لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (15%)

(تلخيص بواسطة الذكاء الاصطناعي)

لاهوت الفداء لدى تيّار دو شاردان: التركيز على البعد الإيجابيّ

يتناول هذا النصّ فكر تيّار دو شاردان في لاهوت الفداء، مُركّزًا بشكلٍ خاصّ على البعد الإيجابيّ للفداء، أيّ انتصار المسيح على قوى الشرّ، مُهمّلًا جزئيًّا البعد السلبيّ للفداء المتمثل في تكفير المسيح عن خطايا العالم.

يرى تيّار أنّ الفداء هو جهدٌ خلاّقٌ، ويشرح أنّ مشكلة الشرّ تُصبح أكثر وضوحًا في عالمٍ يتطوّر، حيث يُصبح الشرّ عدم اكتمالٍ للمخلوق، تنظيمًا غير مكتملٍ لخليقةٍ تتقدّم نحو أعلى درجات الوحدة.

يُقرّ تيّار بوجود حرّيّة الإنسان في اختيار الخير أو الشرّ، لكنّه يُشير إلى أنّ الخطيئة هي ضرورة إحصائيّة في مسار الوحدة، ويرى أنّ "جهنّم" هي الملازمة الطبيعية للسماء، نتيجة حتمية لعدم اكتمال التطور.

وتوضّح أفكاره حول جهنّم أنّها ليست عقابًا أبديًّا، بل هي انعكاس للانفصال عن الوحدة في الله، وهو انعكاس ضروري لتعظيم تقدير وحدة الله.

يشكّك تيّار في التركيز المُبالغ به على ذنب الإنسان والعقابات الأبديّة في العقيدة المسيحية التقليدية، مُشيدًا بالنموّ المُستمرّ للحرّيّة والمسؤوليّة في المجتمع البشريّ المُتطوّر.


