَضْلُ الرَّبِيعِ ، وَأَعَادَتْ أَوْرَاقُ الأَشْجَارِ الجَدِيدَةُ إِلَى الغَابَةِ لَوْنَها الأخضر، عِنْدَئِذٍ قَالَ الدُّبُّ بأسف : ه يا أعزائي .. لَقَدْ حَانَ الآن وقْتُ رَحِيلِي ، يَجِبُ أَنْ أَتَغَيَّبَ فَتْرَةً، وَلَنْ أَعُودَ قَبْلَ بِدَايَةِ فَصْلِ الشَّتاءِ».


سالَتْ وَرْدَةُ فِي قَلَقٍ : «إِلَى أَيْنَ تَتْرُكْنَا أَيُّهَا الدُّبُّ العَزِيزُ ؟».


أجَابَ الدُّبُ : يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ فِي الغَابَةِ، لِأَحْرُسَ كُنُوزِي مِنْ رَجُلٍ شِرِّيرٍ، لَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنِ اسْتَولَى عَلَى جُزْءٍ كَبِيرٍ من ثروتِي، وَيُرِيدُ سَرِقَةَ بَقِيَّتِها إِن تُلُوجَ الشَّتَاءِ تَمْنَعُهُ مِنَ البَحْثِ عَنْ كُنُوزِي، أَمَّا فِي الرَّبِيعِ والصَّيْفِ، فَتَذُوبُ الثَّلُوجُ ، لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ لأخرس أموالي، وأبْعِدَهُ عَنْهَا ». وَكَمْ حَزِنَتْ وَرْدَةً وَزَهْرَةُ لِرَحِيلِ صَدِيقِهِمَا العزيز.


وَعِنْدَما فَتَحَتْ وَرْدَةُ البَابَ لِكَيْ يَخْرُجَ صَدِيقُهُنَّ الدَّبُّ اشْتَبَكَتْ خُصْلَةٌ مِنْ شَعْرِهِ فِي البَابِ، فَظَهَرَ جِلْدُ الدَّبِّ فِي مَوْضِعِ الشَّعْرِ الْمَنزُوعِ لامعًا بَرَاقًا مِثْلَ الذَّهَبِ .


ووقَفَتِ الفَتاتَانِ عِنْدَ بَابِ البَيْتِ تُلَوِّحَانِ مَوَدَّعَتَانِ لِصَدِيقِهِمَا، وَوَرْدَةُ تَقُولُ لِزَهْرَةَ فِي أَسف : « كَيْفَ سَنَقْضِي مَسَاءَ كُلِّ يَوْمٍ ، بِغَيْرِ أَنْ يَكُونَ صَدِيقُنا الدب بيننا ؟! . ‏DV‏


وَابْتَعَدَ الدُّبُّ، وَسَرْعَانَ مَا اخْتَفَى بَيْنَ الأَشْجَارِ.
بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ ، أَرْسَلَتِ الأم ابنتيها إِلَى الغَابَةِ، لِجَمْعِ بَعْضَ الْأَخْشَابِ اللازمة لِلْمَوْقِدِ. وَشَاهَدَتِ البِنْتَانِ فِي طَرِيقِهِمَا جِذْعَ شَجَرَةٍ ضَحْمًا، مُلْقَى على الأرض بَيْنَ النباتات الطويلة، وبجوارِهِ شَيْءٌ يَظْهَرُ ويَخْتَفِي مِنْ بَيْنِ الحشائش .


قَالَتْ وَرْدَةُ فِي دَهْشَةٍ : مَا هَذَا الَّذِي يَقْفِرُ إِلَى أَعْلَى وَإِلَى اسْفَلَ ؟ » .وتأملَتْ زَهْرَةُ المَنْظَرَ، ثُمَّ قَالَتْ : لَعَلَّهُ حَيَوانٌ مَرْبُوطٌ إِلَى جِذْعِ


الشَّجَرَةِ، يُحَاوِلُ التَّخَلُّصَ مِنْ قَيْدِهِ».


اقْتَرَبَتِ البنتانِ ، فَصَاحَتْ زَهْرَةُ : «إِنَّهُ القَزَمُ العَجُوزُ الَّذِي شَاهَدْنَاهُ مِنْ


نَافِذَةِ بَيْتِنَا .. إِنَّ لِحْيَتَهُ طَوِيلَةٌ جِدًّا.


وَشَاهَدَتِ البِنْتانِ الرَّجُلَ بِوُضُوحٍ ، كَانَ قَصِيرًا، ضَبْيلَ الحَجْمِ ، لَهُ وَجْهُ مُسِنٌ أَصْفَرُ، وَلِحْيَةً بَيْضَاءُ، يَبْلُغُ طُولُهَا مِنْ ذَقْنِهِ حَتَّى قَدَمَيْهِ.


صَاحَتْ وَرْدَةً : لَقَدِ انْحَشَرَ طَرَفُ لِحْيَتِهِ الطَّوِيلَةِ دَاخِلَ شَكٍّ فِي جِذْعِ الشجرة».


وكَانَ القَزَمُ يَنْطُ فَوْقَ الجِذْعِ مَرَّةً، وبِجوَارِ الجِذْعِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيَشُدُّ لحيته بعنف لإخْرَاجِ طَرَفِها مِنَ الشَّقِّ الَّذِي الْحَشَرَتْ فِيهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ .


قَالَتْ وَرْدَةُ : المِسْكِينُ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَ نَفْسِهِ».


صاحَ القَزَمُ فِى ضِيقٍ : لِمَاذَا تَقِفَانِ هَكَذَا كَالتِّمَاثِيلِ تُحَمْلِقانِ فِي ؟!


اقْتَرِبا لِمُسَاعَدَتِي » .


