لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

المصدر الثاني: السنة النبوية. السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وسنجعل الكلام حول هذا المصدر من خلال أربعة مباحث. كلمة السنة في اللغة تطلق على السيرة والطريقة. 1 وفي الاصطلاح الشرعي: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. من خلال تعريف السنة يتبين لنا أنها تنقسم إلى عدة أقسام، وهي: أ – السنة القولية: وهي الأحاديث التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف الأحوال ونقلت إلينا بلفظها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات . ".3 ب – السنة الفعلية : وهي كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أفعال، أو سكت عن إنكاره بعد أن صدر أمامه، أو ظهر منه ما يدل على استحسانه والرضا به، إقراره صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه حينما أكل الضب أمامه ولم ينكر عليه، 3 أخرجه البخاري في صحيحه، لقد اكتسبت السنة النبوية حجيتها من القرآن الكريم ذاته الذي هو حجة الله على عباده، ويتبين لنا كونها حجة من خلال عدة أوجه مذكورة في القرآن، وإليك بيان شيء منها: الوجه الأول: إخبار القرآن بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق في أمور التشريع إلا بالوحي. قالاللهعزوجل:{َوَماَيْنطق َعناْلَهَوىإْنهَوإالاَوْحٌييوَحى َعلاَمه َشديداْلقَوى ذو م ارة فَا ْستَ َوى َوه َو با ْلأفق ا ْلأَ ْعلَى} [النجم: 3- 4] فالله سبحانه وتعالى يخبر أن كلمانطقبهنبيهصلىاللهعليهوسلم–فيأمورالتشريع–هووح ٌيمنه سبحانه إليه، قال ابن حزم رحمه الله:" لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع؛ نظرنا فيه - أي في القرآن - فوجدنا فيه إيجا َب طاعة ما أ َم َرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله صلى الله عليه وسلم {وما ينطقعنالهوى*إنهوإلاوحييوحى}فص احلنابذلكأ انالوحيينقسممنالله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين: أحدهما: وح ٌي متلو مؤلاف تأليفا معجز النظام - أي معجزا في ألفاظه - وهو القرآن، والثاني: وح ٌي مروي منقو ٌل غير مؤلاف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا، الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} "5 وهناك أمو ٌر نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهادا منه، وهذا الاجتهاد قد أذن الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ح ٌق أيضا إذا أق اره الله سبحانه على هذا الاجتهاد، قال ابن عثيمين رحمه الله:" {وما ينطق عن الهوى} أي: لا يتكلم بشيء صادر عن الهوى بأي حال من الأحوال، فما حكم بشيء من أجل الهوى، وما اجتهد به صلى الله عليه وسلم اجتهاداً يريد به المصلحة، الثاني: أن ينطق بالسنة الموحاة إليه التي أقرها الله تعالى على لسانه. الثالث: أن ينطق باجتهاد لا يريد به إلا المصلحة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتكلم عن هوى، قال تعالى:} َ و أ َ ْ ن َ ز َ ل ا اللَّ َ ع ل َ ْ ي َ ك ا ْ ل ك ت َ ا َ ب َ و ا ْ ل ح ْ ك َ م ة َ َ و َ ع ل ا َ م َ ك َ م ا ل َ ْ م ت َ ك ْ ن ت َ ْ ع ل َ ْ م َ و َ ك ا َ ن ف َ ْض ل ا اللَّ َ ع ل َ ْ ي َ ك َ ع ظ ي ً م ا }[النساء: 113] - وذكر سبحانه وتعالى أنه بعث رسوله صلى الله عليه وسلم لكي يتل َو على الناس آيات القرآن الكريم، قال تعالى: {لَقَ ْد َم ان االلَّ َعلَى ا ْلم ْؤمني َن إ ْذ َب َع َث فيه ْم َرسو ًلا م ْن أَ ْنفسه ْم َيتْلو َعلَ ْيه ْم آ َياته َوي َزكيه ْم َوي َعلمهم ا ْلكتَا َب َوا ْلح ْك َمةَ َوإ ْن َكانوا م ْن قَ ْبل لَفي َض َلال مبين} [آل عمران: 164]
5 انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الأندلسي، ولاحظ الفرق بين تلاوة القرآن، فالتعليم قد ٌر زائد على مجرد التلاوة، وبيان كيفية التطبيق لهذا القرآن الكريم، فهي إذن شي ٌء آخر غير القرآن وليس هناك وح ٌي آخر إلا السنة التي كان ينطق بها ويفعلها صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير رحمه الله:" َوقَ ْوله تَ َعالَى: { َوي َعلمهم ا ْلكتَا َب} َي ْعني: ا ْلق ْرآ َن { َوا ْلح ْك َمةَ} َي ْعني: السناةَ، قَالَه الحسن َوقَتَا َدة، َومقَاتل ْبن َح ايا َن، َوأَبو َمالك َو َغ ْيره ْم. َوقي َل: ا ْلفَ ْهم في الدين. 7 يقصد رحمه الله: أنه لا منافاة بين القولين، لأنه بالسنة يكون الفهم الصحيح والتطبيق السليم للدين. - وقال سبحانه مخاطبا أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن: { َوا ْذك ْر َن َما يتْلَى في بيوتك ان م ْن آ َيات االلَّ َوا ْلح ْك َمة إ ان االلََّ َكا َن لَطيفًا َخبي ًرا} [الأحزاب: 34] قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير الآية الكريمة:" َوا ْذك ْر َن َما ي ْق َرأ في بيوتك ان م ْن آ َيات كتَاب االلَّ َوا ْلح ْك َمة؛ َو َي ْعني با ْلح ْك َمة: َما أوح َي إلَى َرسول االلَّ َصلاى الله َعلَْيهَوَسلاَممْنأَْحَكامَدْين االلَّ، فسمعت َم ْن أ ْرضى من أهل العلم بالق َرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله، لأن الق َرآن ذكر وأتْب َعتْه الحكمة، وذك َر الله َمناه على َخ ْلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، وحتام على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول
وذلك أ ان الله َج َع َل الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مقروناً بالإيمان به سبحانه وتعالى". الوجه الثالث: الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وج َل والتي فيها الأمر بطاعته صلى
والتحذير من مخالفة أمره. أولا: قوله تعالى: { َيا أَي َها الاذي َن آ َمنوا أَطيعوا االلَّ َوأَطيعوا ال ارسو َل َوأولي ا ْلأَ ْمر م ْنك ْم َ
فَإْنتَنَاَزْعتْمفي َشْيءفَردوهإلَى االلََّوالارسولإْنكْنتْمتْؤمنوَنبااللََّواْلَيْوماْلآخر ذَل َك َخ ْي ٌر َوأَ ْح َسن تَأْوي ًلا} [النساء: 59] أ / ففي هذه الآية يأمر الله تعالى جميع المؤمنين - سواء من كان منهم في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يأتي بعد زمانه - بطاعة الله عز وجل وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، واتباع سنته والرجوع إليها بعد وفاته، وقد نقل ابن جرير الطبري في تفسيره عن عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير قوله تعالى:{أَطيعوا االلَّ وأَطيعوا ال ارسو َل}
النساء:59]قَاَل:" َطاَعةالارسول:اتَباعاْلكتَابَوالسناة"10
10 انظر: جامع البيان للطبري ( 7 / 175 ) 11 انظر: تفسير ابن كثير ( 2 / 345 )
قال ابن القيم رحمه الله:" فَأَ َم َر تَ َعالَى ب َطا َعته َو َطا َعة َرسوله، لَ ْم َيك ْن فيه، 12
ب / وفي هذه الآية أيضا يأمرنا الله أن نر اد الأمور عند التنازع والاختلاف فيها إلى الله ورسوله، قال تعالى:} فَإ ْن تَنَا َز ْعت ْم في َش ْيء فَردوه إلَى االلَّ َوال ارسول { والرد إلى الله عز وجل هو الرد إلى كتابه، عليه وسلم، قال ميمون بن مهران رحمه الله:" " ال ارد إلَى االلَّ: ال ارد إلَى كتَابه, َوال ارد إلَى َرسوله إ ْن َكا َن َح ًّيا, فَإ ْن قَ َب َضه االلَّ إلَ ْيه فَال ارد إلَى السناة "13
قالابنالقيمرحمهالله:"َوأَْجَمَعاْلمْسلموَن َعلَىأَانالارادإلَى االلَّ-سْبَحانَه-هَوالارد إلَىكتَابه، َوالارادإلَىالارسول- َصلاى االلَّ َعلَْيهَوَسلاَم-هَوالاردإلَْيهفيحضوره َو َح َياته، 14
ج / وتدل هذه الآية الكريمة أيضا على ضرورة أن تكون السنة محفوظة، إذ كيف يأمرنا الله عز وجل بالرجوع إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وسنته غير محفوظة ؟!
فلا سبيل إلى امتثال ما أمرنا الله به من الرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بالرجوع إلى الأخبار والروايات الواردة عنه صلى الله عليه وسلم والتي قيض الله لها من أئمة الحديث من يدونها ويجمعها، وفق منهج علمي جاد ودقيق، 13 انظر: جامع البيان للطبري ( 7 / 186 ) 14 انظر: إعلام الموقعين لابن القيم ( 1 / 174 )
إنما هو إلى كلام الله تعالى وهو القرآن، ثانيا:ومنهذهالآياتأيضاقولهتعالى:} َوَماآتَاكمالارسولفَخذوه َوَمانََهاكْم َعْنه فَا ْنتَهوا واتاقوا االلَّ إ ان االلَّ َشديد ا ْلعقَاب} [الحشر: 7]
والمقصود بالإيتاء هنا الأمر والتشريع، قال القرطبي رحمه الله:" قَ ْوله تَ َعالَى:} َوما آتاكم ال ارسول فَخذوه { َوإ ْن َجا َء بلَ ْفظ ا ْلإيتَاء َوه َو ا ْلمنَا َولَة فَإ ان َم ْعنَاه ا ْلأَ ْمر، 16
لأَناهقَاَبلَهبقوله}َوَمانهاكم َعنه فَا ْنتَهوا{17
وهذه الأوامر والنواهي هي ما جاء في السنة النبوية، ولما أمرنا الله عز وجل أن نأتمر بما أمرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن ننته َي عما نهانا عنه؛ دل هذا على حجية السنة النبوية. َوكل َش ْيء أَتَانَا به م َن ال اش ْرع فَقَ ْد أَ ْع َطانَا إ اياه َوأَ ْو َصلَه إلَ ْينَا، َََ
وإليك هذا المثال الذي يوضح هذا الوجه من أوجه حجية السنة، فَقَالَ ْت: أ ْنبئْت أَنا َك تَ ْن َهى َعن ا ْل َواصلَة؟ قَا َل:نَ َعْم، أَْم َسم ْعتَهم ْن َرسولالله َصلاىالله َعلَْيه َو َسلا َم؟ فَقَا َل: أَجده في كتَاب الله، َو َع ْن َرسول الله، فَقَالَ ْت: َوالله لَقَ ْد تَ َصفا ْحت َما َب ْي َن َدفاتَي ا ْلم ْص َحف19، قَا َل: فَ َه ْل َو َج ْدت فيه: { َما آتَاكم ال ارسول فَخذوه َو َما نَ َهاك ْم َع ْنه فَا ْنتَهوا} [الحشر: 7] ، قَا َل: فَإني َسم ْعت َرسوَلالله َصلاىالله َعلَْيه َو َسلاَم"نََهى َعْنالناام َصة َواْلَواشَرة َواْلَواصلَة َواْلَواشَمة إ الا م ْن َداء ". 20
فهنا يستدل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بهذه الآية على حجية السنة النبوية، ثم يستدل بعد ذلك بالسنة على حرمة هذه الأمور المذكورة في الحديث. لقَد نزل هذا القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خلال ثلاث وعشرين سنة، ولا شك أن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله وأحواله هي البيان الأمثل للقرآن الكريم، لأنه أعلم الناس بكتاب الله وبمراد الله عز وجل، فلا سبيل إلى الفهم الصحيح لتوجيهات القرآن وأحكامه وهداياته إلا بالرجوع إلى السنة النبوية. 20 أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 7 / 57 ) برقم (3945 ) تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون، طبعة: مؤسسة الرسالة. َو َغْيرذَل َكمامالَْميفَصْله". 22
