لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

المباحث في تهذيب الأخلاق وتزكية النفس والمناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي يقصد هذا الباب إلى بيان مقصود تهذيب الأخلاق وتزكية النفس، لما في تلك المناهج من أثر عظيم بتطبيقها في تهذيب السلوك وتطهير القلوب. المقصود بتهذيب الأخلاق وتزكية النفس عند الإمام الغزالي كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة، وإنما يكمل بالتربية وتهذيب الاخلاق، والنفس مهما كانت عديمة الكمال والصفاء، فينبغي السعي في تهذيبها وتطهيرها وتزكيتها، لا بدّ أن نعرف تعريف تهذيب الأخلاق وتزكية النفس من حيث اللغة والاصطلاح وأقسامها لكي نفهم معنهما بفهم عميق، فمعرفة تعريف كلٍّ منهما تساعدنا على التمييز وإدراك العلاقة بينهما. تهذيب الأخلاق وتهذيب الأخلاق يتألف من كلمتين: تهذيب وأخلاق. كلمة تهذيب مشتقة من اللغة العربية، أ.١ التهذيب في اللغة التهذيب الخلقي أو السلوكي. وجعله مستقيمًا ومهذّبًا. هذّب الشيء" أي أصلحه ونقّاه من العيوب. أ.٢ التهذيب في الاصطلاح وتنقيتها من الرذائل. الأخلاق: في اللغة جمع خُلُق، والخلق الخليقة أي الطبيعة التي يتخلق بها الإنسان وخلق عليها، يقال: وهذا رجل ليس له خلاق، أي حظ من الخير وله خُلق حسن وخليقة، ومن خلال هذه المعاني اللغوية يتبين لنا أن الأخلاق إما أن تكون صفات طبيعية فطرية تخلق بها صاحبها، الأول: عرف حجة الإسلام الغزالي الخلق بأنه: عبارة عن هيئة في النفس راسخة وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً. والذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب وربما كان مبدؤه بالرؤية والفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا. الثالث: ذهب الماوردي إلى أن الخلق هو غرائز كاملة تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار. الرابع: قال الإمام الجرجاني: الأخلاق هي هيئة النفس الثابتة التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر أو روية عميقة. ثم ترويض كما أورده الإمام الغزالي والجرجاني، فإن كانت الأفعال محمودة شرعًا وعقلًا سميت خلقًا حسنًا، وبعضها مكتسب بالعادة والتدريب، حتى تصير ملكة ثابتة. ويرى علماء النفس أن الأخلاق حلقة الاتصال بين الإنسان ووجوده، مستمدة من العادة والمزاج، ثم ترويض النفس على السلوك السوي. فالأخلاق إذن هي السلوك المتأثر بالقيم التي يؤمن بها الفرد، ب‌. انقسام الأخلاق الأول الخلق المحمود: صفة ثابتة في النفس فطرية أو مكتسبة تدفع إلى سلوك إرادي محمود عند العقلاء كالأخذ بالحق أو الخير أو الجمال وإن خالف الهوى، كالأخذ بالباطل أو الشر أو القبح، ويلحق به ما كان أثرا من آثاره أو فرعا من فروعها. ت‌. وقد حثّ الله تعالى في كتابه الكريم على أهمية تهذيب الأخلاق، فقال: ﴿ اِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَاِيْتَاۤئِ ذِى الْقُرْبٰى وَيَنْهٰى عَنِ الْفَحْشَاۤءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ ﴾ ، فالأخلاق الحسنة واجبة لأنها تتوصّل إلى تحقيق العدل والإحسان، ولا تتم إلا بتهذيب النفس عن الرذائل. والمعنى: إِنَّك لعلى الخُلُق الَّذى آثرك الله تعالى به فى القرآن . ومعنى ذلك كما يقول ابن كثير: أنه قد ألزم نفسه ألا يفعل إلا ما أمره به القرآن، ولا يترك إلا ما نهاه عنه القرآن، فصار امتثال أمر ربه خلقا له وسجية صلوات اللّه وسلامه عليه إلى يوم الدين . الثَّرْثَارُونَ والمتَشَدِّقُونَ وَالمتَفَيْهِقُونَ"قالوا: يَا رسول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا الثَرْثَارُونَ وَالممَشَدِّقُونَ، فَمَا المَتَفيْهِقُونَ؟ قَالَ: "المتَكَبِّرونَ". ث‌. تزكية النفس فتزكية النفس تتألف من كلمتين: تزكية ونفس. ب.١ التزكية في اللغة وفي اللغة، للتزكية معنيان: التنقية والنماء. وبالمعنى الثاني تنمية النفس وإصلاحها بالصفات الحميدة. التزكية هي تنقية الباطن للتقرب إلى الله تعالى أقرب ما يمكن، فالتزكية ليست مقتصرة على تطهير النفس فقط، نال درجة النفس السليمة، وقد يُراد بها العاطفة أو الغضب، أو الطموح والرغبة في نفس الإنسان (وتسمّى في اللغة الإندونيسية بالنَّفسُو). ويقال إن النفس في موضوع الإنسان تدل إلى جانب باطنه الذي يمكن أن يكون خيرا أو شرا. وأما عند بعض أهل التفسير، والنفس في هذا السياق الروح، التي تحرّك الجسد، والمراد بتزكية النفس في هذا البحث هو عملية تقصد بها تنقية الروح، من خلال العلاجات الصوفية. وفي دائرة المعارف الإسلامية، تُفهم النفس (الروح) بأنها أكبر وأعظم الجزء الروحاني تأثيرا للإنسان من سائر أجزائه، وتأمر الأعضاء الجسمانية على القيام بأفعال معينة. قال الغزالي: النفس وهو مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك". المعنى الثاني هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها. وتنميتها بالصفات الحميدة حتى إذا صفت النفس، أوصاف النفس واعلم أن النفس واحدة ولها صفات، تدعو إلى الشهوات وتميل إليها ولا تبالي، فحينئذ تصير لوامة، تلوم صاحبها على ارتكاب الرذائل، فتستحق من اللّٰه العطايا والتحف . ت.١ النفس المطمئنة قال الغزالي: إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة. والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة عن الله وهي من حزب الشيطان. ت.٢ النفس اللومة وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، ت.٣ النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز ﴿ وَمَآ اُبَرِّئُ نَفْسِيْۚ اِنَّ النَّفْسَ لَاَمَّارَةٌ ۢ بِالسُّوْۤءِ اِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيْۗ اِنَّ رَبِّيْ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ ﴾. ( يوسف/12: 53). وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات. النفس تنقسم إلى ثلاثة: الأول النفس البهيمية هذه الدوافع ضرورية لبقاء الحياة، لكن يجب ضبطها بالعقل وعدم السماح لها بالتسلط على الإنسان. فإنه يميل إلى الطمع ويصبح حياته حريصا على إشباع اللذات. الثاني النفس السبعية وتشمل هذه الصفات الميل إلى الإقدام بغير ضبط عند مواجهة التحديات أو التهديدات. ولكن إذا تُركت، فتجعل الإنسان سريع الغضب وجافيا إلى غيره. الثالث النفس الناطقة وهي النفس العليا المتعلقة بالقدرة على الفكر والفهم وأخذ الأمر بالرشد. وتمكّن النفس الناطقة الإنسان من التفريق بين الحق والباطل والوصول إلى الحكمة. وتميز هذه النفس الإنسان عن الحيوان وتقربه من الصفات الملائكية. وعند ابن مسكويه، هذه النفس هي التي ينبغي أن تقود النفسين الأخريين ليبلغ الإنسان كمال الأخلاق والروح، فإن التوازن بين هذه الجوانب الثلاثة يؤدي الإعتدال في النفس ويساعد الإنسان على تنمية الأخلاق الفاضلة. ويجب أن تتولى النفس الناطقة قيادة النفس البهيمية والسبعية ليتمكن الإنسان من وصول الحياة الرفيعة. ويستخلص من ذلك المذكور أن النفس لها ثلاثة أوصاف، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة. وقد يقال على لغة أهل التصوف والفلسفة كالإمام ابن مسكويه، النفس تنقسم إلى ثلاثة أنواع: النفس البهيمية التي ترتبط بالغرائز كالأكل والشرب، والنفس السبعية التي تدفع إلى الغضب أو الشجاعة، حتى تصير النفس نقية، فيظهر ذلك في الأخلاق الفاضلة التي يتحلى بها الإنسان في حياته. ح‌. وقد ذكر الله تعالى في كتابه على أهمية تزكية النفس، فقال: ﴿ وَنَفْسٍ وَّمَا سَوّٰىهَاۖ فَاَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوٰىهَاۖ قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّٰىهَاۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّٰىهَاۗ ﴾. هذه الآية تدل أنّ من أعظم وظائف رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية أمته، ودعوتهم إلى تهذيب الأخلاق. وَزَكَى عَبْدٌ نَفْسَهُ "فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا تَزْكِيَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ ". خ‌. الفرق والعلاقة بين تهذيب الأخلاق وتزكية النفس قد عرفت بذلك المذكور قطعا أن ّهذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن فإنّ كلّ صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلاّ على وفقها لا محالة وكل فعل يجري على الجوارح فإنّه قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور ويعرف ذلك بمثال وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية حتى يصير كاتبًا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفًا ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعًا كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفًا فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنًا ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع. ولذلك فإنّ تهذيب الأخلاق وتزكية النفس يختلفان في المعنى والمقصود. أما تزكية النفس فمعناها تطهير القلب من الصفات السيئة مثل الحسد والكبر والرياء، والثاني بما في داخل الإنسان من نيته وروحه. وأما الهدف من كليهما، ولكنهما يرتبطان ارتباطا وثيقا، لكنها في الأصل نابعة من نفس طيبة زكيّة، فلا يمكن للإنسان أن يحافظ على الأخلاق العالية إذا كان قلبه مليئًا بالأمراض الباطنية مثل الحسد والكبر. وبالمقابل، فإن تزكية النفس تظهر آثارها في السلوك الحسن والأخلاق الحسنة. المبحث الثاني المناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي قبل أن نشرع في بيان مناهج تهذيب الأخلاق، لا بُدَّ أن نعرف أوّلًا علاماتِ حُسنِ الخُلق ومعريفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة قبل بيان مناهج تزكية النفس، فإنَّ معرفتها تُعينُ على فهمِ المقصودِ من التهذيب والتزكية، إذ لا يُمكنُ تهذيبُ وتزكية ما لا تعرَفُ علاماته وأسبابه. وربما ظنَّ القبيحَ حسناً والحسنَ قبيحا. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في أحاديث كثيرة علامات المؤمنين والمنافقين. فمن الآيات قوله تعالى: ﴿ قَدْ اَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ ۙ الَّذِيْنَ هُمْ فِيْ صَلَاتِهِمْ خٰشِعُوْنَ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِلزَّكٰوةِ فٰعِلُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِفُرُوْجِهِمْ حٰفِظُوْنَ ۙ اِلَّا عَلٰٓى اَزْوَاجِهِمْ اَوْ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُهُمْ فَاِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُوْمِيْنَۚ فَمَنِ ابْتَغٰى وَرَاۤءَ ذٰلِكَ فَاُولٰۤىِٕكَ هُمُ الْعَادُوْنَ ۚ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِاَمٰنٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلٰى صَلَوٰتِهِمْ يُحَافِظُوْنَ ۘ اُولٰۤىِٕكَ هُمُ الْوٰرِثُوْنَ ۙ ﴾، ومضمونها القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة، واجتناب المحرمات والمكروهات. قال حاتم الأصم: المؤمن مشغول بالفكر والعبر والمنافق مشغول بالحرص والأمل والمؤمن آيس من كل أحد إلا من الله والمنافق راج كل أحد إلا الله والمؤمن هدم ماله دون دينه والمنافق بعكسه. ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، والمنافق همته في الطعام والشراب كالبهيمة»، وغير ذلك من الأحاديث . فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات والأحاديث فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده. ذ‌. والرياضة والمجاهدة، والمصاحبة بالصالحين. ت.٣ التربية اعلم أن الصبي أمانة من اللّٰه تعالى عند والديه لأنه نعمة أنعم بها والداه، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيّع عمره في طلبها إذا كبر ويهلك هلك الأبد، وإذا كان الصبي في أول نشوه يحتشمه ويستحي، فينبغي أن لا يهمل، وينبغي أن يؤدبه في الأكل واللباس؛ ثم يعلمه القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله. وإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، فإنه يورث الكسل. ويمنع إذا نام من الفرش الوطيئة، ويعلم أن الطمع مهانة وذلة، والثاني تربية المريد: والشيخ الواصل وسيلة مريده إلى الله. قال أبو علي الدقاق الشجرة التي تنبت بنفسها من غير صاحب لا تعيش ولا تثمر وإن عاشت وأثمرت كان ثمرها من غير لذة. ولكن ينبغي للشيخ الذي يعالج نفوس المريدين، أن ينظر إلى أحوالهم وأمراضهم وأخلاقهم، فلا يهجم عليهم بالرياضات والتكاليف في فن واحد وطريق واحد، بل ينبغي أن يعالج كلا منهم بحسب مرضه وحال. علمه أولا ظواهر العبادات من طهارة وصلاة وصوم وغيرها، ثم نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه فيعالجه. ومن لطائف الرياضة أن المريد إذا لم تسمح نفسه بترك صفة، أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، ويتدرج به إلى أن يترك الخلق المذموم بالكلية ويبدله بالخلق المحمود. كما أن التناسل والتولد الحقيقي لا يحصل إلا بواسطة الوالد والوالدة فكذلك التولد والنسل المعنوي لا يحصل إلا بواسطة الشيخ والمريد. ت.٣ معرفة عيوب نفسه من عرف عيوب نفسه أمكنه العلاج لأنّ من لايعرف عيبه أسرع هلك كما قال أبو حفص: ما أسرعَ هلاكَ من لا يعرف عيبه، وقال أبو عثمان: لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئًا، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال. وتعرف عيوب النفس بالطروق كما سيأتي: فيتبع إشاراته في مجاهداته. فينصبه رقيبا على نفسه، كما كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فإن عين السخط تبدي المساوي. فكل ما رآه مذموما فيما بينهم طالب نفسه به، فإن المؤمن مرآة المؤمن. يترك أولا ما به فرحه، ثم إذا ترك أسباب الفرح ألزم قلبه ذكر الله تعالى. لأنّ الأصل في طريق المجاهدة ونهي النفس عن الهوى وفطامها عن الشهوات أن يترك ما به فرحه من أسباب الدنيا. وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء لما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة؛ فيكون مقتصرا من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة. والناس فيه أربعة: الثالث: رجل اشتغل بالدنيا والدين، لكنه يخرج. تنتقل إليه تلك الخصال الشريفة، والطباع مجبولة على التشبه والاقتداء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم (مثل الجليس الصالح كحامل المسك). قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). إذا كنتَ في قوم فصاحب خيارَهم # ولا تصحب الأردى فترْدَى مع الردي بعد أن بينّا مناهج تهذيب الأخلاق ننتقل إلى بيان معريفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة، ثمّ مناهج تزكية النفس. معرفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة فمن عرف الله أحبه قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللّٰهِ اَنْدَادًا يُّحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللّٰهِ ۗ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْٓا اَشَدُّ حُبًّا لِّلّٰهِ ۙوَلَوْ يَرَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوْٓا اِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَۙ اَنَّ الْقُوَّةَ لِلّٰهِ جَمِيْعًا ۙوَّاَنَّ اللّٰهَ شَدِيْدُ الْعَذَابِ ﴾. ومن علامات المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات، فمن عنده شيء أحب إليه من الله فقلبة مريض، وبهذا يعرف أن القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله. وأما علامات عودها إلى الصحة فقد تقدم أن الخلق الحسن هو رجوع الصفات إلى الاعتدال، فإن كان إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فالغالب عليك خلق البخل، فزد في المواظبة على البذل، فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الإمساك. فلا تميل إلى بذله ولا إمساكه، فلا تطلب فيه إمساكه إلا لحاجة محتاج، وكذلك تفعل بجميع الصفات. المناهج في تزكية النفس ثم التحلي، ت.