النص الأصلي

لاهوت الفداء لدى تيار دو شاردان
ROBERT L. FARICY, SJ.
للاهوت الفداء في العهد الجديد جناحان: وجهة نظر ما يمكن تسميته أبعاد الفداء السلبيّة والإيجابيّة. البعد السلبيّ للفداء هو تكفير المسيح عن خطايا العالم، «المسيح مات من أجل خطايانا كما ورد في الكتب» . والبعد الإيجابيّ يكمن في أنّ الفداء هو انتصار على قوى الشر. «فحِينَ كُنَّا قاصِرين، كُنَّا في حُكْمِ أَرْكانِ العالَمِ عَبيدًا لَها. فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي» . «بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب» . وقد أعار لاهوت الفداء حتّى آخر زمن الآباء انتباهًا إلى البعد السلبيّ أكثر من الانتباه إلى البعد الإيجابيّ. ويلحّ تيّار دو شاردان في تفكيره بفداء المسيح على البعد الإيجابيّ أكثر، من دون أن يهمل فكرة الفداء والتكفير عن الخطايا.
يحاول تيّار أن يصيغ بدايات لاهوت الفداء الذي يشعر به من خلال الإجابة عن أسئلة معاصريه وحاجاتهم، فيلحّ بتفكيره اللاهوتيّ على الجانب البنّاء في الفداء، الانتصار على قوى الشر، وهذا يفسح مجالاً أوسع من اللاهوت السابق لإيجاد مكان للإنسان في مسار الفداء، ومجال أوسع لمشاركة الإنسان الفاعلة والمنفعلة في فداء العالم. ويرى تيّار أنّ وجهات النظر الماضية ألحّت إلحاحًا شديدًا على الجانب المظلم، الجانب السلبيّ من الفداء، ويحاول أن يقترح وجهة نظر تلحّ أكثر على البعد الإيجابيّ.
«وفي شأن عقيدة التجسّد، فإنّ الفكر المسيحيّ والتقوى المسيحيّة ألحّا حتّى الآن، ولأسبابٍ تاريخيّة واضحة، على فكرة التكفير والتعويض. فالمسيح قبل كلّ شيء هو حَمَل الله الحامل خطايا العالم، والعالم كتلة بشرٍ ساقطة. ولكن منذ البداية كان هناك وجه آخر للعملة، عنصر آخر – عنصر إيجابيّ – لإعادة البناء أو إعادة الخلق. سماء جديد وأرض جديدة. كانت هذه هي المكافأة الناتجة عن ذبيحة الصليب، حتّى في نظر القدّيس أوغسطينُس.
لم يتصوّر أحد – بل لا يناسب... تطوّر العقيدة، أن ينعكس بعدا قدرة المسيح، البعدان الإيجابيّ والسلبيّ، من ناحية الأهمّيّة، وحتّى من ناحية ترتيبهما الطبيعيّ في منظور المؤمنين وتقواهم، مع أنّ الروح القدس يقودهم.
بضغطٍ من الأحداث المعاصرة والاكتشافات، ينشدّ في زماننا انتباه أتباع الإنجيل إلى عالمنا المحسوس وتأثيره. وبالتالي ظهر تجدّد «أنسنيّ» في الدين، تجدّد لا يرفض بأيّ طريقةٍ من الطرائق جانب الأمور المظلم، ولكنّه يلحّ على الجانب المضيء في الخليقة. فنحن نشهد اليوم ونشارك في نهضةٍ مسيحيّةٍ متفائلة لا تقاوَم. فما هو ردّ فعل هذا التفاؤل على الأشكال التي اتّخذتها عباداتنا؟
أوّلاً، يبدو أنّ المسيح يجذبنا أكثر فأكثر لكونه قائدًا وملكًا أكثر منه فاديًا للعالم. إنّها عمليّة تنقية بدون شك، ولكنّها في الآن نفسه إحياء. فهاتين الوظيفتين، ومع أنّهما تظلاّن مستقلّتين، تخاطبان قلوبنا وكأنّهما مرتبطتَين وتتمتّعان بقوّة متساوية.
ولكنّ هذا الموقف مرحليّ على ما يبدو... فالانتشار الدينيّ والاندفاع الذي نشهده واعين له أو غير واعين لم يأتِ من تجديدٍ خريستولوجيّ، حيث انتقلت فكرة التكفير إلى المرتبة الثانية، بغضّ النظر عن مقدار الحفاظ عليها كاملةً، بل أتى بحكم نظام الطبيعة وعمل الكلمة المتجسّد الافتدائيّ. أوّلاً، لاقتياد الخليقة إلى اكتمالها في الاتّحاد بالألوهة، وثانيًا، ولأجل هذه الغاية، لإزالة قوى الشرّ المؤدّية إلى التراجع والتشتّت. فلم تعد المكانة الأولى للتكفير ومن ثمّ للإصلاح، بل أوّلاً للخلق – أو لإعادة الخلق بشكلٍ كامل – فلأجل هذه الغاية، وكنتيجة حتميّة، يجب مقاومة الشرّير.