فبينت السنة النبوية المرا َد من تلك الآيات، ألا وهي عبادة الصلاة التي أمرنا الله عز وجل في كتابه بإقامتها، ولنطرح بعض الأسئلة:
كم عدد الصلوات المفروضة في اليوم والليلة؟ وكم عدد ركعات كل صلاة؟ وما هي صفة الصلاة؟ وما الذي يقوله المصلي في قيامه وركوعه ورفعه من الركوع وسجوده وجلوسه وتشهده؟ وما ذا يفعل المصلي إذا سها في صلاته؟ وما هي الصلوات الجهرية والسرية؟ وما هو وقت دخول وخروج كل صلاة؟ وقبل هذا ما هي صفة الأذان والإقامة؟ وما ذا عن الصلوات الأخرى غير المفروضة مثل السنن الرواتب والصلوات التي يشرع لها الجماعة كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والتراويح ؟ كل هذا لا نجده إلا في السنة، فهل يتصور أحدٌ أنه بإمكانه إقامة الصلاة دون الرجوع إلى السنة؟!
وقل مثل ذلك أيضا في إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام، طبعة: دار إحياء التراث العربي – بيروت. 22 انظر: تفسير القرطبي ( 10 / 109 )
التفصيلات والأحكام الهامة لم تعرف إلا من طريق السنة، وكل هذا يدل دلالة قاطعة أنه لا يمكن إقامة الدين إلا من خلال سنة رسول رب العالمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. خذوا َعناافَإناكْم, مْنأَْيَنكْنَتتَْعلَمأَان َصَلاةَالظْهرعادتَهاَكذَا, َوحي َن َو ْقت َها َكذَا, - َ و َ و َض َ ع ي َ َ د ه َ ع ل َ ى َ م ْ ف ص ل ا ْ ل َ ك ف َ و َ و َض َ ع َ ي َ د ه ع ْ ن َ د ا ْ ل م ْ ر ف َ ق َ و َ و َض َ ع َ ي َ د ه ع ْ ن َ د ا ْ ل َ م ْ ن ك ب - اتابعوا َحديثَنَا َما َحادثْنَاكْم, 23
والزعم بأنه يكفي الرجوع للقرآن دون السنة؛ َهذَا َو َحدثْنَا م َن ا ْلق ْرآن, فَا ْعلَ ْم أَناه َضال مضل ". ولا
ويثيرون الشبهات حول حجيتها، ويزعمون الاكتفاء بالقرآن عنها، المؤ ايد بالوحي صلى الله عليه وسلم، فَعناْلمْقَدامْبنَمْعديَكرَب َعْنَرسول االلَّ َصلاىالله َعلَْيهَوَسلاَمأَناهقَاَل:"أََلا إني أوتيت ا ْلكتَا َب، أَ َلا يوشك َرج ٌل َش ْب َعان َعلَى أَري َكته َيقول َعلَ ْيك ْم ب َهذَا اْلقْرآنفََماَوَجْدتْمفيهمْن َحَلالفَأَحلوه، َوَماَوَجْدتْمفيهمْن َحَرامفََحرموه"25وفي رواية أنه قال في آخره:" أَ الا َوإ ان َما َح ار َم َرسول االلَّ َصلاى الله َعلَ ْيه َو َسلا َم مثْل َما َحارَم االلَّ". وعن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم َعن النابي صلى الله عليه وسلم أنه قَاَل:" َلاأْلفَيانأََحَدكْممتاكئًا َعلَىأَريَكته، َما َو َج ْدنَا في كتَاب االلَّ اتا َب ْعنَاه "27 ومعنى: لا ألفين، للسنة النبوية مع القرآن الكريم أحوال ثلاثة، وهي: أولا: سنة مؤكدة لما جاء في القرآن الكريم. مثاله: التأكيد على وجوب إقامة الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج. والتأكيد على تحريم الزنا وقتل النفس بغير حق وعقوق الوالدين. حديث رقم (4605 )
وجاءت كذلك بتفصيل أحكام الزكاة من حيث الأموال التي تزكى، الخ. وهي تشمل من أطراف الأصابع إلى مفصل الكتف، د – توضيح المشكل: قد ترد بعض الآيات من القرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: {الاذي َن آ َمنوا َولَ ْم َي ْلبسوا إي َمانَه ْم بظ ْلم أولَئ َك لَهم ا ْلأَ ْمن َوه ْم م ْهتَدو َن} [الأنعام: 82] َش اق ذَل َك َعلَى أَ ْص َحاب النابي َصلاى الله َعلَ ْيه
28 انظر: السنن الكبرى للبيهقي ( 8 / 470 ) طبعة: دار الكتب العلمية. أبواب الفرائض، َو َسلا َم، أَلاَتَْسَمعوَنإلَىقَْوللْقَماَن:{إانالشْرَكلَظْلٌم َعظيٌم{". وحصل عليها الإجماع؛ الأخذ بالسنة التي تأتي بأحكام لم تذكر في
القرآن، ولهذا أمثلة كثيرة جدا في التشريع، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، وتحريم أكل ذوات الأنياب من السباع وذوات المخالب من الطيور، والتحريم بالرضاع ما يحرم من النسب، المبحث الرابع: معايير وشروط الحديث الصحيح. يأتي السؤال المهم: ما هو المعيار الذي نثبت من خلاله صحة الحديث حتى يكو َن مقبولا ؟
وللإجابة على هذا السؤال نقدم بمقدمة فنقول: إن علماء الحديث رحمهم الله أدركوا في أوقات مبكرة ضرورةَ التمييز بين المرويات، ومعرفة المقبول من المردود، 31
109، ولقد كان هذا التوجيه النبوي ونحوه من التوجيهات هو الداف َع لهم على تدوين السنة النبوية وكتابتها وجمعها ومعرفة أحوال رواتها ووضع قواعد هذا العلم الشريف، علم مصطلح الحديث. َو َيقول: قَا َل َرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَا َل َرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَا َل: َيا اْبَن َعاباس، َوأَ ْصغَ ْينَا إلَ ْيه بآذَاننَا، لَ ْم نَأْخ ْذ م َن النااس إ الا َما نَ ْعرف ". فنلاحظ في هذه الرواية احتياط الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في قبول الخبر، وعدم قبول الخبر إلا بعد معرفة ناقله. وروى مسلم أيضا في مقدمة صحيحه أخبارا أخرى تدل على هذا المعنى الذي ذكرناه، ومن ذلك:
فَاْنظروا َعامْنتَأْخذوَن دينَك ْم ". وقال أيضا:" لَ ْم َيكونوا َي ْسأَلو َن َعن ا ْلإ ْسنَاد، فَلَ اما َوقَ َعت ا ْلفتْنَة، قَالوا: َسموا لَنَا ر َجالَك ْم، فَيْن َظر إلَى أَ ْهل السناة فَي ْؤ َخذ َحديثه ْم، وهو مع هذا يقول هذا الكلام وينقل لنا أنهم كانوا لا يقبلون الرواية إلا بعد معرفة إسنادها والتأكد من عدالة ناقليها. - وعن عبدالله بن المبارك رحمه الله أنه قال:" ا ْلإ ْسنَاد م َن الدين، وعن نشأة وأطوار التدوين فيها، طوي ٌل جدا، والمراد بالعدالة: استقامة سلوك الإنسان في الظاهر، وبعده عن أسباب الفسق، بعيدا عما يصير به فاسقا؛ حكم له بالعدالة، والدليل على اشتراط عدالة الراوي قوله تعالى:{ َيا أَي َها الاذي َن آ َمنوا إ ْن َجا َءك ْم فَاس ٌق بنَ َبأ} [الحجرات: 6] فدلت هذه الآية على التثبت والتبين وعدم قبول خبر الفاسق. واشترط الله في الشهود أن يكونوا عدولا، الشرط الثاني: ضبط الراوي. 32 انظر: مقدمة صحيح مسلم ( 1 / 12 – 15 ) 33 يوصى الطالب بالرجوع إلى كتاب تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره، للدكتور محمد مطر الزهراني رحمه الله. ويمكن للطالب مراجعة كتاب نزهة النظر في شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر رحمه الله. بل لا بد أن يكون الراوي من أهل الضبط والحفظ والإتقان، ومع هذا قيل فيه: إنه ضعيف الحديث ! وهذا يدل على احتياط العلماء في باب الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والضبط نوعان:
أ- ضبط صدر: بأن يكون الراوي ضابطا لما سمعه، أو كثرة الغلط؛ فإن حديثه في حكم المردود. كيف يعرف علماء الحديث ضبط الراوي وإتقانه؟
يدرك العلماء ذلك من خلال اختبار الراوي، وأيضا من خلال عرض روايات هذا الراوي ومقارنتها برواية الثقات الحفاظ الأثبات، وفي بيان ذلك يقول ابن الصلاح رحمه الله في كتابه علوم الحديث:" ي ْع َرف َك ْون ال اراوي َضاب ًطا بأَ ْن نَ ْعتَب َر ر َوا َياته بر َوا َيات الثقَات ا ْل َم ْعروفي َن بال اض ْبط َوا ْلإتْقَان، فَإ ْن َو َج ْدنَا ر َوا َياته م َوافقَةً - َولَ ْو م ْن َح ْيث ا ْل َم ْعنَى - لر َوا َياته ْم، َوإ ْن َو َج ْدنَاه َكثي َر ا ْلم َخالَفَة لَه ْم؛ 35
الشرط الثالث: اتصال السند. 35 انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ، صفحة ( 106 ) تحقيق: نور الدين عتر، طبعة: دار الفكر. غيره. وسمي ال اسنَد سنَداً؛ أي:
اْلإْسنَادمَنالدين، َولَْوَلااْلإْسنَادلَقَاَلَمْن َشاَءَما َشاَء". هذا الحديث أنه في حكم المردود. الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ. والمقصود بالحديث الشاذ عند العلماء هو: مخالفة الثقة لرواية من هو أوثق وأضبط منه، أو مخالفة الثقة لرواية الثقات. وهذا الشرط في الحقيقة يبين لنا دقة منهج العلماء في قبول الرواية، ومعنى ذلك: أن هذا الراوي شذ عن بقية الرواة وأخطأ في الرواية، طبعة: دار طيبة. 37 انظر: مقدمة صحيح مسلم ( 1 / 15 )
ولكن علماء الرواية بما عندهم من سعة العلم ودقة الفهم والإحاطة بالمرويات ومعرفة الطرق والأسانيد، ويقارنون بينها، وفي ذلك يقول علي بن المديني رحمه الله وهو أحد أكابر العلماء المشتغلين بعلم علل الحديث:" ا ْل َباب - يقصد الحديث - إذَا لَ ْم تَْجَمْعطرقَهلَْمَيتََبايْن َخَطؤه". يتبين لنا أن حكم العلماء على الحديث بأنه مقبول أو مردود ليس حكما عشوائيا أو انتقائيا، كما يخ ايل لبعض الناس - مع الأسف – بل هو حكم مستند إلى معايير وقواعد محكمة يشهد بدقتها وحياديتها وموضوعيتها كل من قرأ هذه القواعد بعين الإنصاف. بأن القواعد والمعايير التي وضعها علماء الحديث هي أدق القواعد وأجود المعايير التي يتم بها فحص الأخبار والحكم على الروايات، فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها محت َرمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا ". 39
41
ولا يقتصر نظر علماء الحديث إلى الأسانيد فقط، بل ينظرون كذلك إلى متون الأحاديث، ويوضحون مشكل معانيها، 42
40 يقصد: القاضي عياض المالكي المتوفى سنة ( 544 هـ) وكتابه هذا هو: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع. ما الذي يترتب على صحة الحديث؟
إذا صح الحديث فهو حجة في الدين، سواء كان متواترا أو آحادا، وسواء كان في العقائد أو الأحكام، ومما تستدعي الضرورة التنبي َه إليه؛ أ ان القول بالتفريق بين العقائد والأحكام، قو ٌل مبتدع لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين، وهو مصدر من مصادر التشريع كما بيناه في المبحث الأول وذكرنا الأدلة عليه. وإليك بعضا من كلام أهل العلم في ذلك: قال الشافعي رحمه الله:" أَ ْج َم َع النااس َعلَى أَ ان َم ْن ا ْستَ َبانَ ْت لَه سناةٌ َع ْن َرسول االلَّ -
َصلاى االلَّ َعلَْيه َو َسلاَم-لَْم َيكْنلَهأَْن َيَد َعَهالقَْولأََحدمْنالنااس". وقال ابن عبد البر رحمه الله:" َوأَ ْج َم َع أَ ْهل اْلعْلم م ْن أَ ْهل اْلف ْقه َوا ْلأَثَر في َجميع اْلأَْم َصارفيَما َعلْمت؛ َعلَىقَبول َخَبراْلَواحداْلَعْدل،