١ التخلّي فأما التخلي وهو أول مراتب السلوك وأساس كل تزكية فهو تخلّي القلب عن الصفات الذميمة والأخلاق الرديئة، ونفس تنازعه). وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد علي من نفسي، فقد غرس في قلبه شجر الندامات. قال اللّٰه تعالى: ﴿ وَتُوْبُوْٓا اِلَى اللّٰهِ جَمِيْعًا اَيُّهَ الْمُؤْمِنُوْنَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ ﴾. والتوبة هي الرجوع عن الطريق المبعد عن اللّٰه ورد الطبع على سبيل القهر إلى العبادات، ولا معنى للتوبة إلا هذا؛ فكانت التوبة ضرورية في حق كل إنسان نبيّا كان أو غبيا. وأما بيان وجوبها على الدوام فهو أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع، وهو التوبة؛ إذ التوبة الرجوع. حتى يصير مستعدا لما ينقش فيه من العلوم والأسرار ، والتوبة نور يغسل درن القلب، ومنبع كل تزكية وتطهير، وإذا تكاثرت استحكمت حتى تصير حجابا بين العبد وبين ربه، وفي الحديث الصحيح: « إذا أذْنبَ العبدُ نُكِتَ في قَلبِهِ نُكْتةٌ سَوْداءُ، ومن لم يصقل قلبه بالتوبة تكاثرت الظلمة عليه حتى يعمى. وتزكيتها لا تتم إلا بتوبة ناصحة تطهرها من أدران الخطايا، وتؤهلها لتلقي أنوار المعرفة ورحمة الله تعالى. وأما التحلي فهو تزيين النفس بالطاعات والأخلاق المحمودة كالصدق والإخلاص والتواضع والصبر والشكر. التي تقاوم الأخلاق المذمومة، حتى تتبدل سيئاتها بالحسنات، وتنقلب أفعالها المذمومة إلى أفعال مرضية، ويثمر معرفة وأنسا ومحبة ، فيصير القلب بالذكر حيا بعد موته، منيرا بعد ظلمته. وإنما يتحقق التحلي بمداومة الذكر والمراقبة ومجاهدة النفس على الأعمال النافعة التي تقرب إلى الله وتنفع العباد كما قال سبحانه وتعال: ﴿ وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۗ وَاِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِيْنَ ࣖ ﴾، ويسمى حينئذ صاحب خلق حسن وسيرة طيبة، وذلك هو مقام الأخلاق الكريمة التي هي ثمرة التحلي وغاية التزكية. ت.١ التجلّي وذلك تحصل في الله وفي صفاته وأفعاله، وليس في الوجود سوى اللّٰه وأفعاله، ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا، وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق الأوقات في وظائف الأذكار والأفكار، ومن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في الطاعة، ومن أراد أن تترجح كفة حسناته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته، واعلم أن معرفة النفس أمر مهم لكل فرد من أفراد الإنسان ، لأن من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومن جهل نفسه فهو بربه أجهل ؛ فعلى العاقل أن يشمر عن ساعد الجد في طلب المعرفة ، ولا يتوانى في ذلك لئلا يدركه الموت وهو مصاب بعمى الجهل ، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ كَانَ فِيْ هٰذِهٖٓ اَعْمٰى فَهُوَ فِى الْاٰخِرَةِ اَعْمٰى وَاَضَلُّ سَبِيْلًا ﴾. وقال الشيخ سعيد أبو الأسعاد: أما قوله تعالى: (قد أفلح من زكها) ففلاح النفس بالظفر بمعرفة الله، والتحقق بركن الإحسان، فهذه الطرق الثلاثة مترابطة متسلسلة، ولا تحلي إلا بعد تخل. وذلك هو سبيل التزكية الذي سلكه الأولياء والصالحون، مناسبة مناهجِ الإمام الغزالي للعصر الحديث ولا يخفى أنّ المناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي رحمه الله في تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس ليست مقصورةً على زمانه، فمن نظر إلى مناهجه في عصرنا اليوم، علم أنّها مما يُحتاج إليه في إصلاح الخُلق وتزكيةِ القلوب، وكثرت فيه أسبابُ الغفلة واضطراب النفس. وذلك كمنهجه في تربية الأولاد الذي سبق ذكره لعلاج مشكلة نموّ الأخلاق للأطفال الناشئة عن الخطأ في توجيه تعليمهم وعدم الأسوة الحسنة، وللمعلمين في تهذيب تلاميذهم. وفي مصاحبة الصالحين لعلاج مشكلة أثر مجتمع وبيئة السوء. ثمّ تحلي، ثمّ تجلي مما يصون الإنسان مما لايعنيه ويعالج نفوسه.


النص الأصلي

الباب الثالث
المباحث في تهذيب الأخلاق وتزكية النفس والمناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي
يقصد هذا الباب إلى بيان مقصود تهذيب الأخلاق وتزكية النفس، ثم إظهار المناهج التي سلكها الإمام الغزالي في تحقيق هذا الغرض، لما في تلك المناهج من أثر عظيم بتطبيقها في تهذيب السلوك وتطهير القلوب.
المبحث الأول
المقصود بتهذيب الأخلاق وتزكية النفس عند الإمام الغزالي
كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة، وهو ناقص في أول الأمر، لكنه قابل للكمال، وإنما يكمل بالتربية وتهذيب الاخلاق، وكما أنّ البدن في الإبتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء، والنفس مهما كانت عديمة الكمال والصفاء، فينبغي السعي في تهذيبها وتطهيرها وتزكيتها، حتى إذا كانت مهذبة، يجلب اليها مزيد قوة وصفاء. وغاية تطهير القلب وتصفيته عن الاخلاق الرذيلة والامراض المذمومة أن يعرف الله تعالى ويعبده ويتلذذ بذكره ويؤثره على غيره، ومن المعرفة تنشأ المحبة لا محالة، فمن عرف الله أحبه.
ولذلك، لا بدّ أن نعرف تعريف تهذيب الأخلاق وتزكية النفس من حيث اللغة والاصطلاح وأقسامها لكي نفهم معنهما بفهم عميق، فمعرفة تعريف كلٍّ منهما تساعدنا على التمييز وإدراك العلاقة بينهما.
أ‌. تهذيب الأخلاق
وتهذيب الأخلاق يتألف من كلمتين: تهذيب وأخلاق. كلمة تهذيب مشتقة من اللغة العربية، وهو مصدر من الفعل هذّب الذي هو التنقية والإصلاح والتقويم.
أ.١ التهذيب في اللغة
التهذيب: في اللغة التنقية والتقليم والإصلاح، التهذيب الخلقي أو السلوكي. الفعل "هَذَّبَ" يعني أزال ما فيه من عيب أو شائبة، وجعله مستقيمًا ومهذّبًا. يقال "هذّب الكلام" أي نقّاه من الحشو والعيب. "هذّب الشجرة" أي قلّمها وأزال ما زاد من أغصانها. هذّب الشيء" أي أصلحه ونقّاه من العيوب.
أ.٢ التهذيب في الاصطلاح
في الاصطلاح يُستعمل "التهذيب" إصطلاح المتصوفين بمعنى إصلاح النفس والأخلاق، وتربيتها على الفضائل، وتنقيتها من الرذائل.
أ.٣ الأخلاق في اللغة
الأخلاق: في اللغة جمع خُلُق، وهو بضم اللام وسكونها الفطرة والسجية والطبع والعادة التي يظهر أثرها في السلوك . والخلق الخليقة أي الطبيعة التي يتخلق بها الإنسان وخلق عليها، وفي التنزيل: ﴿ وَاِنَّكَ لَعَلٰى خُلُقٍ عَظِيْمٍ ﴾ ، يقال: وهذا رجل ليس له خلاق، أي حظ من الخير وله خُلق حسن وخليقة، وهي ما خُلق عليه من طبيعته وفلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلفه والخلاق النصيب .
ومن خلال هذه المعاني اللغوية يتبين لنا أن الأخلاق إما أن تكون صفات طبيعية فطرية تخلق بها صاحبها، أو مكتسبة يجتهد في الحصول عليها.
أ.٤ الأخلاق في الاصطلاح
ورد الكثير من التعريفات للأخلاق نعرض فيما يأتي. منها:
الأول: عرف حجة الإسلام الغزالي الخلق بأنه: عبارة عن هيئة في النفس راسخة
عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورؤية. فإن كانت الهيئة بحيث
تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان
الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً.