سألتْ زَهْرَةُ : « مَاذَا حَدَثَ لَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ القَصِيرُ ؟ )


صاح القَزَمُ فِي غَضَبٍ : كُنْتُ أَشُقُّ هَذَا


فَدَخَلَتْ لِحْيَتِي فِي


الشَّقِّ، وَأَمْسَكَ الجِذْعُ بها في قُوَّةٍ. هَيَّا .. تَوَقَّفِي عَنْ


هَذِهِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لا تُفِيدُ، وَسَاعِدِيني ».


وَتَضَايَقَتْ زَهْرَةُ مِنْ شَرَاسَةِ الرَّجُلِ وفَظَاظَتِهِ، لَكِنْ وَرْدَةَ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ ،وفَحَصَتْ جِذْعَ الشَّجَرَةِ عَنْ قُرْبٍ. وَأَثَارَ دَهْشَتَهَا ضَحَامَةُ الجِذْعِ ، فَلَمْ تَكُنْ تَتَصَوَّرُ أَنَّ لَدَى القَزَمِ الضَّئِيلَ تِلْكَ القُوَّةَ الهَائِلَةَ الَّتِي مَكَّنَتَهُ مِنْ شَقِّ الجذع . وَبِرَغْمِ دَهْشَتِها ، الْتَفَتَتْ إِلى أُخْتِهَا وَقَالَتْ : « هِيَا نُحَاوِلُ جَذْبَهُ مِنْ مَلَابِسِهِ يَا زَهْرَةٌ ، وَبِرَغْمِ ضِيقٍ زَهْرَةَ مِنَ الرَّجُلِ ، فَقَدْ أَمْسَكَتْ مَعَ وَرْدَةَ


بِمِعْطَفِ القَزَمِ ، وَأَخَذَنَا فِي جَذْبِهِ.


وَتَأَوَّهُ الرَّجُلُ القَصِيرُ ، وأَخَذَ يَصِيحُ : آه يا لِحْيَتِى .. إنَّها لَنْ تَخْرُجَ..لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الشَّقِّ». عِنْدَئِذٍ قَالَتْ وَرْدَةُ : « سَأَعُودُ جَرْيًا إِلَى المَنْزِلِ ، وَاسْتَدْعِي مَنْ يُساعِدُكَ. لَكِنَّ القَزَمَ صَاحَ سَاخِطًا : «أَيَّتُهَا الغَبِيَّةُ .. الا يَخْطُرُ عَلَى بَالِكِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِي وَالعَوْدَة إِلَى الْمَنْزِلِ ؟! » قَالَتْ زَهْرَةُ : «إِنَّ مَعِى أدواتُ التَّطْرِيزِ » . صَاحَ القَزَمُ : « مَاذَا سَتَصْنَعِينَ فِي لِحْيَتِي بأدوات التطريز ؟ قَالَتْ زَهْرَةٌ : كُنْ صَبُورًا».


وَمِنْ بَيْنِ أدواتها ، أَخْرَجَتْ زَهْرَةُ مِقَصَّا، وَأَسْرَعَتْ وقَصَّتْ بِهِ لِحْيَةً القَوْمِ ، فَخَلَّصَتْهَا مِنَ الشَّقِّ الَّذِي دَخَلَتْ فِيهِ. وَصَاحَتْ وَرْدَةً فِي حَمَاسِ : هَا قَدْ أَصْبَحْتَ حُبًّا».


لكِنَّ القَزَمَ صَاحَ بِهَا فِي غَضَبٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ يَتَأْمُلُ لِحْيَتَهُ الَّتِي أَصْبَحَتْ تَصِلُ إِلَى مُنْتَصَفِ سَاقَيْهِ : «آه يا لِحْيَتِي .. يا لحيتي الجميلة .. يا لحظى السَّيِّ الَّذِي أَوْقَعَنِي بَيْنَ أَيْدِيكُمَا .. كَيْفَ أَقْدَمْتُمَا عَلَى قَصْ جُزْءٍ مِنْ لِحْيَتِي التي أعْتَزُّ بِها أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيا ؟!.. لَقَدْ كَانَ طُولُهَا مِثْلَ طُولِي ، وَقَدْ ضَاعَ الآن رُبْعُها ! » .


انتابَتِ الفَتَاتَانِ دَهْشَةٌ بالِغَةٌ، وانْقَلَبَتْ سَعَادَتُهُمَا بِالْقَاذِ الرَّجُلِ ، إِلَى شُعُور بالأسف، بِسَبَبِ هَذِهِ الكَلِماتِ القَاسِيَةِ الَّتِي قَابَلَ بِهَا مَجْهُودَاتِهِمَا لإنقاذه. وهَمَسَتْ زَهْرَةُ لِوَرْدَةَ : هَذِهِ هِيَ نَتِيجَةُ صُنْعِ الخَيْرِ فِيمَنْ لا يَسْتَحِقُهُ ! ) ثُمَّ وَقَفَتْ مَعَ أُخْتِهَا تَرْقُبَانِ الرَّجُلَ فِي صَمْتٍ وَضِيقٍ، فَإِذَا بِهِ يَبْحَثُ بَيْنَ جُذُوعِ الأَشْجَارِ، إِلَى أَنْ عَثَرَ عَلَى كِيسَ كَبِيرٍ مِنَ الجِلْدِ، كَانَ قَدْ أَخْفَاهُ هُناكَ، ومِنْ فُتِحَةِ الكيس ، ظَهَرَتْ مِئات مِنْ قطع الذَّهَبِالصفراء اللامِعَةِ، وَأَسْرَعَ الرَّجُلُ يُخْفِي الذَّهَبَ، ويُغْلِقُ الكيس. ثُمَّ تَاهَبَ الرَّجُلُ لِيَحْمِلَ الْكِيسَ فَوْقَ ظَهْرِهِ، وَكَانَ وَاصْحًا أَنَّهُ اعْتَادَ القِيامَ بمِثْلِ هَذَا العَمَل فِي سُهُولَةٍ ويُسْرٍ، لَكنَّهُ عِنْدَمَا حَاوَلَ هَذِهِ الْمَرَّةَ حَمْلَ الكيس كما اعتاد، أفلَتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ ، وَنَظَرَ القَزَمُ إلى الكيس في دَهْشَةٍ وغَضَبٍ، ثُمَّ عَادَ فَانْحَنَى عَلَى الْأَرْضِ وَأَمْسَكَ بالكيس ، وَبَذَلَ جُهْدًا كَبِيرًا حَتَّى وَضَعَهُ فَوْقَ ظَهْرِهِ، فَانْحَنَى تَحْتَ ثِقَلِهِ انحناء شَدِيدًا .