مع هذا المفهوم... لا يبدو الصليب رمزًا للتكفير عن الخطيئة، بل نهوضًا وقيامةً شاقّة للخليقة... وسيبدو لنا حَمَل الله يحمل، مع ثقل الخطيئة، ثقل تقدّم العالم؛ وأفكار الغفران والذبيحة ستغتني بأبعاد الاكتمال والفتح» .
إنّ هذا النصّ الطويل لتيّار يعطينا فكرة عمّا يسعى إلى فعله في لاهوته للفداء. فهو يرى الفداء أوّلاً جهدًا خلاّقًا، وانتصارًا إيجابيًّا على قوى الشر. لذلك نستطيع إذا وضعنا فكرة تيّار العامّة في ذهننا أن نحدّد الخطوط العامّة لتفكيره في طبيعة الشرّ ومشكلته.
مشكلة الشر
الشرّ في الفلسفة الأكوينيّة التقليديّة هو فقدان الكيان. إنّه اللا كيان، عوز في الكيان الذي ينبغي للمخلوق أن يتمتّع به. ويرى تيّار الشرّ على أنّه عدم اكتمالٍ للمخلوق، تنظيم غير مكتملٍ لخليقةٍ تتقدّم نحو أعلى درجات الوحدة. ففي الكون الثابت كما تصوّره فلاسفة العصور الوسيطة، كان من المستحيل أن تُعطى أيّ إجابةٍ واقعيّة ومُرضية عن مشكلة الشرّ، وعن السؤال: «لماذا يوجد شرّ في العالم؟». يمكننا وصف الشرّ على أنّه اللا كيان، ولكنّنا لا نستطيع أن نبرّر هذا الوجود. وإذ نرى الآن الكون في حالة تطوّر، صار يمكن شرح الشرّ جزئيًّا على الأقل.
في عالمٍ يتطوّر، «ولأسبابٍ إحصائيّة عصيّة على الفهم، وعلى كلّ المستويات – حقبة ما قبل الحياة والحياة وظهور الوعي – يستحيل ألاّ يكون هناك بعض الفوضى أو الخلل في التنظيم وفي التعدّديّة التي تتحرّك تدريجيًّا نحو أعلى درجات التنظيم» . ففي نظام التطوّر، لا بدّ من أن يحدث خلل وتعارض في كلّ تقدّمٍ في التنظيم والترتيب. لذا فالشرّ هو أثر ثانٍ، مُنتَجٌ دونيّ لا بدّ منه في تقدّم كونٍ يتطوّر. هذا هو موقف تيّار الأساسيّ في مشكلة الشر، وقد عبّر عنه بطريقةٍ عامّة ومجرّدة. فلنلقِ نظرة أقرب إلى هذا الموقف، لنرى بعض نتائجه على لاهوت الفداء.
يمكننا أن نفهم بوجهٍ أفضل فعل الله في الخلق إذا اعتبرناه مسارًا تدريجيًّا سواء للخلق أو للتوحيد. فتيّار يرى الخلق كاختزالٍ تدريجيّ للمتعدّد في الموحّد. فقدتمّ التعبير عن فعل الخلق عند الله من خلال انطلاق تطوّر الكون، وهو كون يتحرّك تدريجيًّا عبر مراحل أساسيّة نحو الوحدة والملء، وسيكتمل حين تتّحد كلّ الأشياء بالمسيح. فإذا اعتبرنا الخليقة مسارًا طويلاً نحو وحدة الكائنات عبر تعدّديّةٍ لا متناهية، ومساراتٍ لا متناهية عبر العصور، تسلك طريقًا قوامه ازدياد التنظيم باتّجاه الخلاصة النهائيّة في المسيح، فإنّ مشكلة الشرّ تكفّ عن أن تكون، بحسب تيّار، مشكلة حقيقيّة. «في التصوّر القديم للكون، الذي يُعتقَدُ بأنّه أتى جاهزًا من يد الخالق، من الطبيعي أن تبدو المصالحة بين العالم السيّء جزئيًّا وبين وجود إلهٍ هو في الآن نفسه صالح وكلّيّ القدرة صعبة» . ولكنّ هذه المشكلة تختفي في عالمٍ يكون في حالة تطوّر وصيرورة؛ لا بسبب خللٍ ما في كلّيّة قدرة الله، بل بسبب البنية الحقيقيّة للفراغ نفسه – الذي نعتبره تعدّديّة لامتناهية – بحيث يستطيع الله أن يتصرّف حين يخلق بطريقةٍ واحدة فقط.
«لقد قام الله بترتيبٍ وتوحيدٍ تدريجيّ، من خلال تأثيره الجذّاب واستعماله لتركيباتٍ عشوائيّة أظهرت أعدادًا كبيرة من الكائنات، وربواتٍ من العناصر، كانت أقلّه في البداية كثيرة جدًّا وبسيطة جدًّا، وتعمل بطريقةٍ لا واعية، ثمّ صارت أقلّ وأشدّ تعقيدًا، ونالت في آخر الأمر العقل. والآن، أليس الوجه الآخر للعملة الذي لا بدّ منه لأيّ نجاحٍ نناله بسلوك مسارٍ من هذا النوع هو ضرورة دفع كمّيّةٍ من الخسارة ثمن هذا النجاح؟ إنّه الشواذ أو تحلّل مادّة ما قبل الحياة، الألم بين الأشياء الحيّة، الخطيئة في مضمار الحرّيّة. ليس هناك نظام في مسار التكوّن لا يتضمّن فوضى في كلّ مرحلةٍ من مراحل المسار. ما من شيءٍ... في ظروف مشاركة الكائنات هذه يقلل من كرامة الخالق أو كلّيّة قدرته. ما من شيءٍ يحمل مذاق المانيكانيّة [أي المسار بدون خطأ]. إنّ التعدّديّة غير المنظّمة الصرفة ليست سيّئة في حدّ ذاتها. ولأنّها متعدّدة – وهذا ضروريّ لتستقيم أمورها في لعبة الحظّ – يستحيل عليها أن تسير نحو الوحدة بدون إثارة الشرّ هنا أو هناك بحكم الضرورة الإحصائيّة» .
