لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (100%)
للهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن،فحديثنا في هذه الليلة عن اسمين كريمين من أسماء الله -- وهما: "السيد والصمد"، والحديث سيكون عن أربع قضايا:
الأولى: في معنى الاسم الكريم من حيث اللغة، وفيما يتعلق بمعناه عند إضافته إلى الله -تبارك وتعالى-.والثاني: ورود هذا الاسم في الكتاب أو السنة.والثالث: في الكلام على ما يدل عليه هذا الاسم.والرابع: في الكلام على ثمرات الإيمان بهذا الاسم.ففي مثل هذه الأسماء المتقاربة في المعنى سأتحدث عن القضايا الثلاث أولاً في كل اسم على حدة، ثم بعد ذلك في الكلام على الثمرات سأتحدث عن الجميع بحديث متحد. والسيد في كلام العرب يطلق على معانٍ متعددة:
ولهذا نحتاج إلى أن نتحدث عن جملة من معاني الرب كالسيد، فالسيد يطلق في كلام العرب على الرب، وهو أيضاً سيد بالنسبة للمملوك، وهكذا يطلق على الفاضل
وهو أيضاً سيد بالنسبة للمملوك، فالسؤدد عند العرب بمعنى الشرف، وقد جاء عن عكرمة -رحمه الله-: "السيد الذي لا يغلبه غضبه"([1]). لأن الإنسان إنما يكمل في سؤدده إذا كان حليمًا كريمًا وما إلى ذلك من الأوصاف. كما قال الله: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِيوسف:25، فالرجل سيد بالنسبة لامرأته، فهو سيدها أي: هو رئيسها، وسيد كل شيء أشرفه وأرفعه، بمعنى أشرف المال.إذا عرفت هذه المعاني وهذه الإطلاقات في كلام العرب بقي أن تعرف معنى هذا الاسم في حق الله -تبارك وتعالى-، يقول الخطابي -رحمه الله-: (السيد الله)([2])، هكذا قال النبي ﷺ، فالملائكة والإنس والجن كل هؤلاء إنما هم خلق من خلق الله -تبارك وتعالى-، فهؤلاء لا يستغنون عن الله طرفة عين، كما أنهم أيضاً لا يستغنون عنه طرفة عين في بقائهم بعد إيجادهم، وهكذا أيضاً فيما يتصل بالعوارض العارضة أثناء البقاء، الخلق بحاجة إلى ألطاف الله المتنوعة، فلو تخلى الله عنهم بعد إيجادهم فإنهم سيهلكون ويضمحلون لا محالة، لا يستحق ذلك على الإطلاق لا ملك عظيم مقرب، ولا أحد من المخلوقين مهما كان قدره، ولهذا قال النبي ﷺ: (السيد الله)، وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في النونية:
وهو الإلهُ السيد الصمد الذي *** صمدت إليه الخلقُ بالإذعانِ
الكاملُ الأوصافِ من كل الوجوه *** كمالُه ما فيه من نقصانِ([3])
والرب وما إلى ذلك من المعاني السابقة، لا يعارض قوله ﷺ: (السيد الله)، هذا إخبار منه عما أعطاه الله من سيادة النوع الإنساني، أما وصف الرب تعالى بأنه السيد فذلك وصف لربه على الإطلاق، فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له --، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر ذلك بتمامه.يقول ابن القيم -رحمه الله-: "والمقصود أنه لا يجوز لأحد أن يتسمى بأسماء الله المختصة به، وأما الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره، فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق ولا يجوز أن يتسمى بها المخلوق على سبيل الإطلاق، بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى"([7])؛ أو يلقب بالسيد على سبيل الإطلاق بدخول (ال)، أما ما جاء عن النبي ﷺ: (أنا سيد ولد آدم)، فهذا بالإضافة والقيد.وهكذا في قوله ﷺ: (قوموا إلى سيدكم)([8])، ومثل هذا بالإضافة لا بأس به، ولكن حينما يكون ذلك على سبيل الإطلاق فذلك لا يصح إلا لله --، لا بأس أن أورد لكم كلاماً لبعض أهل العلم على هذه الجزئية بالذات هل يقال ذلك للمخلوق أو لا؟
