الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (87%)

عُني فلاسفة العرب بالمنطق عنايةً عظيمة؛ وقد رأينا من قبلُ كيف تميَّز علم الكلام عن الفلسفة باعتبار المنهج الذي يتبعه كلٌّ منهما؛ فالمنطق منهج الفلاسفة، والجدل منهج المتكلمين. وليس لنا أن نتوقَّع من فلاسفة العرب تقدُّمًا ملحوظًا في دراسة هذا العلم؛ لأن أرسطو — صاحب المنطق — لم يترك لمن جاء بعده إلَّا النزر اليسير. أمَّا الأصول العامة في المنطق وترتيب موضوعاته فقد حذا فلاسفة العرب حذو المعلِّم الأول خطوةً خطوة، وقد ذكرنا هذه الكتب فيما سبق عند الكلام عن عصر الترجمة. فما الجديد إذن في المنطق ممَّا أضافه الفلاسفة الإسلاميون؟ الجديد في التنسيق؛ فقد نبع هذا العلم كاملًا متكاملًا، كما نجده في كتاب صُنِّفَ في القرن السادس الهجري، هو «البصائر النصيرية» تأليف زين الدين عمر بن سهلان الساوي. وبلغ من إعجاب الشيخ محمد عبده بهذا الكتاب أنه توفَّر على تحقيقه ونشره وتدريسه. وخاضوا في مشكلاتها، ولعل «منطق الشفاء» لابن سينا من أحسن النماذج على هذه المناقشات المنطقية العميقة. ومن جهة ثالثة فإن اشتغال فلاسفة العرب بالعلوم واتباعهم مناهج تجريبية تُلائم البحث في الطبيعيات، عكَس هذا الاتجاه التجريبي على المنطق، فتوسَّعوا في باب الاستقراء. ولمَّا كان المنطق كما ذكرنا أداة الفلسفة، وكان سلاحها الذي تذود به عن حوضها، كما تُهاجم به خصومها، وكان هذا السلاح قد يُوجَّه بصفة خاصة ضد الدين، فقد اعتبر فقهاء المسلمين أن المنطق سبب الخلل الواقع في الفلسفة، وأنه هو علة انحراف الإنسان عن جادة الصواب والطريق المستقيم، يعنون بذلك الطريق طريق الدين. وقيل: من تمنطق فقد تزندق. لهذا السبب وُجد في تاريخ الفكر الإسلامي تياران متعارضان، أحدهما يأخذ بالمنطق الأرسطوطاليسي، وعن هذا التيَّار صدرت الفلسفة والعلوم المختلفة من رياضية وطبيعية. وهذه هي طريقة السلف، منذ الإمام أحمد ابن حنبل، إلى شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه ابن قيِّم الجوزية. وقد كتب ابن تيميَّة في الرد على منطق اليونان كتبًا تحمل هذا العنوان. وسلك تلميذه — ومن سار على نهجه فيما بعد — هذا المسلك. أمَّا علم الكلام فإنه اصطنع منذ القرن السادس الهجري المنطق وأدخله مقدمةً يُمهِّد بها لبحث العقائد الإسلامية، وبعد، ما المنطق؟ أهو قواعد علمية إذا اتبعها المرء بلغ الصواب وتجنَّب الخطأ، أم هو قوانين للعقل البشري؟ بعبارة أخرى هل المنطق علم أم فن؟ بسبب توجيه الفارابي وابن سينا من بعده، هو أنَّ المنطق فنٌّ وليس علمًا، فالفارابي يقول في «إحصاء العلوم»: «إن صناعة المنطق تُعطي جملة القوانين التي شأنها أن تُقوِّم العقل وتسدَّد الإنسان نحو طريق الصواب … إلخ. » فالمنطق ليس علمًا كما ذهب إلى ذلك الرواقيون، ولكنه آلة، أو «أورجانون» كما ذهب إلى ذلك شُرَّاح أرسطو، فهو الأداة التي تُمتحن بها العلوم النظرية والعملية على سواء. وهناك صلة وثيقة بين المنطق واللغة؛ ولا بد أن تكون الألفاظ محدَّدةً واضحةً حتى لا يقع لبس في التفكير ممَّا يُفضي إلى المغالطة. وقد بحث ابن سينا في هذه الصلة وقرَّر أنه: «لو أمكن أن يتعلَّم المنطق بفكرة ساذجة إنما تلحظ فيها المعاني وحدها، ولو أمكن أن يطَّلع المحاور فيه على ما في نفسه بحيلة أخرى، » وهكذا فطن الشيخ الرئيس إلى إمكان وجود منطق رمزي لا يلتفت فيه إلى اللفظ. وقضاياه إنما يلتفت فيها إلى وجودها الذهني لا إلى وجودها خارج الذهن، أي أن نتصوَّرها، أو كما يقول ابن سينا في المدخل ص١٥: «وإذا أردنا أن نتفكَّر في الأشياء ونعلمها، فنحتاج ضرورةً إلى أن نُدْخلها في التصوُّر … والأمور إنما تكون مجهولةً بالقياس إلى الذهن لا محالة، وكذلك إنما تكون معلومةً بالقياس إليه. » ولكن ابن سينا في كتبه المتأخِّرة اعترف بنوع آخر من القضايا هي القضايا الوجودية التي لا تستمد العلاقة بين موضوعها ومحمولها من الذهن نفسه، بل من النظر إلى الشيء الخارجي ومراعاة أحواله المتغيِّرة. وهذا الترتيب قد يكون قياسًا وقد يكون برهانًا. وقد عُنِيَ العرب عنايةً كبيرةً بالقياس، وانتهى بهم الأمر إلى ردِّ كل تفكير إلى أشكال قياسية؛ حتى تكون النتائج مستمدةً بالضرورة من مقدِّماتها. وكان فلاسفتهم في ابتداء أمرهم يُوجِّهون نظرهم إلى اكتساب المقدِّمات التي