ما ورد سابقًا هو شرح للشرّ بوجهٍ عام؛ وهو يشمل كلاًّ من الشرّ الجسديّ - جميع أنواع الفوضى والأخطاء والآلام والموت – والشرّ الأدبيّ أي الخطيئة. فالشرّ يظهر بالضرورة في مسار توحّد المتعدّد، لأنّ الشرّ هو «التعبير الحقيقيّ عن حالة التعدّديّة التي لم تنتظم بعد. فالشرّ ليس حدثًا طارئًا غير مُتوقَّع في الكون. إنّه عدو، ظلٌّ أثاره الله بقراره بأن يخلق» . ففي كلّ مستوى من الكائنات المخلوقة، وبسبب البنية التطوّريّة للكائنات المخلوقة، فإنّ الشرّ «يُفرَض بلا رحمة من خلال لعبة الأعداد الكبيرة داخل التنظيم المفروض على الكثيرين» . «فالشرّ يظهر بالضرورة في عالمنا وبفيض... لا كحادثة طارئة بل بحكم بنية النظام». فكونٌ يتطوّر هو بالضرورة «كون يعمل ويخطئ ويتألّم» .
إنّ وجود الشرّ «يبدو وكأنّه الحالة الملازمة للخلق ولا مفرّ منها». والتفكير بأنّ الله يستطيع أن يخلق من العدم عالمًا بدون ألمٍ أو مخاطرة أو حطامٍ أو خطيئة هو تصوّر واهم. والقول بأنّ الله يستطيع «أن يحصل على خليقةٍ متّحدة به من دون الدخول في معركةٍ ضدّ الشرّ» يعني في نظر تيّار أننا نقول تناقضًا. فالله لا يستطيع أن يصنع دائرة مربّعة؛ إنّه لا يستطيع القيام بفعلٍ شيّء؛ «وهناك بكلّ تأكيدٍ مكافئ فيزيائيّ لهذه القوانين الهندسيّة والأدبيّة الصارمة» .
هذا يعني أنّ الشرّ في نظر تيّار هو في الأساس فوضى وإخفاق، ونجده في كلّ مستوى من مستويات المخلوقات. «إحصائيًّا، في كلّ درجة من درجات التطوّر، نجد الشرّ دومًا وفي كلّ مكان، ويتكوّن ويُعاد تكوينه فينا وحولنا» . سوف نعرض بتفاصيل موجزة نوعيّ الشرّ اللذَين يعيرهما تيّار انتباهًا شديدًا. شرّ «الانحلال» الذي يتضمّن الألم والموت، وشرّ الخطيئة.
الألم هو أحد أشكال الشرور. إنّه لا بدّ منه، «فهو مرتبط ببنية الكون الحقيقيّة... وجزء من قانون الصيرورة» . «على كلّ كيانٍ غير مكتمل بعدُ في تنظيمه أن يتألّم في بقايا خلل نظامه وفي إمكانيّة الفوضى المعرّض لها» ؛ هذه هي الظروف البشريّة، بل وأكثر من ذلك، إنّها شرط الكون.
«نُفاجأ حين نرى في باقةٍ ورودًا مشوّهة أو «متألّمة»، لأنّ الورود قُطِفَت الواحدة تلو الأخرى وتمّ تنسيقها معًا اصطناعيًّا. ومن جهةٍ أخرى، في شجرةٍ يتوجّب عليها أن تصارع ضدّ الحوادث الداخليّة في تطوّرها والحوادث الخارجيّة الناتجة عن الطقس وتحطيم الفروع والديدان والبراعم التي تجفّ أو تذبل أو يشحب لونها، وكلّ هذا وهي في مكانها. إنّها ظواهر للظروف الصعبة أو الأقل صعوبة للنموّ التي تواجهها الشجرة نفسها».
إنّ الشجرة هي الرمز الذي يستعمله تيّار ليصوّر تطوّر العالم. وحين يغيّر الرمز يشبّه تقدّم العالم بالمعركة.
«إنّه غزوة فتحٍ قد بدأت الآن؛... فبولادتنا نُقحَمُ في صلب المعركة. ولا بدّ لنا من أن نتألّم لكي ينجح الجهد الكونيّ الذي نحن فيه مشاركون وساحة المعركة في آنٍ واحدٍ. فالعالم الذي نراه من منظورنا الاختباريّ هو تجمّع هائل، شركة ضخمة، هجمات ضارية. وثمن تقدّمه هو الكثير من الأخطاء والكثير من الجروح. فالآلام، بغضّ النظر عن نوعيّتها، هي التعبير عن هذه الظروف الصارمة ولكنّها نبيلة. إنّها لا تمثّل العناصر عديمة النفع أو الأدنى قيمة. إنّها تجاهد من أجل تقدّم الجميع ونجاحهم. إنّها تسقط في ساحة الشرف» .