كيف سماه سيداً وهو مخلوق؟ والنبي ﷺ قال: (السيد هو الله) في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد،وابن الأنباري -رحمه الله- يقول: "إن قوله تعالى عن يحيى ﷺ بأنه سيد ليس المقصود به المالك، كما تقول العرب: فلان سيدنا، يقول الأزهري: "كره النبي ﷺ أن يُمدح في وجهه"، لكن لتواضعه -عليه الصلاة والسلام-، "وأحبَّ التواضع لله -تبارك وتعالى-، وجعل السيادة للذي ساد الخلق أجمعين، وبهذا الاعتبار لا يصح أن يقال ذلك للمخلوق إذا قصد به هذا المعنى، ولكن هل يقال ويراد به هذا؟
بالنسبة للمخلوقين، والنبي ﷺ يقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فله ﷺ من المنزلة والمكانة والسؤدد ما لا يخفى، وقالوا في قوله ﷺ لما قال: "قولوا بقولكم" للذين قالوا: أنت سيدنا، قالوا: إنه أراد ادعوني نبيًّا ورسولاً، فإني لست كأحدهم ممن يسودكم في أسباب الدنيا، ونحن نعلم أن النبوة منحة إلهية خلافاً لبعض الفلاسفة كابن سينا الذي قال: إنها مكتسبة بتحصيل الكمالات، لكن هؤلاء الذين يصطفيهم هم خيار خيار قومهم.والخطابي -رحمه الله- يعلل ذلك بأن هؤلاء الذين نهاهم كانوا حدثاء عهد بالإسلام([11])، وإلا فالنبي ﷺ قال للأنصار -أعني الأوس منهم-: (قوموا إلى سيدكم)، فلما كان أولئك الذين جاءوا إليه وقالوا: أنت سيدنا حدثاء عهد بالإسلام،يقول الخطابي: "وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا، وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، فقال: (قولوا بقولكم)"([12]). واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: يا سيدنا، لقوله ﷺ: (قوموا إلى سيدكم)، ابن القيم -رحمه الله- يذكر علة لهؤلاء يقول: "احتج المانعون بهذا، فإذا قيل: إن الله -تبارك وتعالى- هو السيد قالوا: فالله ليس من خلقه، قالوا: وإنما ذلك يقال للمخلوق، يقول: فالسيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك، والرب لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق، عكس من منعه في المخلوق،والأقرب -والله -تبارك وتعالى- أعلم- أنه لا مانع من أن يقال ذلك للمخلوق باعتبار أنه الرئيس صاحب السؤدد، والنبي ﷺ يقول: (إذا نصح العبد سيده،وهكذا في الحديث الآخر: (لا يقول أحدهم: أطعِمْ ربك، وهكذا قول عمر : "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا"([17])،والحافظ ابن حجر -رحمه الله- لما ذكر حديث: (السيد الله)، قال: "ويمكن الجمع بأن يحمل النهي على غير المالك، ويكره أن يخاطب أحداً بلفظه أو كتابته بالسيد، ويتأكد هذا إذا كان المخاطب غير تقي باعتبار الحديث: (لا تقولواللمنافق سيدًا)"([18])، هذا الكلام على موضوع إطلاق السيد على غير الله -.ثانياً: في الكلام على ورود هذا الاسم الكريم في الكتاب والسنة:
هذا الاسم لم يرد في القرآن مسمى به الله، كما جاء من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: "قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله -تبارك وتعالى)، قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا قولاً, وأن السيادة المضافة لله سيادة مطلقة.هذا الاسم يدل بدلالة المطابقة على مجموع أمرين: إذا أطلقناه، وقصدنا به المسمى وهو الذات -ذات الله، وقصدنا به الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإن ذلك يكون بدلالة المطابقة، أو أردنا الصفة فقط فهذه هي دلالة التضمن، وكمال العلم والقدرة والعزة إلى غير ذلك مما لابد منه لتحقيق السيادة، الغِنى فإن الذي لا يكون غنيًّا لا يستطيع أن يعطي ويمنح،أما من حيث اللغة فإن هذا الاسم يأتي لمعانٍ متعددة، فهذا بمعنى القصد،علوتُه بحسام ثم قلتُ له *** خذها حذيفُ فأنت السيدُ الصمدُ([20])
ومنه ما جاء عن معاذ بن الجموح في قصة قتل أبي جهل يقول: فصمدت له حتى أمكنتني منه غرة، فهذا بمعنى القصد،ومن هذه المعاني -وهو الثاني- أنه السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر،ومن هذه المعاني -وهو الثالث- أنه المُصمَت الذي لا جوف له.المعنى الرابع: هو الرفيع من كل شيء، ومنه الصمد يقال: للمكان الغليظ المرتفع من الأرض، لكنه لا يبلغ أن يكون جبلاً، ويقال: بناء مُصمَد أي: مرتفع،ومعناه في حق الله: اللَّهُ الصَّمَدُ الإخلاص:2 ما معنى الصمد؟
