لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (76%)

انطلق تفكير محمد عبده، كما انطلق تفكير الأفغاني، من قضية انحطاط المجتمعات الإسلامية وحاجتها إلى البعث الذاتي، فأرجع الإمام أسباب ذلك الانحطاط إلى البدع الغربية التي دخلت على الريف، فحلت محل “الاعتقاد الصحيح” وأخذت مكان “الشرع القويم”، وإلى فساد علمائهم وجهلهم وتسلط حكامهم وجشعهم وسوء التربية في صفوفهم. وبهدف تجاوز حالة الانحطاط شدد عبده على أهمية إصلاح الدين، فالإسلام في نظر عبده قد جاء ليحرر الفكر من التقليد وليطلق العقل من كل قيد ويرده إلى مملكته. وهما في حقيقة الأمر أصلان قامت عليهما المدنية في أوروبا، وسيمهد عودة التزام المسلمين بهما الطريق نحو الحداثة في العالم الإسلامي
عرف الشيخ محمد عبده الإصلاح الديني بأنه: “تصحيح، وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين، واستقامت أحوال الأفراد، دينية ودنيوية، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السليمة، وسرى الصلاح منهم إلى الأمة، فهذا مقصده، فهذا غرضه، في نظر محمد عبده، يكمن في إصلاح الإسلام، أي الرجوع إلى منابعه الأولى من ناحية، أن الشيخ محمد عبده، قد اعترف أكثر من أستاذه بالحاجة إلى تجديد المجتمع الإسلامي عن طريق الاستعانة بالمناهج العلمية الأوروبية، رغم تشديده على المبدأ الأساس للعصر الذهبي في الإسلام
يرجع انفتاح محمد عبده على عالمية الفكر الإنساني، إلى إلمامه العميق بعلم المنطق والفلسفة، وإيمانه بوحدة النوع البشري وتشابك مصالحه، واحتكاكه المباشر بالغرب وانفتاحه على لغاتهم
فعرف عن الإمام تقديره لدور الحكماء وسعيه إلى توثيق الروابط المباشرة وغير المباشرة معهم، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك، أَلَّفت بين نفوس العقلاء ونفسك”. أما الفيلسوف الإنكليزي (هربت سبنسر) فقد كان محط إعجاب الإمام الشديد، حتى أنه طلب من صديقه المستشرق (ولفرد بالنت) أن يرتب له زيارة إلى لندن للتعرف المباشر على الفيلسوف الإنكليزي
كما أنه كان هناك علاقة وطيدة ربطت ما بين محمد عبده والقس الإنكليزي (إسحاق تيلر) والتي قامت على أساس قناعتهما المشتركة، بأهمية التأليف بين الأديان الثلاثة، وذلك كي يتم -على حد تعبير الإمام في إحدى رسائله إلى القس-: “نور الله في أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله
وبين ما هو غير جوهري ويمكن تغييره بلا حرج. فالإسلام الحقيقي، في نظره، جهاز عقائدي بسيط: بعض المعتقدات الخاصة بأخطر مسائل الحياة البشرية، وبعض المبادئ الخاصة بالسلوك البشري. ورأى أن العقل والوحي ضروريان معاً لاكتشاف هذه المعتقدات ولتجسيدها في حياتنا. وفي ضوء ذلك الفهم للإسلام من قبل محمد عبده أدرك أن الشعوب الإسلامية لن تصبح قوية ومزدهرة إلا إذا اقتبست من أوروبا العلوم التي نتجت عن نشاطها العقلي، لكن لم يدر في خَلَد عبده أن ذلك يقتضي تغييراً في مؤسسات المجتمع الإسلامي، ونظام الحكم فيه ومدارسه. فبتأثير من الفكر الأوروبي ومجتمعه في القرن التاسع عشر، اعتقد محمد عبده، أن على المسلمين اليوم أن يقوموا بما كان عليهم القيام به دوماً: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة الحديثة، بحيث يفترض الفقه حسب هذا المبدأ تأويل النصوص في شرحه للقرآن والحديث بما يتوافق مع مصلحة البشر. أما المبدأ الثاني الذي اتخذه محمد عبده لإعادة تأويل الشريعة الإسلامية، فلقد كان من المسلَّم به لدى بعض أصحاب الرأي، أنه يجوز للقاضي في أي قضية معينة أن يختار من مذهبه الشرعي أو من مذهب شرعي آخر، التفسير الشرعي الأكثر ملاءمة للظروف. لكن محمد عبده ذهب أبعد من ذلك، وقد تمكن بوصفه مفتي مصر من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ
كانت من أجل التمكين من اقتباس ما كان صالحاً من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلاً، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين قاطني البلدان الإسلامية. وذلك الاقتباس -في نظره- أمر مفروض باعتبار أن “الإسلام عبارة عن تلك المجموعة من العقائد المتفقة مع متطلبات العقل البشري، وما الشريعة إلا التطبيق العقلي لهذه المبادئ على أحوال العالم. ”. لكن كيف يمكن لهذه العملية أن تتم دون الخروج على الشرع؟ فرأى محمد عبده ضرورة تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض. فقال: “اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل. وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي (صلى الله عليه وسلم)، مهدت بين يدي الفعل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات، وأن يقدم العقل على النقل عند التعارض بينهما. ودلل على ذلك شخصياً في الفتاوى التي أصدرها عندما كان قاضياً ومفتياً للديار المصرية، من هذه الفتاوى التحليل للمسلمين، وذهب عبده إلى أبعد من هذا عندما قال “بأن القرآن لا يعارض نظرية داروين في التطور، ولا نظرية باستور في الجراثيم”
