لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (التلخيص باستخدام خوارزمية التجزئة)

ي بسم الله الرحمن الرح� َ . َسِب َ يل َك َو ِق ِ� ْم َع َذ َ اب ْجَ ال ِحي ِ� ي . ﴾ اللهم اغفر ل ب ي ذن� ي ، ووسع ل ف ي� ب داري، في آيتين من كتاب الله تعالى عرض الحق عز وجل على عباده جزاء الآخرة وجزاء َّ القرب منه، وحرض على السباق إلى الجائزة، وحدد شروطه، ﴿ َو َسارِ ُعواْ إِ َل َم ْغ ِف َر ٍة ِّمن َّر ِّب ُك ْم َو َج َّن ٍة َع ْر ُض َها َّ الس َم َ او ُ ات َوالأَ ْر ُض ُأ ِع َّد ْت لِلْ ُم َّت ِق َين ال يُ ِ نف ُق َ ون ِف َّ َّ الساء َو َّ َّ الضاء َوالْ َك ِظ ِم َين الْ َغ ْي َظ َوالْ َعافِ َين َع ِن النَّ ِ اس َو ُ الله ُيِ ُّب الْ ُم ْح ِسنِ َين. هتان الآيتان وما يليهما من القرآن تشرطان الإحسان بقوة العباد على ضبط أنفسهم، ُّ وبسماحة هذه النفوس وتحك َّ مها في سلوكها مهما كانت الظروف استفزازية ِّ ضيقة. ُ وإن الأقوياء الأمناء الموعودين بالخلافة الثانية لفي أمس الحاجة إلى تؤدة الصبر والأناة وكظم الغيظ لإحقاق الحق وبناء الأمة بقدر ما هم بحاجة إلى القوة العازمة المنضبطة لإبطال الباطل. ُ تحته لنسف أصوله، أما بعد نزع قوة السلطان من الأيدي الخبيثة فحاجة المؤمنين المحسنين لتؤدة الرفق وكظم الغيظ والعفو عن الناس تزداد إلحاحا. ُي ِّ خل َف ُ آثاره الفاسدة المفسدة المتمثلة في أقوام بأعيانهم وفي تضامنات وعصبيات ومصالح متحجرة مشتبكة مع مصالح جمهور الأمة. َ الثوري الذي يوصي بالقتل والسفك وتخريب ب ْي ِت َّ كل من انتمى مر ًة للماضي حل ً غير إسلامي. وليس الرفق هو السكوت عن الماضي جملة. فلا بد من رد المظالم، ُ ولا بد من كنس الق ِّ مامة، ولا بد من التغيير الجذري. والرفق في هذه العمليات، والأناة فيها، وحقن الدماء هي الحكمة المطلوبة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، العنف. » أخرجه مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها. رحمه الله عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستخف لا يزال في بداية تبليغه لرسالته، وما النبي؟ فقال: «رسول الله! فقلت: ومن أرسلك؟ قال: «الله عز وجل. ُ أرسلك؟ فقال: «بأن توصل الأرحام، وت ْح َق َن ُ الدماء، وت ْكسر الأوثان. » الحديث. إن الثورات تبني قوتها على الغضب الجماهيري على الأوضاع القائمة المكروهة وعلى الوعود بالبديل الأفضل. ثم لا شيء بعد نجاح الثورة واستقرار الانقلاب، إلا ُّ العنف الثوري وتصفية الناس. رضي الله عنه من نحن؟ ومن ابتعثنا؟ وبماذا ابتعثنا؟ ونستحضر أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم ِ الذي أعلن منذ البداية أن دينه ص َل ُة َّ الرحم وحقن الدماء، وتقويض بناء الشرك وإقامة دولة التوحيد والعدل والإحسان. وسيرته العطرة أمثلة فائقة للتؤدة والرفق والعفو والصفح الجميل. روى ابـن كثيـر رحمـه الله في تفسـير قولـه تعالـى لنبيـه صلى الله عليه وسلم: ﴿ ُخـذ بِالْ ُع ْ ـر ِف َوَأ ْع ِ ـر ْض َع ِ ـن َْ ال ِ اهلِ َ ني ﴾((( َّ أن عبـد الرحمن بن زيد بن أسـلم رحمه الله فسـر ﴿ ُخ ِ ـذ الْ َع ْفـو ﴾ بـأن الله عـز وجـل أمـر رسـوله صلى الله عليه وسلم بالعفـو والصفـح عـن المشـركين عشـر سـنين، ثـم أمـره بالغلظـة عليهم. تعالـى: ﴿ يَ َ ا أ ُّي َهـا النَّ ِ ُّب َج ِ اه ِ ـد الْ ُك َّف َ ـار َوالْ ُم َنافِ ِق َ ني َو ْ اغلُ ْظ َعلَ ْي ِه ْم ﴾(((، ْ يجاهدهـم بيـده، فـإن لـم يسـتطع فليك َف ِه َّ ـر في وجوههـم. ُ عنهمـا: جهـاد الكفـار بالسـيف، وجهـاد المنافقيـن باللسـان. أ ِ ذه َ ـب الرفـق عنهـم. علماؤنا الأولون كانوا حديثي عهد بالجهاد النبوي، للمنافقين والاكفهرار في وجوههم مواجهة كافية، وجهاد ناجع. َ كبيرا من هذه الغلظة الكلامية يصبح ضرورة غداة تسلم الحكم لفضح النفاق وأهل ْ النفاق وفكر النفاق ودسائس النفاق. ونح َ ترز من المنافقين بين ظ َ هران ْينَا، َ أبد ْو ً ا صفحة وجههم، وكشفوا سترهم، َ كان سيف الإسلام عليهم هو الرفق، وحدوده هي الصدق. َّ إن َأ ْخ َذ العفو والإعراض عن الجاهلين، للحق، لهما الخصلتان النبويتان الراشديتان، بِهما تكمل القوة والأمانة، ُ امتلاك النفس ومن ثم امتلاك الموقف. َّ في مجلس شوراه المكو ِن من القراء، أي أهل القرآن والعلم، كهولا وشبابا. َ له عيينة: «هيه يا ابن الخطاب! فوالله ما تعطينا الج ْز َل، ولا تحكم بيننا بالعدل. َّ فغضب عمر حتى هم ُ به. فقال الح ُّر بن قيس، الله تعالى قال لنبيه: ﴿ ُخ ِذ الْ َع ْف َو َو ْأ ُم ْر بِالْ ُع ْر ِف َو َأ ْع ِر ْض َع ِن ْ َ ال ِ اهلِ َين﴾(((. الجاهلين. قال الراوي ابن عباس رضي الله عنهما، ّ وشوراه: «فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه. وكان وقافاً عند كتاب الله. الله عنه. أخرج الحديث الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه. إن بناء الدولة الإسلامية الراشدية الثانية يريد رجالا من تلك الطينة الإحسانية َ القوية، وما عطاء الله لعباده ش َّح لفراغ خزائِنِه وهو الغني الوهاب. َّ وق ُ افين عند كتابه بالإرادة الواعية والقصد القاصد الـم َد ِّبر. لا تغلبهم القوة الغضبية، ((( التوبة، 3. ولا تقصر بهم الهمة عن جمع مكارم الأخلاق. عنه: «ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من قول الله عز وجل: ﴿خ َوْأ ُم ْربِالْ ُع ْر ِف َوَأ ْع ِر ْض َع ِن َْ ال ِ اهلِ َين. َّ ووجهوا قول جعفر بأن الأخلاق ثلاثة بِ َح َس ِب ُ الق َوى الإنسانية: عقلية، وشهوية، وغضبية. فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو، ُ والغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين. في كلمة «عفو» معنى القصد والإرادة. ُ عفاه واعتفاه بمعنى قصده م َت ِ ناو ًلا ِ ما عنْ َد ُه. » وفي معنى الآية، جعفر رضي الله عنه وتوجيه العلماء، على النفس وهي قمة الشجاعة والقوة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ُّ : «ليس الشديد