وَأَدَارَ القَزَمُ ظَهْرَهُ لِلفَتَاتَيْنِ، وَابْتَعَدَ في بَطْءٍ بِسَبَبٍ ثِقَلَ حَمْلِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنطِقَ بِكَلِمَةٍ .


قَالَتْ زَهْرَةُ فِي غَضَبٍ : « لَقَدِ انْصَرَفَ دُونَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً شُكْرٍ وَاحِدَةٍ » . أَجَابَتْ وَرْدَةُ فِي هُدُوءٍ : لَقَدْ فَعَلْنَا مَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُومَ بِهِ، وَنَحْنُ لا تنتَظِرُ شُكْرًا عَلَى مُسَاعَدَةِ الْآخَرِينَ».


ويَبْدُو أَنَّ القَزَمَ سَمِعَهُما ، فَتَوَقَّفَ ، وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمَا، وَعَادَ يَصِيحُ : « اذْهَبَا فَوْرًا مِنْ هُنَا مُنْذُهُ قَلِيلٍ أَثَرْتُمَا غَضَبِى بِقَطْعِ لِحْيَنِي الَّتِي أَحْرِصُ عَلَى أَنْ


تظلُّ طَوِيلَةٌ جَمِيلةً ، وَالآنَ تُثِيرانِ غَيْظِي بِانْتِقادِ سُلُوكِي ! ..


وبهذه الكلماتِ البَعِيدَةِ تمامًا عَنْ أَى شُكْرٍ، ابْتَعَدَ وَهُوَ يُمْسِكُ الكِيسَ


جيدًا فَوْقَ ظَهْرِهِ المُنْحَنِي، وَيُرَدِّدُ فِي غَضَبٍ : « آه يا لحيتي الجميلة .. أه


يا لحيتي البيضاء الطويلة».
وَعِنْدَما رَجَعَتْ وَرْدَةً وَزَهْرَةُ إِلَى البَيْتِ، أَخْبَرَنَا أُمَّهُمَا بِمَا حَدَثَ، فَتَطلَعَتْ إِلَيْهِمَا الأم مُبْتَسِمَةٍ، وَقَالَتْ : أَشْكُرُ اللَّهَ أَنْ اعطاني بنتين


لا تَتَردَّدَانِ في صُنْعِ الخَيْرِ وَمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ، وَلَا يَهُمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُقَابِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُساعَدَتَكُما لَهُ بِالشَّكْرِ وعِرْفانِ الجَمِيلِ أَوْ بِالجُحُودِ ونُكْرَانِ


الجميل .
وبَعْدَ أَيَّامٍ ، أَرْسَلَتِ الأمُّ وَرْدَةَ وَزَهْرَةَ لَاصْطِيَادِ بَعْضِ السَّمَكِ مِنْ نَهْرٍ صَغِيرٍ بِالْغَابَةِ .


وَفِي أَثْنَاءِ اقْتِرَابِ الأَخْتَيْنِ مِنْ شَاطِئِ النَّهْرِ، شَاهَدَتَا شَيْئًا كَأَنَّهُ جَرَادَةٌ ضَخْمَةٌ تَتَواثَبُ عَلَى الشَّاطِئِ، وَتَهُم بِالْقَفْرِ إِلَى المَاءِ.


وَأَسْرَعَتِ البِنْتَانِ تَجْرِيانِ نَاحِيَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الغَرِيبِ، فَإِذَا بِهِمَا تَجِدَانِ القَزَمِ الَّذِي سَبَقَ أَنْ أَنْقَذَنَا لِحْيَتَهُ مِنْ شَقِّ الشَّجَرَةِ، يَقِفُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ،


يَصْطادُ السَّمَكَ بِقَصَبَةِ صَيْدِ السَّمَكِ.


سأَلْتُهُ وَرْدَة، وقد ملأتها الدَّهْشَةُ : « إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ تَذْهَبَ ؟ هَلْ سَتَقْفِرُ


إلَى المَاءِ وَأَنْتَ تَرْتَدِى مَلَابِسَكَ ؟! .


صاحَ القَزَمُ : لَسْتُ غَبِيًّا حَتَّى أُلْقِيَ بِنَفْسِي إِلَى الْمَاءِ بِمَلابِسِي ». ثُمَّ أشار إلى المَاءِ بِحَرَكاتٍ غَرِيبَةٍ وَقَالَ : «الا تُشَاهِدَانِ هَذِهِ السَّمَكَةَ الضَّخْمَةَ


الَّتِي أَمْسَكَ بِهَا خَيْطُ الصَّيْدِ ؟ إِنَّهَا تُحَاوِلُ سَحْيِي إِلى النَّهْرِ ! ».


وأَخَذَ الرَّجُلُ يَجْذِبُ الخيط إلى الشاطئ. وعلَى غَفْلَةٍ مِنْهُ، الْتَفَّ الخَيْطُ حَوْلَ شَعْرِ لِحْيَتِهِ الطَّوِيل . وفجأة، انْتَفَضَتِ السَّمَكَةُ، وَكَانَتْ ضَخْمَةً قَوِيَّةٌ،


وأَخْذَتْ تَجْذِبُهُ إِلَى المَاءِ مِنْ لِحْيَتِهِ الَّتِي اشْتَبَكَتْ مَعَ خَيْطِ الصَّيْدِ؛ فعاد


القَوْمُ يَصْرُخُ وَيُوَلُّولُ : «آه .. إِنَّنِي أَنْزَلِقُ .. سَأَغْرَقُ».


