خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
استطاعت الإمبراطورية الرومانية أن تبسط سلطانها على شعوب العالم المتحضر القديم ، فراحت جيوشها تغزو بلدان حوض البحر المتوسط وأوروبا ، حتى إمتدت أطرافها إلى الجزر البريطانية وشبه جزيرة أيبريا فضلاً عن بعض بلدان الشرق . وقد أقامت الإمبراطورية الرومانية نظاماً مستقراً يكفل السلام والاستقرار لشعوبها ، ويقوم علي الخضوع لسلطان روما فيما عرف بالسلام الروماني Pax - في جوهره
غير أنه بحلول نهاية القرن الخامس الميلادي دبت عوامل الإنحلال والانقسام في أوصال الأمبراطورية الرومانية ، مما أدي إلي انقسامها إلى دولتين أحداهما شرقية عاصمتها بيزنطة (القسطنطينية فيما بعد) ، والأخري غربية عاصمتها روما. ومن ناحية أخري فقد شهدت هذه المرحلة التاريخية انقسام الكنيسة المسيحية إلى شطرين يدين أولهما بالمذهب الأرثوذكسي في بيزنطة) ، بينما يدين الثاني بالمذهب الكاثوليكي (في روما) .هذا وقد ظل العالم الأوروبي القديم يتخبط في لجج من الصراعات السياسية والإضطهادات الطائفية المذهبية المتلاحقة ، مما أفسح المجال أمام قبائل البرابرة والتتار والجرمان للإنقضاض علي هاتين الإمبراطوريتين، الأمر الذي مهد السبيل إلي تفتتهما إلي عديد من الدول وآلاف من المقاطعات التي قامت علي أنقاضهما . وقد ساعدت تلك التطورات علي تنامي السلطان الروحي للسلطة الدينية الممثلة في شخص البابا ، وامتداده ليشمل كافة أرجاء القارة الأوروبية - وعلي طول امتداد مرحلة
العصور الوسطي - وذلك علي أنقاض السلطة الزمنية التي راحت تتفتت بين
الإمبراطور وبين الملوك والأمراء والنبلاء الاقطاعيين في أوروبا (1).هذا وقد ابتدع الفكر الكنسي - أنذاك - صيغة مبتكرة لنظرية السيفين تتلاءم مع تلك التطورات الجديدة، وبما يهيئ لمزيد من التمكين السلطات البابا لتشمل الشئون غير الدينية . أصبح من حق السلطة الروحية (البابا) ، ممارسة سلطاتها علي جميع المسيحيين بما في ذلك الحكام أنفسهم .علي اعتبار أن الحاكم الزمني يستمد سلطته وشرعيتها من الحاكم الروحي ،من التصور الجديد الذي كان يقوم علي إفتراض أن الله قد سلم السيفين معاً للبابا
الذي احتفظ لنفسه بأحدهما وهو سيف السلطة الدينية ، بينما أعطي السيف الثاني
وهكذا فلما كان البابا هو الذي يمنح الحاكم الزمني سلطته ،له أيضاً أن يحرمه منها إذا خالف إرادة البابا باعتبارها معبرة عن إرادة الله (۲)
ومن هنا راح الملوك والأمراء - خلال مرحلة العصر الوسيط - يتسابقون صاغرين - إلى تقديم فروض الطاعة والولاء للبابا ، أملين في الحصول علي بركته ورضاه باعتبارهما سنداً لشرعية حكمهم . وهكذا ظهر ما عرف بالسلام المسيحي ، الذي بسطت من خلاله الكنيسة الكاثوليكية سلطتها الروحية علي ملوك أوروبا ، إلى حد تنصيب البابا نفسه حكماً للفصل فيما يشجر بين الملوك والأمراء من منازعات (۳)
أثر الإحياء الأوروبي والاصلاح الديني علي البيئة الدولية :
غير أنه مع بداية عصر الإحياء الأوروبي بدأ سلطان الكنيسة ينحسر تدريجياً
أولاً : حركة النهضة الفكرية التي شهدتها أوروبا أنذاك ، نتيجة اتصالها بالأفكار اليونانية القديمة عن طريق الترجمات العربية لها ،وجنوب أوروبا ينقلها إلى اللغة اللاتينية .ثانياً : حركة الإصلاح الديني ، التي ضربت بسهم وافر في مجال توجيه النقد إلى الكنيسة وإلي رجال الدين لما حل بهم من أطماع دنيوية تسببت في الانتقاص مما كانوا يحظون به من هيبة ومكانة كانتا سند قوتهم المعنوية ونفوذهم الروحي لدي الشعوب الأوروبية ولدي حكامها على حد سواء .كذلك فقد كان من جراء حركة الاصلاح الديني أن انقسمت الكنيسة الغربية بين مذهبين هما : الكاثوليكية، والبروتستانتية أنصار لوثر وكالفن) وقد نجم عن ذلك أن اعتنقت بعض الدول المذهب الكاثوليكي، في حين اتخذ بعضها الآخر من المذهب البروتستانتي مذهباً له ، وذلك تبعاً لإرادة الحكام الزمنيين فيها ، وعملاً بقاعدة " الناس علي دين ملوكهم Cujus regio ejus religio . (۲) وقد أدي ذلك الانقسام إلى إنهيار وحدة العقيدة التي كانت سائدة في أوروبا خلال مرحلة العصور الوسطي - وقد ترتب علي ذلك أن انجرف الملوك والأمراء الأوروبيون في حروب طاحنة دفاعاً عن عقائدهم الدينية ، وتمكيناً لسيادتهم علي الأقاليم الخاضعة لهم (۳) وهكذا حل الولاء القومي . بل والمذاهب القومية محل عالمية السلطة الزمنية الممثلة في الإمبراطور) ، وعالمية السلطة الروحية (الممثلة في البابا) . (٤) هذا وقد بلغت تلك الحروب الدينية التي نشبت بين الكاثوليك والبروتستانت - أوجها في حرب الثلاثين عاماً التي إستعر إوارها بين عامي ١٦١٨ و ١٦٤٨ (٥) ، والتي وضعت معاهدات وستفاليا Westphalia حداً لها،ثالثاً : ظهور الملكيات والوحدات السياسية الكبري في أوروبا ، فقد أدي تجمع أو إتحاد بعض المقاطعات الأوروبية - عن طريق الغزو ، أو عن طريق المصاهرة بين الأمراء والنبلاء الاقطاعيين - إلى تكوين النواة الأولى لنشأة الدول القومية بصورتها الحديثة ، فعلي الرغم من استمرار النظام الاقطاعي ، فقد بدأ بعض الأمراء الاقطاعيين في الاعتراف بهيمنة أو سيادة بعضهم،وقد كانت الملكيات التي نشأت في كل من انجلترا وأسبانيا وفرنسا والبرتغال -في أواخر العصور الوسطي - هي أولي الملكيات الحديثة في العالم ، حيث استطاع الملوك في هذه الدول إخضاع النبلاء الإقطاعيين لسيطرتهم، من خلال تعهدهم بالدفاع الخارجي عنهم ، وقد تمكن ملوك بريطانيا وفرنسا من إنشاء جيوش كبيرة مكنتهم من شن حرب المائة عام (۱۳۳۷) - (١٤٥٣) . وفي روسيا استطاع القياصرة إيفان الرابع الرهيب) (١٥٤٧ - ١٥٨٤) ، وبطرس الأول (الأكبر) (۱۹۸۹) - ١٧٢٥) ، أن يرسيا دعائم ملكية قوية شبيهة بالملكيات الأوروبية . (۲) كذلك فقد أسفرت معاهدات وستفاليا عن منح هولندا استقلالها القومي . هذا وقد أدي ظهور الأسر الحاكمة إلي تنمية شعور الولاء القومي لدي الشعوب الأوروبية مما خلع عليها نوعاً من التجانس القومي المستمد من الشعور بالولاء لأسرة حاكمة معينة، وهو ما يعرف بـ Dynastic Nationalism ، حيث نشأت أسرة البوربون Bourbons في فرنسا ، وأسرة التيودورز Tudors في انجلترا . ويمكن القول بأن العلاقات بين الدول الأوربية - منذ نهاية العصور الوسطي وحتي ما قبل الثورة الفرنسية الكبري الصراعات بين البيوت المالكة الأوروبية ، حيث تركزت المنافسة في أوروبا الغربية بين فرنسا وانجلترا وأسبانيا . وقد بلغت أسبانيا أوج مجدها في أوائل القرن السادس عشر ثم ما لبث نجمها أن خبا بصورة تدريجية حتي حاقت بها وبحلفائها الهزيمة في كانت تحكمها حرب الثلاثين عاماً . (۲) وتجدر الإشارة إلى أنه علي الرغم من قيام الممالك الأوروبية -