النص الأصلي

المصدر الثاني: السنة النبوية.
السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وسنجعل الكلام حول هذا المصدر من خلال أربعة مباحث. المبحث الأول: تعريف السنة، وأقسامها. - تعريف السنة لغة واصطلاحا. كلمة السنة في اللغة تطلق على السيرة والطريقة.1 وفي الاصطلاح الشرعي: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.2 - أقسام السنة. من خلال تعريف السنة يتبين لنا أنها تنقسم إلى عدة أقسام، وهي: أ – السنة القولية: وهي الأحاديث التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف الأحوال ونقلت إلينا بلفظها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات ...".3 ب – السنة الفعلية : وهي كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أفعال، مثل أداء الصلوات الخمس، وأداء شعائر الحج . ج – السنة التقريرية : وهي ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم صراحة، أو سكت عن إنكاره بعد أن صدر أمامه، أو حدث في عصره وعلم به، أو ظهر منه ما يدل على استحسانه والرضا به، ومن أمثلة السنة التقريرية؛ إقراره صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه حينما أكل الضب أمامه ولم ينكر عليه، فدل هذا على جواز أكل لحم الضب.4
1 انظر: لسان العرب (225/13) مادة (سنن ). 2 انظر: الحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ( 6 / 6) طبعة: دار الكتبي. ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل
الأثر، لابن حجر العسقلاني ، صفحة ( 106 ) تحقيق: نور الدين عتر.
3 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، برقم ( 1 ) ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنية ) برقم ( 1907 ) 4 انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ( 13 / 101 )

المبحث الثاني: حجية السنة النبوية من خلال آيات القرآن الكريم.
لقد اكتسبت السنة النبوية حجيتها من القرآن الكريم ذاته الذي هو حجة الله على عباده، ويتبين لنا كونها حجة من خلال عدة أوجه مذكورة في القرآن، وإليك بيان شيء منها: الوجه الأول: إخبار القرآن بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق في أمور التشريع إلا بالوحي. قالاللهعزوجل:{َوَماَيْنطق َعناْلَهَوىإْنهَوإالاَوْحٌييوَحى َعلاَمه َشديداْلقَوى ذو م ارة فَا ْستَ َوى َوه َو با ْلأفق ا ْلأَ ْعلَى} [النجم: 3- 4] فالله سبحانه وتعالى يخبر أن كلمانطقبهنبيهصلىاللهعليهوسلم–فيأمورالتشريع–هووح ٌيمنه سبحانه إليه، وإذا ثبت كونه وحيا؛ فهو حجةٌ ملزمةٌ، لأن الله عز وجل قد فرض علينا في آيات كثيرة من كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن حزم رحمه الله:" لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع؛ نظرنا فيه - أي في القرآن - فوجدنا فيه إيجا َب طاعة ما أ َم َرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله صلى الله عليه وسلم {وما ينطقعنالهوى*إنهوإلاوحييوحى}فص احلنابذلكأ انالوحيينقسممنالله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين: أحدهما: وح ٌي متلو مؤلاف تأليفا معجز النظام - أي معجزا في ألفاظه - وهو القرآن، والثاني: وح ٌي مروي منقو ٌل غير مؤلاف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا، قال الله تعالى: {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} "5 وهناك أمو ٌر نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهادا منه، وهذا الاجتهاد قد أذن الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو اجتهاد لأجل تحقيق المصلحة، وهو ح ٌق أيضا إذا أق اره الله سبحانه على هذا الاجتهاد، لأن الله قد بعث رسوله بالحق، ولا يمكن أن يقره على باطل. قال ابن عثيمين رحمه الله:" {وما ينطق عن الهوى} أي: لا يتكلم بشيء صادر عن الهوى بأي حال من الأحوال، فما حكم بشيء من أجل الهوى، ولكنه ينطق بما أوح َي إليه من القرآن، وما أوح َي إليه من السنة، وما اجتهد به صلى الله عليه وسلم اجتهاداً يريد به المصلحة، فنطقه عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: الأول: أن ينطق بالقرآن. الثاني: أن ينطق بالسنة الموحاة إليه التي أقرها الله تعالى على لسانه. الثالث: أن ينطق باجتهاد لا يريد به إلا المصلحة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتكلم عن هوى، وإذا كان لا يمكن أن ينطق عن الهوى صار لا ينطق إلا بحق {إن هو إلا وحى يوحى} "6 الوجه الثاني: السنة هي الحكمة التي ذكرها الله في كتابه. - لقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن المنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليس القرآن وح َده، بل أخبر أن هناك شيئا آخر أنزله جاءت تسميته بالحكمة، قال تعالى:} َ و أ َ ْ ن َ ز َ ل ا اللَّ َ ع ل َ ْ ي َ ك ا ْ ل ك ت َ ا َ ب َ و ا ْ ل ح ْ ك َ م ة َ َ و َ ع ل ا َ م َ ك َ م ا ل َ ْ م ت َ ك ْ ن ت َ ْ ع ل َ ْ م َ و َ ك ا َ ن ف َ ْض ل ا اللَّ َ ع ل َ ْ ي َ ك َ ع ظ ي ً م ا }[النساء: 113] - وذكر سبحانه وتعالى أنه بعث رسوله صلى الله عليه وسلم لكي يتل َو على الناس آيات القرآن الكريم، ولكي يعلمهم الكتاب – الذي هو القرآن – ولكي يعلمهم شيئا آخر جاءت تسميته بالحكمة، قال تعالى: {لَقَ ْد َم ان االلَّ َعلَى ا ْلم ْؤمني َن إ ْذ َب َع َث فيه ْم َرسو ًلا م ْن أَ ْنفسه ْم َيتْلو َعلَ ْيه ْم آ َياته َوي َزكيه ْم َوي َعلمهم ا ْلكتَا َب َوا ْلح ْك َمةَ َوإ ْن َكانوا م ْن قَ ْبل لَفي َض َلال مبين} [آل عمران: 164]
5 انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الأندلسي، ( 1 / 97 ) تحقيق: أحمد شاكر، طبعة: دار الآفاق الجديدة – بيروت. 6 انظر: تفسير القرآن الكريم لابن عثيمين – من الحجرات إلى الحديد ، ص ( 206 ) طبعة: دار الثريا – الرياض.