الثاني: قال ابن مسكويه الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية. وهذه الحال تنقسم إلى قسمين منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب، كالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكا مفرطا من أدنى شيء يعجبه، والذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب وربما كان مبدؤه بالرؤية والفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا.
الثالث: ذهب الماوردي إلى أن الخلق هو غرائز كاملة تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار.
الرابع: قال الإمام الجرجاني: الأخلاق هي هيئة النفس الثابتة التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر أو روية عميقة.
الخامس: والأخلاق عند علماء النفس حلقة الاتصال بين الإنسان ووجوده في كل
صورة من صور حياته تستمد وجودها وقوتها من العادة أوّلا، ثم المزاج ثانيا، ثم ترويض
النفوس وتدريبها على سلوك الطريق السوي.
ويستخلص مما ذكر أن الأخلاق هي هيئة راسخة في النفس، كما أورده الإمام الغزالي والجرجاني، تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير فكر أو روية، فإن كانت الأفعال محمودة شرعًا وعقلًا سميت خلقًا حسنًا، وإن كانت قبيحة سميت خلقًا سيئًا. وقد زاد ابن مسكويه بأن الأخلاق حال داعية للأفعال، بعضها طبيعي من أصل المزاج، وبعضها مكتسب بالعادة والتدريب، حتى تصير ملكة ثابتة. وأضاف المواردي أنها غرائز تظهر بالاختيار وتقهر بالاضطرار. ويرى علماء النفس أن الأخلاق حلقة الاتصال بين الإنسان ووجوده، مستمدة من العادة والمزاج، ثم ترويض النفس على السلوك السوي. فالأخلاق إذن هي السلوك المتأثر بالقيم التي يؤمن بها الفرد، وهيئة النفس التي تشكل جزءًا من شخصيته، تهدف إلى جانب السلوك العملي، أي كيف يتصرف الإنسان مع نفسه وغيره.
ب‌. انقسام الأخلاق
وينقسم الأخلاق باعتبار سلوك الإنسان إلى قسمين:
الأول الخلق المحمود: صفة ثابتة في النفس فطرية أو مكتسبة تدفع إلى سلوك إرادي محمود عند العقلاء كالأخذ بالحق أو الخير أو الجمال وإن خالف الهوى، وترك الباطل والشر والقبح وإن وافق الهوى أو الشهوة، ويمكن تمييز الأخلاق الحميدة عن غيرها بأنها كل سلوك فردي أو اجتماعي تلتقي النفوس البشرية على استحسانه مهما اختلفت أديانها ومذاهبها وعاداتها وتقاليدها ومفاهيمها. ويلحق به ما كان أثرًا من آثاره، أو فرعا من فروعه.
والثاني الخلق المذموم: صفة ثابتة في النفس فطرية أو مكتسبة تدفع إلى سلوك الإرادي مذموم عند العقلاء، كالأخذ بالباطل أو الشر أو القبح، وترك الحق أو الخير أو الجمال، اتباعًا للهوى أو الشهوة ويمكن تمييز الأخلاق الذميمة عن غيرها بأنها كل سلوك فردي واجتماعي تلتقي النفوس البشرية على استقباحه واستنكاره مهما اختلفت أديانها ومذاهبها وعاداتها وتقاليدها ومفاهيمها، ويلحق به ما كان أثرا من آثاره أو فرعا من فروعها.
ت‌. مصادر الأخلاق وأدلتها
وقد حثّ الله تعالى في كتابه الكريم على أهمية تهذيب الأخلاق، فقال: ﴿ اِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَاِيْتَاۤئِ ذِى الْقُرْبٰى وَيَنْهٰى عَنِ الْفَحْشَاۤءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ ﴾ ، فالأخلاق الحسنة واجبة لأنها تتوصّل إلى تحقيق العدل والإحسان، ولا تتم إلا بتهذيب النفس عن الرذائل.
وقال أيضا: ﴿ وَاِنَّكَ لَعَلٰى خُلُقٍ عَظِيْمٍ ﴾ وقال قتادة: هو ما كان يأْتمر به مِن أَمر الله ويَنْتَهى عنه من نَهْى الله. والمعنى: إِنَّك لعلى الخُلُق الَّذى آثرك الله تعالى به فى القرآن . ويدلنا على أصالة هذا المصدر أن الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم الذي وصفه اللّٰه عز وجل بالخلق العظيم تصفه عائشة رضي اللّٰه عنها بقولها: (كان خلق الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم القرآن). ومعنى ذلك كما يقول ابن كثير: أنه قد ألزم نفسه ألا يفعل إلا ما أمره به القرآن، ولا يترك إلا ما نهاه عنه القرآن، فصار امتثال أمر ربه خلقا له وسجية صلوات اللّه وسلامه عليه إلى يوم الدين .
وقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، والأخلاق سبب عظيم في محبة الرسول صلى الله عليه وسلّم لصاحبها وقربه منه يوم القيامة ، كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: "إِن مِنْ أَحَبِّكُم إِليّ، وَأَقْرَبَكُمْ مِنّي مَجَلساً يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُم أَخلاقاً. وإِنَّ أَبَغَضَكُم إِليَّ وَأَبْعَدكُم مِنِّي يومَ الْقِيامةِ، الثَّرْثَارُونَ والمتَشَدِّقُونَ وَالمتَفَيْهِقُونَ"قالوا: يَا رسول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا الثَرْثَارُونَ وَالممَشَدِّقُونَ، فَمَا المَتَفيْهِقُونَ؟ قَالَ: "المتَكَبِّرونَ".
بعد أن بينّا معنى تهذيب الأخلاق وأقسامها وأدلتها، ننتقل إلى بيان مفهوم تزكية النفس.
ث‌. تزكية النفس
فتزكية النفس تتألف من كلمتين: تزكية ونفس. كلمة تزكية مشتقة من اللغة العربية، وهي مصدر من الفعل زكّى الذي هو التطهير والتنقية مع التربية والارتقاء بالنفس نحو حياة روحية عالية.
ب.١ التزكية في اللغة
وفي اللغة، للتزكية معنيان: التنقية والنماء. التزكية بالمعنى الأول تطهير النفس وتنقيتها من الصفات الذميمة، وبالمعنى الثاني تنمية النفس وإصلاحها بالصفات الحميدة.
وعند أهل الصوفية، التزكية هي تنقية الباطن للتقرب إلى الله تعالى أقرب ما يمكن، من خلال مراحل ينبغي اجتيازها.
ولهذا، فالتزكية ليست مقتصرة على تطهير النفس فقط، بل تشمل أيضًا الجهد في تنميتها وإصلاحها من الصفات الذميمة.
ب.٢ التزكية في الاصطلاح
قال الإمام الغزالي في كتاب عجائب النفس: إن تزكية النفس عبارة عن طهارة النفس، وهي تنقيتها من الصفات الذميمة. وإعمار النفس، وهو تزيينها بالصفات الحميدة. فإذا بلغ الإنسان هذه المراحل، نال درجة النفس السليمة، ويتخلص من سطوة الهوى.
وقال سعيد حوى: وأما في الاصطلاح، فزكاة النفس هي تطهيرها من أمراض العيوب المختلفة، وتحقيق مقامات فيها، واتخاذ الأسماء والصفات خُلقًا لها. ولهذا، إن التزكية هي تطهّر، وتحقق، وتخلّق.
ب.٣ تعريف النفس
كلمة النفس لها معان، منها: الروح، والذات، والهوى، وغيرها. وقد يُراد بها العاطفة أو الغضب، أو الطموح والرغبة في نفس الإنسان (وتسمّى في اللغة الإندونيسية بالنَّفسُو). وهذه المعاني تجري شائعة بين أهل التصوف. ويقال إن النفس في موضوع الإنسان تدل إلى جانب باطنه الذي يمكن أن يكون خيرا أو شرا.
وأما عند بعض أهل التفسير، فقد رأوا أنها الفطرة التي خُلقت عليها النفس منذ أول خلقته، كما بيَّن ابن كثير أن النفس خُلقت بفطرة الله، أي مستقيمًا وطاهرًا ونقيًا. والنفس في هذا السياق الروح، التي تحرّك الجسد، ويمكن تهذيبها لتكون مضبوطة. والمراد بتزكية النفس في هذا البحث هو عملية تقصد بها تنقية الروح، وردّها إلى فطرتها، ومعالجة علل النفوس لتعود إلى سلامتها، من خلال العلاجات الصوفية.