وشَاهَدَتِ الأختانِ السَّمَكَةَ الكَبِيرَة تَتَواثَبُ فِي المَاءِ عِنْدَ طَرَفِ الخَيْطِ،


والمَخْلُوقُ الصَّغِيرُ الحَجم لا يَسْتَطِيعُ جذبها مِنَ الماء، ولا يَسْتَطِيعُ أَنْ


يُخَلِّصَ لِحْيَتَهُ مِنَ الخَيْطِ الَّذِي الْتَفَّ حَوْلَها ، لِيَتْرُكَ السَّمَكَةَ تَهْرُبُ، أوتَغُوصُ حُرَّةً في المَاءِ. وَكُلَّمَا ابْتَعَدَتِ السَّمكَةُ عَنِ الشَّاطِئِ، سَحَبَتِ القَزَمَ


معها، فَيَزْدادُ اقْتِرَابًا مِنَ المَاءِ.


أَسْرِعَتْ وَرْدَةُ فَأَمَسْكَتْ بِذِراع الرَّجُلِ ، وَأَخَذَتْ تَشُدُّهُ بِكُلِّ قُوَّتِهَا لِإِبْعَادِهِ عَنْ حَافَةِ المَاءِ، فِي حِينِ اسْتَخْدَمَتْ زَهْرَةُ أَصَابِعَها بِمَهَارَةٍ تُحاوِلُ فَكَ خَيْطِ الصَّيْدِ مِنْ لِحْيَتِهِ، بِرَغْمَ ضِيقِها الشَّدِيدِ مِنْ سُلُوكِ القَزَمِ غَيْرِ المُهَذَّبِ. لكِنَّ اللَّحْيَةَ والخَيْطَ كَانَا مُتَشَابِكَيْنِ تَمامًا.


وَتَوقَّفَتْ زَهْرَةُ عَنْ مُحاوَلَتِها لتخليص شَعْرِ اللحية . مِنَ الخَيْطِ، وَصَاحَتْ جَيْدًا يَا وَرْدَةُ. سَاعِدِيهِ لِيَبْقَى بَعِيدًا عَنْ حَافَةِ
الماء».


وَصَاحَتْ وَرْدَةُ، وَهِيَ تَبْذُلُ كُلَّ جُهْدِهَا فِي جَذْبِ الرَّجُلِ بَعِيدًا عَنِ المَاءِ : « مَاذَا سَتَفْعَلِينَ يَا زَهْرَةٌ ؟ » .


وَلَمْ تُجِبْ زَهْرَهُ، بَلْ أَسْرَعَتْ تُخْرِجُ مِقَصَّا، وَقَصَّتْ جُزْءَ اللَّحْيَةِ الَّذِي اشْتَبَكَ مَعَ خَيْطِ الصَّيْدِ، وَعِندما تَخَلَّصَ القَزَمُ مِنْ خَيْطِ الصَّيْدِ، وَقَعَ هُوَ وَوَرْدَةُ عَلَى حَشَائِشِ الشَّاطِئ ، فِي حِينِ غَاصَتِ السَّمَكَةُ مَعَ الخَيْطِ في


أَعْمَاقِ النَّهْرِ.
وَقَامَ القَزَمُ من سَقْطَتِهِ ، فَصَاحَتْ وَرْدَةُ فِي سَعَادَةٍ وَهِي تُصَفِّقُ فِي مَرَح : ولَقَدْ أَنْقَذْنَاهُ.. لَقَدِ أَنْقَذْنَاهُ » ..


أسْرِعَ القَزَمُ يَتَحَسَّسُ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ صَوَّبَ بَصَرَهُ إِلَى الْمِقْصُ الَّذِي كَانَ لا يَزَالُ فِي يَدِ زَهْرَةَ. وَمَعَ أَنَّهُ عَرَفَ جَيْدًا أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ بِلِحْيَتِهِ كَانَ لِإِنْقَاذِ حَيَاتِهِ، فَقَدِ انْتَابَهُ غَضَبٌ شَدِيدٌ، وَصَاحَ فِي زَهْرَةَ : هَلْ يَدْخُلُ ضِمْنَ الأخلاق الحميدَةِ، أَنْ تُشَوِّهِي وَجْهَ إِنْسَانٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؟ لَقَدْ قَصَصْتِ لحْيَتي العزيزة الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. كَانَ طُولُها مِثْلَ طُولِي ، وَقَدْ ضَاعَ مِنْهَا الآن نِصْفُهَا .. إِنَّ لِحْيَتِى هِيَ .... وَعِنْدَ هَذِهِ العِبَارَةِ، سَكَتَ القَزَمُ فَجْأَةً عَنِ الكلام ، كَأَنَّهُ كَانَ سَيَبُوحُ بِسِرِّ خَطِيرٍ، وَعادَ يَصِيحُ فِي حُزْنٍ وغَضَبٍ : كيف أَسْتَطِيعُ أَنْ أَظْهَرَ أمام أهلى وَاصْدِقَائِي بِهَذَا الشَّكْلِ الْمُضْحِكِ ؟! ».


وتبادلت الأختانِ نَظَراتِ الدَّهْشَةَ لِهَذَا التَّصَرُّفِ الغَرِيبِ مِنَ القَرَمِ
الشرس ، لا تُصَدِّقَانِ أَنَّهُما تَسْمَعانِ تِلْكَ العِباراتِ الخَشِئَةَ القَاسِيَةَ مِنَ الرُّجُلِ الَّذِي أَنْقَذَنَا حَيَاتَهُ مِنَ الْغَرَقِ، فِي حين أَسْرِعَ القَزَمُ يُزِيحُ النباتات


الَّتِي عَلَى الشَّاطِئ، ويُخْرِجُ مِنْ بَيْنِها كيسًا كَبِيرًا.