وقد اشترك في مناقشتين حول هذا الموضوع، والأخرى مع اللبناني المستمصر فرح أنطون. فقد كان الجدل من مقومات فكر محمد عبده، غير أن الجدل له أخطاره، ففي الدفاع عن النفس، قد يصبح المجادل أقرب إلى خصمه مما كان يظن. ومما يلفت النظر، أن محمد عبده لم يهتم في كلتا المناقشتين بمسألة صحة الإسلام أو خطئه، وعلى هذا النهج انقلبت (المصلحة) تدريجياً إلى (الرأي العام). ولا شك أنه كان من السهل، باتباع هذا النهج، تحوير، إن لم نقل إبطال، المعنى الوثيق للمفاهيم الإسلامية، لا بل عن النظرة (الإنسانية) اللا دينية. إذ عندما نتخلى عن التفسير التقليدي للإسلام ونفتح الباب للرأي الشخصي، يصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل التمييز بين ما هو موافق للإسلام وما هو مخالف له. فهل فتح محمد عبده، دون قصد منه، لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة، إلا أنه من سوء الفهم أن يعتقد أحد أن كلاً من الأفغاني وعبده من العلمانيين الذين يقولون بفصل الدين عن الدولة، وقد جاء سوء الفهم هذا من كتابات ومقالات لها ظروفها وملابساتها، ولا تعني إطلاقاً العلمانية
كان هدف محمد عبده في جميع أعماله وكتاباته سد الثغرة القائمة في المجتمع الإسلامي، ولبلوغ هذا الهدف، رسم طريقاً واحدة، هي عدم الرجوع إلى الماضي وتوقيف مجرى التطور الذي بدأه محمد علي، بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا ما فُهم على حقيقته، وأن الإسلام يمكنه أن يشكل، في الوقت نفسه المبدأ الصالح للتفسير والرقابة السليمة عليه. ولم يكن محمد عبده ليهتم، كما اهتم خير الدين في الجيل السابق، بالتساؤل إذا ما كان بإمكان المسلمين المتمسكين بأهداب الدين قبول مؤسسات العالم الحديث وأفكاره، وذلك لاعتقاده -أي عبده- أن هذه المؤسسات والأفكار إنما أتت لتبقى، وأن على من يرفضها أن يتحمل نتائج رفضه هذا. وعند التدقيق في التاريخ الفكري لعبده، نجد أن الرجل قد احتل العنصر القومي، منذ البدء مركزاً مهماً في تفكيره، حتى أن أول مقالة نشرت له في الأهرام تحدثت عن الماضي العظيم “لمملكة مصر”. وكان يشعر دوماً بأن التاريخ والمصالح المشتركة بين الذين يعيشون في البلد الواحد تخلق رابطة عميقة فيما بينهم بالرغم من اخلاف الأديان. كما أثر أيضاً في نظرته إلى الأمة الإسلامية. فهو يعتقد أن أقوى نوع من أنواع الوحدة إنما هو وحدة الذين ينتمون إلى البلد الواحد. وأن انتساب غير المسلمين إلى الأمة لا يقل أصالة عن انتساب المسلمين أنفسهم إليها. كان محمد عبده يطلق على قبائل العرب في الجاهلية المصطلح القومي الحديث “الأمة العربية” التي رآها موجودة بوصفها حقيقة تاريخية قائمة قبل ظهور الإسلام. فجاء عنه على سبيل المثال قوله: “كانت الأمة العربي قبائل متخالفة في النزعات”، وما جاء في أثناء حديثه عن معجزة القرآن الكريم: “ومع أنه لم يسبق له (صلى الله عليه وسلم) السياحة في نواحيها والتعرف برجالها -يقصد البلاد العربية- وقصور العلم البشري، عادة، عن الإحاطة بما أودع في قوى أمة عظيمة كالأمة العربية
كما أنه كان يتحدث في نطاق الإسلام ذاته عن “جند عربي” و “جند أجنبي” والنظر إلى هذه العناصر المسلمة باعتبارها أجنبية، والدولة العثمانية “التركية” ما زالت قائمة، وهذا يعني أن إصلاحه الديني المرتبط بالعودة إلى جوهر “الإسلام العربي” هو في حقيقته تمهيد تاريخي لظهور حركة القومية العربية والوحدة العربية
ولكن الأمر الأكثر أهمية هو، أن محمد عبده لنزعته إلى القومية العربية، قد وفر الشرعية الدينية في زمنه لحركة التحرر القومي من الترك لتحقيق استقلال الكيان العربي عن الإمبراطورية العثمانية. حتى أننا نستطيع القول: إن بذور القومية العربية تم غرسها على يد محمد عبده، فهو يقول: “كان الإسلام ديناً عربياً، ثم لحقه العلم فصار علماً عربياً، بعد أن كان يونانياً، ثم أخطأ خليفة في السياسة -يقصد المعتصم- فاتخذ من سعة الإسلام سبيلاً إلى ما كان يظنه خيراً له، ظن أن الجيش العربي قد يكون عوناً لخليفة علوي لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبي، فأراد أن يتخذ له جيشاً أجنبياً من الترك والديلم وغيرهما من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه. هنالك استعجم الإسلام وانقلب أعجمياً، خليفة عباسي أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه، عندما أكثر من الجند الأجنبي فلم تكن إلا عشية وضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء واستبدوا بالسلطان دونهم، وصارت الدولة في قبضتهم ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام، والقلب الذي هذبه الدين”. فمن الواضح أن محمد عبده بتركيزه على “فكرة القومية العربية” يخالف الفكرة الدينية الإسلامية الشمولية، ولا تميز بين جند عربي وتركي وديلمي في ظل العقيدة وتحت راية الجهاد، ليعيد تفسير التاريخ الإسلامي تفسيراً عربياً صريحاً ذا طابع قومي قد لا يشاركه فيه مفكرون إسلاميون من قوميات أخرى. فهناك على أيامه وبعدها، من كان يقول بأن التنازلات التي قام بها للفكر الأوروبي الحديث خطرة وغير ضرورية، وبأن إعادة النظر في العقيدة والشريعة، كما كان محمد عبده يرتئي، لم تكن أمراً