لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (0%)

وقد ترسخت هذه العلاقة بين الأنثروبولوجيا والثقافة مع تشكل وظهور ما عُرف بالأنثروبولوجيا الثقافية أحد أقدم أقسام الأنثروبولوجيا العامة،


النص الأصلي

ـ 1 ـ
الثقافة والأنثروبولوجيا


تحتفظ الأنثروبولوجيا بتاريخ حيوي وعريق من العلاقة والارتباط بالثقافة، وتختلف هذه العلاقة وتتمايز عن جميع صور وأنماط علاقات العلوم الأخرى بالثقافة، بحيث لا يغني النظر إلى الثقافة بواسطة هذه العلوم على تعدد أقسامها وحقولها الاجتماعية والإنسانية، دون الكشف عن موقف الأنثروبولوجيا من الثقافة.


ومن شدة هذه العلاقة كادت الأنثروبولوجيا تتملك الثقافة، وتجعل منها امتيازاً لها، وتتحول إلى العلم الذي يتحدث باسمها وعنها وحولها. وذلك على خلفية أن الثقافة هي من مكتشفات الأنثروبولوجيا، أو أنها -أي الأنثروبولوجيا- هي التي عملت على اكتشافها بالعودة إلى العقل البدائي والمجتمعات البدائية، ومحاولة البحث عن جذور الثقافة وبداياتها وكيف تنشأ وتنمو وتتطور؟ وتجيب على سؤال لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟ وهو السؤال الذي عَنون به مايكل كاريزرس كتابه في الأنثروبولوجيا. ويرى الأنثروبولوجيون أنفسهم أنهم -دون غيرهم- من يمتلكون تجريبات عملية، واستدلالات برهانية، وسجلات اثنروغرافيا، يبرهنون بها على ذلك، من بين جميع المشتغلين في حقول الدراسات الاجتماعية والإنسانية.


وقد ترسخت هذه العلاقة بين الأنثروبولوجيا والثقافة مع تشكل وظهور ما عُرف بالأنثروبولوجيا الثقافية أحد أقدم أقسام الأنثروبولوجيا العامة، ومن أكثرها اهتماماً إلى جانب الأنثروبولوجيا الاجتماعية. وبين هذين القسمين الثقافي والاجتماعي في الأنثروبولوجيا جدل ونزاع قديم في تحديد من هو الأصل، ومن هو الفرع، وما يترتب على ذلك من صياغة وتحديد هوية وشخصية علم الأنثروبولوجيا. فمن ينتمون إلى الأنثروبولوجيا الثقافية يعدون هذا الحقل هو الأصل، والأنثروبولوجيا هي الفرع. بينما يرى الذين ينتمون إلى الأنثروبولوجيا الاجتماعية أن حقلهم هو الأصل، والأنثروبولوجيا الثقافية هي الفرع.


وتفاقم هذا الجدل والنزاع مع الانقسام الذي حصل بين أشهر مدرستين في الأنثروبولوجيا، وهما المدرسة الأنثروبولوجية البريطانية التي انحازت إلى الجانب الاجتماعي، والمدرسة الأنثروبولوجية الأمريكية التي انحازت إلى الجانب الثقافي. وعُرف هذا الانقسام وظهر على السطح مع صدور كتاب “أنماط الثقافة” عام 1935م للأنثروبولوجية الأمريكية الشهيرة روث بنيديكت، الكتاب الذي وصفه الأنثروبولوجي العربي الدكتور أحمد أبو زيد بأنه من أوسع كتب الأنثروبولوجيا انتشاراً ليس في أمريكا وحدها بل في العالم أجمع.