تصلح للبرهان. وقد رأينا كيف انتقص المؤرِّخون من منزلة الكندي؛ لأنه لم يُحسن صناعة البرهان. ومع ذلك فإنَّ ابن سينا وهو يضع نظرية البرهان، فإنه يرجع به إلى القياس، ويقول إنه قياس يقيني مُؤلَّف من يقينيات لإنتاج يقيني. فالقياس الذي يوقع اليقين هو البرهان. ومقدِّمات القياس أصناف كثيرة منها؛ أن تكون كليةً وضرورية، أي صادقة في كل زمان ومكان، وهذه لا تتوفَّر إلَّا في الأوليات والمحسوسات والمجرَّبات والمتواترات. والبرهان سبيل إلى الاستدلال في العلوم، وبه تُمحَّص قضايا العلم، ويُكشف الستار عمَّا فيها من خطأ. والتجرِبة لا يمكن في نظر مناطقة العرب أن تسمو إلى منزلة البرهان اليقيني؛ وكل ما يبلغه ظن قوي غالب، إلَّا إذا كان استقراءً كاملًا، فيكون حينئذٍ شبيهًا بالقياس. بديهية المساواة، وبديهية الكل أكبر من الجزء. وقد أعلى الغزالي في «المنقذ» من شأن الرياضيات فقال إنها علوم برهانية لا سبيل إلى مجاهدتها بعد فهمها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة. ونحن نعلم أنَّ المنطق ذو صلة وثيقة بالرياضيات، أوضحها «برتراند رسل» حديثًا في منطقه الذي وَحَّدَ بينه وبين الرياضة. ولكن فلاسفة العرب الذين اعتمدوا على البحث في الطبيعة وفي علوم الحياة والطب، وجدوا أنه لا يمكن الاعتماد على القياس وحده، بل لا بد من إجراء الملاحظات والتجارب؛ أي اتباع منهج الاستقراء؛ فهو المنهج النافع في مثل هذه العلوم. وجابر بن حيان في الكيمياء، وابن سينا في الطب. فقد كانت للشيخ الرئيس تجارب تتبعها زمنًا طويلًا واستخرج منها قواعد كلية، ممَّا جعل المؤرخين له يقولون إنه عدَّل في آخر حياته في منطقه، فأخذ بمنطق جديد يُفسح المجال لمشاهدة الحس المشروطة بالشروط العملية بدلًا من القياس النظري البحت. وقد وضع ابن سينا بالفعل في أول كتاب «القانون» قواعد سبعًا للتجريب، طريق القياس، وطريق التجربة. والثاني أن يكون المجرب عليه علة مفردة، «فإنها إن كانت علةً مركبة، وفيها أمران علاجيان متضادان، فجرَّب عليهما الدواء فنفع، لم ندرِ السر في ذلك بالحقيقة. » والثالث تجرِبة الدواء على المتضادة. والرابع أن تكون القوة في الدواء مقابلًا بها ما يُساويها من قوة لعلة، والخامس أن يُراعى الزمان الذي يظهر فيه أثره أو فعله. والسادس أن يُراعى استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر. والسابع أن تكون التجرِبة على بدن الإنسان. هذا المنهج العلمي الذي كان علة ازدهار العلوم عند العرب، هو الذي سعى فلاسفة أوروبا ابتداءً من القرن الثاني عشر إلى طلبه، ذلك أنَّ أوروبا باللاتينية سعت إلى نقل العلوم عن العرب وجاء نقلها للفلسفة عَرَضًا. وهذا كما نذكر ما فعله العرب في ابتداء عصر الترجمة حين نقلوا العلوم أولًا وبالذات، ثم استتبع ذلك نقل الفلسفة. أمَّا منهج العلوم الإنسانية التي تشمل الدين والأخلاق والسياسة، فقد أضاف فلاسفة العرب إلى منهج أرسطو الذي بسطه في كتاب «الجدل» طريقة «التواتر»، أي تواتر الشهادات المروية عن فلان عن فلان، وهو منهج إسلامي بحت يتميَّز بنقد الرجال، والثقة بالشخص الذي يُروى عنه. ونحن نعلم أن سنة الرسول تعتمد على هذا المنهج، ولكن الفلاسفة طبَّقوا هذا المنهج على التاريخ، وكان لهم رأي في صحة الحقائق التاريخية يختلف عن منهج أهل السنة؛ ذلك أن المعوَّل في صحة الواقعة التاريخية ليس كثرة الشهادات أو عددها، بل «اليقين» الذي تزول معه الريبة، مثل الاعتقاد بوجود جالينوس وإقليدس١وغيرهما. مثل أنَّ الظلم قبيح، وليست مثل هذه القضايا يقينية، ولكنها مشهورة. وقد أطال ابن سينا في كتاب «الجدل» وهو الجزء السادس من «الشفاء» بحث المشهورات، وإجماع أرباب الملل عليه، وتصير شريعةً غير مكتوبة، ويجري عليها التربية والتأديب، والكذب لا يجب فعله. »٢ والعرف مصدر من مصادر الأخلاق يُشبه اليقين، جملة القول: إن البرهان نافع في العلوم الرياضية والطبيعية؛ أمَّا القياس الجدلي فإن مقدِّماته إنسانية تبحث في شئون المجتمع وتنفع الحكَّام والمدبِّرين للدولة والمعلِّمين، بل بحسب «واضع أو واضعين». فالحق يُنظر إليه في نفسه، فمن المشهور «ما هو مشهور محمود عند الفلاسفة والحكماء؛ مثل أن السماء كرية. وقد ذهب الفلاسفة إلى أن المنطق أداة نابعة في البرهنة على وجود الله، وهي أداة عقلية، غير أن الغزالي أنكر ذلك عليهم،