أقوال السلف تنوعت فيه تنوعاً كثيراً، وإليك طائفة منها دون ما ذكره بعض المتأخرين مما زاد على ما ذكروا فإنه في الغالب يرجع إلى أقوالهم، والمعاني التي عبروا بها: الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده، ولا أحد فوقه كما تقول العرب لأشرافها،وهذا المعنى هو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري([23]) -رحمه الله- محتجًّا عليه بأن ذلك هو المعروف في الاشتقاق، ولا يأكل ولا يشرب كما قيل في أشعار العرب:
شهابُ حروبٍ لا تزال جيادُه *** عوابسَ يَعلكنَ الشَّكيم المصمَّدا([24])
والله يقول عن نفسه ذاكرًا وصفه: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُالأنعام:14،ومن هذه المعاني أيضاً أنه الذي ليس يخرج منه شيء، وذلك أشبه ما يكون بالتفسير الذي ورد بعد هذه اللفظة في سورة الإخلاص، اللَّهُ الصَّمَدُالإخلاص:2 من هو؟ هو الذي لم يلد ولم يولد.وهكذا فسر بالدائم الباقي الذي لا يفنى، والله يقول: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِالرحمن:26-27، وفي الحديث: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء)([25]).وكذا أيضاً هو الذي يُصمد إليه في الحوائج، ومن غيرهم يفسرون به معنى هذا الاسم في حق الله كالزجاج، وذلك عائد إلى معنى القصد، وهو أيضاً كما قال سعيد بن جبير -رحمه الله-: "الكامل في جميع صفاته وأفعاله وأقواله"([27]).انظروا إلى هذه المعاني التي قالها السلف هذه عباراتهم، ولهذا قال جمهور السلف منهم ابن عباس: "الصمد الذي كمل سؤدده،وابن القيم -رحمه الله- يقول: "هذا لا يناقض قول ابن عباس "،وهو الإلهُ السيد الصمد الذي *** صمدت إليه الخلقُ بالإذعانِ
الكاملُ الأوصافِ من كل الوجوه *** كمالُه ما فيه من نقصانِ([31])
ولهذا فإن من أشمل ما جاء عن السلف فيما وقفت عليه في تفسير هذا الاسم الكريم هو قول ابن عباس -ا-: "هو السيد الذي كمل في سؤدده، وعلى هذا سار المحققون من أهل العلم، كما جاء عن الحافظ أبي القاسم الطبراني -رحمه الله- في كتاب (السنة)،وفي هذا يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-: إن هذا الاسم الصمد فيه أقوال متعددة للسلف، قال: "فهذا يقتضي ألا يكون في الوجود صمد سوى الله، فهو العظيم القادر على كل شيء"، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى،والمقصود أن حقيقة الصمدانية في حق الله -- ترجع إلى قيامه بذاته، نقول: الله الصمد وهذا إذا نظر إلى عين ذاته وصمدانيته، وتارة بإضافة إذا نظر إلى صمود الخلق إليه، فالخلائق جميعًا تصمد لربها وباريها وخالقها --، ولهذا في أول الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الفاتحة:2، وذلك لا يكون إلا لمن كان كاملاً من كل وجه، فإن من كان ناقصاً من بعض الوجوه فإنه لا يستحق الحمد من كل وجه، فالله هو الذي يفتقر إليه كل شيء في الوقت الذي يستغني فيه -- عن كل شيء، الأشياء مفتقرة إليه من جهة ربوبيته، فما لا يكون به لا يكون،وفي هذا يقول أيضاً الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: "إنه السيد الذي هو وحده الملجأ عند الشدائد، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه"([37])، وهكذا عبر الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: بأنه الصمد الذي تصمد إليه -أي: تقصده- جميع المخلوقات بالذل والحاجة والافتقار، وحكمته وحلمه وقدرته وعظمته، وهو الذي تقصده المخلوقات في كل الحاجات([38]).والمقصود من إيراد كلام هؤلاء أنه نماذج على تأكيد هذا المعنى الذي ذكرته، وهو أن هذه المعاني جميعًا التي ذكرها السلف داخلة في معنى هذا الاسم الكريم.