فقد كشف هذا الكتاب -كما يقول أستاذ ورئيس قسم الأنثروبولوجيا في جامعة دورهام البريطانية مايكل كاريزرس- عن اختلاف عميق في العلاقة بين الأنثروبولوجية الاجتماعية البريطانية، خاصة مدرسة العالم الإنجليزي راد كليف براون ذات النفوذ الكبير آنذاك، وبين الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية... وفي الوقت الذي كان فيه مالينوفسكي، وهو أحد اثنين من أعظم البريطانيين تأثيراً، ميالاً في أعماقه إلى تأييد النهج الأمريكي كما يقول كاريزرس، كان في المقابل راد كليف براون معارضاً عنيداً للحديث عن الثقافة، وأدى به ذلك إلى شل عزيمة الكثيرين من زملائه وخلفائه في بريطانيا(1). بقصد حماية المدرسة الأنثروبولوجية البريطانية، وخوفاً عليها من الاختراق، أو التأثير على هويتها وملامحها، وشروط استمرارها، خصوصاً بعد التأثير الذي ظهر على برونيسلاف مالينوفسكي الذي يُعد من أكثر العلماء البريطانيين الذين تحدثوا عن الثقافة، وعُدَّ هذا من مظاهر تأثره بالنهج الأمريكي، وترتب على هذا اختلاف كما يقول أحمد أبو زيد نتائج بعيدة المدى، ظهرت بشكل واضح في اختلاف مناهج الدراسة، ومساحة التفسير والتأويل، بحيث تبدو الأنثروبولوجيا كما لو أنها منقسمة إلى علمين مستقلين عن بعضهما، وهما الأنثروبولوجيا الاجتماعية التي تهتم بالعلاقات والنظم والأبنية الاجتماعية، والأنثروبولوجيا الثقافية التي تهتم بدراسة العادات والعرف والتقاليد وكل ما يدخل في مكونات الثقافة.


وظلت هذه الاختلافات كما يُضيف أبو زيد تزداد عمقاً واتساعاً يوماً بعد آخر، لدرجة أن ميلاً متزايداً في الكلام أخذ يظهر في أمريكا ليس عن الاتجاه الثقافي في دراسة الحياة الاجتماعية، كمقابل للاتجاه الاجتماعي البنائي، ولا حتى الكلام عن الأنثروبولوجيا الثقافية مقابل الأنثروبولوجيا الاجتماعية، بل الكلام عن علم الثقافة مقابل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية معاً(2).


وعند النظر في الدراسات الأنثروبولوجية يمكن التوصل إلى ثلاثة عوامل تساعد في تفسير الاختلاف والانقسام بين المنحى الثقافي في الأنثروبولوجيا، والمنحى الاجتماعي، وهذه العوامل هي:


أولاً: هناك من يرجع هذا الاختلاف والانقسام إلى طبيعة تعقيدات العلاقة بين الثقافة والمجتمع، نتيجة التفرقة القديمة التي حصلت بينهما. وفي كل مرة يقترب الدكتور أبو زيد من هذه العلاقة بين الثقافة والمجتمع فإنه يصفها بنوع من التشدد والمبالغة، ويراهما من أصعب المشكلات وأكثرها تعقيداً؛ لأنهما حسب رأيه مظهران مختلفان لشيء واحد، أو حسب قول الأنثروبولوجي البريطاني إيفانز برتيشارد: إنهما تجريدان مختلفان لوجود واقعي واحد.


ويتمم أبو زيد كلامه برأي هوجبن الذي يرى أن التفرقة بين الثقافة والمجتمع تنطوي على كثير من الصعوبات، ويُعرِّف المجتمع بأنه يُشير إلى كل العلاقات الاجتماعية التي تقوم بين أفراد المجتمع المحلي، أما الثقافة عنده فإنها تعني كل أنماط السلوك المقنن، وبذلك فإن كلاً منهما هو وجه لشيء واحد(3).


ثانياً: وهناك من يُرجع هذا الاختلاف والانقسام إلى تباين الموقف حول تمديد طبيعة الموضوع والمجال للأنثروبولوجيا. وكثيراً ما اختلفت العلوم حول هذه القضية خصوصاً في بدايات تشكلها، وقبل اكتمال تحديد هويتها الثابتة، والاتفاق على نوعية مهمتها، وقبل إنجاز ما تحتاجه هذه العلوم من تراكمات معرفية تدفع به نحو التطور والنضج، وعبور أطوار النمو والتقدم.