لابد منه. لا بل كان هناك، حتى بين الذين تأثروا به وكان من حقهم الادعاء بأنهم من تلاميذه، من كانت عقليتهم على خلاف عقليته. فقد انقسم تلامذته بعد وفاته إلى جماعة “محافظين متحجرين” كانوا يسايرون معتقداته العامة المليئة بالبدع والضلالات، وإلى أصحاب الآراء “المتطرفة” في التقدم، فقد نظروا إلى الإسلام على أنه مبدأ حي يجب أن يستمر في التطور، وعلى أن النتيجة النهائية لهذا التطور ستكون علمنة المجتمع الإسلامي، وكان على رأس هؤلاء علي عبد الرزاق مؤلف كتاب “الاسلام وأصول الحكم” الذي نادى فيه بفصل الدين عن الدولة. وكان بين هذين الاتجاهين جماعة يُطلق عليها “جماعة المعتدلين” أيدوا أفكار أستاذهم “محمد رشيد رضا”، وكان من بين هؤلاء د. محمد توفيق صدقي (مصر)، عبد القادر المغربي (لبنان)، الشيخ طاهر الجزائري (دمشق). إن محمد عبده لم يدرك أن التوتر بين الإسلام والمدنية الحديثة كان بحد ذاته توتراً دقيقاً، وكان من الصعب تعيين الحدود بين طرفيه، فنشأت نزعة دائمة عنده لتخفيف حدته بمحاولة “شبه واعية” للتوفيق بين وصايا الإسلام ومفاهيم الفكر الحديث، وسوف نرى لماذا فشل الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر بالنهوض بالمجتمع الإسلامي. إن المسألة الأهم التي واجهت الإصلاح الديني هي البحث عن إجابات إسلامية عن الأسئلة التي طرحتها الحياة آنذاك، فإن الجهد قد انصب على تأويل المتجه نحو التوفيق بين ثقافة الغرب المتقدم والإسلام، إذ إن فكر الغرب وتقدمه المشخص قد فرض نفسه وبقوة على الجميع دون استثناء، كان التقاء المصلحين الإسلاميين بالنماذج الثقافية الأوروبية هو الموضوع الذي سيطر على الحياة الفكرية في جميع أنحاء العالم الإسلامي طوال القرن التاسع عشر. وقد أدى الأخذ والرد في هذا الموضوع إلى تعريف الأوساط المستنيرة، تدريجياً، وكان للمفاهيم الفردية والتحررية والتقدم الاجتماعي وقع طيب لدى المسلمين الشبان، الذين لم يجدوا بأساً في استعارة أفكار من لغة الغرب، تسمح لهم بالتعبير عن آراء اجتماعية ودينية في مشكلات الساعة، فعملية “عصرنة الإسلام” هذه قد دفعت بالمصلحين الدينيين الإسلاميين أن يكونوا متسامحين تجاه الخصوم الإيديولوجيين من الغرب، ومهدت السبيل أمام انفتاح المسلمين على عالم من الآراء والأفكار بعيدة عن حقيقة الإسلام. كما اكتفى المصلح الديني الإسلامي في القرن التاسع عشر برفع التعارض بين الإسلام والعلم، دون أن يبحث في شروط تقدم العلم الواقعية. فهل معرفة ما كان عليه المسلمون من التخلف -وما زالوا- يحتاج إلى اجتهاد ومقارنة -من قبل محمد عبده- مع الحضارة الغربية، فهذا أمر قد اتضح قبل محمد عبده بما يقارب ثمانية عقود من الزمن هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن معرفة ذلك تأتي عند الرجوع بحال المسلمين إلى مرجعية أهم من أوروبا، لا عند رجوعه إلى عصر الخلفاء الراشدين ومن قبلهم عصر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). قوله -محمد عبده-: ما من مرة أذهب إلى أوروبا إلا ويتجدد عندي الأمل في تغيير حالة المسلمين إلى ما هو خير منها وذلك بإصلاح ما أفسدوه في دينهم. إن الإصلاح الديني الإسلامي قد حصل نتيجة “غليان سياسي - ثقافي، فالمجتمعات الإسلامية قد تعرفت على الحداثة آنذاك من خلال الاستعمار، وتحت ضغطه. أي ليس في أحس الظروف الدافعة إلى إحداث نهضة حقيقية، كما حدث في الغرب. في حين أنه يبتعد عن الحداثة الصحيحة بعده عن التراث الحقيقي في هذا المجتمع العربي - الإسلامي تكمن حالة معقدة من الخلل لا يمكن التخلص منها بقرار نتخذه للعودة إلى التراث أو اللجوء إلى الحداثة المعاصرة، ولا يمكن تجاوز هذا الوضع إلا بعملية ذاتية تحدث في داخل المجتمع وفي داخل الفرد معاً. وكل خطوة تخطوها العقول في سبيل الكمال ليس إلا تقرباً إلى الإسلام. فالإسلام متقدم وتقدمي وأحوال المدنية ماثلة فيه. وقد أصبح البرهان على عدم التعارض بين الإسلام تراثاً وديناً، والتقدم بوصفه قانوناً للحضارة، ونموذجاً غربيًّا، هو في الواقع محور عمل رجال النهضة من الإسلاميين. فمنهم من سعى إلى أن يبين كيف كان الإسلام يحث على التضحية والعمل والجهد، ومن هم من بين تعلقه بالحرية، بل وبالسلطة المدنية غير الدينية. والأفغاني وهو يحتاج إلى النظام الدستوري، فإنه قادر على إيجاد مبررات ذلك لا في الغرب وحده، بل تكفيه العودة إلى النص القرآني -وتأويله-. لقد فشلت العملية التوفيقية التي حاول الأفغاني وعبده القيام بها بين الغرب والإسلام في النهوض بالمجتمع الإسلامي، فطبيعة الظروف الجديدة حتمت أن يلمس الإسلام الحديث من الغرب ظواهره المادية المتفوقة قبل أن يدرك جوهره الحضاري الإنساني الداخلي، في حين تعرف المسلمون القدماء إلى جوهر الفكر الإغريقي بصورة حميمة متأتية بعد ذهاب سطوة الإسكندر بقرون، ولم يضطروا للخلط بين الجانبين، من أوجه حضارته كأساليبه العسكرية والسياسية والاقتصادية دون النفاذ إلى ما وراء تلك الأساليب من غايات ومنطلقات، ومن نظرة كونية جديدة للإنسان والحضارة والطبيعة مغايرة لكل ما سبقها من نظرات غيبية.


