الفصل الثاني: أحوال إرث المرأة في التشريع الجزائري
كثيراً ما يتردد لدى البعض إن الإسلام ظلم المرأة؛ حيث جعل نصيبها في الميراث نصف نصيب الرجل، و لعّلنا كمسلمين نؤمن بثوابت راسخة من صفات الله تعالى، تجعل تلك الشبهة لا تطرأ على قلب أي مسلم أو مسلمة، وتتمثل تلك الثوابت في أن الله سبحانه حكم عدل، وعدله مطلق، وليس في شرعه ظلم لبشر أو لأي أحد من خلقه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ، ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ ، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ .
وإن الفروق في أنصبة المواريث هي أساس قضية المواريث في الفقه الإسلامي، ولا تختلف الأنصبة في المواريث طبقًا للنوع؛ وإنما تختلف الأنصبة طبقًا لثلاثة معايير :
- الأول: درجة القرابة بين الوارث والمورث، ذكرًا كان أو أنثى، فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين.
- الثاني: موقع الجيل الوارث: فالأجيال التي تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة وتتخفف من أعبائها، بل تصبح أعباؤها –عادة- مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات.
- الثالث: العبء المالي: وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتًا بين الذكر والأنثى، لكنه تفـاوت لا يفـضى إلى أي ظـلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها، بل ربما كان العكس هو الصحيح.
فمنحت الشريعة الإسلامية المرأة حقا في الميراث بعد أن كانت مجردة منه وحماها قانون الأسرة الجزائري من خلال نصوص تضمن لها هذا الحق، تختلف أنصبتها باختلاف درجة قرابتها للميت فقد جعلت الشريعة الإسلامية للمرأة أحوالاً في الميراث، فتارة هي صاحبة فرض محدد وهي الحالة الغالبة وهذا ما سندرسه في (المبحث الأول)، وتارة بالتعصيب وهذا ما سندرسه في (المبحث الثاني).
المبحث الأول: الوارثات من النساء بالفرض
أعطى الإسلام المرأة نصف الرجل في الدخل الوارد في بعض الحالات، وكفل لها الاحتفاظ بهذا الدخل دون أن ينقص سوى من حق الله كالزكاة، أما الرجل فأعطاه الله الدخل الأكبر وطلب منه أن ينفق على زوجته وأبنائه ووالديه إن كبرا في السن، ومن تلزمه نفقته من قريب وما استحدث في عصرنا هذا من بدل الإيجار والفواتير المختلفة؛ مما يجعلنا نجزم أن الله فضل المرأة على الرجل في الثروة؛ حيث كفل لها حفظ مالها، ولم يطالبها بأي شكل من أشكال النفقات.
فحينما تتخلف قضية العبء المالي كما هي الحال في شأن توريث الإخوة والأخوات لأم؛ نجد أن الشارع الحكيم قد سوَّى بين نصيب الذكر ونصيب الأنثى منهم في الميراث، قال تعالى : ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴾ . فالتسوية هنا بين الذكور والإناث في الميراث؛ لأن أصل توريثهم هنا الرحم، وليسوا عصبةً لمورثهم حتى يكون الرجل امتدادا له من دون المرأة، فليست هناك مسئوليات ولا أعباء تقع على كاهله بهذا الاعتبار.
و على هذا الأساس، فقد ترث المرأة بالفرض تارة دون أن تحجب حجب إسقاط (المطلب الأول)، و قد ترث بالفرض مع إمكانية حجبها حجب إسقاط (المطلب الثاني)، و قد عرّف المشرع الجزائري في المادة 140 من تقنين الأسرة الجزائري، "ذوو الفروض بأنهم الذين حددت أسهمهم في التركة شرعا"، و هن من النساء بحسب نص المادة 142: "يرث من النساء البنت، وبنت الابن، وإن نزل، والأم و الزوجة، والجدة من الجهتين وإن علت، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم"، والفروض المحددة ستة حسب المادة 143من تقنين الأسرة الجزائري وهي: النصف، الربع، الثمن، الثلثان، الثلث والسدس.
المطلب الأول: النساء اللواتي لا يحجبن حجب إسقاط
نص المشرع الجزائري في الفصل الخامس من تقنين الأسرة عن الحجب وعرفه من خلال المادة 159 بنصه:" الحجب هو منع الوارث من الميراث كلا أو بعضا وهو نوعان: حجب نقصان وحجب إسقاط، كما تضمنت المواد من 161 إلى 165 حجب الإسقاط.