لكن الكِيسَ انْفَتَحَ فَجْأَةً، وَتَدَفَقَتْ مِنْهُ حَبَّاتٌ مِنَ اللُّؤْلُةِ الثَّمِينِ الغَالِي . وانْدَفَعَ الرَّجُلُ القَصِيرُ يَجْمَعُ اللُّؤْلُو مِنْ عَلَى الأَرْضِ فِي سُرْعَةِ، وَيُعِيدُهُ إِلى


الكيس، محاولاً أنْ يُخْفِيهِ عَنْ عُيُونِ البِنتَيْنِ .


ثُمَّ أَخَذَ يُحاوِلُ رَفْعَ الكِيس لِيَضَعَهُ فَوْقَ ظَهْرِهِ وَلَا حَظَتْ وَرْدَةُ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ رَفَعَهُ بِالسُّهُولَةِ الَّتِي سَبَقَ أَنْ حَمَلَ بِهَا كِيسَ الذَّهَبِ، كَأَنَّمَا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ هَذِهِ المَرَّةَ، لِذلِكَ فَإِنَّهُ أَخَذَ يَجْذِبُهُ عَلَى الْأَرْضِ خَلْفَهُ، إِلَى أَن


اختَفَى وَرَاءَ صَخْرَةٍ عَالِيَةٍ .


وَعِنْدَ عَودَةِ الأَخْتَيْنِ إِلَى المَنْزِلِ ، عَرَفَتْ أُمُّهُمَا مَا حَدَثَ، وَأَحَسَّتْ أَنَّهُمَا تَتَأَلْمَانِ بِسَبَبٍ جُحُودِ ذَلِكَ الرَّجُلِ القَصِيرِ، فَطَوَّقَتْهُما بِذِرَاعَيْهَا، وَقَبَّلَتهُما
في حُبُّ وَحَنانٍ وَهِيَ تَقُولُ : ( لَقَدْ أَنقَذْتُمَا حَيَاتَهُ . وَأَنَا وَائِقَةً أَنَّكُمَا لَنْ تَتَرَدَّدَا


في إِنْقاذِ حَيَاتِهِ مَرَّةً وَمَرَّاتٍ أُخْرَى، مَهمَا فَعَلَ أَوْ قَالَ ..


وَقَدْ وَافَقَتْهَا وَرْدَةُ عَلَى مَا قَالَتْ ، أَمَّا زَهْرَةً، فَقَدْ قَطَّبَتْ جَبِينَهَا فِي ضِيقٍ !!




في اليوم التالي، أَرْسَلَتِ الأم ابنتيها إِلَى الْقَرْيَةِ المُجَاوِرَةِ لِشِرَاءِ إِبْرٍ وَخَيْطِ، وَخِلالَ الطَّرِيقِ ، لَاحَظَتِ الأَخْتَانِ أَنَّ هُناكَ نَسْرًا كَبِيرًا يُحَلِّقُ فِي الهَوَاءِ، وَيَدُورُ بِبُطْءٍ فَوقَهما . كَانَ الطَّائِرُ الهَائِلُ يَهْبِطُ إِلَى أَسْفَلَ، ثُمَّ يَعُودُ إلى الارتفاع . وَتَأَمَّلَتْ وَرْدَةُ الطَّائِرَ في دَهْشَةٍ ، ثُمَّ قَالَتْ : « إِنِّي أَعْجَبُ ... لِمَاذَا يَطِيرُ هَذَا النَّسْرُ الضَّخْمُ ، بهذا الشكل الدَّائِرِي ؟ ، أَجَابَتْ زَهْرَةً وَهِيَ تَتَطَلُعُ إِلَى حَرَكاتِ الطَّائِرِ : «لابدَّ أَنَّهُ يُطَارِدُ شَيْئًا مَّا وَفَجْأَةً انْقَضَ النَّسْرُ عَلَى مَكان بجوار صَخْرَةٍ لا تَبْعُدُ عَنْهُمَا كَثِيرًا، وفِي الحَالِ سَمِعَتِ البِنْتانِ صَرْحَةَ اسْتِغاثَةٍ حَادَّةٍ .


اندفعت الأخْتَانِ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ ، فَشَاهَدَنَا، وَهُمَا فِي غَايَةِ الفَزَعِ ، ذلِكَ الطَّائِرَ الهَائِلَ، وقَدِ انْقَضَّ عَلَى القَوْمِ نَفْسِهِ. كَانَ القَزَمُ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْتَمِي بِصَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ، لكنَّهُ لَمْ يَنْجَحْ فِي إِخْفَاءِ لِحْيَتِهِ. وَأَنْشَبَ الطَّائِرُ مَخالِبَهُ فِي شَعْرِ اللَّحْيَةِ، وأَخَذَ يَجْذِبُ القَزَمَ مِنْهَا، لِيُخْرِجَهُ مِنْ تَحْتِ


الصَّخْرَةِ الَّتِي احْتَمَى بِهَا ، والقَزَمُ يَصْرُحُ ويَسْتَغِيثُ.