بالص َر َع َّ ة، ُّ الغضب. » أخرجه الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه. يغلب الرجال في المصارعة ويكون في ذلك مشهورا شديد البأس. وإذا كان لتربيـة العقـل حتـى يشـتغل في خدمـة القلـب وخدمـة الأهـداف الإيمانيـة ُ الإحسـانية وسـائلها، وكان لتربيـة الشـهوة وإحصانهـا مثـل ذلـك، ّ علـى الشـجاعة العاليـة المتمث ِ لـة في امتال ُ ك النفـس عنـد الغضـب طر ُقهـا. َ هـذه التربيـة سـلوك شـعب الإيمـان ومعـارج الإحسـان حتـى يصفـو القلـب وتسـتقيم َ وجهته لله عز وجل، فيكون هو الأمير لا ُ الرعونة النفسـية، ولا الشـهوة، عندئذ يكون أمر الله عز وجل ونهيه، حرامه وحلاله، ُّ فيما عنده، الإخلاص له والوفاء والحب والقرب، هي البواعث والروادع. ثابت، وإرادة واعية حاكمة. وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سأله وصية جامعة قائِ ْ لا: «لا تغ َض ْب. ُ يتوضأ المرء إذا ساوره الغضب، وأن يجلس إذا كان قائما، ويضطجع إذا كان جالسا. َ وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب س ْو َر ٌة شيطانية. ُ وجاء في حقن الدماء آيات في كتاب الله عز وجل وأحاديث نبوية. الله صلى الله عليه وسلم َ أمر أن ن ْد َ رأ الحدود بالشبهات لكيلا يجلد ظهر أو يقطع عضو أو ُت ْز َه َق روح َ ما و ِس َعنَ ُ ا اجتناب َّ ذلك، الكريم في قوله تعالى في القتل الخطإ: ﴿ َو ِديَ ٌة ُّم َسلَّ َم ٌة إِ َل َأ ْهلِ ِه إِلاَّ َأن يَ َّص َّدقُواْ. َ زادت السنة النبوية أن أهل القتيل إذا أص ُّروا على قتل القاتل العامد وفعلوها فهم الله صلى الله عليه وسلم ُرفِع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو. » إسناده حسن. ِّ عن نفس أنس أن رجلا أتى بقاتل ولي َ ه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ِّ فأبى. فقال: «خذ الد َّي ُ ة»! فأبى. فقال: «اذهب فاقتله! فإنك مثله»! فل ِحق الرجل، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قال: إن ق َت َل ُه َ فهو مثله! ف َخ َّلى سبيله. حسن. وعند البخاري في صحيحه: «باب ما يحقن بالأذان من الدماء. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بلدا رجع عنه بمجرد سماعه الأذان. قال الإمام عبد القادر رحمه الله: «يا غلام! لا بد من الحلاوة والمرارة والصلاح َ والفساد والكدر والصفاء. فإن أر ْد َ ت الصفاء َّ الكلي ففارق بقلبك الخلق، بالحق عز وجل. فارق الدنيا، ودع أهلك، وسلمهم إلى ربك عز وجل، ُعريانا عن الكل. واقرب من باب الآخرة ثم ادخلها. فاخرج منها هاربا طالبا للقرب منه. إذا وجدته وجدت كل الصفاء عنده. قلت: هذا هو الطريق الصوفي والسلوك الصوفي الذي ينبغي أن نهجره هجرا جميلا لنصل حبلنا بحبل الصحابة رضي الله عنهم، الصلاح بالفساد، والصفو بالكدر، والحلاوة بالمرارة. وللوطن يقابله في السلوك الجهادي تطهير الأرض من الشرك والفساد حتى نكون َّ كما يليق بعباد الرحمن، ونجد الله ربنَا كما وجدوا. آمين. ((( النساء، 2.


النص الأصلي

الـتـــــؤدة 273
العفو والرفق
ي بسم الله الرحمن الرح� َ . ﴿ر َّب َن َ ا و ِس ْع َت ُ َّك شَ يْ� ٍء َّر ْ َح ًة َو ِع ْلًا َف ْ اغ ِف ْر ِل َّل ِذي نَ� تَ�ُب َ وا و َّ ات َب ُعوا
ي
َسِب َ يل َك َو ِق ِ� ْم َع َذ َ اب ْجَ ال ِحي ِ� ي .﴾ اللهم اغفر ل ب ي ذن� ي ، ووسع ل ف ي� ب داري، و�رك ل
.
ي
ق
رز�
ي
ف�
في آيتين من كتاب الله تعالى عرض الحق عز وجل على عباده جزاء الآخرة وجزاء
َّ القرب منه، وحرض على السباق إلى الجائزة، وحدد شروطه، فقال جلت عظمته:
َ
ِين
َّ
﴿ َو َسارِ ُعواْ إِ َل َم ْغ ِف َر ٍة ِّمن َّر ِّب ُك ْم َو َج َّن ٍة َع ْر ُض َها َّ الس َم َ او ُ ات َوالأَ ْر ُض ُأ ِع َّد ْت لِلْ ُم َّت ِق َين ال
يُ ِ نف ُق َ ون ِف َّ َّ الساء َو َّ َّ الضاء َوالْ َك ِظ ِم َين الْ َغ ْي َظ َوالْ َعافِ َين َع ِن النَّ ِ اس َو ُ الله ُيِ ُّب الْ ُم ْح ِسنِ َين.﴾(((
هتان الآيتان وما يليهما من القرآن تشرطان الإحسان بقوة العباد على ضبط أنفسهم،
ُّ وبسماحة هذه النفوس وتحك َّ مها في سلوكها مهما كانت الظروف استفزازية ِّ ضيقة.
ُ وإن الأقوياء الأمناء الموعودين بالخلافة الثانية لفي أمس الحاجة إلى تؤدة
الصبر والأناة وكظم الغيظ لإحقاق الحق وبناء الأمة بقدر ما هم بحاجة إلى القوة
العازمة المنضبطة لإبطال الباطل. هناك باطل يجثم على صدر الأمة متمثل في الحكم
الطاغوتي. هذا الباطل لا ُ صبر عليه إلا بمقدار ما يكون الصبر د ُؤوبا على العمل من
ُ تحته لنسف أصوله، ومعظم هذا العمل الناسف إيقاظ ُ الأمة وتأليف حزب الله
والتبشير بالإسلام.
أما بعد نزع قوة السلطان من الأيدي الخبيثة فحاجة المؤمنين المحسنين لتؤدة
الرفق وكظم الغيظ والعفو عن الناس تزداد إلحاحا. ذلك أن ماضي الفتنة لا بد أن
ُي ِّ خل َف ُ آثاره الفاسدة المفسدة المتمثلة في أقوام بأعيانهم وفي تضامنات وعصبيات
((( آل عمران، .134 274إ الحسان
ومصالح متحجرة مشتبكة مع مصالح جمهور الأمة. فالحل العنيف الصراعي
َ الثوري الذي يوصي بالقتل والسفك وتخريب ب ْي ِت َّ كل من انتمى مر ًة للماضي حل
ً غير إسلامي. وليس الرفق هو السكوت عن الماضي جملة. فلا بد من رد المظالم،
ُ ولا بد من كنس الق ِّ مامة، ولا بد من التغيير الجذري. والرفق في هذه العمليات،
والأناة فيها، وحقن الدماء هي الحكمة المطلوبة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على
العنف.» أخرجه مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها. وأخرج الإمام أحمد
رحمه الله عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستخف
لا يزال في بداية تبليغه لرسالته، فسأله قائلا: ما أنت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ : «نبِ ُّي» فقلت:
وما النبي؟ فقال: «رسول الله! فقلت: ومن أرسلك؟ قال: «الله عز وجل.» قلت: بماذا
ُ أرسلك؟ فقال: «بأن توصل الأرحام، وت ْح َق َن ُ الدماء، وت ْكسر الأوثان.» الحديث.
إن الثورات تبني قوتها على الغضب الجماهيري على الأوضاع القائمة المكروهة
وعلى الوعود بالبديل الأفضل. ثم لا شيء بعد نجاح الثورة واستقرار الانقلاب،
إلا ُّ العنف الثوري وتصفية الناس. في القومة الإسلامية نسأل أسئلة عمرو بن عبسة
رضي الله عنه من نحن؟ ومن ابتعثنا؟ وبماذا ابتعثنا؟ ونستحضر أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم
ِ الذي أعلن منذ البداية أن دينه ص َل ُة َّ الرحم وحقن الدماء، لكن دينه أيضا كسر الأوثان
وتقويض بناء الشرك وإقامة دولة التوحيد والعدل والإحسان. وفي عمله الشريف صلى الله عليه وسلم
وسيرته العطرة أمثلة فائقة للتؤدة والرفق والعفو والصفح الجميل.
ْ
ـر
ُم
َْوأ
َ
ـو
ْف
َع
ْ
ال
ِ
روى ابـن كثيـر رحمـه الله في تفسـير قولـه تعالـى لنبيـه صلى الله عليه وسلم: ﴿ ُخـذ
بِالْ ُع ْ ـر ِف َوَأ ْع ِ ـر ْض َع ِ ـن َْ ال ِ اهلِ َ ني ﴾((( َّ أن عبـد الرحمن بن زيد بن أسـلم رحمه الله فسـر
﴿ ُخ ِ ـذ الْ َع ْفـو ﴾ بـأن الله عـز وجـل أمـر رسـوله صلى الله عليه وسلم بالعفـو والصفـح عـن المشـركين
عشـر سـنين، ثـم أمـره بالغلظـة عليهم. وهـذا التفسـير هو اختيار شـيخ المفسـرين ابن
جريـر رحمـه الله. وروى بـن كثيـر عـن عبـد الله بـن مسـعود رضـي الله عنـه في أمـره
((( الأعراف، .199الـتـــــؤدة 275
تعالـى: ﴿ يَ َ ا أ ُّي َهـا النَّ ِ ُّب َج ِ اه ِ ـد الْ ُك َّف َ ـار َوالْ ُم َنافِ ِق َ ني َو ْ اغلُ ْظ َعلَ ْي ِه ْم ﴾(((، قال ابن مسـعود:
ْ يجاهدهـم بيـده، فـإن لـم يسـتطع فليك َف ِه َّ ـر في وجوههـم. وقـال ابـن عبـاس رضـي الله
ُ عنهمـا: جهـاد الكفـار بالسـيف، وجهـاد المنافقيـن باللسـان. أ ِ ذه َ ـب الرفـق عنهـم.
علماؤنا الأولون كانوا حديثي عهد بالجهاد النبوي، فاعتبروا أن إغلاظ الكلام
للمنافقين والاكفهرار في وجوههم مواجهة كافية، وجهاد ناجع. ولا شك أن قدرا
َ كبيرا من هذه الغلظة الكلامية يصبح ضرورة غداة تسلم الحكم لفضح النفاق وأهل
ْ النفاق وفكر النفاق ودسائس النفاق. ونح َ ترز من المنافقين بين ظ َ هران ْينَا، حتى إذا
َ أبد ْو ً ا صفحة وجههم، وكشفوا سترهم، وفعلوها ماكرة َّ مكر الس ِّيئ أو ُ عنيفة م ْع َت ِد َي ًة
َ كان سيف الإسلام عليهم هو الرفق، وحدوده هي الصدق.
َّ إن َأ ْخ َذ العفو والإعراض عن الجاهلين، ما لم يكن الإعراض ضعفا وتضعيفا
للحق، لهما الخصلتان النبويتان الراشديتان، بِهما تكمل القوة والأمانة، إذ هما عنوان
ُ امتلاك النفس ومن ثم امتلاك الموقف. دخل ع َي ْينَة بن حصن على أمير المؤمنين عمر
َّ في مجلس شوراه المكو ِن من القراء، أي أهل القرآن والعلم، كهولا وشبابا. فقال
َ له عيينة: «هيه يا ابن الخطاب! فوالله ما تعطينا الج ْز َل، ولا تحكم بيننا بالعدل.»!
َّ فغضب عمر حتى هم ُ به. فقال الح ُّر بن قيس، ابن أخي عيينة: يا أمير المؤمنين! إن
الله تعالى قال لنبيه: ﴿ ُخ ِذ الْ َع ْف َو َو ْأ ُم ْر بِالْ ُع ْر ِف َو َأ ْع ِر ْض َع ِن ْ َ ال ِ اهلِ َين﴾(((. وإن هذا من
الجاهلين. قال الراوي ابن عباس رضي الله عنهما، وكان في مقدمة أهل مجالس عمر
ّ وشوراه: «فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه. وكان وقافاً عند كتاب الله.» رضي
الله عنه. أخرج الحديث الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه.
إن بناء الدولة الإسلامية الراشدية الثانية يريد رجالا من تلك الطينة الإحسانية
َ القوية، وما عطاء الله لعباده ش َّح لفراغ خزائِنِه وهو الغني الوهاب. نسأله رجالا
َّ وق ُ افين عند كتابه بالإرادة الواعية والقصد القاصد الـم َد ِّبر. لا تغلبهم القوة الغضبية،
((( التوبة، 3.7
((( الأعراف، .199 276إ الحسان
ولا تقصر بهم الهمة عن جمع مكارم الأخلاق. قال الإمام جعفر الصادق رضي الله
َو
ْف
َع
ْ
ال
ِذ
ُ
عنه: «ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من قول الله عز وجل: ﴿خ
َوْأ ُم ْربِالْ ُع ْر ِف َوَأ ْع ِر ْض َع ِن َْ ال ِ اهلِ َين.﴾ قال الحافظ بن حجر رحمه الله في شرح البخاري:
َّ ووجهوا قول جعفر بأن الأخلاق ثلاثة بِ َح َس ِب ُ الق َوى الإنسانية: عقلية، وشهوية،
وغضبية. فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو،
ُ والغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين.
في كلمة «عفو» معنى القصد والإرادة. قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «يقال
ُ عفاه واعتفاه بمعنى قصده م َت ِ ناو ًلا ِ ما عنْ َد ُه.» وفي معنى الآية، حسب تفسير الإمام
جعفر رضي الله عنه وتوجيه العلماء، معاني الحكمة العقلية والعفة الخلقية والشجاعة
على النفس وهي قمة الشجاعة والقوة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ُّ : «ليس الشديد بالص َر َع َّ ة، إن ُ ما الشديد الذي يملك نفسه عند
ُّ الغضب.» أخرجه الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه. الص َرعة الذي
يغلب الرجال في المصارعة ويكون في ذلك مشهورا شديد البأس.
وإذا كان لتربيـة العقـل حتـى يشـتغل في خدمـة القلـب وخدمـة الأهـداف الإيمانيـة
ُ الإحسـانية وسـائلها، وكان لتربيـة الشـهوة وإحصانهـا مثـل ذلـك، فـإن لتربيـة الطبـع
ّ علـى الشـجاعة العاليـة المتمث ِ لـة في امتال ُ ك النفـس عنـد الغضـب طر ُقهـا. يجمـع كل
َ هـذه التربيـة سـلوك شـعب الإيمـان ومعـارج الإحسـان حتـى يصفـو القلـب وتسـتقيم
َ وجهته لله عز وجل، فيكون هو الأمير لا ُ الرعونة النفسـية، ولا الشـهوة، ولا الإسـراع
إلـى البطش.
عندئذ يكون أمر الله عز وجل ونهيه، حرامه وحلاله، الخوف من عقابه والرجاء
ُّ فيما عنده، الإخلاص له والوفاء والحب والقرب، هي البواعث والروادع. بقصد
ثابت، وإرادة واعية حاكمة.
وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سأله وصية جامعة قائِ ْ لا: «لا تغ َض ْب.» وأمر أن
ُ يتوضأ المرء إذا ساوره الغضب، وأن يجلس إذا كان قائما، ويضطجع إذا كان جالسا.
َ وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب س ْو َر ٌة شيطانية.الـتـــــؤدة 277
ُ وجاء في حقن الدماء آيات في كتاب الله عز وجل وأحاديث نبوية. فكما أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم َ أمر أن ن ْد َ رأ الحدود بالشبهات لكيلا يجلد ظهر أو يقطع عضو أو ُت ْز َه َق روح
َ ما و ِس َعنَ ُ ا اجتناب َّ ذلك، فكذلك أكد ِّ على العفو في القصاص مفصلاً ما أجمله القرآن
الكريم في قوله تعالى في القتل الخطإ: ﴿ َو ِديَ ٌة ُّم َسلَّ َم ٌة إِ َل َأ ْهلِ ِه إِلاَّ َأن يَ َّص َّدقُواْ.﴾(((
َ زادت السنة النبوية أن أهل القتيل إذا أص ُّروا على قتل القاتل العامد وفعلوها فهم
من أهل النار. روى أبو داود والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: «ما رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم ُرفِع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو.» إسناده حسن. وأخرج النسائي