النص الأصلي

موضوعات الكتب
مجموعات هنداوي
السلاسل والأعمال الكاملة
الفلسفة الإسلامية
ePub Logo
PDF Logo
Kindle Logo
أهم موضوعات الفلسفة الإسلامية
المنطق ومناهج البحث
عُني فلاسفة العرب بالمنطق عنايةً عظيمة؛ لشرف هذا الموضوع من ناحية، ولأنه أداة الفلسفة من ناحية أخرى. وقد رأينا من قبلُ كيف تميَّز علم الكلام عن الفلسفة باعتبار المنهج الذي يتبعه كلٌّ منهما؛ فالمنطق منهج الفلاسفة، والجدل منهج المتكلمين.


وليس لنا أن نتوقَّع من فلاسفة العرب تقدُّمًا ملحوظًا في دراسة هذا العلم؛ لأن أرسطو — صاحب المنطق — لم يترك لمن جاء بعده إلَّا النزر اليسير. أمَّا الأصول العامة في المنطق وترتيب موضوعاته فقد حذا فلاسفة العرب حذو المعلِّم الأول خطوةً خطوة، وكتابًا كتابًا، ممَّا خلَّفه لنا أرسطو. وقد ذكرنا هذه الكتب فيما سبق عند الكلام عن عصر الترجمة.