وَأَخِيرًا نَجَحَ الطَّائِرُ في جَذْبِ الرَّجُلِ بَعِيدًا عَنِ الصَّخْرَةِ، وَكَادَ يُوشِكُ أن يَحْمِلَهُ وَيَطِيرُ بِهِ عَالِيًا، إِلَّا أَنَّ الأَخْتَيْنِ رَقِيقَتَي القَلْبِ أَسْرَعَنَا، وَتَعَلَّقَنَا بالرجل القصير، وأَخذْنَا تَجْذِبَانِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَالطَّائِرُ يُحاوِلُ الارتفاع -
بالقرمِ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ ثِقَلُ البِنتَيْنِ. وفجأةً تَذَكَّرَتْ زَهْرَةُ المِقَصَّ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ جَيْبِهَا، وَقَصَّتْ بِهِ جُزْءَ اللَّحْيَةِ الَّذِي تَشَبَّئَتْ بِهِ مَخالِبُ النَّسْرِ، فَسَقَطَ القَزَمُ مَعَ البِنْتَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَطَارَ النَّسْرُ مُبْتَعِدًا ، القَوْمِ لَمْ يَكُن : قَدْ بَقَى مِنْهَا وأَصْبَحَ طُولُها لا يكادُ يَصِلُ إِلَى مُنْتَصَفِ صَدْرِهِ. أَكْثَرَ مِنْ رُبع طولها ،


ومَا إِنْ أَفَاقَ القَزَمُ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي كَانَ قَدْ تَمَلَّكَهُ، حَتَّى وَقَفَ، وَأَخَذَ يتَحَسَّسُ مَا بَقِيَ مِنْ لِحْيَتِهِ، غَيْرَ مُهْتَمَّ بِمَلابِسِهِ الْمُمَزَّقَةِ الَّتِي فَقَدَتْ كُلَّ نظامها، وَامْتَلَا غَضَبًا، وَصَاحَ في الأخْتَيْنِ : «لَقَدْ قَصَصْتُمَا لِحْيَتِي لِلْمَرَّة الثَّالِثَةِ .. أَنْتُمَا تَقْصِدَانِ قَصَّ كُلِّ لِحْيَتِى ! كَانَ طُولُهَا مِثْلَ طُولِي وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا الآن إِلَّا رُبْعُها أَنْتُمَا مُؤْذِيَتَانِ شَرِّيرَتانِ » .


قالَتْ زَهْرَةُ لِوَرْدَةَ : « كُنْتُ أَظُنُّهُ سَيَغْضَبُ هَذِهِ المَرَّةَ لأَجْلِ مَلَابِسِهِ، الَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى خِرَقٍ بَالِيَةٍ لا نَفْعَ فِيهَا ، لَكِنَّهُ لا يَغْضَبُ إِلَّا بِسَبَبٍ لِحْيَتِهِ ! ) قَالَتْ وَرْدَةُ : «لابدَّ أَنَّ هُنَاكَ سِرًّا لَا نَعْرِفُهُ، يَتَعَلَّقُ بِلِحْيَتِهِ هَذِهِ ! ».


وترك القَزَمُ الفَتاتَيْنِ، وَجَرَى نَاحِيَةً حَقِيبَةٍ مَفْتُوحَةٍ، كَانَ يُخْرِجُ مَا بِهَا مَنْ ماس وأحجارٍ ثَمِينَةٍ، عِنْدَمَا فَاجَأَهُ النَّسْرُ.


كَانَتْ أَشِعَةُ شَمْسِ الغُرُوبِ الذَّهَبِيَّةِ تَسْقُطُ عَلَى قِطَعِ المَاسِ وَالْأَحْجَارِ الكَرِيمَةِ، فَتَتلالًا وَتَلْمَعُ بأضواء باهِرَةٍ، كَأَنَّهَا مِئَاتُ النُّجُومِ السَّاطِعَةِ . وَوَقَفَتِ الفَتَاتَانِ بِغَيْرِ حَرَكَةٍ تُحَمْلِقَانِ فِيهَا ، فلم يَسْبِقُ لَهُمَا رُؤْيَةُ جَواهِرَ في مثل ذَلِكَ الجمال .
وعِنْدَمَا وَجَدَ القَزَمُ الأَخْتَيْنِ تَتَأَمَلانِ الأَحْجَارَ الثَّمِينَةَ فِي إِعْجَابِ وَدَهْشَةٍ، انْدَفَعَ بِسُرْعَةٍ يَجْمَعُ كَنْزَهُ، ويَضَعُهُ دَاخِلَ حَقِيبَتِهِ لَكِنَّهُ عِنْدَمَا حَاوَلَ حَمْلَ الحقيبة، أو حَتَّى جَذْبَهَا خَلْفَهُ ، تَعذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَأَنَّمَا فَقَدَ مُعْظَمَ قُوَّتِهِ، فاكتفى بأن جَلَسَ فَوْقَها، وأدارَ ظَهْرَهُ لِلأَخْتَيْنِ.


كانتْ زَهْرَةً وَوَرْدَةُ قَدِ اعْتادَنَا مِنْهُ أَلَّا يَشْكُرَهُما عَلَى مَعْرُوفٍ تُقَدِّمَانِهِ إِلَيْهِ، فلم تتوقع أيتهما أَنْ تَسْمَعَ مِنْهُ كَلِمَةً طَيِّبَةً، لَكِنَّ وَرْدَةَ هَمَسَتْ لِاخْتِها : كلما قابلنا هَذَا الرَّجُلَ ، أَجِدُ قُوَّتَهُ تَضْعُفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَنْ سَابِقَتِها » .


ويرَغْمِ صَوْتِهَا الخَافِتِ، فَقَدْ سَمِعَها القَزَمُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمَا، وَقَدْ تَحَوَّلَ لوْنُ وَجْهِهِ إِلَى الأَحْمَرِ القُرْمزِى بِسَبَبِ شِدَّةِ الغَضَبِ. وَأَخَذَتِ الكَلِمَاتُ غيرُ اللَّائِقَةِ تَتَناثَرُ مِنْ فَمِهِ، مُتَّهِمَا الفَتَاتَيْنِ بِكُلِّ سُوءٍ


وسارعتِ الأَخْتَانِ فِي طريقهما إلى القَرْيَةِ ، وقَدْ شَغَلَهُما هَذا التَّغير الذي لاحظتاه على قوة الرَّجُلِ ضَئيل الحجم، حتى إنه اضطر إلى الاكتفاء بالجلوس غير قادر على تحريكِ حقيبة مجوهراتِهِ مِنْ مَكَانِها :