النص الأصلي

انطلق تفكير محمد عبده، كما انطلق تفكير الأفغاني، من قضية انحطاط المجتمعات الإسلامية وحاجتها إلى البعث الذاتي، فأرجع الإمام أسباب ذلك الانحطاط إلى البدع الغربية التي دخلت على الريف، فحلت محل “الاعتقاد الصحيح” وأخذت مكان “الشرع القويم”، وإلى فساد علمائهم وجهلهم وتسلط حكامهم وجشعهم وسوء التربية في صفوفهم.
وبهدف تجاوز حالة الانحطاط شدد عبده على أهمية إصلاح الدين، فالإسلام في نظر عبده قد جاء ليحرر الفكر من التقليد وليطلق العقل من كل قيد ويرده إلى مملكته. وهما في حقيقة الأمر أصلان قامت عليهما المدنية في أوروبا، وسيمهد عودة التزام المسلمين بهما الطريق نحو الحداثة في العالم الإسلامي
عرف الشيخ محمد عبده الإصلاح الديني بأنه: “تصحيح، وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين، حتى إذا سلمت العقائد من البدع تبعتها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب، واستقامت أحوال الأفراد، واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية، دينية ودنيوية، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السليمة، وسرى الصلاح منهم إلى الأمة، فإذا سمعت داعياً يدعو إلى العلم بالدين، فهذا مقصده، أو منادياً يحث على التربية، فهذا غرضه، أو صائحاً ينكر ما عليه المسلمون من المفاسد فتلك غايته”.
فالعلاج الجذري لمشكلات المسلمين، في نظر محمد عبده، يكمن في إصلاح الإسلام، أي الرجوع إلى منابعه الأولى من ناحية، ثم الأخذ بأساليب الحضارة الغربية ومفاهيمها من ناحية أخرى
وهكذا نلاحظ، أن الشيخ محمد عبده، قد اعترف أكثر من أستاذه بالحاجة إلى تجديد المجتمع الإسلامي عن طريق الاستعانة بالمناهج العلمية الأوروبية، رغم تشديده على المبدأ الأساس للعصر الذهبي في الإسلام
يرجع انفتاح محمد عبده على عالمية الفكر الإنساني، إلى إلمامه العميق بعلم المنطق والفلسفة، وإيمانه بوحدة النوع البشري وتشابك مصالحه، واحتكاكه المباشر بالغرب وانفتاحه على لغاتهم
فعرف عن الإمام تقديره لدور الحكماء وسعيه إلى توثيق الروابط المباشرة وغير المباشرة معهم، ففي رسالة بعث بها إلى (تولستوي) في (18/ نيسان/ 1904)، خاطب محمد عبده الأديب الروسي بقوله: “لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكنا لم نُحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك، أَلَّفت بين نفوس العقلاء ونفسك”.
أما الفيلسوف الإنكليزي (هربت سبنسر) فقد كان محط إعجاب الإمام الشديد، حتى أنه طلب من صديقه المستشرق (ولفرد بالنت) أن يرتب له زيارة إلى لندن للتعرف المباشر على الفيلسوف الإنكليزي
كما أنه كان هناك علاقة وطيدة ربطت ما بين محمد عبده والقس الإنكليزي (إسحاق تيلر) والتي قامت على أساس قناعتهما المشتركة، بأهمية التأليف بين الأديان الثلاثة، وذلك كي يتم -على حد تعبير الإمام في إحدى رسائله إلى القس-: “نور الله في أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله
كان مفتاح دفاع محمد عبده عن الإسلام مفهومه الخاص للدين الحقيقي، القائم على التمييز بين ما هو جوهري وغير متغير فيه، وبين ما هو غير جوهري ويمكن تغييره بلا حرج.
فالإسلام الحقيقي، في نظره، جهاز عقائدي بسيط: بعض المعتقدات الخاصة بأخطر مسائل الحياة البشرية، وبعض المبادئ الخاصة بالسلوك البشري. ورأى أن العقل والوحي ضروريان معاً لاكتشاف هذه المعتقدات ولتجسيدها في حياتنا.
وفي ضوء ذلك الفهم للإسلام من قبل محمد عبده أدرك أن الشعوب الإسلامية لن تصبح قوية ومزدهرة إلا إذا اقتبست من أوروبا العلوم التي نتجت عن نشاطها العقلي، وأن هذا الاقتباس يمكن تحقيقه دون التخلي عن الإسلام. إذ إن الإسلام يحث على قبول جميع منتجات العقل.
لكن لم يدر في خَلَد عبده أن ذلك يقتضي تغييراً في مؤسسات المجتمع الإسلامي، كنظامه الشرعي، ونظام الحكم فيه ومدارسه.
فبتأثير من الفكر الأوروبي ومجتمعه في القرن التاسع عشر، اعتقد محمد عبده، أن على المسلمين اليوم أن يقوموا بما كان عليهم القيام به دوماً: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة الحديثة، ولبلوغ هذه الغاية لابد من الاهتداء بمبدأين سَلِمَ بهما الفقهاء وأعطاهما محمد عبده بعداً جديداً: الأول مبدأ المصلحة، بحيث يفترض الفقه حسب هذا المبدأ تأويل النصوص في شرحه للقرآن والحديث بما يتوافق مع مصلحة البشر.
أما المبدأ الثاني الذي اتخذه محمد عبده لإعادة تأويل الشريعة الإسلامية، فهو مبدأ التلفيق، فلقد كان من المسلَّم به لدى بعض أصحاب الرأي، أنه يجوز للقاضي في أي قضية معينة أن يختار من مذهبه الشرعي أو من مذهب شرعي آخر، التفسير الشرعي الأكثر ملاءمة للظروف.
لكن محمد عبده ذهب أبعد من ذلك، فدعا إلى وضع (مذهب موحد) يؤلف بين العناصر الصالحة في كل من المذاهب الأربعة. وقد تمكن بوصفه مفتي مصر من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ
إن مناداة محمد عبده بإعادة تفسير الشريعة، كانت من أجل التمكين من اقتباس ما كان صالحاً من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلاً، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين قاطني البلدان الإسلامية. وذلك الاقتباس -في نظره- أمر مفروض باعتبار أن “الإسلام عبارة عن تلك المجموعة من العقائد المتفقة مع متطلبات العقل البشري، وما الشريعة إلا التطبيق العقلي لهذه المبادئ على أحوال العالم...”. لكن كيف يمكن لهذه العملية أن تتم دون الخروج على الشرع؟ فرأى محمد عبده ضرورة تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض. فقال: “اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.
وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي (صلى الله عليه وسلم)، مهدت بين يدي الفعل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات، واتسع له المجال إلى غير حد”
فبالرغم من اعتقاده بأن “القرآن هو السلطة التي تمكن الناس من تمييز الزائف الضار من المفيد النافع” إلا أنه أتى بعد ذلك ليقترح أن يتم تفسير الشرع الإسلامي على ضوء العقل، وأن يقدم العقل على النقل عند التعارض بينهما. ودلل على ذلك شخصياً في الفتاوى التي أصدرها عندما كان قاضياً ومفتياً للديار المصرية، وفي التفسيرات التي وضعها لبعض سور القرآن، من هذه الفتاوى التحليل للمسلمين، بإيداع أموالهم في المصارف بالفائدة.
وذهب عبده إلى أبعد من هذا عندما قال “بأن القرآن لا يعارض نظرية داروين في التطور، ولا نظرية باستور في الجراثيم”
لقد كانت إحدى غايات محمد عبده الرئيسة أن يُظهر إمكان التوفيق بين الإسلام وبين الفكر الأوروبي الحديث، وأن يبين كيفية تحقيق ذلك. وقد اشترك في مناقشتين حول هذا الموضوع، إحداهما مع المؤرخ الفرنسي (هانوتو)، والأخرى مع اللبناني المستمصر فرح أنطون.
فقد كان الجدل من مقومات فكر محمد عبده، غير أن الجدل له أخطاره، ففي الدفاع عن النفس، قد يصبح المجادل أقرب إلى خصمه مما كان يظن. ومما يلفت النظر، أن محمد عبده لم يهتم في كلتا المناقشتين بمسألة صحة الإسلام أو خطئه، بل حصر اهتمامه بأمر اتفاقه مع ما يفترض بأنه من متطلبات الفكر الحديث.
ولعل نظرته إلى الإسلام قد تأثرت من جراء ذلك النقاش، فنجده أنه قد تابع النهج الذي سار عليه كل من الطهطاوي والأفغاني، في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة. وعلى هذا النهج انقلبت (المصلحة) تدريجياً إلى (الرأي العام). وأصبح الإسلام نفسه مرادفاً للتمدن والنشاط اللذين كانا قاعدتي التفكير الاجتماعي في أوروبا في القرن التاسع عشر. ولا شك أنه كان من السهل، باتباع هذا النهج، تحوير، إن لم نقل إبطال، المعنى الوثيق للمفاهيم الإسلامية، وتناسي ما يميز الإسلام من غيره من الأديان، لا بل عن النظرة (الإنسانية) اللا دينية.
إذ كان لابد أن يرافق عملية الانتقاء والتقريب هذه شيء من التقدير الكيفي. إذ عندما نتخلى عن التفسير التقليدي للإسلام ونفتح الباب للرأي الشخصي، يصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل التمييز بين ما هو موافق للإسلام وما هو مخالف له.
فهل فتح محمد عبده، دون قصد منه، الباب لإغراق العقيدة والشريعة الإسلاميتين في لجة مبتكرات العالم الحديث؟
لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة، بنى جسراً تعبر العلمانية عليه لتحتل المواقع واحداً بعد الآخر فليس من المصادفة أن يستخدم فريق من أتباعه معتقداته في سبيل إقامة العلمانية الكاملة
صحيح أن محمد عبده قد أقام بأفكاره “التقدمية” في الإسلام من حيث لا يدري جسراً للعلمانية، إلا أنه من سوء الفهم أن يعتقد أحد أن كلاً من الأفغاني وعبده من العلمانيين الذين يقولون بفصل الدين عن الدولة، وقد جاء سوء الفهم هذا من كتابات ومقالات لها ظروفها وملابساتها، ولا تعني إطلاقاً العلمانية
كان هدف محمد عبده في جميع أعماله وكتاباته سد الثغرة القائمة في المجتمع الإسلامي، بغية تقوية جذوره الخُلقية. ولبلوغ هذا الهدف، رسم طريقاً واحدة، هي عدم الرجوع إلى الماضي وتوقيف مجرى التطور الذي بدأه محمد علي، بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وذلك بإثبات أن هذه التغيير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا ما فُهم على حقيقته، وأن الإسلام يمكنه أن يشكل، في الوقت نفسه المبدأ الصالح للتفسير والرقابة السليمة عليه.
ولم يكن محمد عبده ليهتم، كما اهتم خير الدين في الجيل السابق، بالتساؤل إذا ما كان بإمكان المسلمين المتمسكين بأهداب الدين قبول مؤسسات العالم الحديث وأفكاره، وذلك لاعتقاده -أي عبده- أن هذه المؤسسات والأفكار إنما أتت لتبقى، وأن على من يرفضها أن يتحمل نتائج رفضه هذا.
وعند التدقيق في التاريخ الفكري لعبده، نجد أن الرجل قد احتل العنصر القومي، منذ البدء مركزاً مهماً في تفكيره، حتى أن أول مقالة نشرت له في الأهرام تحدثت عن الماضي العظيم “لمملكة مصر”. وكان يشعر دوماً بأن التاريخ والمصالح المشتركة بين الذين يعيشون في البلد الواحد تخلق رابطة عميقة فيما بينهم بالرغم من اخلاف الأديان. وقد أثر شعوره بأهمية الوحدة القومية في نظرته إلى الإصلاح الإسلامي، كما أثر أيضاً في نظرته إلى الأمة الإسلامية. فهو يعتقد أن أقوى نوع من أنواع الوحدة إنما هو وحدة الذين ينتمون إلى البلد الواحد. وأن انتساب غير المسلمين إلى الأمة لا يقل أصالة عن انتساب المسلمين أنفسهم إليها.