ولاحظ الفرق بين تلاوة القرآن، وتعليم القرآن والحكمة، فالتعليم قد ٌر زائد على مجرد التلاوة، وهو الشرح والإيضاح والتفهيم، وبيان كيفية التطبيق لهذا القرآن الكريم، وهو تعليم الكتاب بنص هذه الآية، وذكرت الآية أيضا أنه صلى الله عليه وسلمكانيعلمالناسالحكمة} َويَعلمهماْلكتَا َب َواْلحْكَمةَ{والعطفيقتضيالمغايرة كما يقول العلماء، فهي إذن شي ٌء آخر غير القرآن وليس هناك وح ٌي آخر إلا السنة التي كان ينطق بها ويفعلها صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير رحمه الله:" َوقَ ْوله تَ َعالَى: { َوي َعلمهم ا ْلكتَا َب} َي ْعني: ا ْلق ْرآ َن { َوا ْلح ْك َمةَ} َي ْعني: السناةَ، قَالَه الحسن َوقَتَا َدة، َومقَاتل ْبن َح ايا َن، َوأَبو َمالك َو َغ ْيره ْم. َوقي َل: ا ْلفَ ْهم في الدين. َو َلا منَافَاةَ".7 يقصد رحمه الله: أنه لا منافاة بين القولين، لأنه بالسنة يكون الفهم الصحيح والتطبيق السليم للدين. - وقال سبحانه مخاطبا أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن: { َوا ْذك ْر َن َما يتْلَى في بيوتك ان م ْن آ َيات االلَّ َوا ْلح ْك َمة إ ان االلََّ َكا َن لَطيفًا َخبي ًرا} [الأحزاب: 34] قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير الآية الكريمة:" َوا ْذك ْر َن َما ي ْق َرأ في بيوتك ان م ْن آ َيات كتَاب االلَّ َوا ْلح ْك َمة؛ َو َي ْعني با ْلح ْك َمة: َما أوح َي إلَى َرسول االلَّ َصلاى الله َعلَْيهَوَسلاَممْنأَْحَكامَدْين االلَّ،َولَْمَيْنزْلبهقْرآٌن،َوذَلَكالسناةَوبنَْحوالاذيقْلنَا في ذَل َك قَا َل أَ ْهل التاأْويل – أي أهل التفسير –"8 وقد سرد الإمام الشافعي رحمه الله الآيات القرآنية التي ذكرت فيها الحكمة مقرونةً بالكتاب – كما تقدم ذكر بعضها – ثم قال:" فذكر الله الكتاب وهو الق َرآن، وذكر الح ْك َمة، فسمعت َم ْن أ ْرضى من أهل العلم بالق َرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله، لأن الق َرآن ذكر وأتْب َعتْه الحكمة، وذك َر الله َمناه على َخ ْلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فالحكمة هاهنا - والله أعلم - هي سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأ ان الله افترض طاعة رسوله، وحتام على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول
7 انظر: تفسير ابن كثير ( 1 / 444 ) تحقيق: سامي سلامة، طبعة: دار طيبة. 8 انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري ( 19 / 108 ) تحقيق: عبدالله التركي، طبعة: دار هجر.

إنه فر ٌض، إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله، وذلك أ ان الله َج َع َل الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مقروناً بالإيمان به سبحانه وتعالى".9
الوجه الثالث: الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وج َل والتي فيها الأمر بطاعته صلى
الله عليه وسلم، والتحاكم إليه، والتحذير من مخالفة أمره.
وهذه الآيات كثيرة جدا يضيق المقام عن سردها كلها هنا، ولكن سنقف مع بعض
هذه الآيات.
أولا: قوله تعالى: { َيا أَي َها الاذي َن آ َمنوا أَطيعوا االلَّ َوأَطيعوا ال ارسو َل َوأولي ا ْلأَ ْمر م ْنك ْم َ
فَإْنتَنَاَزْعتْمفي َشْيءفَردوهإلَى االلََّوالارسولإْنكْنتْمتْؤمنوَنبااللََّواْلَيْوماْلآخر ذَل َك َخ ْي ٌر َوأَ ْح َسن تَأْوي ًلا} [النساء: 59] أ / ففي هذه الآية يأمر الله تعالى جميع المؤمنين - سواء من كان منهم في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يأتي بعد زمانه - بطاعة الله عز وجل وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن طاعة الله عز وجل إنما تتحقق باتباع كتابه الذي تكفل الله بحفظه، وأما طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يمكن أن تتحقق إلا بطاعته صلى الله عليه وسلم في حال حياته، واتباع سنته والرجوع إليها بعد وفاته، فدل هذا على حجية السنة. وقد نقل ابن جرير الطبري في تفسيره عن عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير قوله تعالى:{أَطيعوا االلَّ وأَطيعوا ال ارسو َل}
ََ
[النساء:59]قَاَل:" َطاَعةالارسول:اتَباعاْلكتَابَوالسناة"10
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره:" {أَطيعوا االلََّ} أَ ْي: اتابعوا كتَا َبه { َوأَطيعوا ال ارسو َل} أَ ْي: خذوا بسناته".11
9 انظر: الرسالة للشافعي، ص ( 73 ) – بتصرف يسير - تحقيق: أحمد شاكر، طبعة: مكتبة الحلبي – مصر. 10 انظر: جامع البيان للطبري ( 7 / 175 ) 11 انظر: تفسير ابن كثير ( 2 / 345 )

قال ابن القيم رحمه الله:" فَأَ َم َر تَ َعالَى ب َطا َعته َو َطا َعة َرسوله، َوأَ َعا َد اْلف ْع َل – أي قال وأطيعواالرسول-إ ْعَلاًمابأَان َطا َعةَالارسولتَجبا ْستْقَلاًلامْن َغْير َعْرض َماأََمَر به َعلَىاْلكتَاب،َبْلإذَاأََمَرَوَجبَْت َطاَعتهمْطلَقًا، َسَواٌءَكاَنَماأََمَربهفياْلكتَابأَْو
لَ ْم َيك ْن فيه، فَإناه أوت َي ا ْلكتَا َب َومثْلَه َم َعه ".12
ب / وفي هذه الآية أيضا يأمرنا الله أن نر اد الأمور عند التنازع والاختلاف فيها إلى الله ورسوله، قال تعالى:} فَإ ْن تَنَا َز ْعت ْم في َش ْيء فَردوه إلَى االلَّ َوال ارسول { والرد إلى الله عز وجل هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته صلى الله
عليه وسلم، قال ميمون بن مهران رحمه الله:" " ال ارد إلَى االلَّ: ال ارد إلَى كتَابه, َوال ارد إلَى َرسوله إ ْن َكا َن َح ًّيا, فَإ ْن قَ َب َضه االلَّ إلَ ْيه فَال ارد إلَى السناة "13
قالابنالقيمرحمهالله:"َوأَْجَمَعاْلمْسلموَن َعلَىأَانالارادإلَى االلَّ-سْبَحانَه-هَوالارد إلَىكتَابه،َوالارادإلَىالارسول- َصلاى االلَّ َعلَْيهَوَسلاَم-هَوالاردإلَْيهفيحضوره َو َح َياته، َوإلَى سناته في َغ ْي َبته َو َب ْع َد َم َماته ".14
ج / وتدل هذه الآية الكريمة أيضا على ضرورة أن تكون السنة محفوظة، إذ كيف يأمرنا الله عز وجل بالرجوع إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وسنته غير محفوظة ؟!
فلا سبيل إلى امتثال ما أمرنا الله به من الرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بالرجوع إلى الأخبار والروايات الواردة عنه صلى الله عليه وسلم والتي قيض الله لها من أئمة الحديث من يدونها ويجمعها، ويميز بين صحيحها وضعيفها، ومقبولها ومردودها، وفق منهج علمي جاد ودقيق، وهو المعروف عند العلماء بعلم مصطلح الحديث.
12 انظر: إعلام الموقعين لابن القيم ( 1 / 38 ) تحقيق: محمد عبدالسلام إبراهيم، طبعة: دار الكتب العلمية – بيروت. 13 انظر: جامع البيان للطبري ( 7 / 186 ) 14 انظر: إعلام الموقعين لابن القيم ( 1 / 174 )