إنّ شرّ التفتّت الذي يظهر في الألم يتجلّى في أشدّ أشكاله جدّيّةً وخطورة في الموت. إذا اعتبرنا الموت بحدّ ذاته، ومن وجهة النظر الطبيعيّة الصرفة، فإنّه عار وفشل، «أسوأ ضعفٍ وأسوأ عدوّ» . إنّه خلاصة كلّ الشرور في الكون وذروتها. «إنّه الشرّ في حدّ ذاته» . كلّ شرور حياتنا له «غلاف مشترك: الواجب الأساسيّ بأن نولد ونعيش سواء شئنا ذلك أم أبينا، والكلّ يؤول إلى المركز نفسه الذي لا بدّ منه: الموت». وكما يراه الأحياء، «الموت هو المآل والأساس المشترك لكلّ ما يخيفنا... إنّه المصير الحتميّ الذي يتضمّنه مولدنا والمحيط بحياتنا» . ففي كونٍ يتطوّر، الموت شريعة، «إنّه الشرط النظاميّ الضروريّ لإحلال فردٍ مكان آخر على مدى خطّ الأعراق» .
لا تبدو أفكار تيّار في شرح غالبيّة الشرور، بما فيها الألم والموت، جديدة وحسب بل مقنعة أيضًا. ولكنّ شرحه العامّ للشرّ على أنّه ضرورة إحصائيّة في عالمٍ يتطوّر ينطبق أيضًا على الشرّ الأدبيّ. فكيف يستطيع تيّار فهم الخطيئة بالتعابير نفسها نوعًا ما، التي يفهم بها أشكال الشرّ الأخرى؟ ألا تميل أفكاره عن الخطيئة كضرورة إحصائيّة إلى نكران حرّيّة الإنسان؟
الخطيئة
ليس في كتابات تيّار لاهوتًا كاملاً عن الخطيئة، ولا حتّى معالجة كاملة واحدة لأيّ بعدٍ من أبعاد لاهوت الخطيئة. فالمسائل اللاهوتيّة التي تهمّ تيّار هي التي تمسّ موضوع تطوّر الكون نحو المسيح الأوميغا. لذلك من الطبيعي أن تكون اعتبارات تيّار للخطيئة مندرجة في السياق الكونيّ وفي المسيح مآل التطوّر، وأن يعتبر لاهوت الخطيئة في هذا السياق وحده. لذلك علينا ألاّ ننظر إلى كتابات تيّار على أنّها تعتبر الخطيئة ظاهرة نفسيّة ذاتيّة، ولا على أنّ الخطيئة هي فعل وجوديّ ذاتيّ، ولا على أنّ الخطيئة رفض شخصيّ ذاتيّ لمحبّة الله. فهذه المفاهيم هي خارج منظور مسيحيّة تيّار. إنّ نظرة تيّار إلى الخطيئة ليست لا شخصيّة أو «باردة». ففي سياق تطوّر الكون، من المناسب عدم اعتبار الخطيئة كأمرٍ فرديٍّ ورفضٍ ذاتيٍّ للمحبّة الإلهيّة، بل على أنّها الشرّ الخاصّ بهذا الجزء من التطوّر، هذا الجزء الذي صار واعيًا مفكّرًا. فأفكار تيّار عن الخطيئة هي، على الدوام تقريبًا، في سياق الشرّ بوجهٍ عامٍّ، كحالة حتميّة مصاحبة لمسار الخلق.
في منظور تيّار الكونيّ، شرّ الخطيئة هو نوع من الفوضى المكافئة لمرحلة حالة الوعي للمتعدّد. ففي عالمٍ يتحرّك دومًا نحو وحدةٍ أعظم، فإنّ الخطيئة هي عودة إلى المتعدّد، ونزول من حالة وحدةٍ أعلى حالة وحدةٍ أدنى . الوحدة والتعدّديّة المقصودة هنا هي روحيّة، على الرغم من أنّ الخطيئة لها نتائج، وتترك آثارًا، على المستوى المادّيّ. الخطيئة بالضبط هي الحركة الحرّة للإرادة للابتعاد عن الوحدة. إنّها شرّ على مستوى الوعي الأدبيّ. «هناك شرّ واحد فقط: الانفصال. ونسمّيه شرًّا أدبيًّا حن يؤثّر في المناطق الحرّة للنفس» . الشرّ الأدبيّ الموضوعيّ هو انفصال وفوضى، ولذلك يستطيع تيّار أن يقول: لا مفرّ من الخطيئة، وإنّها ضرورة إحصائيّة في مسار الوحدة. «عدم الانسجام الفيزيائيّ، أو انحلال الأحياء مسبقًا، الألم بين الأحياء، الخطيئة في مضمار الحرّيّة: ما من ترتيب في مسار الكائنات المكوّنة لا يتضمّن فوضى في كلّ مرحلة» .