كما أثار انتباههما ، كثرة حَشَراتِ النَّحْلِ الَّتِي كَانَتْ تَرُوحُ وَتَجيءُ فِي طريقهما، فَقَالَتْ وَردة : «لا شَكٍّ أنَّ زُهُورَ شَجَرَة فَاكِهَةٍ قَدْ تفتحت بالقرب مِنْ هُنَا عِنْدَئِذٍ أَشَارَتْ زَهْرَةُ إِلَى مِئَاتٍ مِنَ النَّحْلِ قَدْ تَكَدَّسَ بَعْضُهُ فَوقَ بعض ، مُعلَّقًا في فرع شَجَرَةِ، وقالَتْ : بَلْ هِيَ خَلِيةٌ نَحْل جَدِيدةً، ستبدأ حياتها من هنا .
وفي أثناء عودتهما بعد شراء الإبر والخيط، فوجئنا بالنحل قد أحاط بالقزم ، يلدغه هنا وهناك ، والقزم يصيحُ كالمَجْنُونِ : « سَيَقْتُلَنِي هَذَا النَّحِلُ . الكسول، نحل لا عَسَل عنده، ويُريد قتلى !! » وفهمتِ الأَخْتَانِ أَنَّ القَزم حَاوَل أَخْذَ بَعْضَ العَسَلَ مِنْ خَلِيَّةِ النَّحلِ الجَدِيدَةِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّ النَّحْل لمْ يَبْدَأَ مِنْ بَعْدُ فِي صُنْعِ أَقْرَاصِ الشَّمْعِ الخَاصَّةِ بمسكنه الجديد، فانقض عليه النحل يَلْدَعَهُ، مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ.


وقبل أن تُفكّر الأختان في وسيلة لإنقاذ الرَّجُل، صَاحَ بِهِما : « إِيَّاكُما والتفكير فى مساعدتي ، يكفيني ما فعلتماه حتى الآن بِلِحْيَتِي، ابتعدا عنى


أيتها الشريرتان ! )


في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، حَدَثَ شَيْءٌ مُفَاجِي، جَعَلَ الكَلِمَاتِ تَتَجَمَّدُ عَلَى شفتي القَزَمِ، وَالفَزَعُ يُطِلُّ مِنْ عَيْنَيْهِ.


لقَدْ سَمِعَ الجَمِيعُ صَوْتَ زَثِيرٍ مُخِيفٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الأَشْجَارِ المُجَاوِرَةِ دُبُّ أَسْوَدُ كَبِيرٌ، تَقَدَّمَ نَحْوَهُم بِسُرْعَة.


تَرَكَ القَزَمُ حَقِيبَةً مُجَوْهَرَاتِهِ وَمَاسَاتِهِ، وَقَفَزَ صَارِفًا فِي رُعْبٍ شَدِيدٍ وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِهِ الَّذِي كَانَ أَحْمَرَ مِنَ الغَضَبِ إِلَى اللَّوْنِ الأَبْيَضُ الشَّاحِبِ بِسَبَبِ الخُوْفِ وقَبْلَ أَنْ يَجِدَ القَزَمُ وقتًا لِلْهُرُوبِ، كَانَ الدُّبُّ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ، ورَفَعَ كَفَّهُ الضَّخْمَ، ذَا المَخالِبِ الْقَاتِلَةِ، فَوْقَ رَأْسِهِ.


وفي صَوْتٍ مُضْطَرِبٍ، رَكَعَ القَزَمُ أَمَامَ الدَّبِّ، وَأَخَذَ يَتَوَكَّلُ إِلَيْهِ قَائِلًا أيُّها السَّيِّدُ الدُّبُّ ، اصْفَحْ عَنِّى . سَاعِيدُ إِلَيْكَ كُلَّ أَمْوَالِكَ، وَأَمْنَحُكَ أَيْضًا كل كُنُوزِى أَنْظُرْ إِلَى هَذِهِ الحَقِيبَةِ، إِنَّهَا مَمْلُوءَةً بِالْمَاسَاتِ وَالْأَحْجَارِ
الكَرِيمَةِ، سَتَكُونُ كُلَّهَا لَكَ إذا أَبْقَيْتَ عَلَى حَياتِي ، لن تشبع بالتهام . شخص هَزِيلٍ مِثْلِي ! اتْرُكْنِي وَخُذْ هَاتَيْنِ البِنْتَيْنِ، فَتَتَمَتَّعَ بِوَجْبَةٍ شَهِيَّةٍ،


وتُخلص العَالَمَ مِنْ سُوءِ أَدَبِهِمَا ».


لَكِنَّ الدُّبَّ لَمْ يُلْقِ بَالاً إِلَى كَلِماتِ القَزَمِ ، وَهَوَى بِكَفِّهِ الهَائِلَةِ عَلَى المَخْلُوقِ الشَّرِّيرِ، وَلَعَمَهُ لَطْمَةً وَاحِدَةً قويةً ، جَعَلَتْهُ يَطِيرُ في الهَوَاءِ عَلَى شكل قوس كَبِيرَةٍ، وَيَخْتَفِي عَنِ الأنظارِ تَمَامًا، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ أبدا.


لمْ تَفْهَمْ وَرْدَةً وَزَهْرَةُ مَا سَمِعَنَا، وَمَلَاهُمَا الخَوْفُ، فَأَمْسَكَتْ كُلُّ مِنْهُمَا بالأخرى، وَقَدْ أَغْلَقَنَا عُيُونَهُما ، وكانَتا عَلَى وَشْكِ الْعَوْدَةِ إِلَى البَيْتِ جَرْيًا، لَكِنَّهُما سَمِعنا صوتا مألوفًا يَقُولُ لهما في رِقَةٍ : « يَا وَرْدَةُ .. يا زَهْرَةُ .. أَنتُما في أمان .. افتحا عُيُونَكُمَا، هَلْ نَسِيتُمَا صَدِيقَكُمَا الَّذِي لَا زَمَكُما خِلَالَ لَيَالِي الشَّتَاءِ الطَّوِيلَةِ ؟ » .