في غرب أوروبا - علي أساس قومي ، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للوحدات السياسية في وسط أوروبا وجنوبها، حيث لم يكن شعور الولاء القومي National Loyalty قد نما بصورة قوية في هذه المناطق نتيجة تفككها (۱) ، فقد ظلت مناطق شمال إيطاليا - علي سبيل المثال - موزعة علي عديد من وحدات تتنازعها ثلاث قوي هي : الكنيسة ،وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ الولاء القومي " بعد من أبرز المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا - في مجال قواعد التعامل الدولي - حيث تضمنت الإشارة إلي الدول القومية باعتبارها اللبنات أو الوحدات المكونة للنسق الدولي الجديد ، وفي ذلك إشارة إلى قومية الانتماء والولاء، في معني أن يكون لولاء الفرد لدولته التي يعيش فيها الأولوية علي أي ولاء أو إنتماء آخر (۲)
ولعل من أبرز الأمثلة الدالة على تغليب اعتبارات المصلحة القومية ومن ثم اعتبارات الولاء القومي علي اعتبارات الولاء المذهبي ، تعاون فرنسا - وهي دولة كاثوليكية - مع دول الشمال والأمراء الألمان - وهم من البروتستانت - ضد ملوك أسرة الها بسبورج Habsbourg النمساوية. وكذلك معاهدة الصداقة والتعاون التي وقعتها فرنسا - في عهد فرانسوا الأول (١٥٣٥) - مع سلطان الأتراك المسلمين سليمان القانوني ضد أسرة الهابسبورج ، مقابل تمتع فرنسا ببعض الامتيازات ، كحرية الملاحة في المياه الإقليمية للدولة العثمانية. مما كان يعني تغليب فرنسا لمصلحتها القومية أينما كانت (1)
رابعاً : ذيوع وإنتشار أفكار نيقولا ماكيافيللي التي أوردها في كتابه "الأمير ، والتي كان من أبرزها : الاستناد إلى القوة بإعتبارها مصدر الشرعية للحكم ، مما كان يعني إسقاط دور كل من البابا والإمبراطور في هذا الشأن ، ذلك فضلاً عن آرائه عن فصل السياسة عن الأخلاق والقيم بصورة عامة، مما ترتب عليه الحد من نطاق تدخل الكنيسة في الشئون السياسية . وقد ساهمت أفكار ماكيافيللي في التمكين المزيد من التجزئة والتفكك والصراع بين الملوك والأمراء ، Universalism التحول عن فكرة العالمية
خامساً : إعتبار مبدأ احترام " السيادة القومية - National Sovereignty منطلقاً لعلاقات الدول القومية فيما بينها .وقد كان مبدأ احترام السيادة القومية للدول من أظهر المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، حيث كانت قضية السيادة من أبرز القضايا المثيرة للجدل خلال مرحلة العصر الوسيط ، ففي حين اعتقد البعض أن السيادة هي من حق أصحاب السلطة الروحية (الدينية) ، أسند البعض الآخر السيادة إلى أصحاب السلطة الزمنية .حيث وقد كان توماس الإكويني من أبرز من تناولوا فكرة السيادة - أنذاك عرفها بأنها " قدرة الفرد علي إنفاذ إرادته دونما إعاقة ممن سواه ، وبمعني آخر فإن كياناً ما يعد ذا سيادة ، إذا ما كانت إرادته مطلقة غير مقيدة بأية عقبات ، وإذا ما كان في غير حاجة إلى استئذان غيره في القيام بشئ ما . وبطبيعة الحال فليس ثمة من تنطبق عليه السيادة وبهذه الأوصاف -من الناحية المنطقية وبصورة مطلقة - سوي الله سبحانه وتعالي ، فهو وحده الفعال لما ومن هنا فقد استند بعض المفكرين إلى تلك الحقيقة لتبرير أحقية صاحب السلطة الدينية بأن يكون هو صاحب السيادة ، تبعاً لكونه - من منظور الفكر الكنسي ظل الله علي الأرض، وهكذا كان من المتعين علي الملوك - أصحاب السلطة الزمنية -يريد من وجهة نظر الفكر الكنسي - أن يمارسوا مظاهر السلطة السياسية مع خضوعهم -في ممارستهم لها - للسلطة الروحية للكنيسة التي تعتبر مسئولة عن الشئون الأخلاقية والدينية. غير أن سلطة الكنيسة لم تقف عند هذا الحد ، وإنما تجاوزته إلى التدخل في تنظيم الشئون الدنيوية في بعض الأحيان، وكذلك تحريمها القتال في أيام الآحاد وفي بعض الأوقات الأخري نظراً لقدسيتها Holy Seasons . كذلك فقد أدت القيود التي فرضتها الكنيسة بخصوص مسائل الطلاق إلى إثارة غضبة الملوك في بعض الأحيان، وإثارة حنقهم علي سلطة الكنيسة والبابا . غير أنه علي الرغم من تمرد الملوك - في بعض الأحيان - علي بعض تعاليم الكنيسة ، فلم يكن في مقدورهم أن يشقوا عصا الطاعة عليها خوفاً من أن يطردوا من عضويتها أو أن يحرموا من تلقي بركات البابا ، وهي أمور كانت تشكل -كما سبق أن ذكرنا - سنداً لشرعية حكمهم ، ومن ثم فلم يكن أمامهم من خيار سوي الرضوخ لسلطان الكنيسة ، والخضوع لإرادة البابا (1)
ومع تنامي قوة تيار الإصلاح الديني . ونتيجة للحروب الدينية الطاحنة التي عاشتها أوروبا، بدأت بعض الأفكار المؤيدة التسويد الملوك ، والمنددة بتدخل الكنيسة في الشئون السياسية في الظهور .وفي هذه الأثناء كادت الإنقسامات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك أن تعصف بوحدة فرنسا ، ومن ثم فقد ظهرت بعض الأفكار الداعية إلى تسويد الملك بإعتباره فوق الأحزاب الدينية المتصارعة ، وليكون حكماً بينها ، فيصون بذلك وحدة الأمة وبقاء الدولة (٢) وفي عام ١٥٧٦ أيد الفقيه القانوني الفرنسي جان بودان Jean Bodin -. فكرة أن الملوك - Les Six Livres de la République في كتبه الستة عن الدولة دون غيرهم - هم أصحاب السيادة Souverains ، وأنهم وحدهم أصحاب الحق المطلق والسلطة الكاملة في السيطرة على شعوبهم وإخضاع كل ما يجري علي أراضي ممالكهم
ويمكن القول بأنه في حين اقتصر دور ماكيافيللي علي وصف الواقع السياسي في الإمارات الإيطالية في عصره، راح الفقيه القانوني الفرنسي بودان يسعي إلي تنظير ذلك الواقع - من خلال محاولته صياغة مفهوم تجريدي يساعد علي التمثل الذهني له - ومن ثم كان ظهور مفهوم السيادة (۲)
ويعني مفهوم " السيادة - - كوصف قانوني لواقع سياسي - - القدرة الفعلية علي الإنفراد بإصدار القرار السياسي في داخل الدولة وفي خارجها ، ومن ثم القدرة الفعلية علي الاحتكار الشرعي لأدوات القمع في الداخل وعلي رفض الإمتثال لأية سلطة تأتي من الخارج . . (۲) وقد أقام بودان فكرته عن السيادة علي اعتبار أن الملوك قد تلقوا سلطاتهم عن الله مباشرة، ومن ثم فالملك هو ظل الله علي الأرض ، ومن هنا تترتب له سلطات مطلقة ، ويصبح ذا سيادة (4) أو - علي حد تعبير بودان إمبراطوراً في مملكته ، فلا يتعين عليه الإمتثال لأية سلطة أو قوة أخري داخلية كانت يصبح أم خارجية