كان محمد عبده يطلق على قبائل العرب في الجاهلية المصطلح القومي الحديث “الأمة العربية” التي رآها موجودة بوصفها حقيقة تاريخية قائمة قبل ظهور الإسلام. فجاء عنه على سبيل المثال قوله: “كانت الأمة العربي قبائل متخالفة في النزعات”، وما جاء في أثناء حديثه عن معجزة القرآن الكريم: “ومع أنه لم يسبق له (صلى الله عليه وسلم) السياحة في نواحيها والتعرف برجالها -يقصد البلاد العربية- وقصور العلم البشري، عادة، عن الإحاطة بما أودع في قوى أمة عظيمة كالأمة العربية
كما أنه كان يتحدث في نطاق الإسلام ذاته عن “جند عربي” و “جند أجنبي” والنظر إلى هذه العناصر المسلمة باعتبارها أجنبية، والدولة العثمانية “التركية” ما زالت قائمة، فإنه يتطابق تماماً مع موقف الرواد القوميين العرب الأوائل في نظرتهم إلى الوجود العثماني في البلاد العربية بقدر ما يتناقض مع موقف الفقهاء “التقليديين”.
وهذا يعني أن إصلاحه الديني المرتبط بالعودة إلى جوهر “الإسلام العربي” هو في حقيقته تمهيد تاريخي لظهور حركة القومية العربية والوحدة العربية
ولكن الأمر الأكثر أهمية هو، أن محمد عبده لنزعته إلى القومية العربية، قد وفر الشرعية الدينية في زمنه لحركة التحرر القومي من الترك لتحقيق استقلال الكيان العربي عن الإمبراطورية العثمانية.
حتى أننا نستطيع القول: إن بذور القومية العربية تم غرسها على يد محمد عبده، فهو يقول: “كان الإسلام ديناً عربياً، ثم لحقه العلم فصار علماً عربياً، بعد أن كان يونانياً، ثم أخطأ خليفة في السياسة -يقصد المعتصم- فاتخذ من سعة الإسلام سبيلاً إلى ما كان يظنه خيراً له، ظن أن الجيش العربي قد يكون عوناً لخليفة علوي لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبي، فأراد أن يتخذ له جيشاً أجنبياً من الترك والديلم وغيرهما من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه... هنالك استعجم الإسلام وانقلب أعجمياً، خليفة عباسي أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه، عندما أكثر من الجند الأجنبي فلم تكن إلا عشية وضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء واستبدوا بالسلطان دونهم، وصارت الدولة في قبضتهم ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام، والقلب الذي هذبه الدين”.
فمن الواضح أن محمد عبده بتركيزه على “فكرة القومية العربية” يخالف الفكرة الدينية الإسلامية الشمولية، التي لا ترى فضلاً لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا تميز بين جند عربي وتركي وديلمي في ظل العقيدة وتحت راية الجهاد، ليعيد تفسير التاريخ الإسلامي تفسيراً عربياً صريحاً ذا طابع قومي قد لا يشاركه فيه مفكرون إسلاميون من قوميات أخرى.
فهناك على أيامه وبعدها، من كان يقول بأن التنازلات التي قام بها للفكر الأوروبي الحديث خطرة وغير ضرورية، وبأن إعادة النظر في العقيدة والشريعة، كما كان محمد عبده يرتئي، لم تكن أمراً لابد منه. لا بل كان هناك، حتى بين الذين تأثروا به وكان من حقهم الادعاء بأنهم من تلاميذه، من كانت عقليتهم على خلاف عقليته.
ومع وفاة الشيخ محمد عبده عام (1905م) كُتب على حركة التصالح التوفيقي الفشل بشكل “رسمي” إذا جازت التسمية، فقد انقسم تلامذته بعد وفاته إلى جماعة “محافظين متحجرين” كانوا يسايرون معتقداته العامة المليئة بالبدع والضلالات، وإلى أصحاب الآراء “المتطرفة” في التقدم، الذي دعوا إلى الحد من دور الإسلام في المجتمع، فقد نظروا إلى الإسلام على أنه مبدأ حي يجب أن يستمر في التطور، وعلى أن النتيجة النهائية لهذا التطور ستكون علمنة المجتمع الإسلامي، وكان على رأس هؤلاء علي عبد الرزاق مؤلف كتاب “الاسلام وأصول الحكم” الذي نادى فيه بفصل الدين عن الدولة.
وكان بين هذين الاتجاهين جماعة يُطلق عليها “جماعة المعتدلين” أيدوا أفكار أستاذهم “محمد رشيد رضا”، وكان من بين هؤلاء د. محمد توفيق صدقي (مصر)، عبد القادر المغربي (لبنان)، الشيخ طاهر الجزائري (دمشق).
إن محمد عبده لم يدرك أن التوتر بين الإسلام والمدنية الحديثة كان بحد ذاته توتراً دقيقاً، وكان من الصعب تعيين الحدود بين طرفيه، فنشأت نزعة دائمة عنده لتخفيف حدته بمحاولة “شبه واعية” للتوفيق بين وصايا الإسلام ومفاهيم الفكر الحديث، وفي مثل هذه المحاولة “يذوب الإسلام” في الفكر الأوروبي الحديث إذا جاز التعبير.
وسوف نرى لماذا فشل الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر بالنهوض بالمجتمع الإسلامي.
إن المسألة الأهم التي واجهت الإصلاح الديني هي البحث عن إجابات إسلامية عن الأسئلة التي طرحتها الحياة آنذاك، فإن الجهد قد انصب على تأويل المتجه نحو التوفيق بين ثقافة الغرب المتقدم والإسلام، إذ إن فكر الغرب وتقدمه المشخص قد فرض نفسه وبقوة على الجميع دون استثناء، فانطلق الإصلاح الديني ليدلل على الجزء الأهم من التقدم الغربي لا يتعارض وروح الإسلام إذا ما فُهم الإسلام على حقيقته.
كان التقاء المصلحين الإسلاميين بالنماذج الثقافية الأوروبية هو الموضوع الذي سيطر على الحياة الفكرية في جميع أنحاء العالم الإسلامي طوال القرن التاسع عشر.