ما من صعوبةٍ حقيقيّة في القول إنّ الخطيئة تُرتَكَبُ بحرّيّة، وإنّ الخطيئة في الآن نفسه لا يمكن تفاديها إحصائيًّا، «ومفروضة بقسوة في داخل الكثرة التي في صدد التنظّم» . وحتميّة الخطيئة تنطبق على حشود البشر وليس على أيّ فردٍ في أيّ زمنٍ خاص. ففي تعدّديّة الكائنات البشريّة، ولأنّها حرّة في اختيار الخير أو الشر، هناك أقلّه بعض الإرادة – في فترةٍ ما من الزمن – تختار الشرّ بدل الخير؛ وبعض الإرادة ترتكب الخطيئة. يمكننا تشبيه هذا الوضع بانتخابات رئيس الجمهوريّة. فهناك حتميّة إحصائيّة تجعل بعض الناخبين يصوّتون لأجل المرشّح س بدل المرشّح ع، مع أنّ كلّ ناخبٍ يختار بحرّيّة مَن يصوّت له. قسم كبير من المناهج السوسيولوجيّة الحديثة يعتمد على بعض الضرورات الإحصائيّة التي تشمل شريحة كبيرة من السكّان حتّى في مسألة الاختيار الحر. فالخطيئة في نظر تيّار هي اختيار الانفصال والفوضى بحرّيّة. إنّها حرّة في كلّ حالة، ولكنّها ضرورة إحصائيّة لشعبٍ بشريٍّ بكامله يتحرّك تدريجيًّا، وحتّى يتلمّس طريقه نوعًا ما نحو أعلى مستويات التنظيم والوحدة. فالضرورة الإحصائيّة للخطيئة لا تتضمّن فرضًا، ولا تقلّل من شأن حرّيّة الإنسان.
ويرى تيّار أنّ «المسيحيّة طوّرت في داخلها فكرة الذنب والعقاب، ربّما حتّى درجة المبالغة – مبالغة لأنّها لم تتوازن مع عناصر تعويضيّة – ووصلت بها إلى درجة التضخيم» . فتيّار يثور على ما يعتبره إلحاحًا مبالغًا به على البعد السلبيّ للعقيدة المسيحيّة، خصوصًا ذنب الإنسان والعقابات الأبديّة الجهنّميّة. ومع ذلك فإنّ وجود حرّيّة الإنسان وأهمّيّتها في اختيار الخير أو الشرّ ومسؤوليّة البشر في الاختيار أمور واضحة في كتابات تيّار. ففي عالمٍ يتطوّر، حيث الشرّ هو الملازمة التي لا يمكن تفاديها في الاتّحاد الخلاّق، «فإنّ جهنّم هي الملازِمة الطبيعيّة للسماء» . وسرّ العقاب الأبديّ ينال شناعةً كونيّة. لذلك يحسن لنا أن نلقي نظرة خاطفة إلى أفكار تيّار عن حرّيّة الإنسان وعن جهنّم كي نفهم مفهومه للخطيئة.
إنّ تقدّم التطوّر لا يقلّل الحرّيّة في الكون بل يزيدها. «فالروح هو المآل الذي تسعى الطبيعة إليه في عملها الطويل. كلّ ما يعيش – وبالتالي كلّ ما يعمل – يتوق منذ البداية إلى مزيدٍ من الحرّيّة والقدرة والحقيقة» . والإنسان تطوّرٌ صار واعيًا لذاته، وفي الإنسان يتابع مسار التطوّر طريقه نحو ملء الحرّيّة. «إنّ التطوّر الحقيقيّ للعالم يتمّ في أنفس البشر، وفي اتّحاد أنفس البشر. فعواملها الداخليّة ليست آليّة بل نفسيّة وأخلاقيّة» . التطوّر يتابع مسيرته في الإنسان ويتبع خطّ زيادة التعقيد والوعي، وزيادة وعي التفكير البشريّ يتضمّن بالضرورة زيادةً في حرّيّة الإنسان في اختيار الخير أو الشر. فالإنسان الحر «يظهر في كلّ مكان، وفي كلّ مكانٍ يزداد» بفضل تقدّم تطوّر الجنس البشريّ نحو وحدةٍ أعظم . لأنّ هذا التطوّر هو في اتّجاه روحنةٍ أعظم، وبالتالي باتّجاه حرّيّةٍ أعظم. والحياة الاجتماعيّة تزيد الحرّيّة، بسبب «اتّحاد المختلفات». فالإنسان يصير أكثر إنسانيّةً وبالتالي أكثر حرّيّةً باجتماعه مع البشر الآخرين. إنّ حرّيّة الإنسان وحدها هي التي تنمو في تاريخ تطوّر الجنس البشريّ، وكذلك المسؤوليّة البشريّة. وكلّما صار الجنس البشريّ أكثر تنظيمًا في مجتمعٍ أكثر فأكثر تعقيدًا – أي طالما يتابع التطوّر البشريّ تجمّعه – نمَت المسؤوليّة البشريّة معه ونمَت الحرّيّة البشريّة. إنّ هذه المسؤوليّة أو الواجب الأدبيّ ليست قانونيّة وحسب، بل تعتمد على الطبيعة العضويّة للمجتمع البشريّ الذي في صدد التطوّر. وأخيرًا، مع التطوّر التدريجيّ للوعي وللحرّيّة وللمسؤوليّة في المجتمع، يزداد الشرّ حتمًا، إن لم يكن بالكَمّ، فأقلّه بالشدّة . لأنّ الشرّ – والخطيئة في مضمار الحرّيّة البشريّة – هو المقابل الذي لا بدّ منه في التقدّم نحو الوحدة. ما من نظامٍ في مسار التكوين لا يتضمّن فوضى، وتشكيل الوحدة التدريجيّ في عالمٍ بشريٍّ صرف لا بدّ له من أن يؤدّي إلى فوضى أدبيّة وهي الخطيئة. إنّه سياق تطوّر البشريّة باتّجاه وحدةٍ أكبر، يتكلّم عليها تيّار ويقول إنّها نموّ الميل إلى الثورة. فأمام الاختيار بين الوفاء للحياة باتّجاه الأوميغا أو الخيانة، في الاختيار بين الخير والشر، يميل الإنسان أكثر فأكثر إلى اختيار الشرّ وإلى ارتكاب الخطيئة.