وفي إيضاح هذا المعنى يقول ابن حزم رحمه الله:" وص اح أن المراد بالرد المذكور في الآية؛ إنما هو إلى كلام الله تعالى وهو القرآن، وإلى كلام نبيه صلى الله عليه وسلم المنقول على مرور الدهر إلينا جيل بعد جيل " ويقول أيضا:" وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم موجودة عندنا، منقو ٌل كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نَص الآية بالرد إليها ".15
ثانيا:ومنهذهالآياتأيضاقولهتعالى:} َوَماآتَاكمالارسولفَخذوه َوَمانََهاكْم َعْنه فَا ْنتَهوا واتاقوا االلَّ إ ان االلَّ َشديد ا ْلعقَاب} [الحشر: 7]
والمقصود بالإيتاء هنا الأمر والتشريع، قال القرطبي رحمه الله:" قَ ْوله تَ َعالَى:} َوما آتاكم ال ارسول فَخذوه { َوإ ْن َجا َء بلَ ْفظ ا ْلإيتَاء َوه َو ا ْلمنَا َولَة فَإ ان َم ْعنَاه ا ْلأَ ْمر، بدليل قوله تعالى:} َوما نَهاك ْم َع ْنه فَا ْنتَهوا{ فَقَا َبلَه بالنا ْهي، َو َلا يقَا َبل النا ْهي إ الا با ْلأَ ْمر".16
وقالابنحجر:"أَْي:َوَماأََمَركْمبهفَاْفَعلوه،لأَناهقَاَبلَهبقوله}َوَمانهاكم َعنه فَا ْنتَهوا{17
وهذه الأوامر والنواهي هي ما جاء في السنة النبوية، ولما أمرنا الله عز وجل أن نأتمر بما أمرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن ننته َي عما نهانا عنه؛ دل هذا على حجية السنة النبوية.
قال الشوكاني رحمه الله:" َوا ْل َحق أَ ان َهذه ا ْلآ َيةَ َعا امةٌ في كل َش ْيء َيأْتي به َرسول االلَّ َصلاى االلَّ َعلَْيه َو َسلاَممْنأَْمرأَْونَْهيأَْوقَْولأَْوفْعل، َوإْن َكاَنال اسَبب َخا ًّصا فَالا ْعت َبار بعموم اللا ْفظ َلا بخصوص ال اس َبب، َوكل َش ْيء أَتَانَا به م َن ال اش ْرع فَقَ ْد أَ ْع َطانَا إ اياه َوأَ ْو َصلَه إلَ ْينَا، َو َما أَ ْنفَ َع َهذه ا ْلآ َيةَ َوأَ ْكثَ َر فَائ َدتَ َها".18
15 انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الأندلسي ( 1 / 98 ) 16 انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( 18 / 18 ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، طبعة: دار الكتب المصرية – القاهرة وانظر أيضا: التحرير والتنوير لابن عاشور ( 28 / 87 ) 17 انظر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر ( 8 / 630 ) طبعة: دار المعرفة – بيروت. 18 انظر: فتح القدير للشوكاني ( 5 / 236 ) طبعة: دار ابن كثير – بيروت.
َََ

وإليك هذا المثال الذي يوضح هذا الوجه من أوجه حجية السنة، روى الإمام أحمد في المسند " أَ ان ا ْم َرأَةً َجا َء ْت إلَى ا ْبن َم ْسعود، فَقَالَ ْت: أ ْنبئْت أَنا َك تَ ْن َهى َعن ا ْل َواصلَة؟ قَا َل:نَ َعْم،فَقَالَ ْت:أَ َش ْي ٌءتَجدهفيكتَابالله،أَْم َسم ْعتَهم ْن َرسولالله َصلاىالله َعلَْيه َو َسلا َم؟ فَقَا َل: أَجده في كتَاب الله، َو َع ْن َرسول الله، فَقَالَ ْت: َوالله لَقَ ْد تَ َصفا ْحت َما َب ْي َن َدفاتَي ا ْلم ْص َحف19، فَ َما َو َج ْدت فيه الاذي تَقول. قَا َل: فَ َه ْل َو َج ْدت فيه: { َما آتَاكم ال ارسول فَخذوه َو َما نَ َهاك ْم َع ْنه فَا ْنتَهوا} [الحشر: 7] ، قَالَ ْت: نَ َع ْم. قَا َل: فَإني َسم ْعت َرسوَلالله َصلاىالله َعلَْيه َو َسلاَم"نََهى َعْنالناام َصة َواْلَواشَرة َواْلَواصلَة َواْلَواشَمة إ الا م ْن َداء ".20
فهنا يستدل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بهذه الآية على حجية السنة النبوية، ثم يستدل بعد ذلك بالسنة على حرمة هذه الأمور المذكورة في الحديث.
الوجه الرابع: أن السنة النبوية هي البيان للقرآن الكريم.
لقَد نزل هذا القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خلال ثلاث وعشرين سنة، وكان هذا العمر الطويل من البعثة حتى الوفاة هو الظرف الزماني لتنزل هدايات هذا القرآن الكريم، ولا شك أن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله وأحواله هي البيان الأمثل للقرآن الكريم، لأنه أعلم الناس بكتاب الله وبمراد الله عز وجل، فلا سبيل إلى الفهم الصحيح لتوجيهات القرآن وأحكامه وهداياته إلا بالرجوع إلى السنة النبوية.
قال تعالى: { َوأَ ْن َز ْلنَا إلَ ْي َك الذ ْك َر لت َبي َن للنااس َما نز َل إلَ ْيه ْم َولَ َعلاه ْم َيتَفَ اكرو َن} [النحل: 44] فالله عز وجل قد جعل بيان هذا القرآن موكولا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم،قالالبغويرحمهالله:"َوَكاَنالنابي َصلاى االلَّ َعلَْيهَوَسلاَممَبينًالْلَوْحي،َوَبَيان
19 " دفتي المصحف " أي: الغلافين اللذين يكونان من جانبيه. 20 أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 7 / 57 ) برقم (3945 ) تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون، طبعة: مؤسسة الرسالة.

ا ْلكتَاب ي ْطلَب م َن السناة ".21 وقال القرطبي رحمه الله:" (لت َبي َن للنااس َما نز َل إلَ ْيه ْم) في َهذَا ا ْلكتَاب م َن ا ْلأَ ْح َكام َوا ْل َو ْعد َوا ْل َوعيد بقَ ْول َك َوف ْعل َك، فَال ارسول َصلاى االلَّ َعلَ ْيه َوَسلاَممَبيٌن َعن االلَّ َعازَوَجالمَراَدهماماأَْجَملَهفيكتَابهمْنأَْحَكامال اصَلاةَوالازَكاة،
َو َغْيرذَل َكمامالَْميفَصْله".22
ولمزي ٍد من الإيضاح لهذا الوجه نقول: لقد جاءت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى مج َملة المعنى، فبينت السنة النبوية المرا َد من تلك الآيات، ولولا رجوعنا إلى السنة لما استطعنا فهم هذه الآيات وتطبيقها على الوجه السليم !
ولنأخذ مثالا على أهم عبادة في الإسلام، ألا وهي عبادة الصلاة التي أمرنا الله عز وجل في كتابه بإقامتها، ولنطرح بعض الأسئلة:
كم عدد الصلوات المفروضة في اليوم والليلة؟ وكم عدد ركعات كل صلاة؟ وما هي صفة الصلاة؟ وما الذي يقوله المصلي في قيامه وركوعه ورفعه من الركوع وسجوده وجلوسه وتشهده؟ وما ذا يفعل المصلي إذا سها في صلاته؟ وما هي الصلوات الجهرية والسرية؟ وما هو وقت دخول وخروج كل صلاة؟ وقبل هذا ما هي صفة الأذان والإقامة؟ وما ذا عن الصلوات الأخرى غير المفروضة مثل السنن الرواتب والصلوات التي يشرع لها الجماعة كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والتراويح ؟ كل هذا لا نجده إلا في السنة، فهل يتصور أحدٌ أنه بإمكانه إقامة الصلاة دون الرجوع إلى السنة؟!
وقل مثل ذلك أيضا في إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام، ومن المعلوم أ ان هذه العبادات هي أركان الإسلام ومبانيه العظام، ومع هذا فلا يمكن إقامتها ومعرفة أحكامها وتفصيلاتها الكثيرة إلا بالرجوع إلى السنة النبوية.
وإذا نظرنا أيضا في كثير من أبواب الدين الأخرى كأبواب المعاملات المالية وأبواب أحكام الأسرة وأبواب الحدود والجنايات وغير ذلك؛ نجد أن هناك كثيرا من
21 انظر: تفسير البغوي ( 3 / 80 ) تحقيق: عبدالرزاق مهدي، طبعة: دار إحياء التراث العربي – بيروت. 22 انظر: تفسير القرطبي ( 10 / 109 )

التفصيلات والأحكام الهامة لم تعرف إلا من طريق السنة، وكل هذا يدل دلالة قاطعة أنه لا يمكن إقامة الدين إلا من خلال سنة رسول رب العالمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وعن ضرورة ضم السنة إلى القرآن في فهم الدين يخبر الحسن البصري رحمه الله أَ ان ع ْم َرا َن ْب َن ح َص ْين رضي الله عنه, َكا َن َجال ًسا َو َم َعه أَ ْص َحابه فَقَا َل َرج ٌل م َن ا ْلقَ ْوم: َلا ت َحدثونَا إ الا با ْلق ْرآن, قَا َل: فَقَا َل لَه: ا ْدن , فَ َدنَا الرجل, فَقَا َل له عمران: " أََرأَْي َتلَْووكل َتأَْن َت َوأَ ْص َحاب َكإلَىاْلقْرآنأَكْن َتتَجدفيه َصَلاةَالظْهرأَْرَب ًعا، َو َصَلاةَاْلَع ْصرأَْرَبًعا، َواْلَمْغر َبثََلاثًا,تَْقَرأفياثْنَتَْين؟أََرأَْي َتلَْووكل َتأَْن َت َوأَ ْصَحابَكإلَىاْلقْرآنأَكْنَتتَجدالاطَواَفباْلَبْيت َسْبًعا،َوالاطَواَفبال اصفَاَواْلَمْرَوة,ثام قَا َل:أَ ْيقَْوم،خذوا َعناافَإناكْم, َو االلَّإالاتَْف َعلوالَتَضل ان"وفيروايةأنهقال:"أََرأَْي َت لَْوأَتَْيَتأَْنَتَوأَْصَحابَكاْلقْرآَن،مْنأَْيَنكْنَتتَْعلَمأَان َصَلاةَالظْهرعادتَهاَكذَا, َو َص َلاةَ اْل َع ْصر ع ادت َها َكذَا, َوحي َن َو ْقت َها َكذَا, َو َص َلاةَ اْل َم ْغرب َكذَا؟ َواْل َم ْوق َف ب َع َرفَةَ َوَرْم َياْلجَمار َكذَا, َوالَيدمْنأَْيَنتْق َطعأَمْن َهاهنَاأَْممن َهاهنَاأَْممْن َهاهنَا, - َ و َ و َض َ ع ي َ َ د ه َ ع ل َ ى َ م ْ ف ص ل ا ْ ل َ ك ف َ و َ و َض َ ع َ ي َ د ه ع ْ ن َ د ا ْ ل م ْ ر ف َ ق َ و َ و َض َ ع َ ي َ د ه ع ْ ن َ د ا ْ ل َ م ْ ن ك ب - اتابعوا َحديثَنَا َما َحادثْنَاكْم, َوإالا َو االلَّ َضلَْلتْم".23
والزعم بأنه يكفي الرجوع للقرآن دون السنة؛ فيه تعطي ٌل لأكثر الأحكام الشرعية، وهو ضلا ٌل مبي ٌن وخرو ٌج عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أيوب السختياني رحمه الله:" إذَا َح ادثْ َت ال ارج َل بالسناة فَقَا َل: َد ْعنَا م ْن
َهذَا َو َحدثْنَا م َن ا ْلق ْرآن, فَا ْعلَ ْم أَناه َضال مضل ".24
َعلَ ٌم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم
ومن دلائل كون السنة وحيا من الله تعالى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن أناس يأتون من بعده، كسالى فارغين، لا يشتغلون بالعلم، ولا يهتمون به، ولا
23 أخرجه عبدالرزاق في المصنف ( 11 / 255 ) والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص ( 15 – 16 ) من عدة طرق. 24 أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص ( 16 )

يسلكون السبيل الصحيح في تلقيه من خلال الرجوع للسنة النبوية، وأخبر أنهم يشغبون على السنة، ويثيرون الشبهات حول حجيتها، ويزعمون الاكتفاء بالقرآن عنها، وقد حصل ما حذر منه الصادق المصدوق، المؤ ايد بالوحي صلى الله عليه وسلم،فَعناْلمْقَدامْبنَمْعديَكرَب َعْنَرسول االلَّ َصلاىالله َعلَْيهَوَسلاَمأَناهقَاَل:"أََلا إني أوتيت ا ْلكتَا َب، َومثْلَه َم َعه، أَ َلا يوشك َرج ٌل َش ْب َعان َعلَى أَري َكته َيقول َعلَ ْيك ْم ب َهذَا اْلقْرآنفََماَوَجْدتْمفيهمْن َحَلالفَأَحلوه،َوَماَوَجْدتْمفيهمْن َحَرامفََحرموه"25وفي رواية أنه قال في آخره:" أَ الا َوإ ان َما َح ار َم َرسول االلَّ َصلاى الله َعلَ ْيه َو َسلا َم مثْل َما َحارَم االلَّ".26
وعن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم َعن النابي صلى الله عليه وسلم أنه قَاَل:" َلاأْلفَيانأََحَدكْممتاكئًا َعلَىأَريَكته، َيأْتيهاْلأَْمرمْنأَْمريماماأََمْرتبهأَْو نَ َه ْيت َع ْنه؛ فَ َيقول َلا نَ ْدري، َما َو َج ْدنَا في كتَاب االلَّ اتا َب ْعنَاه "27 ومعنى: لا ألفين، أي: لا أجدن.
المبحث الثالث: أحوال السنة مع القرآن.
للسنة النبوية مع القرآن الكريم أحوال ثلاثة، وهي: أولا: سنة مؤكدة لما جاء في القرآن الكريم. مثاله: التأكيد على وجوب إقامة الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج. والتأكيد على تحريم الزنا وقتل النفس بغير حق وعقوق الوالدين. ثانيا: سنة مبينة لما جاء في القرآن الكريم. وهذا البيان له صور عديدة منها:
25 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم (4604 ) 26 أخرجه ابن ماجه في سننه، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه، حديث رقم ( 12 ) 27 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم (4605 )

أ – بيان وتفصيل المجمل: ومن أمثلته؛ بيان السنة للمجمل في قوله تعالى: { َوأَقيموا ال اص َلاةَ َوآتوا ال از َكاةَ} [البقرة: 43] فقد جاءت السنة ببيان هذا الإجمال، وتفصيل أحكام الصلاة من حيث صفتها ومواقيتها وعدد ركعاتها وأركانها وواجباتها وشروطها... الخ، وجاءت كذلك بتفصيل أحكام الزكاة من حيث الأموال التي تزكى، والنصاب الذي تجب فيه الزكاة، والمقدار الواجب إخراجه في الزكاة...الخ، وكذلك جاء القرآن بالأمر بحج بيت الله الحرام في قوله تعالى: { َو اللَّ َعلَى النااس حج ا ْل َب ْيت َمن ا ْستَ َطا َع إلَ ْيه َسبي ًلا} [آل عمران: 97] وجاءت السنة ببيان هذا الإجمال وتفصيل أحكام الحج من حيث أنواع الأنساك الثلاثة والمواقيت المكانية وصفة الحج من وقوف بعرفة ومبيت بمزدلفة ومبيت بمن ًى ورمي للجمار...الخ. والأمثلة على هذا النوع كثيرة جدا.
ب – تقييد المطلق: ومن الأمثلة على هذا قوله تعالى:{ َوال اسارق َوال اسارقَة فَا ْق َطعوا أَ ْيديه َما} [المائدة: 38] فاليد هنا مطلقة، وهي تشمل من أطراف الأصابع إلى مفصل الكتف، ولكن جاءت السنة وقيدت هذا الإطلاق، وبينت أن قطع يد السارق يكون من مفصل الكف28.
ج – تخصيص العام: ومن الأمثلة على هذا قوله تعالى: {يوصيكم االلَّ في أَ ْو َلادك ْم للذا َكر مثْل َحظ ا ْلأ ْنثَ َي ْين} [النساء: 11] فهذا الحكم عام في توريث كل ولد، ولكن جاءت السنة فخ اصصت هذا العموم ومنعت الولد القاتل من الميراث، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" القَاتل لاَ َيرث ".29
د – توضيح المشكل: قد ترد بعض الآيات من القرآن الكريم، ويشكل معناها على بعض الصحابة، فيأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوضح لهم معناها، ومن أمثلة ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: {الاذي َن آ َمنوا َولَ ْم َي ْلبسوا إي َمانَه ْم بظ ْلم أولَئ َك لَهم ا ْلأَ ْمن َوه ْم م ْهتَدو َن} [الأنعام: 82] َش اق ذَل َك َعلَى أَ ْص َحاب النابي َصلاى الله َعلَ ْيه
28 انظر: السنن الكبرى للبيهقي ( 8 / 470 ) طبعة: دار الكتب العلمية. 29 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل، برقم ( 2109 ) والحديث ضعيف الإسناد ولكن له شواهد تقويه، كما قال البيهقي في السنن الكبرى ( 6 / 361 ) وذكر له بعض الأوجه المرسلة وقال:" َهذه َم َراسيل َجي َدةٌ َي ْق َوى َب ْعض َها ب َب ْعض ".

َو َسلا َم، َوقَالوا: أَينَا لَ ْم َي ْلب ْس إي َمانَه بظ ْلم؟ فَقَا َل َرسول االلَّ َصلاى الله َعلَ ْيه َو َسلا َم: " إناه لَْيَسبذَاَك،أَلاَتَْسَمعوَنإلَىقَْوللْقَماَن:{إانالشْرَكلَظْلٌم َعظيٌم{".30
ثالثا: سنة مؤسسة لأحكا ٍم لم تذكر في القرآن الكريم.
بما أنه صلى الله عليه وسلم مؤ ايد بالوحي من ربه، وبما أنه لا ينطق عن الهوى، وبما أن الله عز وجل قد افترض علينا طاعته؛ فإ ان من أحوال السنة التي اتفق عليها علماء المسلمين، وحصل عليها الإجماع؛ الأخذ بالسنة التي تأتي بأحكام لم تذكر في
القرآن، ولهذا أمثلة كثيرة جدا في التشريع، ومن ذلك: توريث الجدة للسدس من المال، وتوريث بنت الابن للسدس مع البنت، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، وتحريم أكل ذوات الأنياب من السباع وذوات المخالب من الطيور، وجواز الرهن في الحضر، والتحريم بالرضاع ما يحرم من النسب، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي عليها عمل المسلمين عبر القرون.
المبحث الرابع: معايير وشروط الحديث الصحيح.
بعد فراغنا من ذكر بعض الأدلة التي تثبت حجيةَ السنة النبوية وكونَها مصدرا أساسيا للتشريع، وتبين لنا ضرورة الرجوع إليها؛ وبعد بيان أحوال السنة مع القرآن؛ يأتي السؤال المهم: ما هو المعيار الذي نثبت من خلاله صحة الحديث حتى يكو َن مقبولا ؟
وللإجابة على هذا السؤال نقدم بمقدمة فنقول: إن علماء الحديث رحمهم الله أدركوا في أوقات مبكرة ضرورةَ التمييز بين المرويات، وفرز الصحيح من الضعيف، ومعرفة المقبول من المردود، حتى لا يدخل في الشريعة ما ليس منها، وحتى لا ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله أو يفعله، فقد تواتر عن النبي صلىاللهعليهوسلمأنهقال:"َمْنَكذََب َعلَايفَْلَيتََباوأَْمْقَعَدهمَنالناار".31
30 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، برقم ( 4776 ) 31 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم برقم ( 106، 107، 108، 109، 110 ) ومسلم في مقدمة صحيحه، برقم ( 2، 3، 4 ) من طرق كثيرة.

ولقد كان هذا التوجيه النبوي ونحوه من التوجيهات هو الداف َع لهم على تدوين السنة النبوية وكتابتها وجمعها ومعرفة أحوال رواتها ووضع قواعد هذا العلم الشريف، علم مصطلح الحديث.
وهذا الجهد بدأ مبكرا، فقد روى الإمام مسلم رحمه في مقدمة صحيحه عن م َجاهد بنجبررحمهاللهأنهقال:" َجاَءبَشْيٌراْلَعَدويإلَىاْبن َعاباس،فََجَعَليَحدث، َو َيقول: قَا َل َرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَا َل َرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَ َج َع َلاْبن َعاباس َلا َيأْذَنل َحديثه–أيلايصغيلحديثه- َوَلا َيْنظرإلَْيه،فَقَا َل: َيا اْبَن َعاباس، َمالي َلاأََراَكتَْسَمعلَحديثي؟أَحدثَك َعْن َرسولاللهصلىاللهعليهوسلم َو َلا تَ ْس َمع، فَقَا َل ا ْبن َع اباس: " إناا كناا َم ارةً إذَا َسم ْعنَا َرج ًلا يَقول: قَا َل َرسول الله صلى الله عليه وسلم، ا ْبتَ َد َرتْه أَ ْب َصارنَا، َوأَ ْصغَ ْينَا إلَ ْيه بآذَاننَا، فَلَ اما َرك َب النااس ال اص ْع َب، َوالذالو َل، لَ ْم نَأْخ ْذ م َن النااس إ الا َما نَ ْعرف ". فنلاحظ في هذه الرواية احتياط الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في قبول الخبر، وعدم قبول الخبر إلا بعد معرفة ناقله.
وروى مسلم أيضا في مقدمة صحيحه أخبارا أخرى تدل على هذا المعنى الذي ذكرناه، ومن ذلك:



  • َعْنمَحامدْبنسيريَنرحمهاللهأنهقَاَل:"إان َهذَااْلعْلَمديٌن،فَاْنظروا َعامْنتَأْخذوَن دينَك ْم ". وقال أيضا:" لَ ْم َيكونوا َي ْسأَلو َن َعن ا ْلإ ْسنَاد، فَلَ اما َوقَ َعت ا ْلفتْنَة، قَالوا: َسموا لَنَا ر َجالَك ْم، فَيْن َظر إلَى أَ ْهل السناة فَي ْؤ َخذ َحديثه ْم، َويْن َظر إلَى أَ ْهل اْلب َدع فَ َلا ي ْؤ َخذ َحديثه ْم ".
    ونلاحظ هنا أن ابن سيرين من التابعين، وقد حمل العلم عن كثير من الصحابة كأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان والحسن بن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم، وهو مع هذا يقول هذا الكلام وينقل لنا أنهم كانوا لا يقبلون الرواية إلا بعد معرفة إسنادها والتأكد من عدالة ناقليها.

  • وعن عبدالله بن المبارك رحمه الله أنه قال:" ا ْلإ ْسنَاد م َن الدين، َولَ ْو َلا ا ْلإ ْسنَاد لَقَا َل َم ْن َش ا َء َم ا َش ا َء " . 2 3
    والحديث عن اهتمام العلماء بجمع السنة وكتابتها، وعن نشأة وأطوار التدوين فيها، والجهود الكبيرة المبذولة في ذلك، والحديث كذلك عن أشهر المصنفات في الأحاديث النبوية، وعن مناهج هذه الكتب؛ طوي ٌل جدا، ويمكن للطالب أن يرجع إلى بعض المصادر للاستزادة من هذا الموضوع.33
    ولكن نذكر في هذا السياق – على سبيل الاختصار - الشروط والمعايير التي من خلالها نحكم على الحديث بالصحة والقبول، وهذه الشروط كالتالي:34
    الشرط الأول: عدالة الرواة.
    والمراد بالعدالة: استقامة سلوك الإنسان في الظاهر، وتقواه لله عز وجل، وبعده عن أسباب الفسق، وأسباب الفسق هي: ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر.
    فمتى كان الراوي مستقيم السلوك، بعيدا عما يصير به فاسقا؛ حكم له بالعدالة، والدليل على اشتراط عدالة الراوي قوله تعالى:{ َيا أَي َها الاذي َن آ َمنوا إ ْن َجا َءك ْم فَاس ٌق بنَ َبأ} [الحجرات: 6] فدلت هذه الآية على التثبت والتبين وعدم قبول خبر الفاسق.
    واشترط الله في الشهود أن يكونوا عدولا، قال تعالى: { َوأَ ْشهدوا ذَ َوى َع ْدل م ْنك ْم} [الطلاق: 2]، وكما قال سبحانه: {م ام ْن تَ ْر َض ْو َن م ْن الش َه َداء} [البقرة: 282] والرواية فيها َش َبهٌ من الشهادة، ولهذا اشترطنا عدالة الراوي حتى نقبل خبره.
    ولهذا فإن خبر الكذاب والمتهم بالكذب والفاسق والمجهول الذي لا يعرف حاله مردود عند العلماء لفقد شرط العدالة.
    الشرط الثاني: ضبط الراوي.
    32 انظر: مقدمة صحيح مسلم ( 1 / 12 – 15 ) 33 يوصى الطالب بالرجوع إلى كتاب تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره، للدكتور محمد مطر الزهراني رحمه الله. 34 هذه الشروط مفصلة في كتب مصطلح الحديث، ويمكن للطالب مراجعة كتاب نزهة النظر في شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر رحمه الله.

    لا يكفي أن يكون الراوي عدلا مستقيما في دينه، بل لا بد أن يكون الراوي من أهل الضبط والحفظ والإتقان، لأن الراوي إذا لم يكن موصوفا بالضبط والإتقان فإننا نخشى من غلطه وخطئه في الرواية، وكم من راو وصف بالصلاح والاستقامة والعبادة، ومع هذا قيل فيه: إنه ضعيف الحديث ! وهذا يدل على احتياط العلماء في باب الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    والضبط نوعان:
    أ- ضبط صدر: بأن يكون الراوي ضابطا لما سمعه، حافظا له، متمكنا من استحضاره متى شاء.
    ب- ضبط كتاب: بأن يصون الراوي الكتاب الذي دون فيه الرواية، ويحفظه عنده إلى أن يؤد َي الرواية على وجهها الصحيح.
    وإذا وصف الراوي بعدم الضبط، أو سوء الحفظ، أو كثرة الغلط؛ فإن حديثه في حكم المردود.
    كيف يعرف علماء الحديث ضبط الراوي وإتقانه؟
    يدرك العلماء ذلك من خلال اختبار الراوي، وأيضا من خلال عرض روايات هذا الراوي ومقارنتها برواية الثقات الحفاظ الأثبات، وفي بيان ذلك يقول ابن الصلاح رحمه الله في كتابه علوم الحديث:" ي ْع َرف َك ْون ال اراوي َضاب ًطا بأَ ْن نَ ْعتَب َر ر َوا َياته بر َوا َيات الثقَات ا ْل َم ْعروفي َن بال اض ْبط َوا ْلإتْقَان، فَإ ْن َو َج ْدنَا ر َوا َياته م َوافقَةً - َولَ ْو م ْن َح ْيث ا ْل َم ْعنَى - لر َوا َياته ْم، أَ ْو م َوافقَةً لَ َها في ا ْلأَ ْغلَب َوا ْلم َخالَفَة نَاد َرة؛ َع َر ْفنَا حينَئذ َك ْونَه َضاب ًطا ثَ ْبتًا، َوإ ْن َو َج ْدنَاه َكثي َر ا ْلم َخالَفَة لَه ْم؛ َع َر ْفنَا ا ْخت َلا َل َض ْبطه، َولَ ْم نَ ْحتَ اج ب َحديثه ".35
    الشرط الثالث: اتصال السند.
    35 انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ، صفحة ( 106 ) تحقيق: نور الدين عتر، طبعة: دار الفكر.
    والمراد بذلك أن نتأكد أن كل راو قد سمع الرواية من الراوي الذي فوقه، وهكذا حتى يصل إسناد الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى من دونه من الصحابة والتابعين.
    فالسند هو: سلسلة الرواة الذين ينقلون لنا المتن. والمتن هو: النص المروي، سواء كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن
    غيره. وسمي ال اسنَد سنَداً؛ لأن متن الحديث يعتمد عليه ويستند إليه، يقال: فلان سند، أي:
    معت َمد.36 ولا يمكن أن تقبل رواية ليس لها إسناد، وقد تقدم معنا قول عبدالله بن المبارك:"
    اْلإْسنَادمَنالدين،َولَْوَلااْلإْسنَادلَقَاَلَمْن َشاَءَما َشاَء".37 وإذا كان هناك انقطاع في السند – وهذا الانقطاع له صو ٌر كثيرة – فإن الأصل في
    هذا الحديث أنه في حكم المردود.
    الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ.
    والمقصود بالحديث الشاذ عند العلماء هو: مخالفة الثقة لرواية من هو أوثق وأضبط منه، أو مخالفة الثقة لرواية الثقات.
    وهذا الشرط في الحقيقة يبين لنا دقة منهج العلماء في قبول الرواية، فالراوي قد يكون ثقة ضابطا مستقيم الحديث، ومع هذا فإن روايته إذا كانت مخالفةً لرواية من هو أحفظ وأضبط منه، أو كانت روايته – وهو واحد - مخالفةً لرواية العدد من الثقات؛ توصف بأنها رواية شاذة، ومعنى ذلك: أن هذا الراوي شذ عن بقية الرواة وأخطأ في الرواية، وبالتالي فإن الحديث مردود غير مقبول.
    36 انظر: تدريب الراوي للسيوطي ( 1 / 27 ) تحقيق: نظر الفاريابي، طبعة: دار طيبة. 37 انظر: مقدمة صحيح مسلم ( 1 / 15 )

    الشرط الخامس: السلامة من العلة.
    وتٌع ارف العلة عند علماء الحديث: بأنها سب ٌب غام ٌض خفي يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر سلامة الحديث منها.
    فالحديث قد يبدو للناظر بادئ الرأي أنه حديث صحيح مستكمل للشروط المذكورة، ولكن علماء الرواية بما عندهم من سعة العلم ودقة الفهم والإحاطة بالمرويات ومعرفة الطرق والأسانيد، يقومون بما يشبه المراجعة الشاملة النهائية للتأكد من سلامة الرواية، وقد يقفون على علل خفية لا يدركها من لم يكن في مثل منزلتهم.
    ولهذا فإنهم يجمعون طرق الحديث وينظرون فيها، ويقارنون بينها، حتى يتأكدوا من خلو الحديث من أي علة تقدح في صحته، وفي ذلك يقول علي بن المديني رحمه الله وهو أحد أكابر العلماء المشتغلين بعلم علل الحديث:" ا ْل َباب - يقصد الحديث - إذَا لَ ْم تَْجَمْعطرقَهلَْمَيتََبايْن َخَطؤه".38
    ومن خلال هذه المعايير المتقدم ذكرها، وغيرها من المعايير الدقيقة التي لا يتسع المجال لبسطها وإيضاحها هنا؛ يتبين لنا أن حكم العلماء على الحديث بأنه مقبول أو مردود ليس حكما عشوائيا أو انتقائيا، أو حكما قائما على المزاجية والهوى، كما يخ ايل لبعض الناس - مع الأسف – بل هو حكم مستند إلى معايير وقواعد محكمة يشهد بدقتها وحياديتها وموضوعيتها كل من قرأ هذه القواعد بعين الإنصاف.
    شهادة بعض علماء التاريخ من غير المسلمين.
    ولقد شهد بعض غير المسلمين ممن أصل لعلم التاريخ والرواية، وحاول أن يضع قواعد وشروطا لقبول الأخبار والمرويات؛ بأن القواعد والمعايير التي وضعها علماء الحديث هي أدق القواعد وأجود المعايير التي يتم بها فحص الأخبار والحكم على الروايات، ومن هؤلاء الباحثين ( أسد رستم ) وهو باحث لبناني نصراني توفي في عام ( 1965 م ) حيث يقول في كتابه مصطلح التاريخ:" وأول من نظم نقد
    38 انظر: الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ( 2 / 212 ) طبعة: مكتبة المعارف – الرياض.
    الروايات التاريخية، ووضع القواعد لذلك؛ علماء الدين الإسلامي، فإنهم اضطروا اضطرارا إلى الاعتناء بأقوال النبي وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل، فقالوا إ ْن هو إلا وح ٌي يوحى، ما تل َي منه فهو القرآن، وما لم يت َل فهو السنة، فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها، فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها محت َرمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا ".39
    وذكر في كتابه أنه لما أراد أن يكتب في موضوع نقد الروايات التاريخية جمع كتب علماء الحديث واطلع عليها وسجل إعجابه بها قائلا:" فأكببت على مطالعة كتب المصطلح، وجمعت أكثرها، وكنت كلما ازددت اطلاعا عليها ازداد ولعي بها وإعجابي بواضعيها " ويقول أيضا:" والواقع أنه ليس بإمكان أكابر رجال التاريخ في أوروبا وأمريكا أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، على الرغم من مرور سبعة قرون عليها، فإن ما جاء فيها من مظاهر الدقة في التفكير والاستنتاج، تحت عنوان " تحري الرواية والمجيء باللفظ " يضاهي ما ورد في الموضوع نفسه في أهم كتب الفرنجة في ألمانيا وفرنسا وأمريكا وبلاد الإنجليز، وقد اقتطفنا من كلام القاضي عياض40 في هذا الموضوع شيئا أوردناه في باب تحري النص والمجيء باللفظ في كتابنا هذا ".41
    عناية العلماء بمتون الأحاديث.
    ولا يقتصر نظر علماء الحديث إلى الأسانيد فقط، بل ينظرون كذلك إلى متون الأحاديث، ويفسرون غريب ألفاظها، ويوضحون مشكل معانيها، ويجمعون بين ما ظاهره التعارض منها، ويميزون بين الناسخ والمنسوخ منها، إلى غير ذلك من جهود العلماء فيما يتعلق بمتون الأحاديث، ويكفي أن يطالع المرء كتابا من كتب شروح الأحاديث ليتبين له عناية العلماء بالنظر إلى الإسناد والمتن معا.42
    39 انظر: كتاب مصطلح التاريخ لأسد رستم ، صفحة ( 39 ) طبعة: مركز تراث للبحوث والدراسات – مصر. 40 يقصد: القاضي عياض المالكي المتوفى سنة ( 544 هـ) وكتابه هذا هو: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع. 41 انظر: كتاب مصطلح التاريخ لأسد رستم ، صفحة ( 46 – 47 ) 42 يوصى الطالب بالرجوع إلى بعض كتب شروح الأحاديث، مثل كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري وكتاب شرح النووي على صحيح مسلم وكتاب تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي وغير ذلك من الكتب.

    ما الذي يترتب على صحة الحديث؟
    إذا صح الحديث فهو حجة في الدين، يجب قبوله والعمل به، سواء كان متواترا أو آحادا، وسواء كان في العقائد أو الأحكام، ومما تستدعي الضرورة التنبي َه إليه؛ أ ان القول بالتفريق بين العقائد والأحكام، أو التفريق بين المتواتر والآحاد، قو ٌل مبتدع لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين، بل الحديث الصحيح حجةٌ بنفسه، وهو مصدر من مصادر التشريع كما بيناه في المبحث الأول وذكرنا الأدلة عليه.
    وإليك بعضا من كلام أهل العلم في ذلك: قال الشافعي رحمه الله:" أَ ْج َم َع النااس َعلَى أَ ان َم ْن ا ْستَ َبانَ ْت لَه سناةٌ َع ْن َرسول االلَّ -
    َصلاى االلَّ َعلَْيه َو َسلاَم-لَْم َيكْنلَهأَْن َيَد َعَهالقَْولأََحدمْنالنااس".43
    وقال ابن عبد البر رحمه الله:" َوأَ ْج َم َع أَ ْهل اْلعْلم م ْن أَ ْهل اْلف ْقه َوا ْلأَثَر في َجميع اْلأَْم َصارفيَما َعلْمت؛ َعلَىقَبول َخَبراْلَواحداْلَعْدل، َوإيَجاباْلَعَملبهإذَاثََب َت َولَْم َ ي ْ ن َ س ْ خ ه َ غ ْ ي ر ه م ْ ن أ َ ث َ ر أ َ ْ و إ ْ ج َ م ا ع ، َ ع ل َ ى َ ه ذ َ ا َ ج م ي ع ا ْ ل ف ق َ َ ه ا ء ف ي ك ل َ ع ْص ر م ْ ن ل َ د ن ا ل اص َ ح ا َ ب ة إ ل َ ى َ ي ْ و م ن َ ا َ ه ذ َ ا ، إ ا لا ا ْ ل َ خ َ و ا ر َ ج َ و َ ط َ و ا ئ َ ف م ْ ن أ َ ْ ه ل ا ْ ل ب َ د ع ش ْ ر ذ َ م ة ٌ َ لا ت َ ع د خ َ لا ف ً ا ".44
    وقال ابن حزم رحمه الله:" فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ".45
    43 انظر: إعلام الموقعين لابن القيم ( 2 / 201 ) 44 انظر: التمهيد لابن عبد البر ( 1 / 2 ) تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي , محمد عبد الكبير البكري. 45 انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ( 1 / 113 )


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

National Cultur...

National Culture Impacts Entire Model Through Strong Effects On External Environment External Envir...

بحث حول تقسيما...

بحث حول تقسيمات الجرائم وظروفها في قـــانون العقوبات الجزائري. مقدمة تعد الجريمة ظاهرة مقيتة ولدت م...

Before conducti...

Before conducting a wide-ranging survey, a pilot interview was conducted with three industry expert...

القبيلة لقوانين...

القبيلة لقوانين صارمة نظمتها التقاليد والأْعراف. ويلجأ أفراد القبيلة في حل الخلافات التي تنشأ بينهم ...

This prospectiv...

This prospective, randomized, clinical trial (RCT) was a two-center study, performed in Oulu Univers...

يجب على رجل الم...

يجب على رجل المبيعات أن يعرف يقينًا أن إنفاق المال في شراء مقومات النجاح هو أساس النجاح، وذلك لأن أي...

N AUGUST 2021, ...

N AUGUST 2021, UN Secretary General António Guterres described the climate projections from the Inte...

لا شك أننا أصبح...

لا شك أننا أصبحنا اليوم أسرع اتصالًا ببعضنا البعض، بفضل تقنيات الاتصال الرقمي بمختلف وسائله المتاحة،...

مراكش ويُطلق عل...

مراكش ويُطلق عليها المدينة الحمراء بسبب لون مبانيها. تزخر بالكثير من المعالم التاريخية وتشتهر بهندست...

حدد الكاتب في ب...

حدد الكاتب في بداية النص مفهوم المجتمع المدني باعتباره مجتمعا تسوده قيم المواطنة وحقوق الانسان. لينت...

فإن الله جلت حك...

فإن الله جلت حكمته قد جعل الإسلام منهاجاً متكاملاً للحياة الإنسانية علـى مستوى الفرد والجماعة ، وضمن...

OUARGLA - L’ann...

OUARGLA - L’anniversaire du 1er Novembre 1954, une date phare dans l’Histoire de l’Algérie, demeure ...