ِّ عن نفس أنس أن رجلا أتى بقاتل ولي َ ه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ْ : «اع ُف عنه»!
ِّ فأبى. فقال: «خذ الد َّي ُ ة»! فأبى. فقال: «اذهب فاقتله! فإنك مثله»! فل ِحق الرجل،
فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قال: إن ق َت َل ُه َ فهو مثله! ف َخ َّلى سبيله.» الحديث إسناده
حسن. وعند البخاري في صحيحه: «باب ما يحقن بالأذان من الدماء.» ذكر فيه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بلدا رجع عنه بمجرد سماعه الأذان. أي رفق هذا!
قال الإمام عبد القادر رحمه الله: «يا غلام! لا بد من الحلاوة والمرارة والصلاح
َ والفساد والكدر والصفاء. فإن أر ْد َ ت الصفاء َّ الكلي ففارق بقلبك الخلق، وواصله
بالحق عز وجل. فارق الدنيا، ودع أهلك، وسلمهم إلى ربك عز وجل، وأخرج قلبك
ُعريانا عن الكل. واقرب من باب الآخرة ثم ادخلها. فإن لم تجد ربك عز وجل فيها
فاخرج منها هاربا طالبا للقرب منه. إذا وجدته وجدت كل الصفاء عنده.»(((
قلت: هذا هو الطريق الصوفي والسلوك الصوفي الذي ينبغي أن نهجره هجرا جميلا
لنصل حبلنا بحبل الصحابة رضي الله عنهم، ولنقتحم عقبات الجهاد الممزوج فيها
الصلاح بالفساد، والصفو بالكدر، والحلاوة بالمرارة. وإن الفراق الصوفي للأهل
وللوطن يقابله في السلوك الجهادي تطهير الأرض من الشرك والفساد حتى نكون
َ للمتقين إماما، وحتى ي َ كون ُ لنا بإذن الكريم الوهاب من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
َّ كما يليق بعباد الرحمن، ونجد الله ربنَا كما وجدوا. آمين.
((( النساء، 2.9


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

نصيحة السلطان و...

نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...

قبل التطرق لتعر...

قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...

تتواصل حالة الج...

تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...

نفّذ مكتب الصحة...

نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...

المتمعن في المو...

المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...

يشرف الناظر على...

يشرف الناظر على الاستشارة التربوية و يراقبه وهذا تحت سلطة المدير ,كما يقوم بالتنسيق اليومي مع الأسات...

نصيحة السلطان و...

نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...

ويقول: ما ظنك ب...

ويقول: ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا.. فتنصرف تلك الفرقة دون أن تراهما. 65 . خر...

ثالثا : اإلضاءة...

ثالثا : اإلضاءة الخلةية تعطى اإلبااة الخلفية عمقا لمكان التصوير وذلم عن طريق زيادة اإلبااة، وفصل م...

کتاب اللؤلؤة في...

کتاب اللؤلؤة في السلطان السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدن...

آليات المساءلة ...

آليات المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية تتجسد في مجموعة متداخلة من الإجراءات القانونية التي تشمل المس...

اعتبر الباحث ال...

اعتبر الباحث اليمني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، الدكتور علي الذهب، أن تحليق الطائرات المسيّرة ...