وهكذا " فقد جد بودان في الكشف عن سند يؤيد به ماكان يؤمن به من أنه الاسبيل إلي إنقاذ فرنسا - في عصره - إلا بالتمكين لملكية مطلقة ، لا تقيد فيها سلطة الملك برأي ند له ، لقد جد في الكشف عن سند يؤيد به سير الملكية الفرنسية بخطوات واسعة نحو الدولة البيروقراطية الموحدة علي حساب الدولة الإقطاعية ، فوجد في فكرة السيادة ضالته ، فلجأ إليها جاعلاً منها حجر الزاوية في كيان الدولة وقلبها النابض هذا وقد التقي غالبية الفقهاء علي المدلول الذي قدمه بودان المفهوم السيادة ، فقد عرفها Grotius بأنها " السلطة التي لا تخضع أفعالها لرقابة من جانب أية إرادة إنسائية أخري " (1). هذا وقد ساهمت حالة الفوضي التي عانت منها أوروبا أنذاك في إضفاء القبول على أفكار بودان، فراح الملوك يعملون على تدعيم سلطانهم المطلق في مواجهة الإمبراطور والنبلاء الإقطاعيين، كذلك فقد استغل الملوك الصراع المذهبي بين التيار البروتستانتي ، والتيار الكاثوليكي في مناهضة السلطة الروحية للبابا والكنيسة ، إلى حد قيام الملك هنري الثامن الذي حكم انجلترا خلال الفترة من ١٥٠٩ - ١٥٤٧) بتنصيب نفسه رئيساً للكنيسة الإنجليكانية، وهكذا جمع الملوك بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية علي الأقاليم التابعة لهم (٢). كذلك فقد اكتسبت فكرة السيادة مزيداً من التأييد في أعقاب إنتهاء حرب الثلاثين عاماً ، بما خلفته من خراب ودمار . حيث اتفقت الدول الموقعة على معاهدات وستفاليا علي اعتبار سيادة الملوك والأمراء. البديل الوحيد لإستمرار الحروب الدينية ، كما اتفق الملوك علي أن السلام والاستقرار مرهونان بقدرتهم علي فرض إرادتهم علي دولهم بما في ذلك تحديد المذاهب الدينية لشعوبهم .وإنطلاقاً مما سبق فلم يعد ممكناً لأية قوة خارجية أن تتدخل في الشئون الداخلية السياسية أو الدينية) لأية دولة أخري، وقد ترتب علي ذلك اعتبار كل الدول متساوية في السيادة، ولو من الناحية النظرية على أقل تقدير . وهكذا تخلت نظرية وحدة السيادة - الممثلة في الكنيسة - عن مكانها لنظرية تعدد السيادات الزمنية للملوك والأمراء، ومنذ ذلك الحين أصبحت المشكلة الأولي التي تواجه العلاقات الدولية هي تحديد من تكون له الغلبة بين الإرادات المتصارعة والسيادات المتعارضة للدول .ويمكننا أن نخلص إلى القول بأن معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، والتي تعتبر يحق بمثابة أول لبنة في البناء الدولي الحديث ، قد ساهمت في إرساء مجموعة من قواعد السلوك الدولي التي لا تزال تشكل - إلى وقتنا هذا - ركائز التعامل فيما بين الدول وأهم هذه المبادئ هي :
1) إحترام مبدأ السيادة القومية للدول
۲) عدم التدخل Non-Intervention في الشئون الداخلية للدول الأخري .۲) الإعتراف بمبدأ الولاء القومي .غير أن أهمية معاهدات وستفاليا لا ترجع إلى ما أرسته من مبادئ التعامل الدولي التي أشرنا إليها فحسب، وإنما تعود كذلك إلى كونها أولي المعاهدات الأوروبية التي استهدفت تحقيق ما يسمي بالتوازن الأوروبي Equilibre Européen بشكل يحول دون تمكين أية دولة من تهديد استقلال أو أمن جاراتها (۱) ، ذلك فضلاً عن إقرارها حق الدول في اللجوء إلى العنف أو الحرب كأداة نهائية لحسم المنازعات الدولية ، وكذلك حقها في عقد المخالفات تحقيقاً لميزان القوة فيما بينها (۲) ، وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ التوازن الأوروبي قد ظل - منذ معاهدات وستفاليا هو الموجه للسياسات الأوروبية (۳) ، حيث أكدت عليه غالبية المعاهدات الدولية التي أبرمت بعد معاهدات وستفاليا، ومن أمثلتها : معاهدة أوترخت Utrecht عام ۱۷۱۳ ، ومعاهدة إكس لا شابيل Aix-la-Chapelle عام ١٧٤٨ ذلك فضلاً عن تأكيد المؤتمرات الدولية الأوروبية عليه باعتباره ركيزة استقرار العلاقات الأوروبية علي نحو ما حدث في مؤتمر فيينا عام ١٨١٥ .وهكذا أصبحت صفة السيادة القومية - منذ مؤتمر وستفاليا - تشكل منطلقاً العلاقات الدول فيما بينها، ومن ثم تمثل ركيزة النسق الدولي الحديث ، الأمر الذي يمكننا معه القول بأن البيئة الدولية قد راحت - منذ ذلك الحين - تقوم علي "عديد من دول متميزة ذات سيادة . ويفضي هذا التعدد - في ظل غيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية - إلى جعل كل دولة مركزاً متميزاً ونهائياً لإتخاذ القرارات ، ومن ثم تسعي كل دولة إلى فرض إرادتها على ما عداها من الدول تحقيقاً لمصلحتها القومية ، استناداً إلى قوتها الذاتية (1)، في بيئة دولية ذات طبيعة فوضوية (٢) .البيئة الدولية وحالة الطبيعة :
وإنطلاقاً مما سبق يري هيجل أنه مادامت السيادة تشكل منطلقاً لعلاقات ما بين الدول ، فيمكننا القول بأن بيئة العلاقات الدولية هي أشبه ما تكون بحالة الطبيعة Etat de Nature (3) . كذلك يصف هويز البيئة الدولية بأنها تشبه حالة الطبيعة حيث حرب
War of every one against every one - الكل ضد الكل
واستناداً إلى هذه الطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية ، يرفض البعض إطلاق عبارة المجتمع الدولي علي جماعة الدول ، حيث يري Georges Burdeau - أنه ليس ثمة مجتمع إلا حيث توجد فكرة الحق والقانون، وأنه نظراً لغيبة السلطة عن عالم العلاقات الدولية فلا يتصور إلا أن تكون الفوضي هي السمة الغالبة على هذه العلاقات "
أما
Raymond Aron فيذهب هو الآخر إلى القول بخطأ التسمية الشائعة للجماعة الدولية بأنها مجتمع دولي ، ويري أنه إذا كان لامناص من وصف هذه الجماعة بأنها مجتمع - رغم كون ذلك خطأ في القياس - فيجب اعتبارها في هذه الحالة مجتمعاً
1( Société a-sociale " لا إجتماعي
وهنا تجدر الإشارة إلى ما بين البيئة الوطنية داخل المجتمع الواحد وبين البيئة الدولية فيما بين المجتمعات السياسية من اختلاف في الطبيعة . فبينما تقوم العلاقات السياسية داخل المجتمع الواحد ، علي أساس علاقة الأمر والطاعة ، حيث يكون للحاكمين سلطة الأمر. ويتعين علي المحكومين الإلتزام بواجب الطاعة ، نجد أن العلاقات السياسية الدولية هي علاقات بين وحدات سياسية متميزة ومتساوية - قانوناً من حيث السيادة، ومن ثم فلا تملك أي منها سلطة الأمر ، كما لا يتوجب علي بعضها طاعة البعض الآخر، وإنطلاقاً مما سبق يمكننا أن نقابل بين ما تتسم به البيئة السياسية داخل المجتمعات الوطنية من مركزية وهيراركية Hierarchy وضبط سياسي Political Order ، وبين ما تتسم به البيئة السياسية الدولية من الامركزية وفوضي Anarchy ، فبينما تمارس النشاطات السياسية الداخلية في ظل السلطة السياسية". تجري العلاقات فيما بين الدول في ظل غيبة السلطة Absence of Power • ويتضح مما سبق أن البيئة الدولية بصورتها الراهنة تفتقر إلى عنصر النظام أو القابلية للتنظيم ((٢)
وهكذا يمكن القول - بعبارة أخري - أنه في حين تعتبر البيئة الوطنية بيئة مستانسة بعامل الاحتكار الشرعي للقوة، بما يتضمنه من تجريد أعضاء المجتمع من أدوات العنف ، تعد البيئة الدولية بيئة غيبة السلطة نظراً لقيامها علي جمع من وحدات سياسية ذات سيادة تمثل كل واحدة منها مركزاً متميزاً ونهائياً لاتخاذ القرارات أو Centre autonome de décision ، ومن ثم يمكن القول بأن البيئة الدولية تقوم علي عديد من قوي متميزة قد تتعاون فيما بينها ولكنها لا تتكامل تبعاً لتعدد السلطات فيها (1)
وفي هذا الصدد يميز Raymond Aron بين هدف كل من السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، علي اعتبار أن الأولى تستهدف إخضاع المحكومين لحكم القانون بمقتضي الاحتكار الشرعي لأدوات الإكراه في أيدي القائمين علي ممارسة مظاهر السلطة السياسية ، بينما يكون الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية - في ظل ما تتسم به البيئة الدولية من تعدد مراكز القوة المسلحة أو ما يسميه آرون la pluralité des هو ضمان بقاء الدولة في وجه التهديدات التي يمثلها centres de forces armées
مجرد وجود الدول الأخري (۲)
وفي ظل بيئة دولية هذا شأنها ، ليس من المتصور العلاقات الدول إلا أن تكون علاقات " عداء " ، وفي هذا المعنى يقول Hobbes في كتابه الشهير Leviathan : إن العداء في البيئة الدولية إنما يرتد إلى تعارض مصالح الدول ، فمصلحة دولة ما لا تتحقق عادة إلا على حساب مصالح دولة أخري، ومن هنا تسعي الدول – مستندة إلي قواها الذاتية - إلى تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها الوطنية .وهكذا فإنه في ظل حالة العداء، وفي ظل غيبة السلطة العليا عن عالم السياسة الدولي، يكون من المنطقي أن تسعي كل دولة إلى حماية أمنها ومصالحها اعتماداً علي قوتها الذاتية ، بما في ذلك إمكانية لجوئها إلى العنف تحقيقاً لمصالحها القومية . ويري آرون أن السمة المميزة للعلاقات الدولية هي شرعية ومشروعية اللجوء إلى القوة المسلحة من جانب الدول (1)
وهنا تجدر الإشارة إلى التمييز بين مفهومي القوة Force والعنف Violence علي اعتبار أن القوة تمارس في ظل الارتباط بالنظام والقانون وبفكرة المشروعية ،مفهوم النسق الدولي :
غير أن تسليمنا بالطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية، وبشرعية لجوء الدول إلي العنف تحقيقاً لمصالحها ، لا يعني أن البيئة الدولية لا تعرف الهدوء والانتظام : فمن الملاحظ أن علاقات ما بين الدول - إذ تتم في إطار نسق دولي International System يضم تفاعلاتها ، ومن ثم تتبادل في إطاره التأثير والتأثر - تتسم بالإنتظام والتكرار بصورة تجعلها - في أغلب الأحيان - قابلة للتوقع الإنتظامات Regularities التي تحكم تفاعل سلوك الدول مع بعضها البعض - في البيئة الدولية - جديرة بأن توصف بأنها " قوانين " نظراً لأنها تعبر - علي حد قول ومن هنا فإن مونتسكيو عن روابط الحتم الصادرة عن طبيعة الأشياء Les rapports فهذه الانتظامات لا تشكل ، nécessaires qui dérivent de la nature des choses أنماطاً مثالية وضعية ، وإنما هي تمثل قواعد سلوكية لاغني للدول عن الإلتزام بها حتي يتحقق استمرار العلاقات فيما بينها ككل مترابط
وهكذا يمكن القول بأن العلاقات الدولية تخضع في سيرها للإنتظام الذاتي شبه الآلي ، كبديل عن عنصر التنظيم الإرادي السلطوي أو القانوني) الذي تخضع له
العلاقات السياسية داخل المجتمع الوطني (1)
وهنا تجدر الإشارة إلى التفرقة بين مفهومي "التنظيم" و "الانتظام . فالتنظيم و النظام يوحيان بأن ثمة عملاً إرادياً واعياً من جانب الإنسان بقصد إدارة قطاع معين من قطاعات علاقات الواقع الاجتماعي على نحو ما يبدو أنه أمثل أو أكمل (۲) ."L'ordre est toujours imposé ou ordonné parce qu'il n'ya pas
de coordination sans subordination"(3)
الأمر الذي يعني أن القول بوجود " نظام " ما يوحي ضمناً بوجود السلطة العليا - المنظمة . على نحو يحول دون الفوضي من ناحية ، ودون سيطرة أي منها على ما عداها من ناحية أخري، ومن ثم توحي بفكرة التدافع أو إنفعال القوة بالقوة وتجدر الإشارة كذلك - في هذا الصدد - إلى مفهوم " النسق " System والذي يعني تصورنا لواقع معين علي أنه مكون من قوي متميزة فيما بينها ولكنها متفاعلة علي وضع يهيئ لسيرها سيراً متزناً . وهكذا يصح - في ظل طبيعة البيئة الدولية التي أشرنا إليها - أن تتمثل هذه البيئة ( بيئة تعدد السيادات المتصارعة ) من ثنايا مفهوم النسق ، فنقول بأن النسق الدولي International System هو تصورنا لحالة الإتزان Equilibrium التي عليها مجموعة دولية معينة متفاعلة مع بعضها ، ومن ثم التي تتبادل التأثير والتأثر فيما بينها، على نحو يهيئ لانتظام علاقاتها ، بمنأي عن حالة الفوضي الدولية من ناحية، وفي وجه كل تطلع إلى الإمبراطورية العالمية من ناحية أخري (1)
وتبعاً لغيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية ، وفي ظل قيامها علي دول متعددة ذات سيادة تعمل كل منها علي حماية مصالحها القومية ، لا يتصور وجود ما يمكن أن نسميه بالخير العام أو بالمصلحة العليا علي المستوي العالمي ، ومن ثم يكون لكل دولة أن تقرر - علي حدة - مدي خبرية ما تقوم به من تصرفات في ضوء مصالحها القومية وهكذا يمكننا القول بأن عالم السياسة الدولي تحكمه نسبية القيم الأخلاقية Moral Relativity - ويترتب علي ذلك أنه ليس ثمة " حق " مطلق أو عدالة مطلقة في علاقات ما بين الدول فحقوق الدول مرهونة بما يتوافر لها من عوامل القوة القادرة
علي صيانة تلك الحقوق وحمايتها، فلا حق في عالم السياسة الدولي إن لم تدعمه القوة، ومن ثم فليس للدول أن تدعي لنفسها من حقوق إلا بقدر أهليتها للدفاع عن تلك الحقوق في مواجهة تطلعات الطامعين (1)
وهكذا - وفي ظل بيئة هذا شأنها - لا يتصور إخضاع علاقات ما بين الدول المبادئ قيمية أو لأنماط مثالية ، كما لا يتصور أن تقيد إرادات الدول بأية قيود أو قواعد اللهم إلا ما تقبله أو ترتضيه الدول ذاتها، عملاً بفكرة التقييد الذاتي للإرادة - auto limitation - كذلك فلا مناص - والحال هذه - من أن يكون الاعتماد على الذات - Self help هو القاعدة الأساسية في التعامل الدولي، ففي ظل غيبة السلطة ، ليس ثمة ما يكفل للدول حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها إلا اعتمادها على قوتها الذاتية .قاعتمادها علي من سواها يجعل أمنها بل ويقاها رهناً بإرادة غيرها (۲)
مقدمة :
استطاعت الإمبراطورية الرومانية أن تبسط سلطانها على شعوب العالم المتحضر القديم ، فراحت جيوشها تغزو بلدان حوض البحر المتوسط وأوروبا ، حتى إمتدت أطرافها إلى الجزر البريطانية وشبه جزيرة أيبريا فضلاً عن بعض بلدان الشرق . وقد أقامت الإمبراطورية الرومانية نظاماً مستقراً يكفل السلام والاستقرار لشعوبها ، ويقوم علي الخضوع لسلطان روما فيما عرف بالسلام الروماني Pax - في جوهره
(1), Romana
غير أنه بحلول نهاية القرن الخامس الميلادي دبت عوامل الإنحلال والانقسام في أوصال الأمبراطورية الرومانية ، مما أدي إلي انقسامها إلى دولتين أحداهما شرقية عاصمتها بيزنطة (القسطنطينية فيما بعد) ، والأخري غربية عاصمتها روما. ومن ناحية أخري فقد شهدت هذه المرحلة التاريخية انقسام الكنيسة المسيحية إلى شطرين يدين أولهما بالمذهب الأرثوذكسي في بيزنطة) ، بينما يدين الثاني بالمذهب الكاثوليكي (في روما) .
هذا وقد ظل العالم الأوروبي القديم يتخبط في لجج من الصراعات السياسية والإضطهادات الطائفية المذهبية المتلاحقة ، مما أفسح المجال أمام قبائل البرابرة والتتار والجرمان للإنقضاض علي هاتين الإمبراطوريتين، الأمر الذي مهد السبيل إلي تفتتهما إلي عديد من الدول وآلاف من المقاطعات التي قامت علي أنقاضهما . وقد ساعدت تلك التطورات علي تنامي السلطان الروحي للسلطة الدينية الممثلة في شخص البابا ، وامتداده ليشمل كافة أرجاء القارة الأوروبية - وعلي طول امتداد مرحلة
العصور الوسطي - وذلك علي أنقاض السلطة الزمنية التي راحت تتفتت بين
الإمبراطور وبين الملوك والأمراء والنبلاء الاقطاعيين في أوروبا (1).
هذا وقد ابتدع الفكر الكنسي - أنذاك - صيغة مبتكرة لنظرية السيفين تتلاءم مع تلك التطورات الجديدة، وبما يهيئ لمزيد من التمكين السلطات البابا لتشمل الشئون غير الدينية . وبمقتضي هذه الصيغة الجديدة، أصبح من حق السلطة الروحية (البابا) ، بل من واجبها ، ممارسة سلطاتها علي جميع المسيحيين بما في ذلك الحكام أنفسهم .
علي اعتبار أن الحاكم الزمني يستمد سلطته وشرعيتها من الحاكم الروحي ، انطلاقاً
من التصور الجديد الذي كان يقوم علي إفتراض أن الله قد سلم السيفين معاً للبابا
الذي احتفظ لنفسه بأحدهما وهو سيف السلطة الدينية ، بينما أعطي السيف الثاني
للحاكم الزمني، وهكذا فلما كان البابا هو الذي يمنح الحاكم الزمني سلطته ، فقد كان
له أيضاً أن يحرمه منها إذا خالف إرادة البابا باعتبارها معبرة عن إرادة الله (۲)
ومن هنا راح الملوك والأمراء - خلال مرحلة العصر الوسيط - يتسابقون صاغرين - إلى تقديم فروض الطاعة والولاء للبابا ، أملين في الحصول علي بركته ورضاه باعتبارهما سنداً لشرعية حكمهم . وهكذا ظهر ما عرف بالسلام المسيحي ، الذي بسطت من خلاله الكنيسة الكاثوليكية سلطتها الروحية علي ملوك أوروبا ، إلى حد تنصيب البابا نفسه حكماً للفصل فيما يشجر بين الملوك والأمراء من منازعات (۳)
أثر الإحياء الأوروبي والاصلاح الديني علي البيئة الدولية :
غير أنه مع بداية عصر الإحياء الأوروبي بدأ سلطان الكنيسة ينحسر تدريجياً
نتيجة لعدة عوامل نوجز أهمها فيما يلي :
أولاً : حركة النهضة الفكرية التي شهدتها أوروبا أنذاك ، نتيجة اتصالها بالأفكار اليونانية القديمة عن طريق الترجمات العربية لها ، والتي قام سكان أسبانيا
وجنوب أوروبا ينقلها إلى اللغة اللاتينية . (1)
ثانياً : حركة الإصلاح الديني ، التي ضربت بسهم وافر في مجال توجيه النقد إلى الكنيسة وإلي رجال الدين لما حل بهم من أطماع دنيوية تسببت في الانتقاص مما كانوا يحظون به من هيبة ومكانة كانتا سند قوتهم المعنوية ونفوذهم الروحي لدي الشعوب الأوروبية ولدي حكامها على حد سواء .
كذلك فقد كان من جراء حركة الاصلاح الديني أن انقسمت الكنيسة الغربية بين مذهبين هما : الكاثوليكية، والبروتستانتية أنصار لوثر وكالفن) وقد نجم عن ذلك أن اعتنقت بعض الدول المذهب الكاثوليكي، في حين اتخذ بعضها الآخر من المذهب البروتستانتي مذهباً له ، وذلك تبعاً لإرادة الحكام الزمنيين فيها ، وعملاً بقاعدة " الناس علي دين ملوكهم Cujus regio ejus religio . (۲) وقد أدي ذلك الانقسام إلى إنهيار وحدة العقيدة التي كانت سائدة في أوروبا خلال مرحلة العصور الوسطي - وقد ترتب علي ذلك أن انجرف الملوك والأمراء الأوروبيون في حروب طاحنة دفاعاً عن عقائدهم الدينية ، وتمكيناً لسيادتهم علي الأقاليم الخاضعة لهم (۳) وهكذا حل الولاء القومي . بل والمذاهب القومية محل عالمية السلطة الزمنية الممثلة في الإمبراطور) ، وعالمية السلطة الروحية (الممثلة في البابا) . (٤) هذا وقد بلغت تلك الحروب الدينية التي نشبت بين الكاثوليك والبروتستانت - أوجها في حرب الثلاثين عاماً التي إستعر إوارها بين عامي ١٦١٨ و ١٦٤٨ (٥) ، والتي وضعت معاهدات وستفاليا Westphalia حداً لها، علي نحو ما سيرد ذكره .
ثالثاً : ظهور الملكيات والوحدات السياسية الكبري في أوروبا ، فقد أدي تجمع أو إتحاد بعض المقاطعات الأوروبية - عن طريق الغزو ، أو عن طريق المصاهرة بين الأمراء والنبلاء الاقطاعيين - إلى تكوين النواة الأولى لنشأة الدول القومية بصورتها الحديثة ، فعلي الرغم من استمرار النظام الاقطاعي ، فقد بدأ بعض الأمراء الاقطاعيين في الاعتراف بهيمنة أو سيادة بعضهم، ومن ثم بخضوع الأمراء والنبلاء
السلطة وسيادة الملوك (1)
وقد كانت الملكيات التي نشأت في كل من انجلترا وأسبانيا وفرنسا والبرتغال -في أواخر العصور الوسطي - هي أولي الملكيات الحديثة في العالم ، حيث استطاع الملوك في هذه الدول إخضاع النبلاء الإقطاعيين لسيطرتهم، من خلال تعهدهم بالدفاع الخارجي عنهم ، وقد تمكن ملوك بريطانيا وفرنسا من إنشاء جيوش كبيرة مكنتهم من شن حرب المائة عام (۱۳۳۷) - (١٤٥٣) . وفي روسيا استطاع القياصرة إيفان الرابع الرهيب) (١٥٤٧ - ١٥٨٤) ، وبطرس الأول (الأكبر) (۱۹۸۹) - ١٧٢٥) ، أن يرسيا دعائم ملكية قوية شبيهة بالملكيات الأوروبية . (۲) كذلك فقد أسفرت معاهدات وستفاليا عن منح هولندا استقلالها القومي . هذا وقد أدي ظهور الأسر الحاكمة إلي تنمية شعور الولاء القومي لدي الشعوب الأوروبية مما خلع عليها نوعاً من التجانس القومي المستمد من الشعور بالولاء لأسرة حاكمة معينة، وهو ما يعرف بـ Dynastic Nationalism ، حيث نشأت أسرة البوربون Bourbons في فرنسا ، وأسرة التيودورز Tudors في انجلترا . ويمكن القول بأن العلاقات بين الدول الأوربية - منذ نهاية العصور الوسطي وحتي ما قبل الثورة الفرنسية الكبري الصراعات بين البيوت المالكة الأوروبية ، حيث تركزت المنافسة في أوروبا الغربية بين فرنسا وانجلترا وأسبانيا . وقد بلغت أسبانيا أوج مجدها في أوائل القرن السادس عشر ثم ما لبث نجمها أن خبا بصورة تدريجية حتي حاقت بها وبحلفائها الهزيمة في كانت تحكمها حرب الثلاثين عاماً . (۲) وتجدر الإشارة إلى أنه علي الرغم من قيام الممالك الأوروبية -
في غرب أوروبا - علي أساس قومي ، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للوحدات السياسية في وسط أوروبا وجنوبها، حيث لم يكن شعور الولاء القومي National Loyalty قد نما بصورة قوية في هذه المناطق نتيجة تفككها (۱) ، فقد ظلت مناطق شمال إيطاليا - علي سبيل المثال - موزعة علي عديد من وحدات تتنازعها ثلاث قوي هي : الكنيسة ، والإمبراطور ، وملوك فرنسا (۲)
وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ الولاء القومي " بعد من أبرز المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا - في مجال قواعد التعامل الدولي - حيث تضمنت الإشارة إلي الدول القومية باعتبارها اللبنات أو الوحدات المكونة للنسق الدولي الجديد ، وفي ذلك إشارة إلى قومية الانتماء والولاء، في معني أن يكون لولاء الفرد لدولته التي يعيش فيها الأولوية علي أي ولاء أو إنتماء آخر (۲)
ولعل من أبرز الأمثلة الدالة على تغليب اعتبارات المصلحة القومية ومن ثم اعتبارات الولاء القومي علي اعتبارات الولاء المذهبي ، تعاون فرنسا - وهي دولة كاثوليكية - مع دول الشمال والأمراء الألمان - وهم من البروتستانت - ضد ملوك أسرة الها بسبورج Habsbourg النمساوية. وكذلك معاهدة الصداقة والتعاون التي وقعتها فرنسا - في عهد فرانسوا الأول (١٥٣٥) - مع سلطان الأتراك المسلمين سليمان القانوني ضد أسرة الهابسبورج ، مقابل تمتع فرنسا ببعض الامتيازات ، كحرية الملاحة في المياه الإقليمية للدولة العثمانية. مما كان يعني تغليب فرنسا لمصلحتها القومية أينما كانت (1)
رابعاً : ذيوع وإنتشار أفكار نيقولا ماكيافيللي التي أوردها في كتابه "الأمير ، والتي كان من أبرزها : الاستناد إلى القوة بإعتبارها مصدر الشرعية للحكم ، مما كان يعني إسقاط دور كل من البابا والإمبراطور في هذا الشأن ، ذلك فضلاً عن آرائه عن فصل السياسة عن الأخلاق والقيم بصورة عامة، ومن ثم فصلها عن الدين ، مما ترتب عليه الحد من نطاق تدخل الكنيسة في الشئون السياسية . وقد ساهمت أفكار ماكيافيللي في التمكين المزيد من التجزئة والتفكك والصراع بين الملوك والأمراء ، ومن ثم
)1(, Universalism التحول عن فكرة العالمية
خامساً : إعتبار مبدأ احترام " السيادة القومية - National Sovereignty منطلقاً لعلاقات الدول القومية فيما بينها .
مفهوم السيادة :
وقد كان مبدأ احترام السيادة القومية للدول من أظهر المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، حيث كانت قضية السيادة من أبرز القضايا المثيرة للجدل خلال مرحلة العصر الوسيط ، ففي حين اعتقد البعض أن السيادة هي من حق أصحاب السلطة الروحية (الدينية) ، أسند البعض الآخر السيادة إلى أصحاب السلطة الزمنية .
حيث وقد كان توماس الإكويني من أبرز من تناولوا فكرة السيادة - أنذاك عرفها بأنها " قدرة الفرد علي إنفاذ إرادته دونما إعاقة ممن سواه ، ودونما حاجة إلي استئذان من عداه ، وبمعني آخر فإن كياناً ما يعد ذا سيادة ، إذا ما كانت إرادته مطلقة غير مقيدة بأية عقبات ، وإذا ما كان في غير حاجة إلى استئذان غيره في القيام بشئ ما . وبطبيعة الحال فليس ثمة من تنطبق عليه السيادة وبهذه الأوصاف -من الناحية المنطقية وبصورة مطلقة - سوي الله سبحانه وتعالي ، فهو وحده الفعال لما ومن هنا فقد استند بعض المفكرين إلى تلك الحقيقة لتبرير أحقية صاحب السلطة الدينية بأن يكون هو صاحب السيادة ، تبعاً لكونه - من منظور الفكر الكنسي ظل الله علي الأرض، وهكذا كان من المتعين علي الملوك - أصحاب السلطة الزمنية -يريد من وجهة نظر الفكر الكنسي - أن يمارسوا مظاهر السلطة السياسية مع خضوعهم -في ممارستهم لها - للسلطة الروحية للكنيسة التي تعتبر مسئولة عن الشئون الأخلاقية والدينية. غير أن سلطة الكنيسة لم تقف عند هذا الحد ، وإنما تجاوزته إلى التدخل في تنظيم الشئون الدنيوية في بعض الأحيان، كتحريمها الربا، وتحريمها العمل في أيام الأحاد، وكذلك تحريمها القتال في أيام الآحاد وفي بعض الأوقات الأخري نظراً لقدسيتها Holy Seasons . كذلك فقد أدت القيود التي فرضتها الكنيسة بخصوص مسائل الطلاق إلى إثارة غضبة الملوك في بعض الأحيان، وإثارة حنقهم علي سلطة الكنيسة والبابا . غير أنه علي الرغم من تمرد الملوك - في بعض الأحيان - علي بعض تعاليم الكنيسة ، فلم يكن في مقدورهم أن يشقوا عصا الطاعة عليها خوفاً من أن يطردوا من عضويتها أو أن يحرموا من تلقي بركات البابا ، وهي أمور كانت تشكل -كما سبق أن ذكرنا - سنداً لشرعية حكمهم ، ومن ثم فلم يكن أمامهم من خيار سوي الرضوخ لسلطان الكنيسة ، والخضوع لإرادة البابا (1)
غير أنه بحلول القرن السادس عشر، ومع تنامي قوة تيار الإصلاح الديني . ونتيجة للحروب الدينية الطاحنة التي عاشتها أوروبا، بدأت بعض الأفكار المؤيدة التسويد الملوك ، والمنددة بتدخل الكنيسة في الشئون السياسية في الظهور .
وفي هذه الأثناء كادت الإنقسامات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك أن تعصف بوحدة فرنسا ، ومن ثم فقد ظهرت بعض الأفكار الداعية إلى تسويد الملك بإعتباره فوق الأحزاب الدينية المتصارعة ، وليكون حكماً بينها ، فيصون بذلك وحدة الأمة وبقاء الدولة (٢) وفي عام ١٥٧٦ أيد الفقيه القانوني الفرنسي جان بودان Jean Bodin -. فكرة أن الملوك - Les Six Livres de la République في كتبه الستة عن الدولة دون غيرهم - هم أصحاب السيادة Souverains ، وأنهم وحدهم أصحاب الحق المطلق والسلطة الكاملة في السيطرة على شعوبهم وإخضاع كل ما يجري علي أراضي ممالكهم
التشريعاتهم . (1)
ويمكن القول بأنه في حين اقتصر دور ماكيافيللي علي وصف الواقع السياسي في الإمارات الإيطالية في عصره، راح الفقيه القانوني الفرنسي بودان يسعي إلي تنظير ذلك الواقع - من خلال محاولته صياغة مفهوم تجريدي يساعد علي التمثل الذهني له - ومن ثم كان ظهور مفهوم السيادة (۲)
ويعني مفهوم " السيادة - - كوصف قانوني لواقع سياسي - - القدرة الفعلية علي الإنفراد بإصدار القرار السياسي في داخل الدولة وفي خارجها ، ومن ثم القدرة الفعلية علي الاحتكار الشرعي لأدوات القمع في الداخل وعلي رفض الإمتثال لأية سلطة تأتي من الخارج . . (۲) وقد أقام بودان فكرته عن السيادة علي اعتبار أن الملوك قد تلقوا سلطاتهم عن الله مباشرة، ومن ثم فالملك هو ظل الله علي الأرض ، ومن هنا تترتب له سلطات مطلقة ، ويصبح ذا سيادة (4) أو - علي حد تعبير بودان إمبراطوراً في مملكته ، فلا يتعين عليه الإمتثال لأية سلطة أو قوة أخري داخلية كانت يصبح أم خارجية
وهكذا " فقد جد بودان في الكشف عن سند يؤيد به ماكان يؤمن به من أنه الاسبيل إلي إنقاذ فرنسا - في عصره - إلا بالتمكين لملكية مطلقة ، لا تقيد فيها سلطة الملك برأي ند له ، أو أعلي منه ، أو برضا من هم دونه . لقد جد في الكشف عن سند يؤيد به سير الملكية الفرنسية بخطوات واسعة نحو الدولة البيروقراطية الموحدة علي حساب الدولة الإقطاعية ، فوجد في فكرة السيادة ضالته ، فلجأ إليها جاعلاً منها حجر الزاوية في كيان الدولة وقلبها النابض هذا وقد التقي غالبية الفقهاء علي المدلول الذي قدمه بودان المفهوم السيادة ، فقد عرفها Grotius بأنها " السلطة التي لا تخضع أفعالها لرقابة من جانب أية إرادة إنسائية أخري " (1). هذا وقد ساهمت حالة الفوضي التي عانت منها أوروبا أنذاك في إضفاء القبول على أفكار بودان، فراح الملوك يعملون على تدعيم سلطانهم المطلق في مواجهة الإمبراطور والنبلاء الإقطاعيين، كذلك فقد استغل الملوك الصراع المذهبي بين التيار البروتستانتي ، والتيار الكاثوليكي في مناهضة السلطة الروحية للبابا والكنيسة ، إلى حد قيام الملك هنري الثامن الذي حكم انجلترا خلال الفترة من ١٥٠٩ - ١٥٤٧) بتنصيب نفسه رئيساً للكنيسة الإنجليكانية، وهكذا جمع الملوك بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية علي الأقاليم التابعة لهم (٢). كذلك فقد اكتسبت فكرة السيادة مزيداً من التأييد في أعقاب إنتهاء حرب الثلاثين عاماً ، بما خلفته من خراب ودمار . حيث اتفقت الدول الموقعة على معاهدات وستفاليا علي اعتبار سيادة الملوك والأمراء. البديل الوحيد لإستمرار الحروب الدينية ، كما اتفق الملوك علي أن السلام والاستقرار مرهونان بقدرتهم علي فرض إرادتهم علي دولهم بما في ذلك تحديد المذاهب الدينية لشعوبهم . (1)
وإنطلاقاً مما سبق فلم يعد ممكناً لأية قوة خارجية أن تتدخل في الشئون الداخلية السياسية أو الدينية) لأية دولة أخري، وقد ترتب علي ذلك اعتبار كل الدول متساوية في السيادة، ولو من الناحية النظرية على أقل تقدير . وهكذا تخلت نظرية وحدة السيادة - الممثلة في الكنيسة - عن مكانها لنظرية تعدد السيادات الزمنية للملوك والأمراء، ومنذ ذلك الحين أصبحت المشكلة الأولي التي تواجه العلاقات الدولية هي تحديد من تكون له الغلبة بين الإرادات المتصارعة والسيادات المتعارضة للدول .
ويمكننا أن نخلص إلى القول بأن معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، والتي تعتبر يحق بمثابة أول لبنة في البناء الدولي الحديث ، قد ساهمت في إرساء مجموعة من قواعد السلوك الدولي التي لا تزال تشكل - إلى وقتنا هذا - ركائز التعامل فيما بين الدول وأهم هذه المبادئ هي :
(1) إحترام مبدأ السيادة القومية للدول
(۲) عدم التدخل Non-Intervention في الشئون الداخلية للدول الأخري .
(۲) الإعتراف بمبدأ الولاء القومي .
غير أن أهمية معاهدات وستفاليا لا ترجع إلى ما أرسته من مبادئ التعامل الدولي التي أشرنا إليها فحسب، وإنما تعود كذلك إلى كونها أولي المعاهدات الأوروبية التي استهدفت تحقيق ما يسمي بالتوازن الأوروبي Equilibre Européen بشكل يحول دون تمكين أية دولة من تهديد استقلال أو أمن جاراتها (۱) ، ذلك فضلاً عن إقرارها حق الدول في اللجوء إلى العنف أو الحرب كأداة نهائية لحسم المنازعات الدولية ، وكذلك حقها في عقد المخالفات تحقيقاً لميزان القوة فيما بينها (۲) ، وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ التوازن الأوروبي قد ظل - منذ معاهدات وستفاليا هو الموجه للسياسات الأوروبية (۳) ، حيث أكدت عليه غالبية المعاهدات الدولية التي أبرمت بعد معاهدات وستفاليا، ومن أمثلتها : معاهدة أوترخت Utrecht عام ۱۷۱۳ ، ومعاهدة إكس لا شابيل Aix-la-Chapelle عام ١٧٤٨ ذلك فضلاً عن تأكيد المؤتمرات الدولية الأوروبية عليه باعتباره ركيزة استقرار العلاقات الأوروبية علي نحو ما حدث في مؤتمر فيينا عام ١٨١٥ .
وهكذا أصبحت صفة السيادة القومية - منذ مؤتمر وستفاليا - تشكل منطلقاً العلاقات الدول فيما بينها، ومن ثم تمثل ركيزة النسق الدولي الحديث ، الأمر الذي يمكننا معه القول بأن البيئة الدولية قد راحت - منذ ذلك الحين - تقوم علي "عديد من دول متميزة ذات سيادة . ويفضي هذا التعدد - في ظل غيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية - إلى جعل كل دولة مركزاً متميزاً ونهائياً لإتخاذ القرارات ، ومن ثم تسعي كل دولة إلى فرض إرادتها على ما عداها من الدول تحقيقاً لمصلحتها القومية ، استناداً إلى قوتها الذاتية (1)، في بيئة دولية ذات طبيعة فوضوية (٢) .
البيئة الدولية وحالة الطبيعة :
وإنطلاقاً مما سبق يري هيجل أنه مادامت السيادة تشكل منطلقاً لعلاقات ما بين الدول ، فيمكننا القول بأن بيئة العلاقات الدولية هي أشبه ما تكون بحالة الطبيعة Etat de Nature (3) . كذلك يصف هويز البيئة الدولية بأنها تشبه حالة الطبيعة حيث حرب
)4(. War of every one against every one - الكل ضد الكل
واستناداً إلى هذه الطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية ، يرفض البعض إطلاق عبارة المجتمع الدولي علي جماعة الدول ، حيث يري Georges Burdeau - أنه ليس ثمة مجتمع إلا حيث توجد فكرة الحق والقانون، وأنه نظراً لغيبة السلطة عن عالم العلاقات الدولية فلا يتصور إلا أن تكون الفوضي هي السمة الغالبة على هذه العلاقات "
أما
Raymond Aron فيذهب هو الآخر إلى القول بخطأ التسمية الشائعة للجماعة الدولية بأنها مجتمع دولي ، ويري أنه إذا كان لامناص من وصف هذه الجماعة بأنها مجتمع - رغم كون ذلك خطأ في القياس - فيجب اعتبارها في هذه الحالة مجتمعاً
)1( Société a-sociale " لا إجتماعي
وهنا تجدر الإشارة إلى ما بين البيئة الوطنية داخل المجتمع الواحد وبين البيئة الدولية فيما بين المجتمعات السياسية من اختلاف في الطبيعة . فبينما تقوم العلاقات السياسية داخل المجتمع الواحد ، علي أساس علاقة الأمر والطاعة ، حيث يكون للحاكمين سلطة الأمر. ويتعين علي المحكومين الإلتزام بواجب الطاعة ، نجد أن العلاقات السياسية الدولية هي علاقات بين وحدات سياسية متميزة ومتساوية - قانوناً من حيث السيادة، ومن ثم فلا تملك أي منها سلطة الأمر ، كما لا يتوجب علي بعضها طاعة البعض الآخر، وإنطلاقاً مما سبق يمكننا أن نقابل بين ما تتسم به البيئة السياسية داخل المجتمعات الوطنية من مركزية وهيراركية Hierarchy وضبط سياسي Political Order ، وبين ما تتسم به البيئة السياسية الدولية من الامركزية وفوضي Anarchy ، فبينما تمارس النشاطات السياسية الداخلية في ظل السلطة السياسية". تجري العلاقات فيما بين الدول في ظل غيبة السلطة Absence of Power • ويتضح مما سبق أن البيئة الدولية بصورتها الراهنة تفتقر إلى عنصر النظام أو القابلية للتنظيم ((٢)
وهكذا يمكن القول - بعبارة أخري - أنه في حين تعتبر البيئة الوطنية بيئة مستانسة بعامل الاحتكار الشرعي للقوة، بما يتضمنه من تجريد أعضاء المجتمع من أدوات العنف ، تعد البيئة الدولية بيئة غيبة السلطة نظراً لقيامها علي جمع من وحدات سياسية ذات سيادة تمثل كل واحدة منها مركزاً متميزاً ونهائياً لاتخاذ القرارات أو Centre autonome de décision ، ومن ثم يمكن القول بأن البيئة الدولية تقوم علي عديد من قوي متميزة قد تتعاون فيما بينها ولكنها لا تتكامل تبعاً لتعدد السلطات فيها (1)
وفي هذا الصدد يميز Raymond Aron بين هدف كل من السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، علي اعتبار أن الأولى تستهدف إخضاع المحكومين لحكم القانون بمقتضي الاحتكار الشرعي لأدوات الإكراه في أيدي القائمين علي ممارسة مظاهر السلطة السياسية ، بينما يكون الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية - في ظل ما تتسم به البيئة الدولية من تعدد مراكز القوة المسلحة أو ما يسميه آرون la pluralité des هو ضمان بقاء الدولة في وجه التهديدات التي يمثلها centres de forces armées
مجرد وجود الدول الأخري (۲)
وفي ظل بيئة دولية هذا شأنها ، ليس من المتصور العلاقات الدول إلا أن تكون علاقات " عداء " ، وفي هذا المعنى يقول Hobbes في كتابه الشهير Leviathan : إن العداء في البيئة الدولية إنما يرتد إلى تعارض مصالح الدول ، فمصلحة دولة ما لا تتحقق عادة إلا على حساب مصالح دولة أخري، ومن هنا تسعي الدول – مستندة إلي قواها الذاتية - إلى تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها الوطنية .
وهكذا فإنه في ظل حالة العداء، وفي ظل غيبة السلطة العليا عن عالم السياسة الدولي، يكون من المنطقي أن تسعي كل دولة إلى حماية أمنها ومصالحها اعتماداً علي قوتها الذاتية ، بما في ذلك إمكانية لجوئها إلى العنف تحقيقاً لمصالحها القومية . ويري آرون أن السمة المميزة للعلاقات الدولية هي شرعية ومشروعية اللجوء إلى القوة المسلحة من جانب الدول (1)
وهنا تجدر الإشارة إلى التمييز بين مفهومي القوة Force والعنف Violence علي اعتبار أن القوة تمارس في ظل الارتباط بالنظام والقانون وبفكرة المشروعية ، في حين أن مفهوم العنف يمثل القوة المتمردة أو الخارجة عن القانون والنظام أو القوة الخام غير المطوعة . (۲)
مفهوم النسق الدولي :
غير أن تسليمنا بالطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية، وبشرعية لجوء الدول إلي العنف تحقيقاً لمصالحها ، لا يعني أن البيئة الدولية لا تعرف الهدوء والانتظام : فمن الملاحظ أن علاقات ما بين الدول - إذ تتم في إطار نسق دولي International System يضم تفاعلاتها ، ومن ثم تتبادل في إطاره التأثير والتأثر - تتسم بالإنتظام والتكرار بصورة تجعلها - في أغلب الأحيان - قابلة للتوقع الإنتظامات Regularities التي تحكم تفاعل سلوك الدول مع بعضها البعض - في البيئة الدولية - جديرة بأن توصف بأنها " قوانين " نظراً لأنها تعبر - علي حد قول ومن هنا فإن مونتسكيو عن روابط الحتم الصادرة عن طبيعة الأشياء Les rapports فهذه الانتظامات لا تشكل ، nécessaires qui dérivent de la nature des choses أنماطاً مثالية وضعية ، وإنما هي تمثل قواعد سلوكية لاغني للدول عن الإلتزام بها حتي يتحقق استمرار العلاقات فيما بينها ككل مترابط
وهكذا يمكن القول بأن العلاقات الدولية تخضع في سيرها للإنتظام الذاتي شبه الآلي ، كبديل عن عنصر التنظيم الإرادي السلطوي أو القانوني) الذي تخضع له
العلاقات السياسية داخل المجتمع الوطني (1)
وهنا تجدر الإشارة إلى التفرقة بين مفهومي "التنظيم" و "الانتظام . فالتنظيم و النظام يوحيان بأن ثمة عملاً إرادياً واعياً من جانب الإنسان بقصد إدارة قطاع معين من قطاعات علاقات الواقع الاجتماعي على نحو ما يبدو أنه أمثل أو أكمل (۲) .. ولعل مما يؤكد علي هذا المعني ماذكره Freund من أن النظام غالباً ما يكون مفروضاً فليس ثمة تنسيق دون تبعية
"L'ordre est toujours imposé ou ordonné parce qu'il n'ya pas
de coordination sans subordination"(3)
الأمر الذي يعني أن القول بوجود " نظام " ما يوحي ضمناً بوجود السلطة العليا - المنظمة .
أما لفظة " الانتظام - - وهي التي تعنينا في هذا الصدد - فتوحي بأن ثمة إتزاناً آلياً (ميكانيكياً) يتحقق - بمنأي عن الإرادة الإنسانية الواعية - نتيجة توازن مجموعة من القوي المتفاعلة، على نحو يحول دون الفوضي من ناحية ، ودون سيطرة أي منها على ما عداها من ناحية أخري، ومن ثم توحي بفكرة التدافع أو إنفعال القوة بالقوة وتجدر الإشارة كذلك - في هذا الصدد - إلى مفهوم " النسق " System والذي يعني تصورنا لواقع معين علي أنه مكون من قوي متميزة فيما بينها ولكنها متفاعلة علي وضع يهيئ لسيرها سيراً متزناً . وهكذا يصح - في ظل طبيعة البيئة الدولية التي أشرنا إليها - أن تتمثل هذه البيئة ( بيئة تعدد السيادات المتصارعة ) من ثنايا مفهوم النسق ، فنقول بأن النسق الدولي International System هو تصورنا لحالة الإتزان Equilibrium التي عليها مجموعة دولية معينة متفاعلة مع بعضها ، ومن ثم التي تتبادل التأثير والتأثر فيما بينها، على نحو يهيئ لانتظام علاقاتها ، بمنأي عن حالة الفوضي الدولية من ناحية، وفي وجه كل تطلع إلى الإمبراطورية العالمية من ناحية أخري (1)
وتبعاً لغيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية ، وفي ظل قيامها علي دول متعددة ذات سيادة تعمل كل منها علي حماية مصالحها القومية ، لا يتصور وجود ما يمكن أن نسميه بالخير العام أو بالمصلحة العليا علي المستوي العالمي ، فما تراه دولة ما في صالحها بعد - من وجهة نظرها - الخير العام الذي تسعي إلى تحقيقه بإعتباره أمراً تستدعيه مصلحتها العليا أو ما يعرف بـ Raison d'Etat . ومن ثم يكون لكل دولة أن تقرر - علي حدة - مدي خبرية ما تقوم به من تصرفات في ضوء مصالحها القومية وهكذا يمكننا القول بأن عالم السياسة الدولي تحكمه نسبية القيم الأخلاقية Moral Relativity - ويترتب علي ذلك أنه ليس ثمة " حق " مطلق أو عدالة مطلقة في علاقات ما بين الدول فحقوق الدول مرهونة بما يتوافر لها من عوامل القوة القادرة
علي صيانة تلك الحقوق وحمايتها، فلا حق في عالم السياسة الدولي إن لم تدعمه القوة، ومن ثم فليس للدول أن تدعي لنفسها من حقوق إلا بقدر أهليتها للدفاع عن تلك الحقوق في مواجهة تطلعات الطامعين (1)
وهكذا - وفي ظل بيئة هذا شأنها - لا يتصور إخضاع علاقات ما بين الدول المبادئ قيمية أو لأنماط مثالية ، كما لا يتصور أن تقيد إرادات الدول بأية قيود أو قواعد اللهم إلا ما تقبله أو ترتضيه الدول ذاتها، عملاً بفكرة التقييد الذاتي للإرادة - auto limitation - كذلك فلا مناص - والحال هذه - من أن يكون الاعتماد على الذات - Self help هو القاعدة الأساسية في التعامل الدولي، ففي ظل غيبة السلطة ، ليس ثمة ما يكفل للدول حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها إلا اعتمادها على قوتها الذاتية .
قاعتمادها علي من سواها يجعل أمنها بل ويقاها رهناً بإرادة غيرها (۲)
وهكذا تتشكل العلاقات الدولية وفقاً لتفاعل قدرات الدول المختلفة ، من ثنايا عملية تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها واعتماداً علي قواها الذاتية ، ومن ثم يمكن القول بأن " المصلحة القومية " و " القوة القومية هما ركيزنا السياسة الدولية
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
بعد هذه الفضيحه التاريخيه والعالميه في بمناسبه افتتاح كاس العالم في الولايات المتحده الامريكيه وما ج...
يعد توصيل الأدوية المهمة في الوقت الانسب بكفاءة بمثابة لغز معقد في مجال توصيل الأدوية. يتطلب التغلب ...
הדילמה כוללת התנגשות בין מספר ערכים מקצועיים: שמירה על סודיות מקצועית ואמון. אחריות מקצועית לשלומה ...
حسن السياسة وإقامة المملكة كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته. فك...
ConspiracyTheory.net بيت / العلوم والتكنولوجيا / التستر على معاهدة أنتاركتيكا غير محلول 🔬 العلوم و...
( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْ...
لذا، لم تكن التوجهات السياسية للهوية الإسلامية متطابقة مع توجهات الهوية الإسلامية. فقد اعتمدت الأولى...
الفرع الاول : الحماية الجنائية للتجارة الالكترونية في جرائم النصب: إن دراسة أي جريمة تتطلب التعرض لع...
في الحضارات القديمة كان العلم يخضع لهيمنة دينية وفكرية قوية -خاصة في أوروبا- من قبل الكنيسة الكاثولي...
نظرية التعلم السلوكي تبرر استخدام الدعم الإلكتروني الثابت في التعليم. هذه النظرية تركز على تعزيز الس...
ما يصحب به السلطان قال ابن المقفع: ينبغي من خدم السلطان أن لا يغتر به إذا رضي ولا يغير له إذا سخط، ...
قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...