وسندرس في هذا المطلب أنصبة النساء اللواتي لا يحجبن حجب إسقاط من الميراث فرضا، حسب التقسيم التالي: ميراث البنت في (الفرع الأول)، ميراث الزوجة في (الفرع الثاني)، وميراث الأم في (الفرع الثالث).
الفرع الأول: ميراث البنت
المقصود بالبنت هي كل انثى للمتوفى عليها ولادة مباشرة بغير وساطة ، وهي من الفروع ويقصد بالفروع. فرع المتوفى (أي أبناءه) الذين يعدون من أصحاب الفروض ، ودليل توريثها من القران الكريم قوله تعالى﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ .
والدليل من السنة النبوية أنه روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: ((جاءت امرأة سعد بن الربيع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل ابوهما معك في(أحد) شهيدا، وانما عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا ينكحان إلا ولهما مال. فقال صلى الله عليه وسلم: يقضي الله في ذلك)). فنزلت آية المواريث:﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ . ثم نزل قوله تعالى:﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ،(( فبعث الرسول صلى الله عليه و سلم إلى عمهما فقال : "إعط ابنتي سعد الثلثين، و أمهما الثمن، و ما بقي فهو لك )) . وقيل هذا أول ميراث قسم في الإسلام.
وميراث البنت أمر مفروض ومؤكد فإذا وجدت فلا بد أن ترث، ومن ثم ترث البنت بالفرض كما بينته الآية الكريمة السابقة وفق حالتين:
أولا: النصف (½)
ترث البنت فرض النصف بالإجماع،وذلك بتوفر شرطين:
- إذا لم يوجد معها بنت أخرى، أي أن تكون واحدة، لقوله تعالى:﴿ وإن كانت واحدة فلهاالنصف﴾ .
- ألا يكون معها معصب لها، وهو الابن، لأنه إذا وجد معها الابن فلا تأخذ النصف، وتصبح عصبة به، وترث بالتعصيب ، لقوله تعالى:﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ .
ونص المشرع الجزائري في المادة 144 /2 من تقنين الأسرة الجزائري" أصحاب النصف … البنت بشرط انفرادها عن الولد الصلب ذكرا كان أو أنثى".
ثانيا: الثلثان(⅔)
إذا كانت البنات الصلبيات اثنتان أو أكثر فإنهن يرثن ثلثا التركة فرضا يشتركن فيه جميعا بالتساوي فيما بينهما وذلك إذا لم يكن معهن ابن في درجتهن وقوتهن ، ودليل ذلك قوله تعالى:" فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك" ، ونص عليه المشرع الجزائري في المادة 147/1 من تقنين الأسرة " أصحاب الثلثين … بنتان فأكثر بشرط عدم وجود الابن ".
والمراد من قوله تعالى ( فوق اثنتين ) أي اثنتين فما فوقهما وذلك بالإجماع، ويدل عليه حديث المروي عن الترمذي: أن امرأة سعد بن الربيع جاءت رسول الله صلى الله عليه و سلم بابنتيها من سعد رضي الله عنه فقالت يارسول الله: ((هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما سعد معك بأحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا بمال، فقال صلى الله عليه و سلم: يقضي الله في ذلك )) فنزلت اية المواريث (يوصيكم الله في أولادكم) فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما(( أن أعط لبنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك )) .
فهذا الحديث الشريف نص قاطع، على أن المراد الاثنتان فأكثر، ولا عبرة بخلاف من قال ان البنتين لهما النصف، لأن الآية ذكرت أن الثلثين للبنات، إذا كن فوق اثنتين، اي ثلاثا فأكثر، فإن هذا الرأي لا يعتد به لأنه مخالف للإجماع .
الفرع الثاني: ميراث الزوجة
ترث الزوجة زوجها إذا مات قبلها سواء كان موتا طبيعيا أو موتا حكميا فهي لا تحجب من ميراث زوجها حجبا مطلقا ، ودليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى﴿ … ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ ، اي ترث الزوجة زوجها بتوفر الشروط التالية:
- أن تكون الزوجية قائمة وقت الوفاة حقيقة أو حكما: ولا يشترط الدخول الحقيقي فيه سواء وقعت الوفاة بعد الدخول أو قبله وبعد العقد، فإن كانت الزوجة مطلقة وكان طلاقها رجعيا فإنها ترث من الزوج ان مات في أثناء عدتها لأن الطلاق الرجعي لا يقطع الزوجية من حين وقوعه بل يقطعها من حين انقضاء العدة ولذلك ان المطلقة رجعيا تعامل معاملة الزوجة من جميع الوجوه، وعلى ذلك المطلقة طلاقا رجعيا ما دامت في العدة وحدثت الوفاة فزوجيتها قائمة ويثبت لها وإن كانت الزوجة مطلقة طلاقا بائنا فإن هذا الطلاق إن كان المقصود به الفرار من الإرث وكان الطلاق قد وقع أثناء مرض الزوج مرض الموت وهو المرض الذي من شأنه الموت عاده واتصل بالموت وكان الطلاق من غير طلب الزوجة أو رضاهافإن مات المطلق ورثته المطلقة لأنه ان كان هذا الطلاق يقطع الزوجية إلا أنه يقصد المطلق به حرمان زوجته من الميراث.
- أن تكون الزوجية صحيحة: معنى هذا الشرط أن يكون عقد الزواج صحيحا فإن كان العقد فاسدا فلا ترث منه ولو مضت مدة كبيرة على زواجهما لأن العقد الفاسد لا ينتج اثرا ولا يعترف بوجوده حتى لو لم يعلم الزوجان بفساد العقد فمن تزوج امرأة ثم تبين أنها أخته من الرضا فلا توال تم بينهما وإن لم يعلم الزوجان إلا بعد الدخول .
وعليه متى توفرت الشروط السابقة يترتب للزوجة حالتين من الميراث وهما:
أولا: الربع(¼)
للزوجة الواحدة فأكثر ، أن ترث ربع تركة زوجها المتوفى، إذا لم يكن له فرع وارث منها أو من غيرها ، ودليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى " … ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد".
ونص عليها المشرع الجزائري في المادة 2/145 تقنين الأسرة:"... أصحاب الربع ... الزوجة أو الزوجات بشرط عدم وجود الفرع الوارث للزوج"، نستنتج من الأدلة السابقة ان للزوجة ربع ما ترك زوجها في حال انعدام الفرع الوارث مذكرا كان أو مؤنث سواء منها أو من غيرها.
ثانيا: الثمن (⅛)
وارث الثمن واحد وهي الزوجة فقط لا غير، حيث ترث من تركة زوجها إذا كان للزوج فرع وارث مطلقا سواء كان منها او من زوجة أخرى تنفرد بهذا النصيب عند انفرادها .
ودليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: "...فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصيه توصون بها أو دين".
كما نص المشرع الجزائري في المادة 146 من تقنين الأسرة " أصحاب الثمن… الزوجة أو الزوجات عند وجود الفرع الوارث الزوج".
و عند التعدد تشترك الزوجات في الربع أو الثمن بالتساوي وذلك لتفادي الاجحاف ببقية الورثة، لأنه لو أعطى كل واحدة الفرض كاملا لأخذن كل التركة إذا ترك أربع زوجات بلا ولد، أو نصفها إن كان معهن ولد .
الفرع الثالث: ميراث الأم
يراد بالأم أصل الميت وهي الأنثى المباشرة التي لم يفصل بينها وبين فروعها واسطة، وللأم منزلة كبيره و تحتل المكانة اللائقة بها وبين الاناث الوارثات في الطريقة، حيث أنها أقرب أنثى إلى الميت بعد فرعه البنت أو بنت الابن، لذلك فإنها لا تحرم من الميراث ولا يقل نصيبها في التركة عن السدس في العادة والأم ترث بالفرض دائما وقد ثبت بالاستقراء أن هذا الطريق يضمن لها الميراث في كل الأحوال وها هي حالات ميراث الأم .
ودليل ميراث الأم من القرآن الكريم قوله تعالى:﴿...ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فان كان له إخوة فلامه السدس...﴾عليه فللأم ثلاث حالات فرضا وهي:
أولا: السدس(⅙)
إذا كان للميت فرع وارث مذكر أو مؤنث، كمن ترك أبا وأما وولدا، أو كان للميت أكثر من واحد من الاخوة والاخوات كانوا اشقاء أو لأب أو لأم كمن ترك أبا وأما وأختين .
ودليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى:﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد» وأيضا «فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾.
كما نص المشرع على هاتين الصورتين معا في المادة 2/149 من تقنين الأسرة الجزائري "أصحاب السدس...الأم بشرط وجود فرع وارث أو عدد من الإخوة سواء كانوا وارثين أو محجوبين".