وفي دائرة المعارف الإسلامية، تُفهم النفس (الروح) بأنها أكبر وأعظم الجزء الروحاني تأثيرا للإنسان من سائر أجزائه، وتأمر الأعضاء الجسمانية على القيام بأفعال معينة.
قال الغزالي: النفس وهو مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان
أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك".
المعنى الثاني هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها.
ولذلك يُستخلص مما ذكر أن تزكية النفس هي تنقيتها وتطهيرها من الصفات الذميمة والأمراض، وتنميتها بالصفات الحميدة حتى إذا صفت النفس، تزين القلب بالصفات الحميدة، مما تؤثر على أخلاق الإنسان حتى تظهر في حياته. وتهدف إلى جانب باطن وروح الإنسان.
ج‌. أوصاف النفس
واعلم أن النفس واحدة ولها صفات، فأول أمرها تكون أمارة بالسوء، تدعو إلى الشهوات وتميل إليها ولا تبالي، وهذه نفس الكفار والعصاة المصرين، فإذا أراد اللّٰه لها الهدى، جعل لها واعظاً يأمرها وينهاها، فحينئذ تصير لوامة، تلوم صاحبها على ارتكاب الرذائل، فينشأ عن ذلك مجاهدته وتوبته ورجوعه لخالقه، فإذا كثر عليها ذلك واستمر، صارت مطمئنة ساكنة، تحت قضاء اللّٰه وقدره راضية بأحكامه، فتستحق من اللّٰه العطايا والتحف .
ت.١ النفس المطمئنة
قال الغزالي: إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة. قال الله تعالى في مثلها ﴿ يٰٓاَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَىِٕنَّةُۙ ارْجِعِيْٓ اِلٰى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۚ ﴾، والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة عن الله وهي من حزب الشيطان.
ت.٢ النفس اللومة
وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، قال الله تعالى ﴿ وَلَآ اُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾.
ت.٣ النفس الأمارة بالسوء
وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء. قال الله تعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز ﴿ وَمَآ اُبَرِّئُ نَفْسِيْۚ اِنَّ النَّفْسَ لَاَمَّارَةٌ ۢ بِالسُّوْۤءِ اِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيْۗ اِنَّ رَبِّيْ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ ﴾. ( يوسف/12: 53). وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات.
وقال ابن مسكويه، النفس تنقسم إلى ثلاثة:
الأول النفس البهيمية
هذه النفس تتعلق بالدوافع الحيوانية أو أصل الحاجات، كالأكل والشرب والنوم وشهوة الوقاع. هذه الدوافع ضرورية لبقاء الحياة، لكن يجب ضبطها بالعقل وعدم السماح لها بالتسلط على الإنسان. فإذا انقاد الإنسان للنفس البهيمية فقط، فإنه يميل إلى الطمع ويصبح حياته حريصا على إشباع اللذات.
الثاني النفس السبعية
هذه النفس ترتبط بالصفات التي تدفع الإنسان إلى الغضب أو الهجوم أو الإقدام الشديد. وتشمل هذه الصفات الميل إلى الإقدام بغير ضبط عند مواجهة التحديات أو التهديدات. وإذا ضبطها الإنسان، يمكن له أن تساعد النفس السبعية على أن يكون شجاعًا وحازمًا، ولكن إذا تُركت، فقد تصبح مفسدة، فتجعل الإنسان سريع الغضب وجافيا إلى غيره.
الثالث النفس الناطقة
وهي النفس العليا المتعلقة بالقدرة على الفكر والفهم وأخذ الأمر بالرشد. وتمكّن النفس الناطقة الإنسان من التفريق بين الحق والباطل والوصول إلى الحكمة. وتميز هذه النفس الإنسان عن الحيوان وتقربه من الصفات الملائكية. وعند ابن مسكويه، هذه النفس هي التي ينبغي أن تقود النفسين الأخريين ليبلغ الإنسان كمال الأخلاق والروح، فإن التوازن بين هذه الجوانب الثلاثة يؤدي الإعتدال في النفس ويساعد الإنسان على تنمية الأخلاق الفاضلة. ويجب أن تتولى النفس الناطقة قيادة النفس البهيمية والسبعية ليتمكن الإنسان من وصول الحياة الرفيعة.
ويستخلص من ذلك المذكور أن النفس لها ثلاثة أوصاف، كما ذكر المفسرون وعلماء السلف، وهي توافق على ما أورده الإمام الغزالي: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة. وقد يقال على لغة أهل التصوف والفلسفة كالإمام ابن مسكويه، النفس تنقسم إلى ثلاثة أنواع: النفس البهيمية التي ترتبط بالغرائز كالأكل والشرب، والنفس السبعية التي تدفع إلى الغضب أو الشجاعة، والنفس الناطقة التي تميز الإنسان بالعقل والحكمة. فتزكية النفس إنما هي تطهيرها من الصفات الذميمة بضبط هذه الأقسام وتهذيبها، حتى تصير النفس نقية، فتملأ بالصفات الحميدة، فيظهر ذلك في الأخلاق الفاضلة التي يتحلى بها الإنسان في حياته.
ح‌. مصادر تزكية النفس وأدلتها
وقد ذكر الله تعالى في كتابه على أهمية تزكية النفس، فقال: ﴿ وَنَفْسٍ وَّمَا سَوّٰىهَاۖ فَاَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوٰىهَاۖ قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّٰىهَاۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّٰىهَاۗ ﴾. هذه الآية تدل على أنّ تزكية النفس هي مفتاح النجاح في تحقيق سعادة الدنيا والآخرة.
وقال أيضا: ﴿ هُوَ الَّذِيْ بَعَثَ فِى الْاُمِّيّٖنَ رَسُوْلًا مِّنْهُمْ يَتْلُوْا عَلَيْهِمْ اٰيٰتِهٖ وَيُزَكِّيْهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَاِنْ كَانُوْا مِنْ قَبْلُ لَفِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍۙ ﴾. هذه الآية تدل أنّ من أعظم وظائف رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية أمته، وتعليمهم القرآن والحكمة، ودعوتهم إلى تهذيب الأخلاق.
وكذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ثَلَاتٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ : مَنْ عَبَدَ اللّٰه وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِمَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَلَمْ يُعْطِ الْهَرَمَةَ، وَلَا الدَّرَنَ، وَلَا الشَّرَطَ حَيَّرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرُكُمْ بَشَرِهِ، وَزَكَى عَبْدٌ نَفْسَهُ "فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا تَزْكِيَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ ".
خ‌. الفرق والعلاقة بين تهذيب الأخلاق وتزكية النفس
قد عرفت بذلك المذكور قطعا أن ّهذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن فإنّ كلّ صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلاّ على وفقها لا محالة وكل فعل يجري على الجوارح فإنّه قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور ويعرف ذلك بمثال وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية حتى يصير كاتبًا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفًا ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعًا كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفًا فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنًا ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع.
ولذلك فإنّ تهذيب الأخلاق وتزكية النفس يختلفان في المعنى والمقصود. فتهذيب الأخلاق إصلاح السلوك الظاهر وتعليم الإنسان كيف يتخلّق بآداب حسنة، أما تزكية النفس فمعناها تطهير القلب من الصفات السيئة مثل الحسد والكبر والرياء، وتنمية الصفات الحسنة مثل الإخلاص والتواضع والصبر. فالأول يتعلق بالأفعال الظاهرة التي يراها الناس، والثاني بما في داخل الإنسان من نيته وروحه. وأما الهدف من كليهما، فتهذيب الأخلاق يهدف إلى جعل الإنسان ذا خلق حسن في أحواله وأفعاله، وتزكية النفس تهدف إلى ردها إلى فطرتها وجعل قلب الإنسان طاهرًا قريبًا من الله تعالى. ولكنهما يرتبطان ارتباطا وثيقا، لأنّ كلّ واحدٍ منهما يُكمِّل الآخر. فالأخلاق الحسنة التي تظهر في أفعال الإنسان هي ثمرة تهذيب الأخلاق الذي يمكن آثاره ترتفع إلى القلب، لكنها في الأصل نابعة من نفس طيبة زكيّة، وهي ثمرة تزكية النفس. فلا يمكن للإنسان أن يحافظ على الأخلاق العالية إذا كان قلبه مليئًا بالأمراض الباطنية مثل الحسد والكبر. وبالمقابل، فإن تزكية النفس تظهر آثارها في السلوك الحسن والأخلاق الحسنة.