النص الأصلي
للهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن،فحديثنا في هذه الليلة عن اسمين كريمين من أسماء الله -- وهما: "السيد والصمد"، والحديث سيكون عن أربع قضايا:
الأولى: في معنى الاسم الكريم من حيث اللغة، وفيما يتعلق بمعناه عند إضافته إلى الله -تبارك وتعالى-.والثاني: ورود هذا الاسم في الكتاب أو السنة.والثالث: في الكلام على ما يدل عليه هذا الاسم.والرابع: في الكلام على ثمرات الإيمان بهذا الاسم.ففي مثل هذه الأسماء المتقاربة في المعنى سأتحدث عن القضايا الثلاث أولاً في كل اسم على حدة، ثم بعد ذلك في الكلام على الثمرات سأتحدث عن الجميع بحديث متحد. والسيد في كلام العرب يطلق على معانٍ متعددة:
ولهذا نحتاج إلى أن نتحدث عن جملة من معاني الرب كالسيد، فالسيد يطلق في كلام العرب على الرب، وهو أيضاً سيد بالنسبة للمملوك، وهكذا يطلق على الفاضل
وهو أيضاً سيد بالنسبة للمملوك، فالسؤدد عند العرب بمعنى الشرف، وقد جاء عن عكرمة -رحمه الله-: "السيد الذي لا يغلبه غضبه"([1]). لأن الإنسان إنما يكمل في سؤدده إذا كان حليمًا كريمًا وما إلى ذلك من الأوصاف. كما قال الله: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِيوسف:25، فالرجل سيد بالنسبة لامرأته، فهو سيدها أي: هو رئيسها، وسيد كل شيء أشرفه وأرفعه، بمعنى أشرف المال.إذا عرفت هذه المعاني وهذه الإطلاقات في كلام العرب بقي أن تعرف معنى هذا الاسم في حق الله -تبارك وتعالى-، يقول الخطابي -رحمه الله-: (السيد الله)([2])، هكذا قال النبي ﷺ، فالملائكة والإنس والجن كل هؤلاء إنما هم خلق من خلق الله -تبارك وتعالى-، فهؤلاء لا يستغنون عن الله طرفة عين، كما أنهم أيضاً لا يستغنون عنه طرفة عين في بقائهم بعد إيجادهم، وهكذا أيضاً فيما يتصل بالعوارض العارضة أثناء البقاء، الخلق بحاجة إلى ألطاف الله المتنوعة، فلو تخلى الله عنهم بعد إيجادهم فإنهم سيهلكون ويضمحلون لا محالة، لا يستحق ذلك على الإطلاق لا ملك عظيم مقرب، ولا أحد من المخلوقين مهما كان قدره، ولهذا قال النبي ﷺ: (السيد الله)، وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في النونية:
وهو الإلهُ السيد الصمد الذي *** صمدت إليه الخلقُ بالإذعانِ
الكاملُ الأوصافِ من كل الوجوه *** كمالُه ما فيه من نقصانِ([3])
والرب وما إلى ذلك من المعاني السابقة، لا يعارض قوله ﷺ: (السيد الله)، هذا إخبار منه عما أعطاه الله من سيادة النوع الإنساني، أما وصف الرب تعالى بأنه السيد فذلك وصف لربه على الإطلاق، فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له --، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر ذلك بتمامه.يقول ابن القيم -رحمه الله-: "والمقصود أنه لا يجوز لأحد أن يتسمى بأسماء الله المختصة به، وأما الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره، فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق ولا يجوز أن يتسمى بها المخلوق على سبيل الإطلاق، بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى"([7])؛ أو يلقب بالسيد على سبيل الإطلاق بدخول (ال)، أما ما جاء عن النبي ﷺ: (أنا سيد ولد آدم)، فهذا بالإضافة والقيد.وهكذا في قوله ﷺ: (قوموا إلى سيدكم)([8])، ومثل هذا بالإضافة لا بأس به، ولكن حينما يكون ذلك على سبيل الإطلاق فذلك لا يصح إلا لله --، لا بأس أن أورد لكم كلاماً لبعض أهل العلم على هذه الجزئية بالذات هل يقال ذلك للمخلوق أو لا؟
