لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

المبحث الأول : ماهية المجتمع المدني العربي
يُعتبر المجتمع المدني من الركائز الأساسية لتحقيق التقدم والازدهار،يُسمى هذا المجتمع بهذا الاسم لأنه يتخذ طابعاً اجتماعياً مدنياً وسلمياً، مستقلاً عن الدولة والحكومة وعن كل المؤسسات الرسمية والعسكرية. فإنه يتكامل مع المؤسسات الحاكمة من خلال التنسيق والاستشارة والاقتراح. يجسد المجتمع المدني مظهراً من مظاهر الديمقراطية الحديثة التي ترتكز على الحرية والمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية، ولا يمكن للمجتمع المدني أن يعمل إلا في مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ويعمل على تثبيتها وتكريسها في جميع المجالات والأصعدة والمستويات. كما أن المجتمع المدني "من حيث المبدأ، نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى، وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات". ثم إن هذا النسيج من العلاقات يستدعي، أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة.أولًا:المفهوم اللغوي للمجتمع المدني
1. التعريف اللغوي في اللغة العربية
- لفظ "مجتمع": يُشتق من "اجتماع"، وهو مصدر ميمي يعني حدثًا (الاجتماع نفسه) أو اسم مكان/زمان (مثل "مجتمع القوم"، أي مكان أو وقت اجتماعهم). لا يحمل معنى "المجموعة" أو "الجماعة" المرتبطة برابطة اجتماعية كما في اللغات الأوروبية (مثل "société" أو "society"، التي تشير إلى عدد من الأفراد يشكلون كيانًا مترابطًا).- لفظ "مدني": يحيل إلى "المدينة" أو "الحاضرة"، مقابل "البادية" أو "البدوي" (قارن: بدو/حضر، "المجتمع المدني" يُفهم كمقابل لـ"المجتمع البدوي"، ويُستخدم كمفهوم إجرائي لتحليل المجتمع العربي (مثلما فعل ابن خلدون بـ"الاجتماع الحضري" مقابل "الاجتماع البدوي").- المعنى العام: يُقابل "المجتمع القبلي"، حيث القبيلة هي المكون الأساسي في البادية العربية، مما يجعل "المجتمع المدني" يعبر عن انتقال من التنظيم القبلي إلى الحضري، مع اختلاف يصل إلى التضاد.2. التعريف اللغوي في اللغات الأوروبية
- لفظ "Civil" (الذي يُترجم إلى "مدني"): يستبعد ثلاثة معان رئيسية هي أضداد له:
- التوحش: مقابل "الشعوب البدائية/المتوحشة" (قارن: "الشعوب المتحضرة"). - الإجرام: مقابل "جنائي" (قارن: "مدني" في مقابل "جنائي" في المحاكم). - الانتماء العسكري: مقابل "عسكري". - الانتماء الديني: مقابل "التعاليم الدينية" (قارن: "القوانين المدنية"). خالٍ من سلطة العسكر أو الكنيسة، العلم، والانتقال من المجتمع الزراعي إلى الصناعي). التبادل المصلحي، والتنظيمات مثل الشركات والنقابات.3. الفرق الرئيسي بين التعريفين والنقل إلى السياق العربي
- الفارق اللغوي والثقافي: في العربية، بينما في الأوروبية، والديني. هذا يجعل النقل الحرفي مشكلة، حيث يرتبط المفهوم الأوروبي بتطورات تاريخية محددة (مثل الثورة الصناعية والديمقراطية) غير موجودة في المجتمع العربي، الذي يحتفظ بالقبيلة كمكون أساسي.ثانيًا:المفهوم الاصطلاحي للمجتمع المدني
تعددت التعريفات الاصطلاحية للمجتمع المدني وتنوعت باختلاف المدارس الفكرية التي تناولته، إلا أن أغلبها يتفق على أنه مجال اجتماعي مستقل عن الدولة، يضم المنظمات والأنشطة التي تنشأ بإرادة الأفراد الحرة، وتعمل لتحقيق مصالح عامة أو خاصة في إطار من القيم المدنية.- وعرّفه وائل السواح (2014) بأنه مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات السلطة، وتهدف إلى تحقيق مصالح الأفراد أو تقديم خدمات للمواطنين أو ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، ملتزمة في وجودها ونشاطها بقيم الاحترام والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.- بينما يرى العيد (2005) أن المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تعمل لتحقيق مصالح أفرادها في المجال العام، وتتميز بالاستقلالية عن إشراف الدولة المباشر.- ويضيف الجنحاني (1999) أن المجتمع المدني يتميز بالتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية والعمل التطوعي والحماسة لخدمة المصلحة العامة والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة.- أما محمد عابد الجابري (2005) فيعتبره واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً يتشكل تدريجياً مع التحول الديمقراطي.- وترجع الجذور التاريخية للمفهوم إلى الفكر الإغريقي القديم، إذ استخدم أرسطو مصطلح المجتمع المدني (Politeia Koinonia) للدلالة على مجتمع المواطنة الذي يجتمع فيه الأحرار لتنظيم شؤونهم العامة.- وفي العصر الحديث، برز المفهوم مع فلاسفة العقد الاجتماعي مثل جون لوك ومونتسكيو، اللذين أكدا أن المجتمع المدني هو الفضاء الذي يعيش فيه المواطنون أحراراً ومستقلين، ويتمتعون فيه بحقوقهم في التعبير والمشاركة وتأسيس الجمعيات.- أما هيغل فقد نظر إليه بوصفه الحيز الاجتماعي الذي يقع بين الأسرة والدولة، ويضم العلاقات الاقتصادية والمصالح الفردية المنظمة قانونياً.- في حين اعتبر ماركس المجتمع المدني مجالاً للصراع الطبقي ومصدراً للبنية الاقتصادية التي تحدد طبيعة الدولة.- وجاء أنطونيو غرامشي ليُحدث تحولاً في الفهم الماركسي، فاعتبر المجتمع المدني جزءاً من البنية الفوقية ومجالاً للتنافس الأيديولوجي والثقافي، حيث تتبلور فيه الأفكار والقيم التي تشكل الوعي الجمعي.- أما ألكسيس دو توكفيل فقد ركّز على البُعد العملي للمفهوم،- وفي الفكر العربي الحديث، تطور المفهوم ليعكس تفاعل الفكر العربي مع التجربة الغربية من جهة، والواقع المحلي من جهة أخرى. مثل الفضيل (2000)، مثل الجابري (1993)، في التنظيمات الحديثة غير الحكومية وغير الإرثية التي تنشأ لخدمة المصالح المشتركة لأعضائها ضمن إطار من الديمقراطية واحترام الحقوق.- ومن خلال هذا التنوع في التعريفات، يمكن استخلاص العناصر الأساسية التي تميز المجتمع المدني، وهي:
- الطوعية في الانخراط داخل مؤسساته دون أي شكل من أشكال الإكراه. والتعاون، الجمعيات، المنظمات المهنية والثقافية والخيرية. - الارتباط بالديمقراطية ودولة القانون بوصفها البيئة التي تضمن حريته وفعاليته.ثالثًا:التحديد الإجرائي لمفهوم المجتمع المدني
أي بيان خصائصه ووظائفه كما تظهر في الواقع. وفي هذا الإطار، يُعرّف المجتمع المدني بأنه مجموعة من المنظمات والجمعيات غير الحكومية، أو ما يُعرف بالمنظمات الأهلية، التي تعمل باستقلال عن أجهزة الدولة، وتهدف إلى خدمة الصالح العام من خلال أنشطة تطوعية وغير ربحية.- وقد تبنّى البنك الدولي تعريفاً واسعاً له، نصّ فيه على أن المجتمع المدني يشير إلى مجموعة واسعة من المنظمات غير الحكومية وغير الربحية التي لها وجود في الحياة العامة، ص. 429-430).- ووفقاً لـ الغيلاني (2004)، يقوم المجتمع المدني على ثلاثة محددات أساسية:
- أنه جزء من المجتمع يضم مؤسسات مستقلة عن الدولة والعائلة والطبقة.- أنه يحافظ على استقلاله مع إمكانية التعاون والتفاعل مع الدولة.- أنه يمثل الفضاء الأوسع للعادات المدنية والسلوك المتحضر.ويعتمد المجتمع المدني على مبدأ التطوع والمبادرة الحرة، ولا يعد المجتمع المدني بديلاً عن الدولة، بل شريكاً أساسياً في تحقيق التنمية والديمقراطية، خاصة في ظل العولمة وتراجع أدوار الدولة التقليدية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. كما أصبح الانخراط في أنشطة المجتمع المدني تعبيراً عن المواطنة الفاعلة، وعن وعي الأفراد بمسؤولياتهم تجاه مجتمعاتهم، مما يجعله أحد ركائز الحكم الرشيد والتنمية المستدامة.تنبع معظم المفاهيم في العلوم الاجتماعية، من المفكرين والنظريات الكلاسيكية الرئيسية التي تم تداولها عبر العصور. تم تناول المفهوم بشكل مختلف باختلاف الاتجاهات والمناهج. وفيما يلي عرض لتناول كل مدخل.1) مدخل الدولة:
لا يميز مدخل الدولة في دراسة مفهوم المجتمع المدني بين الدولة والمجتمع المدني، يرى هذا المدخل أن الدور الرئيسي للدولة هو في الأساس حماية المجتمع. إن المصلحة الذاتية هي التي تحرك البشر بطرق عدة، وبالتالي، للقضاء على الفوضى، قامت الدولة بفرض نوع من النظام للحفاظ على المجتمع. بالنظر إلى تلك الأفكار، وبالتالي، تحول البشر من حالة الطبيعة الفوضوية إلى المجتمع المدني، وبناءً عليه، فإن المجتمع المدني هو الدولة.ويرى جان جاك روسو، من أهم مفكرين العقد الاجتماعي، وإنه من خلال هذا العقد يتم الاتفاق على الالتزامات المتبادلة بين الحكام والأفراد؛ يحق للأفراد استعادة حريتهم الطبيعية عند خرق هذا العقد؛ ويشير روسو أيضًا إلى أن المجتمع المدني هو الدولة التي انتقل إليها الأفراد من حالة الطبيعة.بالإضافة إلى ذلك، والحركات الاجتماعية. وهنا، وبالإشارة إلى هذه المجالات بمصطلح "المجتمع السياسي"، يشير دوركايم إلى أن المجال العام (أي الدولة) والمجال الخاص (أي الأسرة) لا ينفصلان.2) المدخل الاقتصادي:
بدأ العلماء في النظر إلى المجتمع المدني من منظور اقتصادي، أو بمعنى آخر، أصبح المجتمع المدني مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد. ويعد كارل ماركس من أهم المفكرين الذين أنشأوا رابطًا بين المجتمع المدني والاقتصاد. حيث اعتبر ماركس أن المجتمع المدني هو ظاهرة مرتبطة بنهضة الدولة الحديثة، فرأى أن المجتمع المدني هو ساحة للمنافسة الاقتصادية والصراع الطبقي وأداة لاستمرار واستغلال البرجوازية للبروليتاريا. وتشير أفكار ماركس إلى أن الدولة تقوم باستخدام أو استغلال المجتمع المدني لتدعيم سلطتها وتعزيز الرأسمالية. كما رفض ماركس فكرة وجود مؤسسات وسيطة بين الفرد والدولة. ويمكن القول إن هذه الأفكار كانت ذات أهمية في تشكيل ليس فقط السياسة الداخلية لبعض الدول ولكن أيضًا النظام الدولي ككل.ويمكن اعتبار أفكار كارل ماركس متداخلة لأنها تجمع بين عناصر كل من المدخل الاقتصادي ومدخل الدولة لمفهوم المجتمع المدني، في حين أنه يجادل أن المجتمع المدني يعد ساحة للصراع الطبقي والاقتصادي والسياسي تقوم الدولة باستغلاله. تنطوي فكرة جهاز الدولة على تصور أن الدولة تمتلك أداتين للحفاظ على الشرعية والسيطرة هما الإجبار والأيديولوجية.ومن ناحية أخرى، في عام 1981، طور آدم سميث المدخل الاقتصادي من خلال تعريف المجتمع المدني على أنه ليس سوى مجال للأنشطة الاقتصادية التي تشمل "المنافسة وتغير السوق". يشير سميث إلى المجتمع المدني على أنه "مجتمعات تجارية تامة".تأمين الحدود من التهديدات الخارجية.حماية الأفراد من الاعتداءات.وبذلك يقتصر سميث "دور الدولة في حماية المجتمع المدني لكي يصل إلى صناعة ثورة الأمة بذاته ويعزلها عن التدخل في الخصوصيات الاقتصادية". ومع ذلك، تم انتقاد اقتصار مفهوم المجتمع المدني على معنى أو مفهوم اقتصادي بحت من قبل مختلف العلماء.3) المدخل المجتمعي:
مع ظهور حركات اجتماعية مختلفة في الخمسينيات من القرن العشرين، خاصة الحركات القومية في دول العالم الثالث، بدأ العلماء والمفكرون في الابتعاد عن مدخل الدولة والمنظور الاقتصادي والتوجه إلى المدخل المجتمعي. بدأ العلماء في دراسة مفهوم المجتمع المدني باعتباره مجالاً خاصاً بحد ذاته، منفصلاً ومنعزلاً عن الدولة. "فالمجتمع المدني لا يعتبر نقيضاً للدولة أو بديلاً عنها بل إنه كيان مستقل عن سيطرة الدولة، وإن خضع للسيادة القمعية التي يقرها الرأي العام للمواطنين وليس من جانب أجهزة الدولة خاصة القمعية منها.بدأ هذا المنهج بأفكار أليكسيس دو توكفيل التي قدمت المجتمع المدني من منظور اجتماعي عن طريق ربطه بمفهوم الترابطية أو النقابية (Associationalism)، أي وجود جمعيات تطوعية تهدف إلى الحد من سلطة الدولة. لم يكتفِ دو توكفيل بربط مفهوم المجتمع المدني بالترابطية بل أيضًا أوضح أن وظيفة المجتمع المدني هي الحد من سلطة الدولة، مما يعني أن هناك تمييزًا وثنائية بين الجهتين.وقد أدى ذلك إلى إثارة نقاش علمي حول ما إذا كانت منظمات المجتمع المدني ملزمة بهدف الحد من سلطة الدولة أم لا. يتم تصور المجتمع المدني بشكل متزايد باعتباره مجالاً يجمع فيه عدد وافر من الجمعيات والأفراد سعيًا لتحقيق المصالح المشتركة. ويعرف هيرست مفهوم النقابية بأنها "إدارة أكبر قدر ممكن من شؤون المجتمع من خلال جمعيات طوعية تتمتع بالحكم الذاتي. لكنها تؤكد أن هذه الحرية لا يمكن متابعتها بفعالية إلا إذا انضم الأفراد إلى زملائهم. تعارض كل من الدولة وفردية السوق الحرة الخالصة في مبادئ المنظمات الاجتماعية.أما هيغل، وهو من أهم المفكرين الذين ناقشوا المجتمع المدني في كتابه "فلسفة الحق" (The Philosophy of Right)، والدولة، والمجتمع المدني؛ فيعرف هيغل المجتمع المدني بأنه "مجال الحياة الاجتماعية حيث يكون للأفراد الحرية في التطلع إلى مصالحهم الشخصية ضمن الحدود المتفق عليها عالميًا". وبناءً عليه، فإن تصوير هيغل للمجتمع المدني يمكن توضيحه من خلال الشكل التالي حيث يحدد لكل عنصر من العناصر الثلاثة:
الجزء الأول: الدولة - الجانب الأول من حياة الإنسان ذات الزوايا الثلاث، والذي يسعى إلى تحقيق المنفعة العامة.الجزء الثاني: الأسرة - الجانب الثاني من حياة الإنسان،الجزء الثالث: المجتمع المدني - يعمل هذا الجانب "كمجال اجتماعي بلا قيود على حق الفرد في المشاركة والتنشئة الاجتماعية والكسب". ناقش أنطونيو غرامشي المجتمع المدني بطريقة مختلفة بربطه بمفهوم الهيمنة. ومن وجهة نظر غرامشي، ولكن الهيمنة الحقيقية هي السيطرة الأخلاقية السياسية. وفي هذا السياق، تتحقق الدول الرأسمالية الهيمنة بالاعتماد على الإجبار - المتمثل في المجتمع السياسي - والتراضي - المتمثل في المجتمع المدني، ويقوم المجتمع المدني بدور الرقابة على المجتمع السياسي. وأضاف غرامشي: "إن مبدأ الفصل بين السلطات، هو نتاج للصراع بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وتتميز هذه الفترة بنوع من التوازن غير المستقر بين الطبقات.وفي عام 1996، نشر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس سلسلة من المقالات يلخص ويحلل فيها المثل العليا للديمقراطية. وفي مقال بارز بعنوان "بين الحقائق والمعايير: مساهمات في نظرية خطاب القانون والديمقراطية"، عرّف المجتمع المدني بأنه "مجال الإنتاج والتبادل، الذي يشكل جزءًا من المجال الخاص، وهو بالتأكيد يختلف عن الدولة. وهي بذات الوقت قادرة على تمثيل مصالحها أمام الدولة من خلال المجال العام.علاوة على ذلك، بل أكد آخرون مثل لاري دياموند أن المجتمع المدني مستقل عن النظام السياسي استقلالاً تامًا. وهنا، وبالأخص يشير لاري إلى الأحزاب السياسية. بالإضافة إلى ذلك، يضيف أن هيمنة النظام السياسي والأحزاب السياسية على المجتمع المدني يؤدي إلى فقدان الهدف الأساسي للمجتمع المدني ويعيق تلك المؤسسات عن القيام بدورها ويفقدها العديد من قدرتها.قام منظرو القرن العشرين مثل غابرييل ألموند وسيدني فيربا بالبناء على أفكار دو توكفيل وهيغل عن طريق الربط بين المجتمع المدني ودوره الهام في تحقيق الديمقراطية.كما أضافوا أن العنصر السياسي للعديد من منظمات المجتمع المدني له دور في زيادة الوعي المجتمعي، مما يؤدي إلى تكوين مجتمع قادر على اتخاذ قرارات سياسية بشكل أفضل، ودفع الحكومات إلى أن تكون أكثر مسؤولية. ومؤخرًا، أكد روبرت بوتنام أيضًا على أن المنظمات غير السياسية في المجتمع المدني تعتبر أساسية لتحقيق الديمقراطية لأنها تقوم ببناء رأس المال الاجتماعي والثقة والقيم المشتركة، والتي بدورها يتم توجيهها تدريجيًا إلى المجال السياسي. فهما يتلائمان عند نقطة توازن لا يحسبها سوى تطور المجتمع السياسي ومدى أخذه بالديمقراطية. عند هذه النقطة، لا يجور المجتمع المدني على سيادة الدولة ودورها القمعي، بحيث يصبح شكلاً غير حكومي وفي واقع الأمر أحد أجهزة الحكومة.وبذلك، فإن من المؤكد أن المداخل المذكورة أعلاه قد أضافت إلى تصور مفهوم المجتمع المدني. ولكن، بدأ العلماء في ربط المجتمع المدني بمجالات مختلفة كالاقتصاد. وعلى الرغم من ذلك، لم يتمكن العلماء من إنكار أهمية الاعتراف بالمجتمع المدني ككيان منفصل عن الدولة - حتى لو كان يُوظف داخل الدولة في بعض الأحيان.خامسًا:تعريفات المجتمع المدني
يعرف المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) المجتمع المدني بأنه: "مجموعة من البنى الفوقية مثل: النقابات والأحزاب والمدارس والجمعيات والصحافة والآداب والكنيسة".ويقابل المجتمع المدني لدى غرامشي المجتمع الرسمي أو ما يُسمى بسلطة الدولة.كما يعرفه المفكر الألماني يورغن هابرماس بقوله: "المجتمع المدني نسيج من الجمعيات والهيئات الاجتماعية التي تناقش الحلول الممكنة لبعض المشاكل المرتبطة بالمصلحة العامة".أما الدكتور سعد الدين إبراهيم فيعرفه بأنه: "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ الفراغ العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتآخي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والخلاف". وهو بذلك يقف على مسافة واحدة بين الدولة والسوق، وربما وسيطاً بينهما.وقد يختلف المجتمع المدني عن السوق بأنه يمثل مصالح المؤسسات التي لا تتوخى الربح، ويختلف عن الدولة بأنه لا يسعى إلى العمل السياسي والوصول إلى المناصب السياسية والإدارية العامة.وكون المجتمع المدني عملاً طوعياً وتطوعياً، فهناك من يعرفه على أنه عبارة عن مبادرات تطوعية وإرادية منظمة خارج الأسرة والدولة،وهناك من يعرفه على أنه: "الفضاء الجمعوي الخارج عن إطار العائلة والسوق والدولة ويضم المؤسسات الخاصة والتطوعية وغير الربحية والمستقلة عن الدولة والتي تدافع عن مصلحة مشتركة أو قيمة مشتركة أو تناصر قضية مشتركة". يمكن تعريف المجتمع المدني بأنه عبارة عن تشكلات اجتماعية منظمة وفاعلة تهدف، وبشكل طوعي وغير رسمي، إلى تحقيق الأهداف العامة للجماعة، عبر وسائل الحكم الرشيد ومن خلال أطر قانونية تضمن الشفافية وحرية التجمع.وعليه،سادسًا:تاريخ ظهور المفهوم في المنطقة العربية
من المعروف في الكتابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفلسفية أن المجتمع المدني لم يظهر في الغرب إلا مع الدولة الليبرالية التي دافعت عن الدولة واستوجبتها للخروج من حالة الطبيعة والفوضى والإقطاع عن طريق الاعتراف بحقوق الإنسان والملكية الخاصة والعلمانية. وقد دافعت عنه الكتابات الفلسفية، وخاصة كتابات جان جاك روسو التي أتت مناهضة للمجتمع الديني، فضلاً عن كتابات هيغل وأنطونيو غرامشي التي قدمت تصوراً إيديولوجياً للمجتمع المدني من خلال ربطه إما بالبورجوازية عند هيغل، وإما بالطبقة البروليتارية عند غرامشي.لم ينتقل مفهوم المجتمع المدني إلى المنطقة العربية إلا في السنوات المتأخرة من القرن العشرين بفعل انتشار الوعي العلمي والثقافي والمثاقفة مع الغرب والانفتاح الإعلامي.ومحاولة الدول العربية لتبني الديمقراطية والتيار الليبرالي وتكريس ثقافة حقوق الإنسان، وإرساء دولة الحق والقانون، خاصة بعد فشل الأنظمة الاشتراكية والتجارب السياسية اليسارية في جل الدول العربية.وذهب الأستاذ حبيب الجنحاني إلى أبعد من ذلك حينما أثبت بأن مفهوم المجتمع المدني دخيل على تراث الفكر السياسي العربي الإسلامي، ولم يبرز في الخطاب السياسي العربي إلا في العقود الأخيرة.واتسم عند ظهوره بسمات خاصة جعلته يختلف عن ميزات المفهوم في بيئته الأولى، ولم يتأثر المجتمع العربي الإسلامي بهذا المفهوم إلا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي رحل فيها بعض رواد الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي إلى أقطار أوروبية وسجلوا ما شاهدوه.ثانيًا نشأة وتطور المجتمع المدني:
شهد مفهوم المجتمع المدني تحولات عميقة منذ ظهوره الأول لدى هيغل ولوك وماركس وتوكفيل وغرامشي، وصولًا إلى توظيفاته المعاصرة. غير أن جوهره ظل قريبًا من المؤسسات المجتمعية التي يعمل الأفراد من خلالها خارج نطاق الدولة والسوق والمؤسسة الدينية.ظهر الاستخدام الأول للمفهوم بوصفه نقيضًا للطبيعة أو للمجتمع التقليدي – سواء كان مجتمعًا أبويًا، أو قبليًا، أو قائمًا على الحرية الأولى. وقد نشأ هذا الاستخدام في سياق تفكك النظام الإقطاعي والدولة ما بعد الإقطاعية القائمة على الشرعية الدينية أو العرفية، ومع تنامي الوعي بأن السياسة فعل بشري وصناعة اجتماعية، الأمر الذي أدى إلى بروز النظرية السياسية الحديثة. وهنا برزت الحاجة إلى مفهوم يعكس التوجه نحو ما سيُعرف بالسياسة المدنية، فقد كانت المجتمعات ما قبل الحديثة تقوم على ثلاث طبقات رئيسية: رجال الدين، والنبلاء والإقطاعيون،أما الاستخدام الثاني للمفهوم فقد نما في القرن التاسع عشر، ومع الثورة الصناعية، انتقل المجتمع الأوروبي من العلاقات الحرفية الصغيرة والعائلية، أو تلك التي تربط السيد بأقنانه، إلى مجتمع يقوم على التبادل والاعتماد المتبادل ونمط الاقتصاد السلعي القائم على التراكم الرأسمالي. أي بناء المجتمع المدني بصيغته الجديدة. وقد انشغل فلاسفة القرن التاسع عشر، وخصوصًا هيغل وماركس، بمعالجة هذه الإشكاليات النظرية.ثم ظهر الاستخدام الثالث على يد أنطونيو غرامشي في النصف الأول من القرن العشرين، وهو الذي ترك الأثر الأكبر في تطور المفهوم المعاصر. فقد طرح غرامشي مفهوم المجتمع المدني ضمن نظريته عن الهيمنة الطبقية، مقابل المجتمع السياسي أو الدولة التي تمارس السيطرة المباشرة.أما الاستخدام المعاصر للمفهوم فقد مر بثلاث مراحل رئيسية:
انفتاح القوى السياسية على المجتمع المدني بهدف ضخ روح جديدة في العمل السياسي ومنحه طابعًا شعبيًا، وذلك عبر إدماج ناشطين ومسؤولين من جمعيات خيرية وإنسانية في العمل الحكومي.المرحلة الثانية:
تشارك في إنجاز مهام تتراجع الدولة عن القيام بها. وفي الديمقراطيات الغربية، استُخدم هذا المفهوم لتبرير انسحاب الدولة من مسؤوليات كانت مكلفة في ظل التنافس الاقتصادي العالمي.صعود المجتمع المدني كقطب عالمي موازٍ للدولة، خصوصًا في مواجهة القوى التي تقود العولمة وتحاول إخضاع العالم لمنطق المصالح التجارية. وفي مقابل ذلك، برزت منظمات غير حكومية تسعى إلى حماية القيم الاجتماعية وترسيخ العدالة والمساواة، محاولةً بناء رؤية سياسية عالمية بديلة. وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في الغرب تطورت عبر خبرات طويلة من الاعتماد المتبادل بما يخدم مصالح الحضارة الغربية.يقوم الأساس التاريخي للمفهوم على ما يلي:
أولًا:
ارتكازه على قيم الحياة المدنية الحديثة، فانتقال الدين من المجال العام إلى المجال الخاص شكل خطوة أساسية في مسار التحرر السياسي، وفي رسم حدود العلاقة بين الدولة والمجتمع.ثانيًا:
قيام المجتمع المدني على احترام حقوق الإنسان، وعلى رأسها المشاركة السياسية والمساواة القانونية والحرية والملكية الخاصة والأمن. وهو مجتمع يقوم على القانون والنظام والملكية الخاصة، بخلاف الامتيازات التي كانت سائدة في النظام الإقطاعي.ثالثًا:
طبيعة المجتمع المدني القائمة على التعددية والاختلاف والتعارض بين الفئات والطبقات والجماعات، باعتبار الشعب مصدر السلطات،رابعًا:


النص الأصلي

المبحث الأول : ماهية المجتمع المدني العربي
يُعتبر المجتمع المدني من الركائز الأساسية لتحقيق التقدم والازدهار، وتفعيل التنمية البشرية الحقيقية.يُسمى هذا المجتمع بهذا الاسم لأنه يتخذ طابعاً اجتماعياً مدنياً وسلمياً، مستقلاً عن الدولة والحكومة وعن كل المؤسسات الرسمية والعسكرية. على الرغم من ذلك، فإنه يتكامل مع المؤسسات الحاكمة من خلال التنسيق والاستشارة والاقتراح. يجسد المجتمع المدني مظهراً من مظاهر الديمقراطية الحديثة التي ترتكز على الحرية والمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية، والإيمان بحقوق الإنسان. ولا يمكن للمجتمع المدني أن يعمل إلا في مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ويعمل على تثبيتها وتكريسها في جميع المجالات والأصعدة والمستويات. كما أن المجتمع المدني "من حيث المبدأ، نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى، وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات". ثم إن هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة.


أولًا:المفهوم اللغوي للمجتمع المدني



  1. التعريف اللغوي في اللغة العربية



  • لفظ "مجتمع": يُشتق من "اجتماع"، وهو مصدر ميمي يعني حدثًا (الاجتماع نفسه) أو اسم مكان/زمان (مثل "مجتمع القوم"، أي مكان أو وقت اجتماعهم). لا يحمل معنى "المجموعة" أو "الجماعة" المرتبطة برابطة اجتماعية كما في اللغات الأوروبية (مثل "société" أو "society"، التي تشير إلى عدد من الأفراد يشكلون كيانًا مترابطًا).

  • لفظ "مدني": يحيل إلى "المدينة" أو "الحاضرة"، مقابل "البادية" أو "البدوي" (قارن: بدو/حضر، بادية/مدينة). لذا، "المجتمع المدني" يُفهم كمقابل لـ"المجتمع البدوي"، ويُستخدم كمفهوم إجرائي لتحليل المجتمع العربي (مثلما فعل ابن خلدون بـ"الاجتماع الحضري" مقابل "الاجتماع البدوي").

  • المعنى العام: يُقابل "المجتمع القبلي"، حيث القبيلة هي المكون الأساسي في البادية العربية، مما يجعل "المجتمع المدني" يعبر عن انتقال من التنظيم القبلي إلى الحضري، مع اختلاف يصل إلى التضاد.



  1. التعريف اللغوي في اللغات الأوروبية



  • لفظ "Civil" (الذي يُترجم إلى "مدني"): يستبعد ثلاثة معان رئيسية هي أضداد له:

  • التوحش: مقابل "الشعوب البدائية/المتوحشة" (قارن: "الشعوب المتحضرة").

  • الإجرام: مقابل "جنائي" (قارن: "مدني" في مقابل "جنائي" في المحاكم).

  • الانتماء العسكري: مقابل "عسكري".

  • الانتماء الديني: مقابل "التعاليم الدينية" (قارن: "القوانين المدنية").

  • المعنى العام لـ"Civil Society": يشير إلى مجتمع متحضر، خالٍ من سلطة العسكر أو الكنيسة، ومرتبط بالتطورات التاريخية في أوروبا خلال القرنين 18 و19 (مثل الثورة الصناعية، التجارة، العلم، والانتقال من المجتمع الزراعي إلى الصناعي). يعبر عن انتصار "مدينة الأرض" على "مدينة السماء"، مع تعزيز الفردية، التبادل المصلحي، والتنظيمات مثل الشركات والنقابات.



  1. الفرق الرئيسي بين التعريفين والنقل إلى السياق العربي



  • الفارق اللغوي والثقافي: في العربية، يركز المفهوم على التمييز بين الحضري والبدوي/القبلي، بينما في الأوروبية، يركز على التحضر مقابل التوحش، الإجرام، العسكري، والديني. هذا يجعل النقل الحرفي مشكلة، حيث يرتبط المفهوم الأوروبي بتطورات تاريخية محددة (مثل الثورة الصناعية والديمقراطية) غير موجودة في المجتمع العربي، الذي يحتفظ بالقبيلة كمكون أساسي.
    ثانيًا:المفهوم الاصطلاحي للمجتمع المدني
    تعددت التعريفات الاصطلاحية للمجتمع المدني وتنوعت باختلاف المدارس الفكرية التي تناولته، إلا أن أغلبها يتفق على أنه مجال اجتماعي مستقل عن الدولة، يضم المنظمات والأنشطة التي تنشأ بإرادة الأفراد الحرة، وتعمل لتحقيق مصالح عامة أو خاصة في إطار من القيم المدنية.

  • وعرّفه وائل السواح (2014) بأنه مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات السلطة، وتهدف إلى تحقيق مصالح الأفراد أو تقديم خدمات للمواطنين أو ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، ملتزمة في وجودها ونشاطها بقيم الاحترام والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.

  • بينما يرى العيد (2005) أن المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تعمل لتحقيق مصالح أفرادها في المجال العام، وتتميز بالاستقلالية عن إشراف الدولة المباشر.

  • ويضيف الجنحاني (1999) أن المجتمع المدني يتميز بالتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية والعمل التطوعي والحماسة لخدمة المصلحة العامة والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة.

  • أما محمد عابد الجابري (2005) فيعتبره واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً يتشكل تدريجياً مع التحول الديمقراطي.

  • وترجع الجذور التاريخية للمفهوم إلى الفكر الإغريقي القديم، إذ استخدم أرسطو مصطلح المجتمع المدني (Politeia Koinonia) للدلالة على مجتمع المواطنة الذي يجتمع فيه الأحرار لتنظيم شؤونهم العامة.

  • كما تبنى الرومان هذا المعنى في تعبير societas civilis الذي يشير إلى تجمع الأفراد الأحرار الذين يتخذون قراراتهم بصورة جماعية دون هيمنة سلطة عليا.

  • وفي العصر الحديث، برز المفهوم مع فلاسفة العقد الاجتماعي مثل جون لوك ومونتسكيو، اللذين أكدا أن المجتمع المدني هو الفضاء الذي يعيش فيه المواطنون أحراراً ومستقلين، ويتمتعون فيه بحقوقهم في التعبير والمشاركة وتأسيس الجمعيات.

  • أما هيغل فقد نظر إليه بوصفه الحيز الاجتماعي الذي يقع بين الأسرة والدولة، ويضم العلاقات الاقتصادية والمصالح الفردية المنظمة قانونياً.

  • في حين اعتبر ماركس المجتمع المدني مجالاً للصراع الطبقي ومصدراً للبنية الاقتصادية التي تحدد طبيعة الدولة.

  • وجاء أنطونيو غرامشي ليُحدث تحولاً في الفهم الماركسي، فاعتبر المجتمع المدني جزءاً من البنية الفوقية ومجالاً للتنافس الأيديولوجي والثقافي، حيث تتبلور فيه الأفكار والقيم التي تشكل الوعي الجمعي.

  • أما ألكسيس دو توكفيل فقد ركّز على البُعد العملي للمفهوم، معتبراً أن الجمعيات المدنية والنوادي التطوعية التي ينخرط فيها المواطنون تمثل ضمانة أساسية للحريات السياسية والديمقراطية.

  • وفي الفكر العربي الحديث، تطور المفهوم ليعكس تفاعل الفكر العربي مع التجربة الغربية من جهة، والواقع المحلي من جهة أخرى.

  • فقد رأى بعض الباحثين، مثل الفضيل (2000)، أن المجتمع المدني يشمل جميع البنى والمؤسسات التي تتوسط بين الأسرة والدولة، سواء كانت تقليدية أو حديثة.

  • بينما حصره آخرون، مثل الجابري (1993)، في التنظيمات الحديثة غير الحكومية وغير الإرثية التي تنشأ لخدمة المصالح المشتركة لأعضائها ضمن إطار من الديمقراطية واحترام الحقوق.

  • أما صادق العظم (1995) فقد عدّه مجموعة من القوى والتنظيمات التي تعمل على تقييد سلطة الدولة ومراقبتها والحد من تدخلها في حياة المجتمع.

  • ومن خلال هذا التنوع في التعريفات، يمكن استخلاص العناصر الأساسية التي تميز المجتمع المدني، وهي:

  • الطوعية في الانخراط داخل مؤسساته دون أي شكل من أشكال الإكراه.

  • الاستقلال النسبي عن الدولة من حيث التمويل والتنظيم والإدارة.

  • الالتزام بالقيم المدنية كالاحترام المتبادل، والتسامح، والتعاون، والمشاركة.

  • التعدد المؤسسي الذي يشمل النقابات، الجمعيات، المنظمات المهنية والثقافية والخيرية.

  • الارتباط بالديمقراطية ودولة القانون بوصفها البيئة التي تضمن حريته وفعاليته.


ثالثًا:التحديد الإجرائي لمفهوم المجتمع المدني



  • يقصد بالتحديد الإجرائي للمجتمع المدني تحديده من منظور عملي تطبيقي، أي بيان خصائصه ووظائفه كما تظهر في الواقع. وفي هذا الإطار، يُعرّف المجتمع المدني بأنه مجموعة من المنظمات والجمعيات غير الحكومية، أو ما يُعرف بالمنظمات الأهلية، التي تعمل باستقلال عن أجهزة الدولة، وتهدف إلى خدمة الصالح العام من خلال أنشطة تطوعية وغير ربحية.

  • وقد تبنّى البنك الدولي تعريفاً واسعاً له، نصّ فيه على أن المجتمع المدني يشير إلى مجموعة واسعة من المنظمات غير الحكومية وغير الربحية التي لها وجود في الحياة العامة، وتعبّر عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية (سبيلا والهرموزي، 2017، ص. 429-430).

  • ووفقاً لـ الغيلاني (2004)، يقوم المجتمع المدني على ثلاثة محددات أساسية:

  • أنه جزء من المجتمع يضم مؤسسات مستقلة عن الدولة والعائلة والطبقة.

  • أنه يحافظ على استقلاله مع إمكانية التعاون والتفاعل مع الدولة.

  • أنه يمثل الفضاء الأوسع للعادات المدنية والسلوك المتحضر.
    ويعتمد المجتمع المدني على مبدأ التطوع والمبادرة الحرة، حيث يشارك الأفراد في أنشطة اجتماعية واقتصادية وثقافية متنوعة تسهم في التنمية الشاملة. ولا يعد المجتمع المدني بديلاً عن الدولة، بل شريكاً أساسياً في تحقيق التنمية والديمقراطية، خاصة في ظل العولمة وتراجع أدوار الدولة التقليدية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. كما أصبح الانخراط في أنشطة المجتمع المدني تعبيراً عن المواطنة الفاعلة، وعن وعي الأفراد بمسؤولياتهم تجاه مجتمعاتهم، مما يجعله أحد ركائز الحكم الرشيد والتنمية المستدامة.


رابعًا:مداخل مفهوم المجتمع المدني
تنبع معظم المفاهيم في العلوم الاجتماعية، وخاصة العلوم السياسية، من المفكرين والنظريات الكلاسيكية الرئيسية التي تم تداولها عبر العصور. وفي حالة المجتمع المدني، تم تناول المفهوم بشكل مختلف باختلاف الاتجاهات والمناهج. ولأغراض البحث، تم تصنيف مداخل مفهوم المجتمع المدني إلى ثلاثة مداخل رئيسية لتعريفه بشكل دقيق، وهي: مدخل الدولة، والمدخل الاقتصادي، والمدخل المجتمعي. وفيما يلي عرض لتناول كل مدخل.


(1) مدخل الدولة:
لا يميز مدخل الدولة في دراسة مفهوم المجتمع المدني بين الدولة والمجتمع المدني، فاستنادًا إلى أفكار المفكرين الكلاسيكيين مثل توماس هوبز وجون لوك، يرى هذا المدخل أن الدور الرئيسي للدولة هو في الأساس حماية المجتمع. بمعنى آخر، إن المصلحة الذاتية هي التي تحرك البشر بطرق عدة، وإذا ما تركوا لطبيعتهم، فإن هذا سيؤدي في النهاية إلى الفوضى. وبالتالي، للقضاء على الفوضى، قامت الدولة بفرض نوع من النظام للحفاظ على المجتمع. بالنظر إلى تلك الأفكار، يرى مدخل الدولة أن "المجتمع المدني مرادف للدولة: أي أن للسلطة العامة (الدولة) والمواطنين التزامات متبادلة حيث يخضع المواطنون للسلطة بينما تضمن السلطة حقوقهم الأساسية"؛ مما يعكس مفهوم العقد الاجتماعي أو Social Contract. وبالتالي، وفقًا لمدخل الدولة، تحول البشر من حالة الطبيعة الفوضوية إلى المجتمع المدني، وبناءً عليه، فإن المجتمع المدني هو الدولة.
ويرى جان جاك روسو، من أهم مفكرين العقد الاجتماعي، أن العقد الاجتماعي كان شرطًا مسبقًا ضروريًا لتجاوز حالة الطبيعة الفوضوية. وإنه من خلال هذا العقد يتم الاتفاق على الالتزامات المتبادلة بين الحكام والأفراد؛ ومع ذلك، يحق للأفراد استعادة حريتهم الطبيعية عند خرق هذا العقد؛ وهنا يشير إلى شرعية الدولة. ويشير روسو أيضًا إلى أن المجتمع المدني هو الدولة التي انتقل إليها الأفراد من حالة الطبيعة.
بالإضافة إلى ذلك، أضاف إميل دوركايم إلى مدخل الدولة مدعومًا أن المجتمع المدني يتكون من مجالات لها أفكارها وممارساتها المتفردة، وتشمل هذه المجالات المجال العام الذي يشير إلى الدولة، والأسرة، والجمعيات التطوعية، والحركات الاجتماعية. وهنا، وبالإشارة إلى هذه المجالات بمصطلح "المجتمع السياسي"، يشير دوركايم إلى أن المجال العام (أي الدولة) والمجال الخاص (أي الأسرة) لا ينفصلان.


(2) المدخل الاقتصادي:
انطلاقًا من الظروف الاقتصادية الناتجة عن الحرب العالمية الأولى وصعود الاتحاد السوفيتي، بدأ العلماء في النظر إلى المجتمع المدني من منظور اقتصادي، أو بمعنى آخر، أصبح المجتمع المدني مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد. ويعد كارل ماركس من أهم المفكرين الذين أنشأوا رابطًا بين المجتمع المدني والاقتصاد. حيث اعتبر ماركس أن المجتمع المدني هو ظاهرة مرتبطة بنهضة الدولة الحديثة، فرأى أن المجتمع المدني هو ساحة للمنافسة الاقتصادية والصراع الطبقي وأداة لاستمرار واستغلال البرجوازية للبروليتاريا. وتشير أفكار ماركس إلى أن الدولة تقوم باستخدام أو استغلال المجتمع المدني لتدعيم سلطتها وتعزيز الرأسمالية. كما رفض ماركس فكرة وجود مؤسسات وسيطة بين الفرد والدولة. ويمكن القول إن هذه الأفكار كانت ذات أهمية في تشكيل ليس فقط السياسة الداخلية لبعض الدول ولكن أيضًا النظام الدولي ككل.
ويمكن اعتبار أفكار كارل ماركس متداخلة لأنها تجمع بين عناصر كل من المدخل الاقتصادي ومدخل الدولة لمفهوم المجتمع المدني، في حين أنه يجادل أن المجتمع المدني يعد ساحة للصراع الطبقي والاقتصادي والسياسي تقوم الدولة باستغلاله.
قام لويس ألتوسر بالإضافة إلى المدخل الاقتصادي من خلال طرح فكرة "جهاز الدولة الأيديولوجي" في عام 1971. تنطوي فكرة جهاز الدولة على تصور أن الدولة تمتلك أداتين للحفاظ على الشرعية والسيطرة هما الإجبار والأيديولوجية. وبالنسبة لألتوسر، تقوم الدولة باستغلال المجتمع المدني كجزء من الأداة الأيديولوجية لإجازة سلطة الدولة وعدم المساواة الطبقية.
ومن ناحية أخرى، في عام 1981، طور آدم سميث المدخل الاقتصادي من خلال تعريف المجتمع المدني على أنه ليس سوى مجال للأنشطة الاقتصادية التي تشمل "المنافسة وتغير السوق". يشير سميث إلى المجتمع المدني على أنه "مجتمعات تجارية تامة". يمارس الأفراد فيها حرية التطلع والمصلحة الذاتية. ويلخص سميث دور الدولة في ثلاث نقاط:
تأمين الحدود من التهديدات الخارجية.
حماية الأفراد من الاعتداءات.
إدارة الأعمال والمعاهدات التي لا يقدر الفرد على إدارتها.
وبذلك يقتصر سميث "دور الدولة في حماية المجتمع المدني لكي يصل إلى صناعة ثورة الأمة بذاته ويعزلها عن التدخل في الخصوصيات الاقتصادية". ومع ذلك، تم انتقاد اقتصار مفهوم المجتمع المدني على معنى أو مفهوم اقتصادي بحت من قبل مختلف العلماء.


(3) المدخل المجتمعي:
مع ظهور حركات اجتماعية مختلفة في الخمسينيات من القرن العشرين، خاصة الحركات القومية في دول العالم الثالث، بدأ العلماء والمفكرون في الابتعاد عن مدخل الدولة والمنظور الاقتصادي والتوجه إلى المدخل المجتمعي. فبدلاً من رؤية المجتمع المدني على أنه مرتبط بالدولة أو جزء منها، بدأ العلماء في دراسة مفهوم المجتمع المدني باعتباره مجالاً خاصاً بحد ذاته، منفصلاً ومنعزلاً عن الدولة. "فالمجتمع المدني لا يعتبر نقيضاً للدولة أو بديلاً عنها بل إنه كيان مستقل عن سيطرة الدولة، وإن خضع للسيادة القمعية التي يقرها الرأي العام للمواطنين وليس من جانب أجهزة الدولة خاصة القمعية منها."
بدأ هذا المنهج بأفكار أليكسيس دو توكفيل التي قدمت المجتمع المدني من منظور اجتماعي عن طريق ربطه بمفهوم الترابطية أو النقابية (Associationalism)، أي وجود جمعيات تطوعية تهدف إلى الحد من سلطة الدولة. لم يكتفِ دو توكفيل بربط مفهوم المجتمع المدني بالترابطية بل أيضًا أوضح أن وظيفة المجتمع المدني هي الحد من سلطة الدولة، مما يعني أن هناك تمييزًا وثنائية بين الجهتين.
وقد أدى ذلك إلى إثارة نقاش علمي حول ما إذا كانت منظمات المجتمع المدني ملزمة بهدف الحد من سلطة الدولة أم لا. يتم تصور المجتمع المدني بشكل متزايد باعتباره مجالاً يجمع فيه عدد وافر من الجمعيات والأفراد سعيًا لتحقيق المصالح المشتركة. ويعرف هيرست مفهوم النقابية بأنها "إدارة أكبر قدر ممكن من شؤون المجتمع من خلال جمعيات طوعية تتمتع بالحكم الذاتي. كما تمنح الترابطية الأولوية للحرية، لكنها تؤكد أن هذه الحرية لا يمكن متابعتها بفعالية إلا إذا انضم الأفراد إلى زملائهم. وبذلك، تعارض كل من الدولة وفردية السوق الحرة الخالصة في مبادئ المنظمات الاجتماعية."
أما هيغل، وهو من أهم المفكرين الذين ناقشوا المجتمع المدني في كتابه "فلسفة الحق" (The Philosophy of Right)، فقد قام هيغل بالتمييز الواضح بين الدولة والمجتمع المدني. كما يشير إلى أن حياة الإنسان يمكن أن تقسم إلى ثلاثة أجزاء: الأسرة، والدولة، والمجتمع المدني؛ حيث يكون المجتمع المدني وسيطًا بين الدولة والأسرة. فيعرف هيغل المجتمع المدني بأنه "مجال الحياة الاجتماعية حيث يكون للأفراد الحرية في التطلع إلى مصالحهم الشخصية ضمن الحدود المتفق عليها عالميًا". وبناءً عليه، فإن تصوير هيغل للمجتمع المدني يمكن توضيحه من خلال الشكل التالي حيث يحدد لكل عنصر من العناصر الثلاثة:
الجزء الأول: الدولة - الجانب الأول من حياة الإنسان ذات الزوايا الثلاث، والذي يسعى إلى تحقيق المنفعة العامة.
الجزء الثاني: الأسرة - الجانب الثاني من حياة الإنسان، والذي يسعى لتحقيق المصالح الشخصية.
الجزء الثالث: المجتمع المدني - يعمل هذا الجانب "كمجال اجتماعي بلا قيود على حق الفرد في المشاركة والتنشئة الاجتماعية والكسب".
بالإضافة إلى ذلك، ناقش أنطونيو غرامشي المجتمع المدني بطريقة مختلفة بربطه بمفهوم الهيمنة. ومن وجهة نظر غرامشي، ليست الهيمنة مجرد مسألة السيطرة الاقتصادية - المؤسسية، ولكن الهيمنة الحقيقية هي السيطرة الأخلاقية السياسية. وفي هذا السياق، تتحقق الدول الرأسمالية الهيمنة بالاعتماد على الإجبار - المتمثل في المجتمع السياسي - والتراضي - المتمثل في المجتمع المدني، ويقوم المجتمع المدني بدور الرقابة على المجتمع السياسي. وأضاف غرامشي: "إن مبدأ الفصل بين السلطات، وكل ما أثاره تطبيقه من مناقشات وما تمخض عنه من مذاهب قانونية، هو نتاج للصراع بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، في فترة تاريخية محددة، وتتميز هذه الفترة بنوع من التوازن غير المستقر بين الطبقات."
وفي عام 1996، نشر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس سلسلة من المقالات يلخص ويحلل فيها المثل العليا للديمقراطية. وفي مقال بارز بعنوان "بين الحقائق والمعايير: مساهمات في نظرية خطاب القانون والديمقراطية"، عرّف المجتمع المدني بأنه "مجال الإنتاج والتبادل، الذي يشكل جزءًا من المجال الخاص، وهو بالتأكيد يختلف عن الدولة. إذ يشمل المؤسسات الاجتماعية والأهلية بشكل خاص، وهي بذات الوقت قادرة على تمثيل مصالحها أمام الدولة من خلال المجال العام."
علاوة على ذلك، لم يبرز العلماء فقط الفصل بين الدولة والمجتمع المدني، بل أكد آخرون مثل لاري دياموند أن المجتمع المدني مستقل عن النظام السياسي استقلالاً تامًا. وهنا، وبالأخص يشير لاري إلى الأحزاب السياسية. بالإضافة إلى ذلك، يضيف أن هيمنة النظام السياسي والأحزاب السياسية على المجتمع المدني يؤدي إلى فقدان الهدف الأساسي للمجتمع المدني ويعيق تلك المؤسسات عن القيام بدورها ويفقدها العديد من قدرتها.
قام منظرو القرن العشرين مثل غابرييل ألموند وسيدني فيربا بالبناء على أفكار دو توكفيل وهيغل عن طريق الربط بين المجتمع المدني ودوره الهام في تحقيق الديمقراطية.كما أضافوا أن العنصر السياسي للعديد من منظمات المجتمع المدني له دور في زيادة الوعي المجتمعي، مما يؤدي إلى تكوين مجتمع قادر على اتخاذ قرارات سياسية بشكل أفضل، وعلى المشاركة في العملية السياسية، ودفع الحكومات إلى أن تكون أكثر مسؤولية. ومؤخرًا، أكد روبرت بوتنام أيضًا على أن المنظمات غير السياسية في المجتمع المدني تعتبر أساسية لتحقيق الديمقراطية لأنها تقوم ببناء رأس المال الاجتماعي والثقة والقيم المشتركة، والتي بدورها يتم توجيهها تدريجيًا إلى المجال السياسي.
"إن العلاقة بين المجتمع المدني والدولة هي علاقة توفيقية، فهما يتلائمان عند نقطة توازن لا يحسبها سوى تطور المجتمع السياسي ومدى أخذه بالديمقراطية. عند هذه النقطة، لا يجور المجتمع المدني على سيادة الدولة ودورها القمعي، ولا تجور الدولة على المجتمع المدني بظن أنها تبسط نفوذها ما عليه بقصد النصيحة والتوجيه، بحيث يصبح شكلاً غير حكومي وفي واقع الأمر أحد أجهزة الحكومة."
وبذلك، فإن من المؤكد أن المداخل المذكورة أعلاه قد أضافت إلى تصور مفهوم المجتمع المدني. فيعد مدخل الدولة للمجتمع المدني مهمًا لأنه يرى المجتمع المدني وخصائصه ووظائفه في نطاق مظلة الدولة فقط، فكان بمثابة نقطة البداية التي انطلق منها المفكرون الكلاسيكيون في تكوين المفهوم. ولكن، مع تقدم المجتمع وتطوره، بدأ العلماء في ربط المجتمع المدني بمجالات مختلفة كالاقتصاد. وفي ذلك الوقت، عكس هذا الارتباط الصراع الأيديولوجي أو الجدال بين الماركسية والليبرالية والرأسمالية. وعلى الرغم من ذلك، وبحلول القرن العشرين، لم يتمكن العلماء من إنكار أهمية الاعتراف بالمجتمع المدني ككيان منفصل عن الدولة - حتى لو كان يُوظف داخل الدولة في بعض الأحيان.


خامسًا:تعريفات المجتمع المدني
يعرف المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) المجتمع المدني بأنه: "مجموعة من البنى الفوقية مثل: النقابات والأحزاب والمدارس والجمعيات والصحافة والآداب والكنيسة".
ويقابل المجتمع المدني لدى غرامشي المجتمع الرسمي أو ما يُسمى بسلطة الدولة.
كما يعرفه المفكر الألماني يورغن هابرماس بقوله: "المجتمع المدني نسيج من الجمعيات والهيئات الاجتماعية التي تناقش الحلول الممكنة لبعض المشاكل المرتبطة بالمصلحة العامة".
أما الدكتور سعد الدين إبراهيم فيعرفه بأنه: "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ الفراغ العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتآخي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والخلاف".
ويعرفه لاري دياموند بصفته القطاع الثالث في مثلث الدولة والسوق والمجتمع، وهو بذلك يقف على مسافة واحدة بين الدولة والسوق، وربما وسيطاً بينهما.
وقد يختلف المجتمع المدني عن السوق بأنه يمثل مصالح المؤسسات التي لا تتوخى الربح، ويختلف عن الدولة بأنه لا يسعى إلى العمل السياسي والوصول إلى المناصب السياسية والإدارية العامة.
وكون المجتمع المدني عملاً طوعياً وتطوعياً، فهناك من يعرفه على أنه عبارة عن مبادرات تطوعية وإرادية منظمة خارج الأسرة والدولة، وهي مبادرات غير ربحية وتستهدف الصالح العام.
وهناك من يعرفه على أنه: "الفضاء الجمعوي الخارج عن إطار العائلة والسوق والدولة ويضم المؤسسات الخاصة والتطوعية وغير الربحية والمستقلة عن الدولة والتي تدافع عن مصلحة مشتركة أو قيمة مشتركة أو تناصر قضية مشتركة".
في هذا السياق، يمكن تعريف المجتمع المدني بأنه عبارة عن تشكلات اجتماعية منظمة وفاعلة تهدف، وبشكل طوعي وغير رسمي، إلى تحقيق الأهداف العامة للجماعة، عبر وسائل الحكم الرشيد ومن خلال أطر قانونية تضمن الشفافية وحرية التجمع.
وعليه، فالمجتمع المدني عبارة عن هيئات مدنية حرة تقوم بأعمال تطوعية اختيارية لصالح الإنسان بتنسيق مع الدولة أو في استقلال عنها من أجل تحقيق التنمية الشاملة.
سادسًا:تاريخ ظهور المفهوم في المنطقة العربية
من المعروف في الكتابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفلسفية أن المجتمع المدني لم يظهر في الغرب إلا مع الدولة الليبرالية التي دافعت عن الدولة واستوجبتها للخروج من حالة الطبيعة والفوضى والإقطاع عن طريق الاعتراف بحقوق الإنسان والملكية الخاصة والعلمانية. وقد دافعت عنه الكتابات الفلسفية، وخاصة كتابات جان جاك روسو التي أتت مناهضة للمجتمع الديني، فضلاً عن كتابات هيغل وأنطونيو غرامشي التي قدمت تصوراً إيديولوجياً للمجتمع المدني من خلال ربطه إما بالبورجوازية عند هيغل، وإما بالطبقة البروليتارية عند غرامشي.
لم ينتقل مفهوم المجتمع المدني إلى المنطقة العربية إلا في السنوات المتأخرة من القرن العشرين بفعل انتشار الوعي العلمي والثقافي والمثاقفة مع الغرب والانفتاح الإعلامي.
ومحاولة الدول العربية لتبني الديمقراطية والتيار الليبرالي وتكريس ثقافة حقوق الإنسان، وإرساء دولة الحق والقانون، خاصة بعد فشل الأنظمة الاشتراكية والتجارب السياسية اليسارية في جل الدول العربية.
وذهب الأستاذ حبيب الجنحاني إلى أبعد من ذلك حينما أثبت بأن مفهوم المجتمع المدني دخيل على تراث الفكر السياسي العربي الإسلامي، ولم يبرز في الخطاب السياسي العربي إلا في العقود الأخيرة.
واتسم عند ظهوره بسمات خاصة جعلته يختلف عن ميزات المفهوم في بيئته الأولى، ولم يتأثر المجتمع العربي الإسلامي بهذا المفهوم إلا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي رحل فيها بعض رواد الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي إلى أقطار أوروبية وسجلوا ما شاهدوه.


ثانيًا نشأة وتطور المجتمع المدني:
شهد مفهوم المجتمع المدني تحولات عميقة منذ ظهوره الأول لدى هيغل ولوك وماركس وتوكفيل وغرامشي، وصولًا إلى توظيفاته المعاصرة. وقد تباينت دلالاته بتباين البيئات الفكرية والسياسية والاقتصادية التي استخدمته، غير أن جوهره ظل قريبًا من المؤسسات المجتمعية التي يعمل الأفراد من خلالها خارج نطاق الدولة والسوق والمؤسسة الدينية.
ظهر الاستخدام الأول للمفهوم بوصفه نقيضًا للطبيعة أو للمجتمع التقليدي – سواء كان مجتمعًا أبويًا، أو قبليًا، أو قائمًا على الحرية الأولى. وقد نشأ هذا الاستخدام في سياق تفكك النظام الإقطاعي والدولة ما بعد الإقطاعية القائمة على الشرعية الدينية أو العرفية، ومع تنامي الوعي بأن السياسة فعل بشري وصناعة اجتماعية، الأمر الذي أدى إلى بروز النظرية السياسية الحديثة. وهنا برزت الحاجة إلى مفهوم يعكس التوجه نحو ما سيُعرف بالسياسة المدنية، أي السياسة التي تعبّر عن حقيقة الإنسان وطبيعة انتظامه الاجتماعي، مقابل السياسة التي كانت سائدة في العصور الوسطى المرتبطة بالدين والتراتبية الأرستقراطية. فقد كانت المجتمعات ما قبل الحديثة تقوم على ثلاث طبقات رئيسية: رجال الدين، والنبلاء والإقطاعيون، ثم عامة الشعب.
أما الاستخدام الثاني للمفهوم فقد نما في القرن التاسع عشر، بعد أن أصبحت السياسة تعاقدية وألغيت البُنى الهرمية القديمة. ومع الثورة الصناعية، انتقل المجتمع الأوروبي من العلاقات الحرفية الصغيرة والعائلية، أو تلك التي تربط السيد بأقنانه، إلى مجتمع يقوم على التبادل والاعتماد المتبادل ونمط الاقتصاد السلعي القائم على التراكم الرأسمالي. هذا التحول فرض إعادة بناء العلاقات الاجتماعية بالتوازي مع الدولة الحديثة، أي بناء المجتمع المدني بصيغته الجديدة. وقد انشغل فلاسفة القرن التاسع عشر، وخصوصًا هيغل وماركس، بمعالجة هذه الإشكاليات النظرية.


ثم ظهر الاستخدام الثالث على يد أنطونيو غرامشي في النصف الأول من القرن العشرين، وهو الذي ترك الأثر الأكبر في تطور المفهوم المعاصر. فقد طرح غرامشي مفهوم المجتمع المدني ضمن نظريته عن الهيمنة الطبقية، معتبرًا أن المجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه الهيمنة الاجتماعية عبر المثقفين والثقافة، مقابل المجتمع السياسي أو الدولة التي تمارس السيطرة المباشرة.
أما الاستخدام المعاصر للمفهوم فقد مر بثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى:
انفتاح القوى السياسية على المجتمع المدني بهدف ضخ روح جديدة في العمل السياسي ومنحه طابعًا شعبيًا، وذلك عبر إدماج ناشطين ومسؤولين من جمعيات خيرية وإنسانية في العمل الحكومي.
المرحلة الثانية:
التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة، تشارك في إنجاز مهام تتراجع الدولة عن القيام بها. وقد برز هذا الاستخدام مع صعود العولمة وانتقال العديد من المجتمعات نحو أنماط إدارة تعتمد على المجتمع نفسه. وفي الديمقراطيات الغربية، استُخدم هذا المفهوم لتبرير انسحاب الدولة من مسؤوليات كانت مكلفة في ظل التنافس الاقتصادي العالمي.
المرحلة الثالثة:
صعود المجتمع المدني كقطب عالمي موازٍ للدولة، خصوصًا في مواجهة القوى التي تقود العولمة وتحاول إخضاع العالم لمنطق المصالح التجارية. وفي مقابل ذلك، برزت منظمات غير حكومية تسعى إلى حماية القيم الاجتماعية وترسيخ العدالة والمساواة، محاولةً بناء رؤية سياسية عالمية بديلة.
يتبيّن من ذلك أن المفهوم ابن بيئته التاريخية والاجتماعية، وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في الغرب تطورت عبر خبرات طويلة من الاعتماد المتبادل بما يخدم مصالح الحضارة الغربية.
يقوم الأساس التاريخي للمفهوم على ما يلي:
أولًا:
ارتكازه على قيم الحياة المدنية الحديثة، خصوصًا التحرر السياسي والفصل بين الإنسان الديني والإنسان المدني. فانتقال الدين من المجال العام إلى المجال الخاص شكل خطوة أساسية في مسار التحرر السياسي، وفي رسم حدود العلاقة بين الدولة والمجتمع.


ثانيًا:
قيام المجتمع المدني على احترام حقوق الإنسان، وعلى رأسها المشاركة السياسية والمساواة القانونية والحرية والملكية الخاصة والأمن. فالحرية الفردية هي الركيزة الأساسية للمجتمع المدني، وهو مجتمع يقوم على القانون والنظام والملكية الخاصة، بخلاف الامتيازات التي كانت سائدة في النظام الإقطاعي.
ثالثًا:
طبيعة المجتمع المدني القائمة على التعددية والاختلاف والتعارض بين الفئات والطبقات والجماعات، وهو اختلاف يشكل جزءًا أساسيًا من حركة التاريخ وقوانينه. فالمجتمع المدني هو أيضًا فضاء المشاركة السياسية حيث يمارس المواطنون حقوقهم عبر الانتخابات والتمثيل، باعتبار الشعب مصدر السلطات، وهو مبدأ لا يتحقق إلا في ظل الديمقراطية.
رابعًا:
أن جذور المجتمع المدني قديمة ومتجذرة في الحضارات اليونانية والرومانية والعربية في العهدين الأموي والعباسي، وفي الحضارة الصينية وغيرها، وقد ترافق وجوده مع تنوع تاريخي وثقافي كبير.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

المبحث الأول: م...

المبحث الأول: ماهي حوادث العمل وتصنيفاتها المطلب الأول: مفهوم حوادث العمل يُعد تحديد مفهوم حوادث ا...

لقد حظي موضوع ا...

لقد حظي موضوع الشخصية بالقسط الأوفر من الدراسة في المجالين الأدبي والنقدي. إذ ورد حضورها على المستوى...

وفي ختام ندوتنا...

وفي ختام ندوتنا والتي بعنوان "بيئة مستدامة: أمان للأجبال القادمة"، يمكننا تلخيص ما قد تم تناوله في ا...

First of all it...

First of all it gives businesses to get customer satisfaction feedback on the products and services ...

أفادت مصادر محل...

أفادت مصادر محلية في وادي حضرموت بوقوع انفجارات عنيفة فجر اليوم داخل محيط معسكر المنطقة العسكرية الأ...

فقال سعد: اللهم...

فقال سعد: اللهم اكفني يده ولسانه، فقطعت يده وبكم لسانه. ولما عزل عمر أبا موسى الأشعري عن البصرة وشا...

في النيجر، تظل ...

في النيجر، تظل الزراعة ركيزة الاقتصاد وهي في توسع مستمر مع وجود غالبية السكان في الريف، ويوفر القطاع...

بعد هذه الفضيحه...

بعد هذه الفضيحه التاريخيه والعالميه في بمناسبه افتتاح كاس العالم في الولايات المتحده الامريكيه وما ج...

يعد توصيل الأدو...

يعد توصيل الأدوية المهمة في الوقت الانسب بكفاءة بمثابة لغز معقد في مجال توصيل الأدوية. يتطلب التغلب ...

הדילמה כוללת הת...

הדילמה כוללת התנגשות בין מספר ערכים מקצועיים: שמירה על סודיות מקצועית ואמון. אחריות מקצועית לשלומה ...

حسن السياسة وإق...

حسن السياسة وإقامة المملكة كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته. فك...

ConspiracyTheor...

ConspiracyTheory.net​ بيت / العلوم والتكنولوجيا / التستر على معاهدة أنتاركتيكا غير محلول 🔬 العلوم و...