بعد أن فهمنا معنى تهذيب الأخلاق وتزكية النفس ومقصودهما، لابد أنّ نتعرف على مناهجهما حتى نتمكن من تطبيقهما بصورة جيدة، كما سيأتي.
المبحث الثاني
المناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي
قبل أن نشرع في بيان مناهج تهذيب الأخلاق، لا بُدَّ أن نعرف أوّلًا علاماتِ حُسنِ الخُلق ومعريفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة قبل بيان مناهج تزكية النفس، فإنَّ معرفتها تُعينُ على فهمِ المقصودِ من التهذيب والتزكية، والطريقِ إلى التخلُّقِ بالأخلاقِ الكريمة وعلاج القلوب، إذ لا يُمكنُ تهذيبُ وتزكية ما لا تعرَفُ علاماته وأسبابه. وربما ظنَّ القبيحَ حسناً والحسنَ قبيحا. ومن جهلَ علاماتِ حُسن الخلق لم يُحسن السعيَ في تحصيله، ومن جهل أسباب أمراض القلوب لم يحسن علاجها.
د‌. علامات حسن الخلق
حسن الخلق هو الإيمان وسوء الخلق هو النفاق، وقد ذكر الله في كتابه صفات المؤمنين والمنافقين، وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في أحاديث كثيرة علامات المؤمنين والمنافقين.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿ قَدْ اَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ ۙ الَّذِيْنَ هُمْ فِيْ صَلَاتِهِمْ خٰشِعُوْنَ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِلزَّكٰوةِ فٰعِلُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِفُرُوْجِهِمْ حٰفِظُوْنَ ۙ اِلَّا عَلٰٓى اَزْوَاجِهِمْ اَوْ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُهُمْ فَاِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُوْمِيْنَۚ فَمَنِ ابْتَغٰى وَرَاۤءَ ذٰلِكَ فَاُولٰۤىِٕكَ هُمُ الْعَادُوْنَ ۚ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِاَمٰنٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلٰى صَلَوٰتِهِمْ يُحَافِظُوْنَ ۘ اُولٰۤىِٕكَ هُمُ الْوٰرِثُوْنَ ۙ ﴾، فمن استكمل هذه الأوصاف فهو المؤمن حقا. ومضمونها القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة، واجتناب المحرمات والمكروهات. وبتكميلهم للإيمان استحقوا وراثة جنات الفردوس التي هي أعلى الجنات، كما أنهم قاموا بأعلى الكمالات.
قال حاتم الأصم: المؤمن مشغول بالفكر والعبر والمنافق مشغول بالحرص والأمل والمؤمن آيس من كل أحد إلا من الله والمنافق راج كل أحد إلا الله والمؤمن هدم ماله دون دينه والمنافق بعكسه.
وقوله عز وجل: ﴿ اَلتَّاۤىِٕبُوْنَ الْعٰبِدُوْنَ الْحٰمِدُوْنَ السَّاۤىِٕحُوْنَ الرّٰكِعُوْنَ السّٰجِدُوْنَ الْاٰمِرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّاهُوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحٰفِظُوْنَ لِحُدُوْدِ اللّٰهِ ۗوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ ﴾، هذه أوصاف ثمانية للمؤمنين تبين سلامة نفوسهم، ورقابتهم عليها لدوام تطهيرها، فكلما صدأت أزالوا صدأها، يتجه آحادهم إلى جماعتهم يزيلون ريبها، ويطهرون مجتمعها، ويجعلون لها رأيا عاما فاضلا يلتزم حدود الله تعالى التي حدها.
وقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمٰنِ الَّذِيْنَ يَمْشُوْنَ عَلَى الْاَرْضِ هَوْنًا وَّاِذَا خَاطَبَهُمُ الْجٰهِلُوْنَ قَالُوْا سَلٰمًا ﴾، وغير ذلك من الآيات التي تضمنت صفات المؤمنين والمنافقين.
ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه»،
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»،
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن همته في الصلاة والصيام والعبادة، والمنافق همته في الطعام والشراب كالبهيمة»، وغير ذلك من الأحاديث .
فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات والأحاديث فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض، فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده.
ذ‌. المنهج في تهذيب الأخلاق
إنَّ هذه المناهجَ هي مجامعُ التهذيب وأصولُه التي لا يُستغنى عنها في إصلاح الخلق وتقويم السلوك، وهي: التربية، ومعرفة عيوب النفس، والرياضة والمجاهدة، والمصاحبة بالصالحين. فمن جمعها فقد سلك سبيلَ التزكية، ونالَ من كمال الأخلاق أوفرَ الحظّ والنصيب.
ت.٣ التربية
الأوّل تربية الأولاد:
اعلم أن الصبي أمانة من اللّٰه تعالى عند والديه لأنه نعمة أنعم بها والداه، ولذا ينبغي أن يربّون منذ صغرهم ليكونوا أجيال الأخيار. وذلك بأن يعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من القرناء السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيّع عمره في طلبها إذا كبر ويهلك هلك الأبد، ويراقبه من أول أمره؛ فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة تأكل الحلال.
وإذا كان الصبي في أول نشوه يحتشمه ويستحي، فينبغي أن لا يهمل، بل يستعان على تأديبه بحيائه؛ فإن ذلك يدل على كمال العقل عند البلوغ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحياء من الإيمان).
وينبغي أن يؤدبه في الأكل واللباس؛ فإن أول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام؛ فليحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن. ويحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والإبريسم. ثم يعلمه القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله.
ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل فينبغي أن يكرم عليه ويجازى بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس. وإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، ولا سيما إذا ستره الصبي. وإن عاد ثانية فينبغي أن يعاتب سرا، ولا يكثر القول عليه بالعتاب؛ فإنه يهون عليه سماع الملامه.
وينبغي أن يمنع من النوم نهارا؛ فإنه يورث الكسل. ويمنع إذا نام من الفرش الوطيئة، ويمنع من كل ما يفعله في خفية؛ فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح. ويعود أن لا يكشف أطرافه، ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما ملكه أبواه أو بشيء من مطاعمه أو ملابسه. ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئا حتى ولو كان فقيرا، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء، ويعلم أن الطمع مهانة وذلة، ويقبح إليه حب الذهب والفضة. ويعلم مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.
وينبغي أن يؤذن له في اللعب للاستراحة من تعب التعلم، ويعلم طاعة الوالدين والمعلم والمؤدب له وكل من هو أكبر منه، ويخوف من السرقة وأكل الحرام والكذب وغيرها من المعاصي.
والثاني تربية المريد:
إنّ صحيح الشريعة وصحيح الطبيعة وصحيح التجربة وصحيح الممارسة والواقع يقتضي اتخاد الشيخ المرشد المربّي، فالله يقول: ﴿ فَسْـَٔلُوْٓا اَهْلَ الذِّكْرِ اِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَۙ ﴾، ويقول: ﴿ ۚ اَلرَّحْمٰنُ فَسْـَٔلْ بِهٖ خَبِيْرًا ﴾، ويقول: ﴿ وَّلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ࣖ ﴾، مما يدل أنه لا بدّ من اتخاد الشيخ يهدي. ونستأنس بقول الحقّ جلّ في علاه: ﴿ وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهٗ وَلِيًّا مُّرْشِدًا ࣖ ﴾، أي لو بحثت عن سبب ضلالته: أنّه لم يكن له وليّ مرشد. والشيخ الواصل وسيلة مريده إلى الله.
وما لم يكن للمرء معلم في بقية الصناعات لما أصاب ولا أجاد وربما هلك وهو يطلب الحياة ومن هنا كان لابد للسالك إلى الله من إمام يرشده ويوجهه ويسدده ويكشف له أحابيل الشيطان في العبادات والمعاملات والخواطر النفسية والإرادات القلبية والواردات التي قد تكون أخطر على صاحبها من الكفر الصريح. قال أبو علي الدقاق الشجرة التي تنبت بنفسها من غير صاحب لا تعيش ولا تثمر وإن عاشت وأثمرت كان ثمرها من غير لذة. ولكن ينبغي للشيخ الذي يعالج نفوس المريدين، أن ينظر إلى أحوالهم وأمراضهم وأخلاقهم، فلا يهجم عليهم بالرياضات والتكاليف في فن واحد وطريق واحد، بل ينبغي أن يعالج كلا منهم بحسب مرضه وحال.