«إنّ أزمة العمل البشريّ هذه قديمة قِدَمَ الإنسان، ومع ذلك من الواضح أنّه لا يجدر بنا أن نفكّر فيها على أنّها محصورة بفتراتٍ قصيرة أو في أصول الجنس البشريّ وحدها. حين يولد المرء وهو يتمتّع بالقدرة على التفكير، فإنّ الميل إلى الثورة سيتنوّع باستمرارٍ وينمو مع هذه القدرة. ولذلك لم تُظهِر هذه الثورة نفسها أبدًا بالحدّة والشموليّة التي تظهر بها في أيّامنا» .
إنّ اعتبارات تيّار لسرّ جهنّم والعذاب الأبديّ تلقي مزيدًا من الضوء على فكرته عن الخطيئة كانفصالٍ في مضمار الحرّيّة البشريّة.
«إنّ وجود جهنّم، مع سرّ الصليب، هو أحد العناصر الأكثر انتقادًا وإرباكًا في الإيمان المسيحيّ. وبالتالي ما من شيءِ يمكنه أن يتوافق مع آفاق الكون الذي يتطوّر أكثر من هذه العقيدة في جوهرها. كلّ تطوّرٍ داخل حدود خبرتنا يتضمّن انتقائيّة ونقصًا. وبالتالي يستحيل علينا أن نتخيّل اتّحاد الكون في الله، في مجمل مسار الكون، بدون أن نفسح مجالاً لما يمكنه أن يكون هروبًا من هذا المسار».
ويتابع تيّار حديثه ويقول إنّ العقيدة المسيحيّة لا تعلن أنّ جميع البشر سيخلصون. فعقيدة جهنّم تخبرنا بأنّ بعض الناس قد يهلكون إلى الأبد، ويُلقَون خارج «سكن الله». جهنّم هي عكس السماء؛ إنّها مثل القطب المعاكس لله .
«إنّ تاريخ ملكوت الله هو بشكلٍ صريح تاريخ إعادة التجمّع. فالوسط الإلهيّ كلّه مكوّن من إدماجٍ لكلّ روحٍ مختارٍ في يسوع المسيح. ولكن حين نقول «مختارًا» فإنّنا نفترض وجود اختيار وانتقاء. علينا ألاّ ننظر إلى العمل الكونيّ ليسوع من وجهة النظر المسيحيّة الصرفة إذا أردنا أن نراه كمركز جاذبيّة وسعادة، لأنّه الشخص الذي يوحّد وأيضًا الشخص الذي يفصل ويدين. فالإنجيل يتكلّم على البذر الصالح والخروف ويمين ابن الإنسان ووليمة العرس ونار الفرح المتّقدة. ولكن هناك أيضًا الزؤان والكباش ويسار الديّان والباب المغلق والظلمة البرّانيّة. فمقابل النار التي توحّد في المحبّة هناك نار العزلة المدمّرة. ومجمل المسار الذي ستولد في نهايته الأرض الجديدة تدريجيًّا هو تجمّع يتمّ من خلال الفصل» .
إنّ الاختيار النهائيّ هو «الثورة أو العبادة». فمَن اختاروا الثورة اختيارًا نهائيًّا سينقطعون نهائيًّا عن المركز النهائيّ لكلّ تنظيمٍ حقيقيّ وتوحيد . هؤلاء الناس الذين قاوموا في آخر الأمر الاتّحاد بالمسيح الأوميغا سيُطرَحون في انحلالٍ واعٍ وأبديّ، وينزلون إلى التعدّديّة . فجهنّم في نظر تيّار، مع أنّها فكرة رهيبة، هي «عنصر بنّاء في الكون»، وهي «تضيف نبرةً وثقلاً ومفارقة وعمقًا» إلى مجمل الواقع. إنّ معرفة وجود الجحيم، «هذا البعد السلبيّ للعالم»، يضاعف فهمنا لدعوة المسيح الملحّة التي يوجّهها إلى جميع البشر كي يتّحدوا به. «فالذروة تُقاس فقط بالهاوية التي تتوّج هذه الذروة عليها» .
لم نعتبر بعدُ أحد أهمّ أبعاد فكر تيّار حول وجود الشرّ في العالم. إنّها فرضيّته اللاهوتيّة حول أصل الشر. لقد سبق تيّار بعددٍ من السنين النزعة المعاصرة بين اللاهوتيّين لإعادة صياغة اللاهوت التقليديّ حول الخطيئة الأصليّة، واعتبر إعادة الصياغة ضروريّة بضرورةٍ حيويّة لفهم فداء المسيح للعالم بطريقة أفضل ومنطقيّة.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

1. المعلومات وا...

1. المعلومات والاتصالات: تجهيز البيانات واستضافة المواقع على الشبكة وما يتصل بذلك من أنشطة. 2. الأنش...

حل أسئلة القواع...

حل أسئلة القواعد (Grammar) وأنت لا تعرف معاني الكلمات أو تشعر أنك "لا تعرف شيئاً" يعتمد على ذكاء الت...

الحمد لله رب ال...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أبطال المستقبل، وزهور ...

لسلام عليكم، من...

لسلام عليكم، من الله علي بالهداية والتوبة من كثير من المعاصي والشهوات، ومن ضمن ما استقر عندي بعد نظر...

ليلة تاريخية اس...

ليلة تاريخية استثنائية عاشها نادي الوكرة مساء اليوم عندما امتزجت عراقة الماضي بتطلعات المستقبل، حيث ...

ولما تقدم التطو...

ولما تقدم التطور في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة...

لمن لا تفتح الر...

لمن لا تفتح الروابط في بلادهم، نص المقالة «فيفا» أو «ناتو» الرياضة على غرار والدتي، لا أهتم لمتاب...

إن الناظر إلى م...

إن الناظر إلى مناظرات دكتور عمارة يلاحظ أن ردوده توافق ردود أهل السنة والجماعة الذين أقاموا الدين ،...

حسب وزارة الخار...

حسب وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة المعونات، توجد خمسة أهداف استراتيجية للمعونات، كل منها يحتوي على...

أنا سجلت في الف...

أنا سجلت في الفروم فقط مال كلية معلمين البحرين بس تسجيل في الي موقع حكوميتي ال هو هذه خدمة القبول ...

كنتُ معتادًا عل...

كنتُ معتادًا على إنقاذ الآخرين. لكنني كنتُ مخطئًا. يقول الأطباء العسكريون إن غضروف المفاصل يتآكل تما...

ناصر كان إسكافا...

ناصر كان إسكافاً فقيرا لكنه أمين وكان يخدم الناس ويصلح حذيتهم وقد ساعد مسافرا تبين لاحقا انه ابن الو...