فما الجديد إذن في المنطق ممَّا أضافه الفلاسفة الإسلاميون؟


الجديد في التنسيق؛ فقد نبع هذا العلم كاملًا متكاملًا، كما نجده في كتاب صُنِّفَ في القرن السادس الهجري، هو «البصائر النصيرية» تأليف زين الدين عمر بن سهلان الساوي. وبلغ من إعجاب الشيخ محمد عبده بهذا الكتاب أنه توفَّر على تحقيقه ونشره وتدريسه.


ومن جهة أخرى هناك أبواب تعمَّق الفلاسفة بحثها، وخاضوا في مشكلاتها، ولعل «منطق الشفاء» لابن سينا من أحسن النماذج على هذه المناقشات المنطقية العميقة.


ومن جهة ثالثة فإن اشتغال فلاسفة العرب بالعلوم واتباعهم مناهج تجريبية تُلائم البحث في الطبيعيات، عكَس هذا الاتجاه التجريبي على المنطق، فتوسَّعوا في باب الاستقراء.


ولمَّا كان المنطق كما ذكرنا أداة الفلسفة، وكان سلاحها الذي تذود به عن حوضها، كما تُهاجم به خصومها، وكان هذا السلاح قد يُوجَّه بصفة خاصة ضد الدين، فقد اعتبر فقهاء المسلمين أن المنطق سبب الخلل الواقع في الفلسفة، وأنه هو علة انحراف الإنسان عن جادة الصواب والطريق المستقيم، يعنون بذلك الطريق طريق الدين. ومن هنا صدرت الفتاوى بتحريم الاشتغال بالمنطق، وقيل: من تمنطق فقد تزندق.


لهذا السبب وُجد في تاريخ الفكر الإسلامي تياران متعارضان، أحدهما يأخذ بالمنطق الأرسطوطاليسي، وعن هذا التيَّار صدرت الفلسفة والعلوم المختلفة من رياضية وطبيعية. والآخر تيَّار يُنكِر هذا المنطق ويرجع فقط إلى الطريقة القرآنية وإلى سنة الرسول، وهذه هي طريقة السلف، منذ الإمام أحمد ابن حنبل، إلى شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه ابن قيِّم الجوزية. وقد كتب ابن تيميَّة في الرد على منطق اليونان كتبًا تحمل هذا العنوان. وسلك تلميذه — ومن سار على نهجه فيما بعد — هذا المسلك.


أمَّا علم الكلام فإنه اصطنع منذ القرن السادس الهجري المنطق وأدخله مقدمةً يُمهِّد بها لبحث العقائد الإسلامية، كما نرى في كتاب «المواقف» للإيجي.


وبعد، ما المنطق؟ أهو قواعد علمية إذا اتبعها المرء بلغ الصواب وتجنَّب الخطأ، أم هو قوانين للعقل البشري؟ بعبارة أخرى هل المنطق علم أم فن؟


جواب فلاسفة المسلمين، بسبب توجيه الفارابي وابن سينا من بعده، هو أنَّ المنطق فنٌّ وليس علمًا، فالفارابي يقول في «إحصاء العلوم»: «إن صناعة المنطق تُعطي جملة القوانين التي شأنها أن تُقوِّم العقل وتسدَّد الإنسان نحو طريق الصواب … إلخ.» ويقول ابن سينا في «الإشارات»: «إن المراد من المنطق أن تكون عند الإنسان آلة قانونية تعصمه مراعاتها من أن يضل في فكره.» فالمنطق ليس علمًا كما ذهب إلى ذلك الرواقيون، ولكنه آلة، أو «أورجانون» كما ذهب إلى ذلك شُرَّاح أرسطو، فهو الأداة التي تُمتحن بها العلوم النظرية والعملية على سواء.


وهناك صلة وثيقة بين المنطق واللغة؛ لأنَّ الألفاظ التي نستخدمها هي وعاء الفكر، ولا بد أن تكون الألفاظ محدَّدةً واضحةً حتى لا يقع لبس في التفكير ممَّا يُفضي إلى المغالطة. وليست الألفاظ مقصودةً لذاتها، وقد بحث ابن سينا في هذه الصلة وقرَّر أنه: «لو أمكن أن يتعلَّم المنطق بفكرة ساذجة إنما تلحظ فيها المعاني وحدها، لكان ذلك كافيًا. ولو أمكن أن يطَّلع المحاور فيه على ما في نفسه بحيلة أخرى، لكان يُغني عن اللفظ البتة.» وهكذا فطن الشيخ الرئيس إلى إمكان وجود منطق رمزي لا يلتفت فيه إلى اللفظ.


والمنطق أساسًا علم ذهني، وقضاياه إنما يلتفت فيها إلى وجودها الذهني لا إلى وجودها خارج الذهن، أي أن نتصوَّرها، أو كما يقول ابن سينا في المدخل ص١٥: «وإذا أردنا أن نتفكَّر في الأشياء ونعلمها، فنحتاج ضرورةً إلى أن نُدْخلها في التصوُّر … والأمور إنما تكون مجهولةً بالقياس إلى الذهن لا محالة، وكذلك إنما تكون معلومةً بالقياس إليه.» ولكن ابن سينا في كتبه المتأخِّرة اعترف بنوع آخر من القضايا هي القضايا الوجودية التي لا تستمد العلاقة بين موضوعها ومحمولها من الذهن نفسه، بل من النظر إلى الشيء الخارجي ومراعاة أحواله المتغيِّرة.


والمنطق ترتيب قضايا معلومة لنستخرج منها نتيجةً مجهولة، وهذا الترتيب قد يكون قياسًا وقد يكون برهانًا. وقد عُنِيَ العرب عنايةً كبيرةً بالقياس، وانتهى بهم الأمر إلى ردِّ كل تفكير إلى أشكال قياسية؛ حتى تكون النتائج مستمدةً بالضرورة من مقدِّماتها. وكان فلاسفتهم في ابتداء أمرهم يُوجِّهون نظرهم إلى اكتساب المقدِّمات التي تصلح للبرهان. وقد رأينا كيف انتقص المؤرِّخون من منزلة الكندي؛ لأنه لم يُحسن صناعة البرهان. ومع ذلك فإنَّ ابن سينا وهو يضع نظرية البرهان، فإنه يرجع به إلى القياس، ويقول إنه قياس يقيني مُؤلَّف من يقينيات لإنتاج يقيني. فالقياس الذي يوقع اليقين هو البرهان. ومقدِّمات القياس أصناف كثيرة منها؛ المحسوسات والمجرَّبات والمخيَّلات والمتواترات والوهميات والمشهورات والمقبولات والمظنونات والمسلَّمات والأوليات. ولكن مبادئ البرهان لا بد أن يتوفَّر فيها شرطان هما؛ أن تكون كليةً وضرورية، أي صادقة في كل زمان ومكان، وهذه لا تتوفَّر إلَّا في الأوليات والمحسوسات والمجرَّبات والمتواترات.


والبرهان سبيل إلى الاستدلال في العلوم، وبه تُمحَّص قضايا العلم، ويُكشف الستار عمَّا فيها من خطأ. والتجرِبة لا يمكن في نظر مناطقة العرب أن تسمو إلى منزلة البرهان اليقيني؛ لأنها إنما تُنصب على بعض الجزئيات وكثيرًا ما يكتنفها الخطأ. وكذلك لا يسمو الاستقراء إلى مستوى اليقين، وكل ما يبلغه ظن قوي غالب، إلَّا إذا كان استقراءً كاملًا، فيكون حينئذٍ شبيهًا بالقياس.


ولا نزاع أن العلوم الرياضية أوثق من العلوم الطبيعية؛ لأن المقدِّمات الرياضية في علوم الحساب والهندسة والهيئة وغيرها تعتمد على مبادئ أولية بديهية مثل؛ بديهية المساواة، وبديهية الكل أكبر من الجزء. وقد أعلى الغزالي في «المنقذ» من شأن الرياضيات فقال إنها علوم برهانية لا سبيل إلى مجاهدتها بعد فهمها، ولكن لا خلاف على أنَّ من ينظر فيها يتعجَّب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة.


ونحن نعلم أنَّ المنطق ذو صلة وثيقة بالرياضيات، أوضحها «برتراند رسل» حديثًا في منطقه الذي وَحَّدَ بينه وبين الرياضة.


ولكن فلاسفة العرب الذين اعتمدوا على البحث في الطبيعة وفي علوم الحياة والطب، وجدوا أنه لا يمكن الاعتماد على القياس وحده، بل لا بد من إجراء الملاحظات والتجارب؛ أي اتباع منهج الاستقراء؛ فهو المنهج النافع في مثل هذه العلوم. ولم يكن ممكنًا أن تتقدَّم هذه العلوم ذلك التقدُّم العظيم على أيدي علماء العرب لولا اعتمادهم على الاستقراء، ووضعهم الشروط الكفيلة بصحة الملاحظات واستخراج القوانين الكلية منها. وهذا ما فعله الرازي الطبيب، وجابر بن حيان في الكيمياء، وابن سينا في الطب. فقد كانت للشيخ الرئيس تجارب تتبعها زمنًا طويلًا واستخرج منها قواعد كلية، ممَّا جعل المؤرخين له يقولون إنه عدَّل في آخر حياته في منطقه، فأخذ بمنطق جديد يُفسح المجال لمشاهدة الحس المشروطة بالشروط العملية بدلًا من القياس النظري البحت.


وقد وضع ابن سينا بالفعل في أول كتاب «القانون» قواعد سبعًا للتجريب، سبق بها «جون ستيوارت مِلْ» بقرون، فقال: إن الأدوية تُعرف قواها بطريقتين؛ طريق القياس، وطريق التجربة. وإنَّ هذا الطريق الأخير لا بد فيه من مراعاة عدة شرائط أولها؛ أن يكون الدواء خاليًا عن كيفية مكتسبة وحرارة عارضة أو برودة عارضة. والثاني أن يكون المجرب عليه علة مفردة، «فإنها إن كانت علةً مركبة، وفيها أمران علاجيان متضادان، فجرَّب عليهما الدواء فنفع، لم ندرِ السر في ذلك بالحقيقة.» والثالث تجرِبة الدواء على المتضادة. والرابع أن تكون القوة في الدواء مقابلًا بها ما يُساويها من قوة لعلة، والخامس أن يُراعى الزمان الذي يظهر فيه أثره أو فعله. والسادس أن يُراعى استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر. والسابع أن تكون التجرِبة على بدن الإنسان.


هذا المنهج العلمي الذي كان علة ازدهار العلوم عند العرب، هو الذي سعى فلاسفة أوروبا ابتداءً من القرن الثاني عشر إلى طلبه، ذلك أنَّ أوروبا باللاتينية سعت إلى نقل العلوم عن العرب وجاء نقلها للفلسفة عَرَضًا. وهذا كما نذكر ما فعله العرب في ابتداء عصر الترجمة حين نقلوا العلوم أولًا وبالذات، ثم استتبع ذلك نقل الفلسفة.


أمَّا منهج العلوم الإنسانية التي تشمل الدين والأخلاق والسياسة، فقد أضاف فلاسفة العرب إلى منهج أرسطو الذي بسطه في كتاب «الجدل» طريقة «التواتر»، أي تواتر الشهادات المروية عن فلان عن فلان، وهو منهج إسلامي بحت يتميَّز بنقد الرجال، والثقة بالشخص الذي يُروى عنه. ونحن نعلم أن سنة الرسول تعتمد على هذا المنهج، ولكن الفلاسفة طبَّقوا هذا المنهج على التاريخ، وكان لهم رأي في صحة الحقائق التاريخية يختلف عن منهج أهل السنة؛ ذلك أن المعوَّل في صحة الواقعة التاريخية ليس كثرة الشهادات أو عددها، بل «اليقين» الذي تزول معه الريبة، مثل الاعتقاد بوجود جالينوس وإقليدس١وغيرهما. ولم يبلغ هذا المنهج غايته إلَّا على يدَي ابن خلدون صاحب المنهج التاريخي.
أمَّا منهج الأخلاق والاجتماع فإنه يعتمد على المشهورات، مثل أنَّ الظلم قبيح، وحفظ الجار حسن، وغير ذلك من القضايا الأخلاقية التي تشيع في الأمم، ويعتمد عليها في بناء الفضائل، وليست مثل هذه القضايا يقينية، ولكنها مشهورة. وقد أطال ابن سينا في كتاب «الجدل» وهو الجزء السادس من «الشفاء» بحث المشهورات، وذكر من جملة أسباب القضايا التي تذيع في الناس وتشتهر ما نصه: «فمن المشهورات ما يكون السبب في شهرته تعلُّق المصلحة العامة به، وإجماع أرباب الملل عليه، قد رآه متقدِّموهم ومتأخِّروهم، حتى إنها تبقى في الناس غير مستندة إلى أحد، وتصير شريعةً غير مكتوبة، ويجري عليها التربية والتأديب، مثل قولهم: العدل يجب فعله، والكذب لا يجب فعله.»٢
ولو شئنا ترجمة هذا الكلام إلى لغة عصرية قلنا إنه «العرف»، والعرف مصدر من مصادر الأخلاق يُشبه اليقين، ولكنه ليس يقينًا.