فإن كان المريد مبتدئا جاهلا بحدود الشرع، علمه أولا ظواهر العبادات من طهارة وصلاة وصوم وغيرها، ثم نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه فيعالجه.
ومن لطائف الرياضة أن المريد إذا لم تسمح نفسه بترك صفة، أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، ويتدرج به إلى أن يترك الخلق المذموم بالكلية ويبدله بالخلق المحمود. ولهذا قال الشيخ سعيد أبو الأسعاد: سنة الله جارية على أنواع من النسب والسبب، كما أن التناسل والتولد الحقيقي لا يحصل إلا بواسطة الوالد والوالدة فكذلك التولد والنسل المعنوي لا يحصل إلا بواسطة الشيخ والمريد.
ت.٣ معرفة عيوب نفسه
من عرف عيوب نفسه أمكنه العلاج لأنّ من لايعرف عيبه أسرع هلك كما قال أبو حفص: ما أسرعَ هلاكَ من لا يعرف عيبه، فإن المعاصي بريد الكفر. وقال أبو عثمان: لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئًا، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال.
وتعرف عيوب النفس بالطروق كما سيأتي:
الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، فيتبع إشاراته في مجاهداته.
الثاني: أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا، فينصبه رقيبا على نفسه، يلاحظ أفعاله وأحواله، وينبهه على الأخلاق المذمومة والصفات الرذيلة، كما كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب من ألسنة أعدائه؛ فإن عين السخط تبدي المساوي.
الرابع: أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيما بينهم طالب نفسه به، ونسبه إليها؛ فإن المؤمن مرآة المؤمن.
ت.٣ الرياضة والمجاهدة
وقد ذكر الإمام الغزالي أن المعالجة في تهذيب الأخلاق بتعاطي الأضداد، فمن كان خلقه البخل، فيعالج ببذل الأموال وتعاطي أفعال الأسخياء.
فالذي يفرح بالمال، أو بالجاه، أو بالقبول في الوعظ، أو بالعز في القضاء، أو بكثرة الأتباع في التدريس، ونحو ذلك، يترك أولا ما به فرحه، ثم إذا ترك أسباب الفرح ألزم قلبه ذكر الله تعالى. لأنّ الأصل في طريق المجاهدة ونهي النفس عن الهوى وفطامها عن الشهوات أن يترك ما به فرحه من أسباب الدنيا.
وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء لما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة؛ فيكون مقتصرا من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة. ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يكون القلب مشغولا بمعرفة الله وحبه، ومن لم يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه.
والناس فيه أربعة:
الأول: رجل مستغرق قلبه بذكر الله، فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة، فهو من الصديقين.
الثاني: رجل استغرقت الدنيا قلبه، ولم يبق لله ذكر في قلبه، فهذا من الهالكين.
الثالث: رجل اشتغل بالدنيا والدين، ولكن الغالب على قلبه الدين، فهذا لا بد له من ورود النار، إلا أنه ينجو منها سريعا.
الرابع: رجل اشتغل بهما، لكن الغالب على قلبه الدنيا، فهذا يطول مقامه في النار، لكنه يخرج.
ت.٣ المصاحبة بالصالحين
أن الأخلاق الحسنة تحصل بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح لأنّ من يصاحب الأخيار من أهل الأخلاق الكريمة والصدق والطاعة لله، تنتقل إليه تلك الخصال الشريفة، سواء شعر بذلك أو لم يشعر، فإن الطبع سريع الاقتباس لما يجالسه ويعاشره. إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا. والطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه. والطباع مجبولة على التشبه والاقتداء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم (مثل الجليس الصالح كحامل المسك). فلا تؤاخ إلا من يصلح للاخوة والصداقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
إذا كنتَ في قوم فصاحب خيارَهم # ولا تصحب الأردى فترْدَى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي
والدليل على أهمية الصحبة قوله تعالى: ﴿ يٰٓاَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَكُوْنُوْا مَعَ الصّٰدِقِيْنَ ﴾.
بعد أن بينّا مناهج تهذيب الأخلاق ننتقل إلى بيان معريفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة، ثمّ مناهج تزكية النفس.
ر‌. معرفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة
غاية تطهير القلب وتصفيته عن الأخلاق الرذيلة والأمراض المذمومة أن يعرف الله تعالى ويعبده ويتلذذ بذكره ويؤثره على غيره قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْاِنْسَ اِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ ﴾، ومن المعرفة تنشأ المحبة لا محالة، فمن عرف الله أحبه قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللّٰهِ اَنْدَادًا يُّحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللّٰهِ ۗ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْٓا اَشَدُّ حُبًّا لِّلّٰهِ ۙوَلَوْ يَرَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوْٓا اِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَۙ اَنَّ الْقُوَّةَ لِلّٰهِ جَمِيْعًا ۙوَّاَنَّ اللّٰهَ شَدِيْدُ الْعَذَابِ ﴾.
ومن علامات المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات، فمن عنده شيء أحب إليه من الله فقلبة مريض، وبهذا يعرف أن القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله.
وأما علامات عودها إلى الصحة فقد تقدم أن الخلق الحسن هو رجوع الصفات إلى الاعتدال، فالمطلوب في معالجة داء البخل مثلًا الاعتدال بين التبذير والتقتير.
فإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى الفعل الذي يوجبه ذلك الخلق، فإن كان إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فالغالب عليك خلق البخل، فزد في المواظبة على البذل، فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الإمساك.
فإن انقطعت علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال، فلا تميل إلى بذله ولا إمساكه، فلا تطلب فيه إمساكه إلا لحاجة محتاج، أو بذله لحاجة محتاج، فقد رجعت الصفة إلى الاعتدال وسلم القلب من داء البخل والتبذير، وكذلك تفعل بجميع الصفات.
ز‌. المناهج في تزكية النفس
وقد بين الإمام الغزالي في سلوك هذا الطريق أن لتزكية النفس مناهج وطرقا، من أجلها ثلاثة مناهج متراتبة، لا يتصور وصول السالك إلى آخرها إلا بالشروع في أولها، وهي: التخلي، ثم التحلي، ثم التجلي.
ت.١ التخلّي
فأما التخلي وهو أول مراتب السلوك وأساس كل تزكية فهو تخلّي القلب عن الصفات الذميمة والأخلاق الرديئة، كالكبر والحسد والحقد وسوء الظنّ والرياء والعجب والغضب وحب الدنيا.
والطريق في معالجة القلوب ترك الشهوات، قال الله تعالى: ﴿ وَاَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهٖ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوٰىۙ فَاِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوٰىۗ ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يضله، ونفس تنازعه).
وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد علي من نفسي، مرة لي ومرة علي.
وقال أبو يحيى الوراق: من أرضى الجوارح بالشهوات، فقد غرس في قلبه شجر الندامات.
والتوبة، قال اللّٰه تعالى: ﴿ وَتُوْبُوْٓا اِلَى اللّٰهِ جَمِيْعًا اَيُّهَ الْمُؤْمِنُوْنَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ ﴾. والتوبة هي الرجوع عن الطريق المبعد عن اللّٰه ورد الطبع على سبيل القهر إلى العبادات، ولا معنى للتوبة إلا هذا؛ فكانت التوبة ضرورية في حق كل إنسان نبيّا كان أو غبيا. وأما بيان وجوبها على الدوام فهو أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، فإن خلا في بعض الأحوال عنها فلا يخلو عن الهم بالذنوب، فإن خلا عنه فلا يخلو عن الوسواس، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع، وهو التوبة؛ إذ التوبة الرجوع.