وقد أدى الأخذ والرد في هذا الموضوع إلى تعريف الأوساط المستنيرة، تدريجياً، بالقيم والمثل التي كانت تؤمن بها المجتمعات الأوروبية في ذلك الوقت. وكان للمفاهيم الفردية والتحررية والتقدم الاجتماعي وقع طيب لدى المسلمين الشبان، الذين لم يجدوا بأساً في استعارة أفكار من لغة الغرب، تسمح لهم بالتعبير عن آراء اجتماعية ودينية في مشكلات الساعة، -ظناً منهم- أنها تتفق تماماً وروح الثقافة الإسلامية. فعملية “عصرنة الإسلام” هذه قد دفعت بالمصلحين الدينيين الإسلاميين أن يكونوا متسامحين تجاه الخصوم الإيديولوجيين من الغرب، ومهدت السبيل أمام انفتاح المسلمين على عالم من الآراء والأفكار بعيدة عن حقيقة الإسلام.
كما اكتفى المصلح الديني الإسلامي في القرن التاسع عشر برفع التعارض بين الإسلام والعلم، دون أن يبحث في شروط تقدم العلم الواقعية.
فهل معرفة ما كان عليه المسلمون من التخلف -وما زالوا- يحتاج إلى اجتهاد ومقارنة -من قبل محمد عبده- مع الحضارة الغربية، فهذا أمر قد اتضح قبل محمد عبده بما يقارب ثمانية عقود من الزمن هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن معرفة ذلك تأتي عند الرجوع بحال المسلمين إلى مرجعية أهم من أوروبا، وهو دين الإسلام بقرآنه وسنته.
فالشيخ عبده تزداد همته لإصلاح حال المسلمين عند ذهابه إلى أوروبا، لا عند رجوعه إلى عصر الخلفاء الراشدين ومن قبلهم عصر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
فقد جاء قوله في مقالة لأنور الجندي أكال فيها عبارات المدح والتعظيم على الشيخ عبده، قوله -محمد عبده-: ما من مرة أذهب إلى أوروبا إلا ويتجدد عندي الأمل في تغيير حالة المسلمين إلى ما هو خير منها وذلك بإصلاح ما أفسدوه في دينهم.
فإصلاح حال المسلمين حتى عند أصحاب الدعوة الإصلاحية الدينية أصبح يحتاج إلى وصفة من الخارج لا من منبع عقيدتهم.
إن الإصلاح الديني الإسلامي قد حصل نتيجة “غليان سياسي - ثقافي، فالمجتمعات الإسلامية قد تعرفت على الحداثة آنذاك من خلال الاستعمار، بشتى صوره، وتحت ضغطه. أي ليس في أحس الظروف الدافعة إلى إحداث نهضة حقيقية، كما حدث في الغرب.
لقد كان المجتمع العربي الإسلامي في القرن التاسع عشر يعيش نظام فريد من نوعه، نظام يدعي التراث والحداثة معاً. في حين أنه يبتعد عن الحداثة الصحيحة بعده عن التراث الحقيقي في هذا المجتمع العربي - الإسلامي تكمن حالة معقدة من الخلل لا يمكن التخلص منها بقرار نتخذه للعودة إلى التراث أو اللجوء إلى الحداثة المعاصرة، ولا يمكن تجاوز هذا الوضع إلا بعملية ذاتية تحدث في داخل المجتمع وفي داخل الفرد معاً.
إن المأزق الذي عاشه المفكر الإسلامي في القرن التاسع عشر هو أنه أصبح يرى كل ترقٍّ يحصل في العالم، وكل خطوة تخطوها العقول في سبيل الكمال ليس إلا تقرباً إلى الإسلام.
فالإسلام متقدم وتقدمي وأحوال المدنية ماثلة فيه. وقد أصبح البرهان على عدم التعارض بين الإسلام تراثاً وديناً، والتقدم بوصفه قانوناً للحضارة، ونموذجاً غربيًّا، هو في الواقع محور عمل رجال النهضة من الإسلاميين. فمنهم من سعى إلى أن يبين كيف كان الإسلام يحث على التضحية والعمل والجهد، ومن هم من بين تعلقه بالحرية، بل وبالسلطة المدنية غير الدينية.
والأفغاني وهو يحتاج إلى النظام الدستوري، فإنه قادر على إيجاد مبررات ذلك لا في الغرب وحده، بل تكفيه العودة إلى النص القرآني -وتأويله-.
لقد فشلت العملية التوفيقية التي حاول الأفغاني وعبده القيام بها بين الغرب والإسلام في النهوض بالمجتمع الإسلامي، فطبيعة الظروف الجديدة حتمت أن يلمس الإسلام الحديث من الغرب ظواهره المادية المتفوقة قبل أن يدرك جوهره الحضاري الإنساني الداخلي، في حين تعرف المسلمون القدماء إلى جوهر الفكر الإغريقي بصورة حميمة متأتية بعد ذهاب سطوة الإسكندر بقرون، ولم يضطروا للخلط بين الجانبين، كما حدث للتوفيقيين المحدثين الذين ظلوا ينتقون من الغرب ما يرونه باهراً أو ظاهراً، من أوجه حضارته كأساليبه العسكرية والسياسية والاقتصادية دون النفاذ إلى ما وراء تلك الأساليب من غايات ومنطلقات، ومن نظرة كونية جديدة للإنسان والحضارة والطبيعة مغايرة لكل ما سبقها من نظرات غيبية.
وهي حقيقة لابد من مواجهتها بشكل مباشر ونافذ قبل الشروع في أية صياغة توفيقية بين الإسلام والغرب الحديث.
عند مطلع النهضة إلى اليوم والمحاولات مستمرة لدعم المعادلة التوفيقية بين توازن واختلال حسب حركة المد والجزر في مجرى المؤثرات الغربية، وكلما جاءت هذه المؤثرات بتحديات أكبر اضطرت التوفيقية إلى مزيد من التنقيح في معادلتها وذلك بالتوسع في إعادة تفسير الإسلام، عقلياً ومدنياً وعلمياً ثم ديموقراطياً ثم اشتراكياً وماركسياً من أجل الحفاظ على سلامة منطقها النظري المبدئي القائل إن الإسلام يتقبل كل ما هو صحيح وجوهري وضروري في الحضارة الحديثة، وكل ما تحتمه تطورات العصر ومصالح الجماعة.
لقد كانت قوة التحدي الأوروبي، الحضاري والسياسي أعظم من أن تصمد لها توفيقية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومعادلتها التي حاولت بعد أزمان من العداء والتنافر، الجمع بين الإسلام والغرب في صيغة تصالحية واحدة