كيف سماه سيداً وهو مخلوق؟ والنبي ﷺ قال: (السيد هو الله) في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد،وابن الأنباري -رحمه الله- يقول: "إن قوله تعالى عن يحيى ﷺ بأنه سيد ليس المقصود به المالك، كما تقول العرب: فلان سيدنا، يقول الأزهري: "كره النبي ﷺ أن يُمدح في وجهه"، لكن لتواضعه -عليه الصلاة والسلام-، "وأحبَّ التواضع لله -تبارك وتعالى-، وجعل السيادة للذي ساد الخلق أجمعين، وبهذا الاعتبار لا يصح أن يقال ذلك للمخلوق إذا قصد به هذا المعنى، ولكن هل يقال ويراد به هذا؟
بالنسبة للمخلوقين، والنبي ﷺ يقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فله ﷺ من المنزلة والمكانة والسؤدد ما لا يخفى، وقالوا في قوله ﷺ لما قال: "قولوا بقولكم" للذين قالوا: أنت سيدنا، قالوا: إنه أراد ادعوني نبيًّا ورسولاً، فإني لست كأحدهم ممن يسودكم في أسباب الدنيا، ونحن نعلم أن النبوة منحة إلهية خلافاً لبعض الفلاسفة كابن سينا الذي قال: إنها مكتسبة بتحصيل الكمالات، لكن هؤلاء الذين يصطفيهم هم خيار خيار قومهم.والخطابي -رحمه الله- يعلل ذلك بأن هؤلاء الذين نهاهم كانوا حدثاء عهد بالإسلام([11])، وإلا فالنبي ﷺ قال للأنصار -أعني الأوس منهم-: (قوموا إلى سيدكم)، فلما كان أولئك الذين جاءوا إليه وقالوا: أنت سيدنا حدثاء عهد بالإسلام،يقول الخطابي: "وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا، وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، فقال: (قولوا بقولكم)"([12]). واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: يا سيدنا، لقوله ﷺ: (قوموا إلى سيدكم)، ابن القيم -رحمه الله- يذكر علة لهؤلاء يقول: "احتج المانعون بهذا، فإذا قيل: إن الله -تبارك وتعالى- هو السيد قالوا: فالله ليس من خلقه، قالوا: وإنما ذلك يقال للمخلوق، يقول: فالسيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك، والرب لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق، عكس من منعه في المخلوق،والأقرب -والله -تبارك وتعالى- أعلم- أنه لا مانع من أن يقال ذلك للمخلوق باعتبار أنه الرئيس صاحب السؤدد، والنبي ﷺ يقول: (إذا نصح العبد سيده،وهكذا في الحديث الآخر: (لا يقول أحدهم: أطعِمْ ربك، وهكذا قول عمر : "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا"([17])،والحافظ ابن حجر -رحمه الله- لما ذكر حديث: (السيد الله)، قال: "ويمكن الجمع بأن يحمل النهي على غير المالك، ويكره أن يخاطب أحداً بلفظه أو كتابته بالسيد، ويتأكد هذا إذا كان المخاطب غير تقي باعتبار الحديث: (لا تقولواللمنافق سيدًا)"([18])، هذا الكلام على موضوع إطلاق السيد على غير الله -.ثانياً: في الكلام على ورود هذا الاسم الكريم في الكتاب والسنة:
هذا الاسم لم يرد في القرآن مسمى به الله، كما جاء من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: "قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله -تبارك وتعالى)، قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا قولاً, وأن السيادة المضافة لله سيادة مطلقة.هذا الاسم يدل بدلالة المطابقة على مجموع أمرين: إذا أطلقناه، وقصدنا به المسمى وهو الذات -ذات الله، وقصدنا به الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإن ذلك يكون بدلالة المطابقة، أو أردنا الصفة فقط فهذه هي دلالة التضمن، وكمال العلم والقدرة والعزة إلى غير ذلك مما لابد منه لتحقيق السيادة، الغِنى فإن الذي لا يكون غنيًّا لا يستطيع أن يعطي ويمنح،أما من حيث اللغة فإن هذا الاسم يأتي لمعانٍ متعددة، فهذا بمعنى القصد،علوتُه بحسام ثم قلتُ له *** خذها حذيفُ فأنت السيدُ الصمدُ([20])
ومنه ما جاء عن معاذ بن الجموح في قصة قتل أبي جهل يقول: فصمدت له حتى أمكنتني منه غرة، فهذا بمعنى القصد،ومن هذه المعاني -وهو الثاني- أنه السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر،ومن هذه المعاني -وهو الثالث- أنه المُصمَت الذي لا جوف له.المعنى الرابع: هو الرفيع من كل شيء، ومنه الصمد يقال: للمكان الغليظ المرتفع من الأرض، لكنه لا يبلغ أن يكون جبلاً، ويقال: بناء مُصمَد أي: مرتفع،ومعناه في حق الله: اللَّهُ الصَّمَدُ الإخلاص:2 ما معنى الصمد؟
أقوال السلف تنوعت فيه تنوعاً كثيراً، وإليك طائفة منها دون ما ذكره بعض المتأخرين مما زاد على ما ذكروا فإنه في الغالب يرجع إلى أقوالهم، والمعاني التي عبروا بها: الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده، ولا أحد فوقه كما تقول العرب لأشرافها،وهذا المعنى هو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري([23]) -رحمه الله- محتجًّا عليه بأن ذلك هو المعروف في الاشتقاق، ولا يأكل ولا يشرب كما قيل في أشعار العرب:
شهابُ حروبٍ لا تزال جيادُه *** عوابسَ يَعلكنَ الشَّكيم المصمَّدا([24])
والله يقول عن نفسه ذاكرًا وصفه: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُالأنعام:14،ومن هذه المعاني أيضاً أنه الذي ليس يخرج منه شيء، وذلك أشبه ما يكون بالتفسير الذي ورد بعد هذه اللفظة في سورة الإخلاص، اللَّهُ الصَّمَدُالإخلاص:2 من هو؟ هو الذي لم يلد ولم يولد.وهكذا فسر بالدائم الباقي الذي لا يفنى، والله يقول: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِالرحمن:26-27، وفي الحديث: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء)([25]).وكذا أيضاً هو الذي يُصمد إليه في الحوائج، ومن غيرهم يفسرون به معنى هذا الاسم في حق الله كالزجاج، وذلك عائد إلى معنى القصد، وهو أيضاً كما قال سعيد بن جبير -رحمه الله-: "الكامل في جميع صفاته وأفعاله وأقواله"([27]).انظروا إلى هذه المعاني التي قالها السلف هذه عباراتهم، ولهذا قال جمهور السلف منهم ابن عباس: "الصمد الذي كمل سؤدده،وابن القيم -رحمه الله- يقول: "هذا لا يناقض قول ابن عباس "،وهو الإلهُ السيد الصمد الذي *** صمدت إليه الخلقُ بالإذعانِ
الكاملُ الأوصافِ من كل الوجوه *** كمالُه ما فيه من نقصانِ([31])
ولهذا فإن من أشمل ما جاء عن السلف فيما وقفت عليه في تفسير هذا الاسم الكريم هو قول ابن عباس -ا-: "هو السيد الذي كمل في سؤدده، وعلى هذا سار المحققون من أهل العلم، كما جاء عن الحافظ أبي القاسم الطبراني -رحمه الله- في كتاب (السنة)،وفي هذا يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-: إن هذا الاسم الصمد فيه أقوال متعددة للسلف، قال: "فهذا يقتضي ألا يكون في الوجود صمد سوى الله، فهو العظيم القادر على كل شيء"، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى،والمقصود أن حقيقة الصمدانية في حق الله -- ترجع إلى قيامه بذاته، نقول: الله الصمد وهذا إذا نظر إلى عين ذاته وصمدانيته، وتارة بإضافة إذا نظر إلى صمود الخلق إليه، فالخلائق جميعًا تصمد لربها وباريها وخالقها --، ولهذا في أول الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الفاتحة:2، وذلك لا يكون إلا لمن كان كاملاً من كل وجه، فإن من كان ناقصاً من بعض الوجوه فإنه لا يستحق الحمد من كل وجه، فالله هو الذي يفتقر إليه كل شيء في الوقت الذي يستغني فيه -- عن كل شيء، الأشياء مفتقرة إليه من جهة ربوبيته، فما لا يكون به لا يكون،وفي هذا يقول أيضاً الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: "إنه السيد الذي هو وحده الملجأ عند الشدائد، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه"([37])، وهكذا عبر الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: بأنه الصمد الذي تصمد إليه -أي: تقصده- جميع المخلوقات بالذل والحاجة والافتقار، وحكمته وحلمه وقدرته وعظمته، وهو الذي تقصده المخلوقات في كل الحاجات([38]).والمقصود من إيراد كلام هؤلاء أنه نماذج على تأكيد هذا المعنى الذي ذكرته، وهو أن هذه المعاني جميعًا التي ذكرها السلف داخلة في معنى هذا الاسم الكريم.
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة متقدمة في مسار التحول الرقمي، لأنه لا يقتصر على رقمنة الإجراءات، بل يسمح...
ا ليتك صدقتني ....ا ليتك صدقتني .. يا طارق صالح المستشار محمد المسوري ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م في ديسمبر ٢٠٢٤م في الرياض كان...
أكدت عدد من منظ...أكدت عدد من منظمات المجتمع المدني، أن التصعيد المتواصل والانتهاكات الجسيمة لمليشيا الحوثي، أدى إلى ت...
يتناول النص سير...يتناول النص سيرة وجهود العالمة المغربية مارسيليا ألفرنسيس (التي أُشير إليها في بعض المواضع باسم سارة...
أكد مدير عام مك...أكد مدير عام مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن، المستشار أرسلان أحمد السقاف، أن توح...
مسك فهد ببرود ا...مسك فهد ببرود الملف للي فيه قضيه سلطان وفتحته وبدأ يقرأ بصوت عالي : سلطان بن سعود بن فهد متهم بحياز ...
[ إِنَّهُمْ يَر...[ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ] لايك قبل م تقرين 🤍 { Part : 2 } امر فهد تركي...
الطبيعة هي الحي...الطبيعة هي الحياة و الحياة هي الطبيعة علينا الحفاض عليها من حرائق بالتشجير واغرس النباتات واحافض علا...
ف التجربة: خلا...ف التجربة: خلال فترة التدريب المباشر، لفت انتباهي موضوع إدارة الصف لما له من أهمية كبيرة في نجاح ال...
1-البطاقة التقن...1-البطاقة التقنية وجود بطاقة تقنية لكل المواد (إجمالية لا يوجد تحصيص بمبلغ 073.17 960 92 دج ب...
" أن التطور الس..." أن التطور السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي فعرض على نظام التعليم في المملكة العربية السعودية تبن...
Vaikka olen ark...Vaikka olen arka viestijä, pidän itseäni empaattisena ihmisenä. Kuuntelen mielelläni muita ja yritän...