فمن أراد أن يسلك طريق السعادة وارتقى إلى أعلى الدرجات فليدخل أولا من باب الأبواب وهي التوبة، قال اللّهُ تَعالَى : ﴿ يٰٓاَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا تُوْبُوْٓا اِلَى اللّٰهِ تَوْبَةً نَّصُوْحًاۗ عَسٰى رَبُّكُمْ اَنْ يُّكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّاٰتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَا الْاَنْهٰرُۙ يَوْمَ لَا يُخْزِى اللّٰهُ النَّبِيَّ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مَعَهٗۚ نُوْرُهُمْ يَسْعٰى بَيْنَ اَيْدِيْهِمْ وَبِاَيْمَانِهِمْ يَقُوْلُوْنَ رَبَّنَآ اَتْمِمْ لَنَا نُوْرَنَا وَاغْفِرْ لَنَاۚ اِنَّكَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ ﴾ ، ومعنى قوله (نصوحا) : يعني خالصة من الفسق ، من نصحت العسل إذا خلصته من الشمع . فكذلك التوبة النصوح تخلّص القلب من الأغيار ، وتصفّيه من الأكدار . حتى يصير مستعدا لما ينقش فيه من العلوم والأسرار ، قابلا لسطوع الأنوار ، فالتائب حبيب الله وقد قال صلى الله عليه وسلم: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، والتوبة نور يغسل درن القلب، ومنبع كل تزكية وتطهير، فإن الذنوب تورث ظلمة في القلب، وإذا تكاثرت استحكمت حتى تصير حجابا بين العبد وبين ربه، ومتى صحت توبته انجلت عن قلبه ظلمات الأغيار.
وفي الحديث الصحيح: « إذا أذْنبَ العبدُ نُكِتَ في قَلبِهِ نُكْتةٌ سَوْداءُ، فإنْ تابَ صُقِلَ منها، فإنْ عادَ زادتْ حتّى تَعْظُمَ في قلبِهِ ». فدل على أن التوبة صقالة القلوب، ومن لم يصقل قلبه بالتوبة تكاثرت الظلمة عليه حتى يعمى.
فسعادة النفس في تزكيتها، وتزكيتها لا تتم إلا بتوبة ناصحة تطهرها من أدران الخطايا، وتؤهلها لتلقي أنوار المعرفة ورحمة الله تعالى.
ت.١ التحلّي
وأما التحلي فهو تزيين النفس بالطاعات والأخلاق المحمودة كالصدق والإخلاص والتواضع والصبر والشكر. التي تقاوم الأخلاق المذمومة، حتى تتبدل سيئاتها بالحسنات، وتنقلب أفعالها المذمومة إلى أفعال مرضية، فيتكونت من ذلك صفة راسخة في مقام الأخلاق الكريمة.
ومن أعظم ما يعين السالك على التحلي ذكر الله تعالى على الدوام مع حضور القلب، فإنه يؤثّر القلب وينقّي صدأه ، كما ذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ويثمر معرفة وأنسا ومحبة ، فيصير القلب بالذكر حيا بعد موته، نقيا بعد كدره، منيرا بعد ظلمته.
وإنما يتحقق التحلي بمداومة الذكر والمراقبة ومجاهدة النفس على الأعمال النافعة التي تقرب إلى الله وتنفع العباد كما قال سبحانه وتعال: ﴿ وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۗ وَاِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِيْنَ ࣖ ﴾، حتى يصير العبد كله خيرا، ويسمى حينئذ صاحب خلق حسن وسيرة طيبة، وذلك هو مقام الأخلاق الكريمة التي هي ثمرة التحلي وغاية التزكية.
ت.١ التجلّي
وأما التجلي فهو نور يقذفه الله في قلب العبد بعد تحقيق التخلي والتحلي، فيرى به حقائق الأمور ويشهد أنوار المعرفة ويتصل قلبه بربه اتصالا خاصا، فيصير كمن قيل فيه: «من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».
وذلك تحصل في الله وفي صفاته وأفعاله، وليس في الوجود سوى اللّٰه وأفعاله، ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا، وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق الأوقات في وظائف الأذكار والأفكار، ومن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في الطاعة، ومن أراد أن تترجح كفة حسناته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته، فإن خلط عملا صالحا وآخر سيّئا فأمره مخطر ولكن الرجاء غير منقطع.
واعلم أن معرفة النفس أمر مهم لكل فرد من أفراد الإنسان ، لأن من عرف نفسه فقد عرف ربه ، أي من عرف نفسه بالذل والعجز والضعف والفناء عرف ربه بالعز والقدرة والبقاء ، ومن جهل نفسه فهو بربه أجهل ؛ فعلى العاقل أن يشمر عن ساعد الجد في طلب المعرفة ، ولا يتوانى في ذلك لئلا يدركه الموت وهو مصاب بعمى الجهل ، فلا يكون له بعد ذلك سبيل إلى البصيرة، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ كَانَ فِيْ هٰذِهٖٓ اَعْمٰى فَهُوَ فِى الْاٰخِرَةِ اَعْمٰى وَاَضَلُّ سَبِيْلًا ﴾.
وقال الشيخ سعيد أبو الأسعاد: أما قوله تعالى: (قد أفلح من زكها) ففلاح النفس بالظفر بمعرفة الله، ويزيد على ذلك أن مرآة القلب إذا انجلت لاحت فيها الدنيا بقبحها وحقيقتها وماهيتها ولاحت الآخرة نفائسها بكنها وغايتها فتنكشف للبصيرة الحقيقةُ.
وهذه المناهج يناسب بما التي يعتمدها الشيخ سعيد أبو الأسعاد، ولكن يسمي التخلي في كتابه البيان الجازم بالتحقق كما في قوله: "التخلي عن العيوب، والتحلي بالصفات الحسنة، والتحقق بركن الإحسان، والترقي في مقاماته".
فهذه الطرق الثلاثة مترابطة متسلسلة، لا ينال كمالها إلا بالانتقال فيها على الترتيب: فلا تجلي إلا بعد تحل، ولا تحلي إلا بعد تخل. وذلك هو سبيل التزكية الذي سلكه الأولياء والصالحون، وهو سبيل من أراد لقاء الله بقلب سليم.
س‌. مناسبة مناهجِ الإمام الغزالي للعصر الحديث
ولا يخفى أنّ المناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي رحمه الله في تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس ليست مقصورةً على زمانه، بل يصلح لكلِّ الزمان، لأنّها تُعالجُ فطرةَ الإنسان في كل عصر. فمن نظر إلى مناهجه في عصرنا اليوم، علم أنّها مما يُحتاج إليه في إصلاح الخُلق وتزكيةِ القلوب، لا سيّما في هذا الزمان الذي غلبت فيه الرفاهية وتطور تكنولوكي، وضعفت فيه مراقبة الخلق والروح، وكثرت فيه أسبابُ الغفلة واضطراب النفس.
وذلك كمنهجه في تربية الأولاد الذي سبق ذكره لعلاج مشكلة نموّ الأخلاق للأطفال الناشئة عن الخطأ في توجيه تعليمهم وعدم الأسوة الحسنة، ويمكن أن يكون ذلك المنهج دليلاً للوالدين في تربية أبنائهم، وللمعلمين في تهذيب تلاميذهم.
وفي معرفة عيوب النفس لمحاسبة النفس لعلاج مشكلة الغفلة عن نفسه حتى يشتغل بتتبع عيوب الناس لاسيما التعرض بعرض الناس.
وفي الرياضة والمجاهدة لعلاج مشكلة الكسل والركون إلى الشهوات.
وفي مصاحبة الصالحين لعلاج مشكلة أثر مجتمع وبيئة السوء.
ومناهجه في تزكية النفس التي تسمى بطروق الترتّب تخلي، ثمّ تحلي، ثمّ تجلي مما يصون الإنسان مما لايعنيه ويعالج نفوسه.
فمناهجُ الإمام الغزالي ليست دروسًا نظريةً فقط، بل علاجا لمشكلات هذا العصر. فإذا أُحييتْ وتطبقت في البيوتِ والمدارسِ والمجتمعات، عادتِ الأخلاقُ إلى مجدِها، واستقامتِ النفوسُ على فطرتها.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...

فقد هدفت دراسة ...

فقد هدفت دراسة () الي سهولة استخدام استخدام بيئة تعليم إلكتروني مُدمجة بمقاطع فيديو للغة الإشارة، وع...

قادة الشباب في ...

قادة الشباب في مجال المناخ يلتقون وزير الشباب قبيل مشاركتهم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP...