لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (0%)

وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ أَقَلَّ مِنْهُ قالَ أَيْضاً: «احْتَقَرَني المَلِكُ فَأَعْطاني أَقَلَّ


النص الأصلي

جَلَسَ المَلِكُ في حَديقَةٍ قَصْرِهِ صَباحَ أَحَدِ الأَيَامِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ شيرينُ. كانا يَتَحادَثانِ بَعيداً عَنْ حَياةِ البَلاطِ وَصَخَبِها، وَهُما سَعيدانِ بِهَذِهِ الجَلْسةِ الّتي لا يَحْظَيانِ بِمِثْلِها إِلَّا نادِراً.
وَشيرينُ زَوْجَةٌ فاضِلَةٌ، وَامرَأَةٌ حَكيمَةٌ. يُحِبُّ المَلِكُ حَديثَها وَيَستَمِعُ بِاهْتِمَامِ إِلى نَصائِحِها.
دَخَلَ عَلَيْهِما الحاجِبُ مَيْمونٌ وَقالَ لِلْمَلِكِ:جَلَسَ المَلِكُ في حَديقَةٍ قَصْرِهِ صَباحَ أَحَدِ الأَيَامِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ شيرينُ. كانا يَتَحادَثانِ بَعيداً عَنْ حَياةِ البَلاطِ وَصَخَبِها، وَهُما سَعيدانِ بِهَذِهِ الجَلْسةِ الّتي لا يَحْظَيانِ بِمِثْلِها إِلَّا نادِراً.
وَشيرينُ زَوْجَةٌ فاضِلَةٌ، وَامرَأَةٌ حَكيمَةٌ. يُحِبُّ المَلِكُ حَديثَها وَيَستَمِعُ بِاهْتِمَامِ إِلى نَصائِحِها.
دَخَلَ عَلَيْهِما الحاجِبُ مَيْمونٌ وَقالَ لِلْمَلِكِ:


مَوْلَايَ. بِالبابِ صَيَّدٌ يَحْمِلُ لِجَلالَتِكُمْ سَمَكَةً عَجِيبَةً لَمْ يَرَ مِثْلَها أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ!
ضَحِكَ المَلِكُ مِنْ كَلامِ حاجِبِهِ وَقالَ مازِحاً:


أَدْخِلْهُ عَلَيْنا يا مَيْمونُ لِيَتَأكّدَ لَنا ما تَقولُ.
انْصَرَفَ مَيْمونٌ، وَفي الحالِ عادَ إِلى المَلِكِ وَزَوْجَتِهِ، وَبِرِفْقَتِهِ شابٌّ طَويلُ القامَةِ، مَفْتولُ العَضَلاتِ، عَلى كَتِفِهِ سَمَكَةٌ طَويلَةٌ عَريضَةٌ تَدَلَّى رَأْسُها مِنْ جِهَةٍ، وَذَنَبُها مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، حَتّى لامَسا الْأَرْضَ.
نَظَرَ المَلِكُ وَالمَلِكَةُ إِلى السَّمَكَةِ وَهُما لا يُصَدِّقانِ ما يَرَيانِ! إِنَّها، حَقّاً، أَضْخَمُ سَمَكَةٍ شاهَداها في حَياتِهِما!
الْتَفَتَ المَلِكُ إِلى مَيْمونٍ وَقالَ:


مَيْمونُ. خُذِ السَّمَكَةَ مِنْ صاحِبِها، وَأَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَم مُكافَأةٌ لَهُ.
أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمِ! لَمْ يُصَدِّقِ الصَّيَّادُ ما سَمِعَهُ! إِنَّهُ مَبْلَغْ لَمْ يَخْطُرْ بِالِهِ قَطُّ! إِنّهُ قَرْوَةٌ! بَلْ هُوَ كَنْزٌ! طَرَحَ السَّمَكَةَ أَرْضاً، وَأسْرَعَ إِلى المَلِكِ يُقَبَّلُ يَدَيْهِ.


شُكْراً لَكَ يا مَوْلايَ! لَقَدْ غَمَرْتَنِي بِفَضْلِكَ! وَلْتَكُنْ هَذِهِ السَّمَكَةُ طَعاماً مَريئاً لَكَ وَلِصاحِبَةِ الجَلالةِ زَوْجَتِك!
ثُمَّ انْطَلَقَ مُسْرِعاً إِلى بَيْتِهِ يُزِفُّ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ النَّبَ السَّعيدَ.
لَمْ تَستَطِعْ شيرينُ أَنْ تَكَتُمَ تَعَجَّبَها مِنْ تَصَرُّفِ زَوْجِها، فَقالَتْ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الحِدَّةِ:


أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمِ ثَمَناً لِسَمَكَةٍ؟ لِماذا؟!
فرَدّ زَوْجُها عَلى سُؤالِها بِسُؤالٍ:
-وَما العَجَبُ في أمْرِ هَذِهِ العَطِيَّةِ يا حَبيبَتي وَأنا مَلِكٌ غَنِيٌّ، وَالرَّجُلُ صَيَّادٌ مُعْدِمٌ؟
-أنْتَ السَّيَّدُ، وَلا اعْتِراضَ عَلى عَمَلِكَ. وَلَكِنْ، لَوْ أَعْطَيْتَ بَعْدَ اليَوْمِ أَحَدَ رَعاياكَ مِثْلَ ما أَعْطَيْتَ الصِّيّادَ، لَأَخَذَ المَبْلَغَ قائِلاً في نَفْسِهِ: «أَعْطاني المَلِكُ كَما أَعْطى الصَّيّادَ))، وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ أَقَلَّ مِنْهُ قالَ أَيْضاً: «احْتَقَرَني المَلِكُ فَأَعْطاني أَقَلَّ
9 of 60
مِمّا أعْطى الصَّيّادَ)).
تَبَسَّمَ المَلِكُ وَأَجابَ:


أَنْتِ حَكيمَةٌ يا حَبيبَتي، وَكَلامُكِ صَحيحٌ. وَلَكِنّني لا أَسْتَطيعُ أَنْ أَسْتَعيدَ مِنَ الصَّيّادِ المَبْلَغَ الَّذي أَعْطَيْتُه إِيّاهُ، فَعَيْبٌ عَلى مَلِكِ البِلادِ أنْ يَسْتَرِدَّ ما سَبَقَ أَنْ أَعْطاهُ.
هَزَّتِ المَلِكَةُ رَأْسَها بِدَلالٍ وَقالَتْ:


دَعِ الأَمْرَ لي. فَأَنا أَدَبَّرُ وَسيلَةً لِاسْتِرْجاعِ المالِ مِنَ
الصَّيّاد!


وَكَيْفَ يَكونُ هَذا يا عَزيزَتي؟


أَرْسِلْ في طَلَبِ الصَّيّادِ حالاً، وَاسْأَلْهُ: ((أَذَكَرٌ هَذِهِ السَّمَكَةُ أَمْ أُنْثى؟)». فَإِنْ أَجابَكَ («ذَكَرٌ))، فَقُلْ لَهُ: ((نَحْنُ نُريدُ سَمَكَةً أُنْتى)! وَإِنْ أَجابَكَ: «أُنْثى»، فَقُلْ لَهُ: ((نَحْنُ نُريدُها
ذكراً)).
ضَحِكَ المَلِكُ لِفِطْنَةِ زَوْجَتِهِ، وَأَرْسَلَ حاجِبَهُ لِيُحْضِرَ الصَّيّادَ. أَقْبَلَ الصَّيّادُ خائِفاً، مُرْتَعِداً، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بِذَكائِهِ أَنَّ في اسْتِدْعاءِ المَلِكِ لَهُ أَمْراً خَطِيراً. وَلَمّا سَأَلَهُ المَلِكُ عَنْ جِنْسِ السَّمَكَةِ، أَذَكَرٌ هِيَ أَمْ أُنْثى، أَجابَ بِسُرْعَةٍ:


مَوْلايَ المُعَظَّمَ! هَذِهِ السَّمَكَةُ خُنْثى، لا ذَكَرٌ وَلا أُنْثى!
فَقَهْقَهَ المَلِكُ حَتّى اسْتَلْقى عَلى قَفاهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ، ثُمَّ قالَ لِلصَّيَّادِ:


ذَكاؤُكَ أَنْقَذَكَ أَيُّها الشَّابُّ! وَأَنْتَ يا مَيْمونُ أَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمِ أُخْرى تَقْديرا مِنَّا لِفِطْتَتِهِ!
قَبَضَ الصَّيّادُ الدَّراهِمَ في عَجَلَةٍ مِنْ أمرِهِ، وَهُوَ لا يُصَدِّقُ أَنّهُ نَجامِنَ الامْتِحانِ الرَّهيبِ الَّذي أَخْضَعَهُ لَهُ المَلِكُ. وَكانَتْ يَداهُ تَرْتَجِفانِ وَهُوَ يَضَعُ الدَّراهِمَ في جِرابِهِ، فَسَقَطَ مِنْهُ دِرْهَمٌ عَلى الأَرْضِ وَتَدَحْرَجَ بَعيداً، بَعيداً ... وَبِكَلّ بُرودَةِ أَعْصابٍ وَضَعَ الصَّيَّادُ جِرابَهُ عَلى الأَرْضِ وَرَكَضَ وَراءَ الدُّرْهَمِ فَأَمْسَكَ بِهِ وَضَمَّهُ إِلَى بَقيَّةِ الدَّراهِمِ. ثُمَّ سَجَدَ أَمَامَ المَلِكِ وَزَوْجَتِهِ، وَقَبَّلَ أيْدِيَهُما، وَخَرَجَ مُسْرِعاً.
سُتاءَتْ شيرينُ لِعَدَمِ نَجاحٍ حيلَتِها، وَزادَ غَضَبُها عَلى الصَّيّادِ. قالَتْ لِلْمَلِكِ:
-هَلْ رَأَيْتَ أَبْخَلَ مِنْ هَذا الرَّجُلِ وَأَحْقَرَ؟ قَبَضَ مِنْكَ اليَوْمَ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَتَخَلَّ عَنْ دِرْهَمِ واحِدٍ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ، فَظَلٌ يُلاحِقُهُ غَيْرَ مُكْتَرِثِ لِوُجودِنا. إنَّ رَجُلاً مِثْلَهُ لا يَسْتَحِقُّ عَطاءً وَلا مَعروفاً!
اقْتَنَعَ المَلِكُ بِكَلامِ زَوْجَتِهِ وَتَأْثَرَ بِانْفِعالِها، فَصاحَ
بِمَيْمونٍ:


عُدْ إِلَيَّ بِالصَّيّادِ حالاً!
وَما هِيَ إِلَا دَقائِقُ حَتّى دَخَلَ الصَّيّادُ عَلى المَلِكِ وَهُوَ يَرْ تَعِدُ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ. كانَ يُفَكِّرُ: («سَلِمَ رَأْسي في المَرَّةِ السَّابِقَةِ، وَلَكِنْ وَيْلي ثُمَّ وَيْلِي مِنْ هَذِهِ المَرَّةِ!)) وَخَرَّ عَلى وَجْهِهِ أَمامَ المَلِكِ لا يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ.
صاحَ عَلَيْهِ المَلِك وَهُوَ شَديدُ الغَيْظِ:


أَيُّها الرَّجُلُ الدَّنيءُ! لَقَدْ أَعْطَيْناكَ اليَوْمَ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَبَخُلْتَ بِدِرْهَمٍ واحِدٍ سَقَطَ مِنْكَ، فَرُحْتَ تَرْكُضُ وَراءَهُ لاهِناً وَلَمْ تَتْرُكْهُ لِيَلْتَقِطَهُ أَحَدُ المُحْتاجينَ؟!
رَفَعَ الصَّيّادُ رَأْسَهُ وَقالَ:


مَوْلايَ، أطالَ اللهُ عُمْرَكَ! لَمْ أَرْفَعِ الدِّرْهَمَ عَنِ الأَرْضِ حُبّا بِهِ وَبُخْلا، بَعْدَما غَمَرْتَني بِكَرَمِكَ. وَإِنَّما رَفَعْتُهُ عَنِ الأَرْضِ حِرْصاً عَلى مَوْلايَ وَاحْتِراماً لَهُ... وَهَدَرَ المَلِكُ كالصّاعِقةِ:


وَكَيْفَ هَذَا أَيُّها الوَقِحُ؟


مَوْلايَ وَوَلِيِّ نِعْمَتي... الدِّرْهَمُ يَحْمِلُ عَلى أَحَدِ وَجْهَيْهِ صُورَةَ المَلِكِ، وَعَلى وَجْهِهِ الآخَرِ اسْمَهُ، فَكَيْفَ أَسْمَحُ لِنَفْسي بِأَنْ أَتْرُكَهُ عَلى الأَرْضِ فَيُداسَ سَهُواً بِالأَرْجُلِ؟ إِنَّ في هَذا جَريمَةً أَرْتَكِبُها، وَاحْتِقاراً لِمَوْلايَ، وَحاشا أَنْ أَفْعَلَ هَذا!
انْشَرَحَ صَدْرُ المَلِكِ لِهَذا الجَوابِ، وَحَلَّ الفَرَحُ في قَلْبِهِ مَحَلَّ الغَضَبِ. وَشارَكَتْهُ المَلِكَةُ في فَرَحِهِ بَعْدَما كانَتْ ناقِمَةً عَلى الصَّيّادِ. قالَ المَلِك:


حَقّاً إِنَّكَ رَجُلٌ فَطِنٌ نَجيبٌ! حَبَّدا لَوْ كانَ أَبْناءُ مَمْلَكَتي كُلُّهُمْ في مِثْلِ ذَكائِكَ. وَأَنْتَ أَهْلٌ لِمَزيدٍ مِنَ التَّقْديرِ، وَلِمَزيدٍ مِنَ العَطاءِ... لَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمِ أُخْرى، فَلْتَكُنْ لَكَ وَلِعائِلَتِكَ مُعِينا عَلَى الحَيَاةِ.
كادَ الصَّيّادُ أنْ يَطيرَ فَرَحاً. فَقَدْ دَفَقَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ خَيراتها دُفْعَةً واحِدَةً. وَقَدْ وَعَدَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُكَرِّمَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ بِالمالِ الَّذي جَناهُ، وَأَنْ يُنْفِقَ قِسْماً مِنْهُ عَلى المُحْتاجينَ مِنْ زُمَلائِهِ الصَّيَّادينَ الفُقراءِ لِيَذوقوا - كَما ذاقَ هُوَ - طَعْمَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالرَّخاءِ.


مَوْلَايَ. بِالبابِ صَيَّدٌ يَحْمِلُ لِجَلالَتِكُمْ سَمَكَةً عَجِيبَةً لَمْ يَرَ مِثْلَها أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ!
ضَحِكَ المَلِكُ مِنْ كَلامِ حاجِبِهِ وَقالَ مازِحاً:


أَدْخِلْهُ عَلَيْنا يا مَيْمونُ لِيَتَأكّدَ لَنا ما تَقولُ.
انْصَرَفَ مَيْمونٌ، وَفي الحالِ عادَ إِلى المَلِكِ وَزَوْجَتِهِ، وَبِرِفْقَتِهِ شابٌّ طَويلُ القامَةِ، مَفْتولُ العَضَلاتِ، عَلى كَتِفِهِ سَمَكَةٌ طَويلَةٌ عَريضَةٌ تَدَلَّى رَأْسُها مِنْ جِهَةٍ، وَذَنَبُها مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، حَتّى لامَسا الْأَرْضَ.
نَظَرَ المَلِكُ وَالمَلِكَةُ إِلى السَّمَكَةِ وَهُما لا يُصَدِّقانِ ما يَرَيانِ! إِنَّها، حَقّاً، أَضْخَمُ سَمَكَةٍ شاهَداها في حَياتِهِما!
الْتَفَتَ المَلِكُ إِلى مَيْمونٍ وَقالَ:


مَيْمونُ. خُذِ السَّمَكَةَ مِنْ صاحِبِها، وَأَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَم مُكافَأةٌ لَهُ.
أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمِ! لَمْ يُصَدِّقِ الصَّيَّادُ ما سَمِعَهُ! إِنَّهُ مَبْلَغْ لَمْ يَخْطُرْ بِالِهِ قَطُّ! إِنّهُ قَرْوَةٌ! بَلْ هُوَ كَنْزٌ! طَرَحَ السَّمَكَةَ أَرْضاً، وَأسْرَعَ إِلى المَلِكِ يُقَبَّلُ يَدَيْهِ.


شُكْراً لَكَ يا مَوْلايَ! لَقَدْ غَمَرْتَنِي بِفَضْلِكَ! وَلْتَكُنْ هَذِهِ السَّمَكَةُ طَعاماً مَريئاً لَكَ وَلِصاحِبَةِ الجَلالةِ زَوْجَتِك!
ثُمَّ انْطَلَقَ مُسْرِعاً إِلى بَيْتِهِ يُزِفُّ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ النَّبَ السَّعيدَ.
لَمْ تَستَطِعْ شيرينُ أَنْ تَكَتُمَ تَعَجَّبَها مِنْ تَصَرُّفِ زَوْجِها، فَقالَتْ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الحِدَّةِ:


أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمِ ثَمَناً لِسَمَكَةٍ؟ لِماذا؟!
فرَدّ زَوْجُها عَلى سُؤالِها بِسُؤالٍ:
-وَما العَجَبُ في أمْرِ هَذِهِ العَطِيَّةِ يا حَبيبَتي وَأنا مَلِكٌ غَنِيٌّ، وَالرَّجُلُ صَيَّادٌ مُعْدِمٌ؟
-أنْتَ السَّيَّدُ، وَلا اعْتِراضَ عَلى عَمَلِكَ. وَلَكِنْ، لَوْ أَعْطَيْتَ بَعْدَ اليَوْمِ أَحَدَ رَعاياكَ مِثْلَ ما أَعْطَيْتَ الصِّيّادَ، لَأَخَذَ المَبْلَغَ قائِلاً في نَفْسِهِ: «أَعْطاني المَلِكُ كَما أَعْطى الصَّيّادَ))، وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ أَقَلَّ مِنْهُ قالَ أَيْضاً: «احْتَقَرَني المَلِكُ فَأَعْطاني أَقَلَّ
9 of 60
مِمّا أعْطى الصَّيّادَ)).
تَبَسَّمَ المَلِكُ وَأَجابَ:


أَنْتِ حَكيمَةٌ يا حَبيبَتي، وَكَلامُكِ صَحيحٌ. وَلَكِنّني لا أَسْتَطيعُ أَنْ أَسْتَعيدَ مِنَ الصَّيّادِ المَبْلَغَ الَّذي أَعْطَيْتُه إِيّاهُ، فَعَيْبٌ عَلى مَلِكِ البِلادِ أنْ يَسْتَرِدَّ ما سَبَقَ أَنْ أَعْطاهُ.
هَزَّتِ المَلِكَةُ رَأْسَها بِدَلالٍ وَقالَتْ:


دَعِ الأَمْرَ لي. فَأَنا أَدَبَّرُ وَسيلَةً لِاسْتِرْجاعِ المالِ مِنَ
الصَّيّاد!


وَكَيْفَ يَكونُ هَذا يا عَزيزَتي؟


أَرْسِلْ في طَلَبِ الصَّيّادِ حالاً، وَاسْأَلْهُ: ((أَذَكَرٌ هَذِهِ السَّمَكَةُ أَمْ أُنْثى؟)». فَإِنْ أَجابَكَ («ذَكَرٌ))، فَقُلْ لَهُ: ((نَحْنُ نُريدُ سَمَكَةً أُنْتى)! وَإِنْ أَجابَكَ: «أُنْثى»، فَقُلْ لَهُ: ((نَحْنُ نُريدُها
ذكراً)).
ضَحِكَ المَلِكُ لِفِطْنَةِ زَوْجَتِهِ، وَأَرْسَلَ حاجِبَهُ لِيُحْضِرَ الصَّيّادَ. أَقْبَلَ الصَّيّادُ خائِفاً، مُرْتَعِداً، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بِذَكائِهِ أَنَّ في اسْتِدْعاءِ المَلِكِ لَهُ أَمْراً خَطِيراً. وَلَمّا سَأَلَهُ المَلِكُ عَنْ جِنْسِ السَّمَكَةِ، أَذَكَرٌ هِيَ أَمْ أُنْثى، أَجابَ بِسُرْعَةٍ:


مَوْلايَ المُعَظَّمَ! هَذِهِ السَّمَكَةُ خُنْثى، لا ذَكَرٌ وَلا أُنْثى!
فَقَهْقَهَ المَلِكُ حَتّى اسْتَلْقى عَلى قَفاهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ، ثُمَّ قالَ لِلصَّيَّادِ:


ذَكاؤُكَ أَنْقَذَكَ أَيُّها الشَّابُّ! وَأَنْتَ يا مَيْمونُ أَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمِ أُخْرى تَقْديرا مِنَّا لِفِطْتَتِهِ!
قَبَضَ الصَّيّادُ الدَّراهِمَ في عَجَلَةٍ مِنْ أمرِهِ، وَهُوَ لا يُصَدِّقُ أَنّهُ نَجامِنَ الامْتِحانِ الرَّهيبِ الَّذي أَخْضَعَهُ لَهُ المَلِكُ. وَكانَتْ يَداهُ تَرْتَجِفانِ وَهُوَ يَضَعُ الدَّراهِمَ في جِرابِهِ، فَسَقَطَ مِنْهُ دِرْهَمٌ عَلى الأَرْضِ وَتَدَحْرَجَ بَعيداً، بَعيداً ... وَبِكَلّ بُرودَةِ أَعْصابٍ وَضَعَ الصَّيَّادُ جِرابَهُ عَلى الأَرْضِ وَرَكَضَ وَراءَ الدُّرْهَمِ فَأَمْسَكَ بِهِ وَضَمَّهُ إِلَى بَقيَّةِ الدَّراهِمِ. ثُمَّ سَجَدَ أَمَامَ المَلِكِ وَزَوْجَتِهِ، وَقَبَّلَ أيْدِيَهُما، وَخَرَجَ مُسْرِعاً.
سُتاءَتْ شيرينُ لِعَدَمِ نَجاحٍ حيلَتِها، وَزادَ غَضَبُها عَلى الصَّيّادِ. قالَتْ لِلْمَلِكِ:
-هَلْ رَأَيْتَ أَبْخَلَ مِنْ هَذا الرَّجُلِ وَأَحْقَرَ؟ قَبَضَ مِنْكَ اليَوْمَ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَتَخَلَّ عَنْ دِرْهَمِ واحِدٍ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ، فَظَلٌ يُلاحِقُهُ غَيْرَ مُكْتَرِثِ لِوُجودِنا. إنَّ رَجُلاً مِثْلَهُ لا يَسْتَحِقُّ عَطاءً وَلا مَعروفاً!
اقْتَنَعَ المَلِكُ بِكَلامِ زَوْجَتِهِ وَتَأْثَرَ بِانْفِعالِها، فَصاحَ
بِمَيْمونٍ:


عُدْ إِلَيَّ بِالصَّيّادِ حالاً!
وَما هِيَ إِلَا دَقائِقُ حَتّى دَخَلَ الصَّيّادُ عَلى المَلِكِ وَهُوَ يَرْ تَعِدُ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ. كانَ يُفَكِّرُ: («سَلِمَ رَأْسي في المَرَّةِ السَّابِقَةِ، وَلَكِنْ وَيْلي ثُمَّ وَيْلِي مِنْ هَذِهِ المَرَّةِ!)) وَخَرَّ عَلى وَجْهِهِ أَمامَ المَلِكِ لا يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ.
صاحَ عَلَيْهِ المَلِك وَهُوَ شَديدُ الغَيْظِ:


أَيُّها الرَّجُلُ الدَّنيءُ! لَقَدْ أَعْطَيْناكَ اليَوْمَ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَبَخُلْتَ بِدِرْهَمٍ واحِدٍ سَقَطَ مِنْكَ، فَرُحْتَ تَرْكُضُ وَراءَهُ لاهِناً وَلَمْ تَتْرُكْهُ لِيَلْتَقِطَهُ أَحَدُ المُحْتاجينَ؟!
رَفَعَ الصَّيّادُ رَأْسَهُ وَقالَ:


مَوْلايَ، أطالَ اللهُ عُمْرَكَ! لَمْ أَرْفَعِ الدِّرْهَمَ عَنِ الأَرْضِ حُبّا بِهِ وَبُخْلا، بَعْدَما غَمَرْتَني بِكَرَمِكَ. وَإِنَّما رَفَعْتُهُ عَنِ الأَرْضِ حِرْصاً عَلى مَوْلايَ وَاحْتِراماً لَهُ... وَهَدَرَ المَلِكُ كالصّاعِقةِ:


وَكَيْفَ هَذَا أَيُّها الوَقِحُ؟


مَوْلايَ وَوَلِيِّ نِعْمَتي... الدِّرْهَمُ يَحْمِلُ عَلى أَحَدِ وَجْهَيْهِ صُورَةَ المَلِكِ، وَعَلى وَجْهِهِ الآخَرِ اسْمَهُ، فَكَيْفَ أَسْمَحُ لِنَفْسي بِأَنْ أَتْرُكَهُ عَلى الأَرْضِ فَيُداسَ سَهُواً بِالأَرْجُلِ؟ إِنَّ في هَذا جَريمَةً أَرْتَكِبُها، وَاحْتِقاراً لِمَوْلايَ، وَحاشا أَنْ أَفْعَلَ هَذا!
انْشَرَحَ صَدْرُ المَلِكِ لِهَذا الجَوابِ، وَحَلَّ الفَرَحُ في قَلْبِهِ مَحَلَّ الغَضَبِ. وَشارَكَتْهُ المَلِكَةُ في فَرَحِهِ بَعْدَما كانَتْ ناقِمَةً عَلى الصَّيّادِ. قالَ المَلِك:


حَقّاً إِنَّكَ رَجُلٌ فَطِنٌ نَجيبٌ! حَبَّدا لَوْ كانَ أَبْناءُ مَمْلَكَتي كُلُّهُمْ في مِثْلِ ذَكائِكَ. وَأَنْتَ أَهْلٌ لِمَزيدٍ مِنَ التَّقْديرِ، وَلِمَزيدٍ مِنَ العَطاءِ... لَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمِ أُخْرى، فَلْتَكُنْ لَكَ وَلِعائِلَتِكَ مُعِينا عَلَى الحَيَاةِ.
كادَ الصَّيّادُ أنْ يَطيرَ فَرَحاً. فَقَدْ دَفَقَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ خَيراتها دُفْعَةً واحِدَةً. وَقَدْ وَعَدَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُكَرِّمَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ بِالمالِ الَّذي جَناهُ، وَأَنْ يُنْفِقَ قِسْماً مِنْهُ عَلى المُحْتاجينَ مِنْ زُمَلائِهِ الصَّيَّادينَ الفُقراءِ لِيَذوقوا - كَما ذاقَ هُوَ - طَعْمَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالرَّخاءِ.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...