جملة القول: إن البرهان نافع في العلوم الرياضية والطبيعية؛ لأنَّ مقدِّماته «بحسب الطبيعة ونفس الحق»، أمَّا القياس الجدلي فإن مقدِّماته إنسانية تبحث في شئون المجتمع وتنفع الحكَّام والمدبِّرين للدولة والمعلِّمين، ومقدِّماته ليست بحسب الطبيعة ونفس الحق، بل بحسب «واضع أو واضعين». فالحق يُنظر إليه في نفسه، والشهرة يُنظر إليها من حيث التعارف لتسليمه. فمن المشهور «ما هو مشهور محمود عند الفلاسفة والحكماء؛ مثل أن الجميل أفضل من اللذيذ، ومنه ما هو مشهور محمود عند أكثر العلماء؛ مثل أن السماء كرية.»٣
وقد ذهب الفلاسفة إلى أن المنطق أداة نابعة في البرهنة على وجود الله، وهي أداة عقلية، غير أن الغزالي أنكر ذلك عليهم، وزعم أن معرفة الله تخرج عن دائرة العقل، ولا بد من معرفته بوسيلة أسمى هي الإلهام، وهو طريق الصوفية.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

Le football est...

Le football est un sport collectif plus populaire au monde depuis des années. C'est l'un des jeux le...

العلاقة بين ال...

العلاقة بين التراث الوطني الوطني العالمي والهوية الوطنية ان التراث هو الموروث الثقافي للامة يجدد م...

ومن إيجابيات اس...

ومن إيجابيات استخدام التكنولوجيا في تحسين الرعاية الطبية وبأقل تكلفة فمثلا نجد أن الذكاء الاصطناعي ب...

مقدمة تُعدّ ال...

مقدمة تُعدّ المشكلة االقتصادية من الموضوعات األساسية التي يقوم عليها علم االقتصاد، الرتباطها بالعال...

The Concept of ...

The Concept of Business and Profit • Business– organization that provides goods or services to earn ...

وقد تم التطرق ...

وقد تم التطرق لمنهجية تعبئة التقرير التركيبي من خلال استثمار "بطاقة نتائج تفريغ التقويم التشخيصي ال...

والتأكيد على أن...

والتأكيد على أن المظاهر الأثرية (مثل المساكن والجرار) هي نتاج تفاعل بيئي واقتصادي محلي استمر منذ الع...

خلاصةً، تُظهر ا...

خلاصةً، تُظهر الدراسات السابقة أن تبني خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول والاستمرار في استخدامها يمثلان...

- 2- قالَ بُزَر...

- 2- قالَ بُزَرْ جَمِهْرُ لِوَلِيِّ العَهْدِ: - لا بُدَّ، أَيُّها الأَمِيرُ السَّعيدُ، أَنَّكَ سَمِع...

أسباب تناول الم...

أسباب تناول المشكلة الحالية : ١- التحول الرقمي في الإعلام الرياضي : مع انتشار الإعلام الرياضي الإلكت...

قصة الشيوخ الثل...

قصة الشيوخ الثلاث المحبة والثروة والنجاح ذات مرة خرجت امرأة من بيتها فرأت ثلاثة شيوخ لهم لحى بيضاء ط...

مة: إنّ ال...

مة: إنّ التعليم مهنةٌ سامية تُسهم في بناء الأمم ورقيّها، إذ يُعدّ التعليم الجيّد الركيزة الأساس...

أخبار التقنية