وإلى فترة من الوقت كانت هناك وجهات نظر متعددة بين العلماء حول علم الأنثروبولوجيا وإلى أي أقسام العلوم ينتسب، إلى العلوم الطبيعية أم العلوم الاجتماعية. وتجددت لاحقاً وجهات النظر في نطاق العلوم الاجتماعية نفسها، بين من يرى انتساب الأنثروبولوجيا إلى علم الاجتماع، وبين من يرى انتسابها إلى علم النفس أو إلى علم التاريخ.


ويذكر أبو زيد كيف أن الناس في أوروبا سابقاً حين يتكلمون عن الأنثروبولوجيا التي تعني في نظر الإنجليز الدراسة العامة للإنسان، فإنهم يقصدون بها ما يُسمى في إنجلترا بالأنثروبولوجيا الطبيعية، أي دراسة الإنسان من الناحية البيولوجية، وما يُسميه الإنجليز بالأنثروبولوجيا الاجتماعية فإنه كان يُعرف في أوروبا باسم الاثنولوجيا أو علم الاجتماع(4).


وبعد أن تطورت الأنثروبولوجيا، واستقلت بنفسها، ظلت تحتفظ بعلاقة وثيقة مع تلك المجالات التي حاولت أن تنسب الأنثروبولوجيا إليها. مع ذلك لم ينته النزاع حيث انتقل من خارج العلم إلى داخله حول تحديد طبيعة موضوعه ومجاله، بين من يرى في المجتمع موضوعاً ومجالاً، وبين من يرى في الثقافة موضوعاً ومجالاً آخر له. أي بين من يرى “المجتمع هو الحقيقة النهائية التي تجعل من الممكن فهم طبيعة الإنسان والنظم الاجتماعية التي تحكم ذلك المجتمع، وبين من يرى في الثقافة تلك الحقيقة النهائية المتمايزة بذاتها، وأن المجتمع ليس سوى أداة ووسيلة لقيام الثقافة ووجودها واستمرارها، أي أنه مجرد ظرف أو شرط ضروري لوجود الثقافة”(5).


وقد اعترف مايكل كاريزرس بهذا النزاع، وحاول العمل على إظهار التوافق بين الاتجاهين، إلا أن من يُقوِّم هذه المحاولة التي شرحها في كتابه “لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟” الصادر عام 1992م يكتشف أنه كان متحيزاً للأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية، ويسعى للانتصار لها، والدفاع عنها، وإعادة الثقة إليها، وعن التوفيق أو التوافق بين الاتجاهين اللذين يُطلق عليهما تسمية التراثين، يقول: “إن هذين التراثين قد امتزج كل منهما بالآخر فيما بعد، واندمجا على نحو وثيق حتى أصبح بالإمكان النظر إليهما باعتبارها ضربين لتراث واحد أوسع نطاقاً، وما سيشتركان فيه على نحو قاطع هو الالتزام بالبحث الميداني باعتباره المصدر المحدد والنهائي للمعرفة”(6).


هذا من جهة التوفيق، أما من جهة التغليب، فيظهر في قوله الذي لا يريد أن يفهم منه الانتصار لفكرته، حيث يقول: “ليس هدفي هنا إبدال فكرة الثقافة، مثلما حلت الثقافة عن حق محل فكرة السلالة المرذولة، بل هدفي في تغيير مناط التأكيد. ومن ثم فإنني أذكر في المقابل بأن كون الأفراد يعيشون في علاقات، وكذا الطابع التفاعلي للحياة الاجتماعية هي أمور أهم قليلاً وأكثر واقعية من تلك الأشياء الموسومة بالثقافة”(7) وأطروحة الكتاب قائمة على أن الثقافة ليست هي الأساس، وإنما الأساس هي الحياة الاجتماعية.


ثالثاً: وهناك من يُرجع هذا الاختلاف والانقسام إلى أسباب تاريخية وموضوعية، ترجع إلى طبيعة النشأة والتكوين التي فرضت اختيار المنحى الاجتماعي في الأنثروبولوجيا البريطانية، والمنحى الثقافي في الأنثروبولوجيا الأمريكية. وذلك لاختلاف تركيبة وتكوينات المجتمعات التي وصفت بالبدائية، وهي المجتمعات التي تمثل الحقل الدراسي للأنثروبولوجيا، الاختلاف الذي ترتب عليه اختلاف في المنهج بين من وجد في المجتمع منهجاً، ومن وجد في الثقافة منهجاً آخر.