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

قالت الفتاة الص...

قالت الفتاة الصغيرة في ابتسامة ودودة لأبيها، ما هذا يا ابي مفتاح، فقال الاب لا يا عزيزتي انا لا املك...

(والتنوع الوحدة...

(والتنوع الوحدة عناصر) العربي المغرب (والتنوع الوحدة عناصر) العربي المغرب « الأولى الدورة :الجغرافيا...

أكال : مفيكـ عم...

أكال : مفيكـ عمـ اإلدارة. تناكلت العديد مف المؤلفات العممية في كافة األكساط كالتخصصات مفيكـ اإلدارة ...

They are divide...

They are divided into different groups who speak different languages. Western man is influenced by ...

إن السمة الخلفي...

إن السمة الخلفية الخاصة التي تم بها الإسلام هي أنه دين الرحمة، ومن بين أسماء نبينا محمد اسم نبي الرح...

أثمن الموارد ال...

أثمن الموارد التي منحها الله تعالى للإنسان - استطلاع: سالم بن حمدان الحسيني - أنعم الله سبحانه وتعال...

COPs contribute...

COPs contribute to social capital- connections, relationships, and customary content-and thereby con...

يعد الإعلام في ...

يعد الإعلام في عصرنا الحاضر أحد أبرز عصب للحياة، ولاسيما بعد ثورة المعلومات، والتطور التكنولوجي الحد...

يلحق بالمثنى في...

يلحق بالمثنى في إعرابه ما جاء على صورته، ولم يكن صالحاً لأن يجرد من علامة التثنية ، وذلك مثل: (أثنان...

١- يقصد باحتراف...

١- يقصد باحتراف التجارة ممارسة الشخص الأعمال التجارية بصفة مستمرة ومتكررة ٢- احتراف العمل هو مايقضي...

بحث حول علم الا...

بحث حول علم الاجتماع العام خطة البحث: *مقدمـة: *الفصل الأول:ماهية علم الاجتماع أولا:التعريف بعلم ال...

لقد خلق لله الن...

لقد خلق لله الناس مختلفين،ولكن هدا لاختلاف والتنوع دافعا إلى التعارف والتعاون،والتآلف بين الناس من أ...