وعِنْدَمَا فَتَحَتْ وَرْدَةً وَزَهْرَةُ عُيونهما، لمْ يُشَاهِدًا ذُبًا، بَلْ فَتًى رَشِيقًا - وسيمًا، يرتدى ملابس مُطَرَّزَةً بِخُيُوطِ الذَّهَبِ، وَجِلْدُ الدُّبُ مُلْقَى عَلَى الأَرْضِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ .


قال الفتى الوسيم للبنتين، وقد انتابتهما دَهْشَةٌ شَدِيدَةٌ : « أَنْتُمَا تَعْرِفانِي في شكل الدب الأسْوَدِ الَّذِى صادقتُمَاهُ طوالَ أَيَّامِ الشَّتَاءِ، أَنَا أَمِيرُ هَذِهِمطاردَتِهِ دَاخِلَ الغَابَةِ لأَسْتَرِدَّ ثَرُونِي ، حَوَّلَنِي إِلَى دُبُّ مُتَوَحِّشٍ ، لَكِنَّ قوتَهُ كانت تَضْعُفُ كُلَّما صَارَتْ لِحْيَتُهُ أَقْصَرَ ، والفَضْلُ لَكُمَا فِي هَذَا، فَقَدْ قَصَصْتُمَا لِحْيَتَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِدَافِع مِنْ نُبْل أَخْلاقِكُما، وحُبِّكُما لِمَسَاعَدَةِ الآخرين. وبهذا اسْتَطَعْتُمَا تَحْرِيرِى مِنَ قُوَّتِهِ الشَّرِّيرَةِ، وَعِنْدَمَا تَغَلَّبْتُ عَلَيْهِ الآن، زالَ عَنِّى كُلِّ أَثَرٍ لِقُوَّتِهِ وسِحْرِهِ، وعُدْتُ كما كُنْتُ، لقد نال عِقَابَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُهُ .




وعاد الثلاثَةُ مَسْرُورِينِ إِلَى بَيْتِ زَهْرَةً وَوَرْدَةَ، وَأَخْبَرَ الشَّابُ أُمَّهُمَا بِأَنَّهُ الأميرُ الَّذِي اخْتَفَى مُنْذُ عِدَّةِ أَشْهُرٍ. ثم قالَ لَها : «لَنْ أَعُودَ بَعْدَ اليَوْمِ ضَيْفًا عَلَيْكُنَّ ، بَلْ سَأَصْبِحُ مِنَ الآن ابْنَا لَكِ، لأنَّني أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ وَرْدَةً زَوْجَتِي ».


ثُمَّ الْتَفَتَ يا زهرةُ، وَسَتَذْهَبُ لِنَعِيشَ جَمِيعًا في قصرنا الكبير». إلى زَهْرَةً وقَالَ : ( وَأَخِي يَبْحَثُ عن زوجةٍ مُخْلصَةٍ مِثْلِكِ


وعاد الأمير إِلَى قَصْرِةِ. واسْتَردَّ كنزهُ العَظِيمَ بَعْدَ اخْتِفَاءِ القَزَمِ ، وأَقامَتْ جَمَاهِيرُ الشَّعْبِ احتفالات رائعة في كُلِّ أَنْحَاء البلاد، ابتهاجا بعودة أميرهم المَحْبُوبِ، وَزَواجِهِ مِنْ وَرْدَةَ، وَزَواج أَخِيهِ مِنْ زَهْرَةً.


وعاش الجَمِيعُ فى سعادةٍ وهَنَاءٍ ، يُقَلِّلُهُمُ الحُب، والرَّغْبَةُ فِي إِسْعَادِ كُلِّ الناس .


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

This type is pr...

This type is provited with 3phase double Layer distributed windings consisting of Coils as used in a...

زَرَعَ زياد قُر...

زَرَعَ زياد قُرْبَ مَنْزِلِهِ شَجَرَةَ زَيْتون. وَيَتَناوَلُ زادَهُ مِنْ خُبْزٍ طازَجٍ وَزَيْتٍ وَزَ...

Family Values a...

Family Values and Society Saudi Arabia has many assets.Saudi Arabia provides families with support f...

The instrument ...

The instrument demonstrates strong content correspondence with the diagnostic criteria from which it...

بحضور سمو الشيخ...

بحضور سمو الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة، وزير ديوان رئيس مجلس الوزراء، رئيس الهيئة العليا لناد...

أولاً: مفهوم ال...

أولاً: مفهوم الفقه الإسلامي الفقه الإسلامي في اللغة يعني الفهم والعلم بالشيء، أما في الاصطلاح فهو ا...

# «كورانوم بروت...

# «كورانوم بروتوكول» تجمع 4.5 مليون دولار من Archer Capital وTidal Capital وAstra Capital **دنفر، ك...

الواجب3 1. Esse...

الواجب3 1. Essential Components of Pre-Departure Training Pre-departure training (PDT) is a core fun...

التكفل الجيد بي...

التكفل الجيد بي ذوي الدخل المحدود والمحرومين والفئات الهشة بإشراك جميع الفاعلين من جمعيات ذات طابع ا...

فيما يلي الصيغة...

فيما يلي الصيغة النهائية للمراسلة الإدارية، بعد إدراج جميع التعديلات والاقتراحات المتفق عليها، بأسلو...

أسهم التطور الت...

أسهم التطور التكنولوجي في الانتقال من التصميم التقليدي إلى التصميم الرقمي من خلال ظهور الحواسيب وبرا...

في مدخل الحمراء...

في مدخل الحمراء كان لقاؤُنا ما أطيب اللقيا بلا ميعاد عينان سوداوان في حجريهما تتوالد الأبعاد من أبعا...

Tech news