فالظروف العامة -كما يقول أبو زيد- التي لابست نشأة الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر في كل من بريطانيا وأمريكا، مسؤولة إلى حد كبير عن قيام هذين الاتجاهين وتبلورهما، فقد اتجه العلماء البريطانيون في دراستهم للمجتمع البدائي نحو المجتمعات القبلية في إفريقيا حيث كانت توجد معظم مستعمراتهم. في المقابل اتجه العلماء الأمريكيون نحو دراسة قبائل الهنود الحمر في أمريكا ذاتها، ولما كانت القبيلة الإفريقية تعيش في شبه عزلة اجتماعية واقتصادية بحكم الظروف الجغرافية التي تحيط بها، لذلك كان من الممكن النظر إلى هذه المجتمعات بوصفها وحدةً متكاملةً، وبناءً اجتماعياً متماسكاً، وهذا الوضع بخلاف قبائل الهنود الحمر حيث لم تكن كل قبيلة في عزلة عن الأخرى، وإنما كانت هناك دائماً درجة كبيرة من الاختلاط والاتصال بين الجماعات المختلفة. وتبعثر أفراد القبيلة الواحدة وانتشارهم كان يؤدي إلى تداخل ثقافاتهم، إلى جانب أن معظم قبائل الهنود الحمر كانت لها ثقافاتها وحضاراتها القديمة، بالإضافة إلى تراثها وتاريخها وآدابها. وهذه الأمور تفتقر إليها غالبية القبائل الأمريكية، لهذا كان من السهل والأفضل للعلماء دراسة ثقافات هذه القبائل، وهذا ما ذهب إليه إيفانز بريتشارد الذي يُعلل اتجاه الأنثروبولوجيا الأمريكية نحو الثقافة لأن مجتمعات الهنود الحمر التي كان العلماء الأمريكيون يركزون أبحاثهم عليها، كانت مجتمعات مجزأة غير متماسكة، مما يجعل دراسة ثقافتها أسهل بكثير من دراسة بنائها الاجتماعي


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

2.1.1. الهيدروج...

2.1.1. الهيدروجين الغازي المضغوط نظرًا لأن كثافة الهيدروجين في الظروف المحيطة منخفضة جدًا لدرجة لا ت...

تمر المقابلة ال...

تمر المقابلة الإرشادية بثلاث مراحل رئيسية هي: مرحلة الإعداد (تهيئة البيئة وجمع السجلات)، مرحلة البنا...

In an establish...

In an established business There are two schools of thought on management in an established business...

Implications Th...

Implications This study has implications to clinical practice, nursing leadership, nursing education...

Legal Harmoniza...

Legal Harmonization or Conflict Thesis: Evaluating Legal Implications of Saudi Arabia’s Accession to...

Chief Complaint...

Chief Complaint & Main Symptoms: SWELLING BOTH LOWER LIMBS , SCATTERED BLUISH TO BROWN SPOTS ALL OVE...

-1 أصبحت كل متد...

-1 أصبحت كل متدربة قادرة على التحكم بتوترها وخوفها الطبيعي عند الوقوف أمام الحشود بثقة وثبات. تمكنت ...

The proposed fe...

The proposed fellowship aims to achieve several key objectives. Firstly, the fellow will master the ...

التحول وتوقيع ا...

التحول وتوقيع العقد مع جهة العمل في ثمان وعشرين ثلاثة 1446 وحتى الساعة لم يتم التوثيق واليوم اكتشفت ...

Solar cells are...

Solar cells are typically named after the semiconducting material of which they are composed. These ...

طبقا لإذن وكيل ...

طبقا لإذن وكيل الجمهورية تم التفتيش الإلكتروني لجميع التطبيقات على شبكة الأنترنت المسجلة باسم المشتب...

أعلن الرئيس الأ...

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وسيتم رفع اسم سوريا ...