ثانيا: الثلث(⅓)
والمقصود بالثلث هنا هو ثلث التركة بكاملها ويكون للأم هذا النصيب في حالة انعدام الفرع الوارث مطلقا وانعدام جمع من الاخوة والاخوات، وجاء في هذا قوله تعالى﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾.
ونص المشرع في المادة 148 من تقنين الأسرة الجزائري " أصحاب الثلث … الأم بشرط عدم وجود الفرع الوارث أو عدد من الاخوة سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم ولو لم يرث.
ثالثا: ثلث الباقي
ترث الأم ثلث الباقي من التركة بطريق الفرض بعد حصول أحد الزوجين على فرضه في حالة انحصار الميراث بينها وبين أحد الزوجين والأب ولا يوجد في الورثة فرع وارث ابن او بنت او اثنان فأكثر من الاخوة والاخوات .
وقد حدد بالثلث الباقي بدلا من ثلث التركة اذ أنه من غير المعهود في الشريعة الاسلامية أن ترث الأنثى ضعف نصيب الذكر، ولهذا قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن نصيب الأم في هاتين الحالتين ليسا ثلثا التركة وانما هو ثلث الباقي بعد اخذ أحد الزوجين نصيبه .
وقد جاء في متن الرحبية للإمام موفق الدين أبي عبد الله محمد الرحبي:
وإنْ يكُنْ زوجٌ وأمٌ وأبُ فثُلُثُ الباقى لَها مُرَتَّبُ
وهكَذا معْ زوْجَةٍ فصَاعِدا فلا تَكُنْ عَنِ العُلومِ قاعِدا
المطلب الثاني: النساء اللواتي يحجبن حجب إسقاط
سندرس في هذا المطلب أنصبة النساء اللواتي يحجبن حجب إسقاط من الميراث فرضا، حسب التقسيم التالي، ميراث بنت الابن في (الفرع الأول)، ميراث الجدة في (الفرع الثاني)، ميراث الأخوات الشقيقة في (الفرع الثالث)، ميراث الأخوات لأب في (الفرع الرابع)، ميراث الأخوات لأم في (الفرع الخامس).
الفرع الأول: ميراث بنت الابن
المقصود ببنت الابن هي كل انثى للمتوفي عليها ولادة بواسطة أبنائه سواء أكان ابوها ابن الميت لصلبه أم ابن ابن ،وهي لا ترث مع وجود الابن وتقوم مقام البنت عند فقدها .
والأصل في ميراثها دخولها في قوله تعالى:﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾
فلفظ الأولاد الوارد في الآية يشمل الأولاد المباشرين، كما يشمل الأولاد البنين مهما نزلوا وقد انعقد الاجماع في ذلك ، وبهذا فإن بنت الابن ترث فرضا وفق أربع حالات، و هي:
أولا: النصف (½)
نص المشرع الجزائري في المادة 144/3 من تقنين الأسرة " أصحاب النصف… بنت الابن بشرط انفرادها عن ولد الصلب ذكرا كان أو انثى وولد الابن في درجاته"، أي ترث بنت الابن النصف فرضا بتوفر ثلاث شروط حددتها الشريعة الإسلامية وهي:
- أن تكون واحدة: فان كانتا اثنتين فأكثر استحقا الثلثين.
- ألا يكون معها ابن ابن: فإن وجد انتقل ارثها من الفرض الى التعصيب للذكر مثل حظ الاثنين.
- ألا يوجد فرع أعلا منها الدرجة من ابن أو بنت: فإن كان ابنا حجبها وان كان بنتا واحدة اخذت بنت الابن معها السدس تكملة الثلثين وان كان الفرع بنتين فأكثر سقطت بنت الابن، إلا إذا وجد معها ابن ابناو انزل منها وهو ابن ابن الابن او انزل فإنه يعصبها وترث معه الباقي بعد الفرض او الفروض للذكر مثل حظ الانثيين .
ثانيا: الثلثان (⅔)
نص المشرع الجزائري في المادة 147/2 من تقنين الأسرة الجزائري" اصحاب الثلثين… بنتا الابن فأكثر بشرط عدم وجود ولد الصلب، وابن الابن في درجته" ومنه ترث بنتي الابن فأكثر الثلثان وفقا للشروط التالية:
- أن تكون بنات الابن أكثر من واحدة: لأن الواحدة فرضها النصف كما سبق.
- ألا يكون معهما ابن ابن فأكثر: فان وجد انتقل ارثهما من الفرض الى التعصيب للذكر مثل حظ الانثيين.
- عدم وجود فرع وارث أعلى منهن درجة من ابن او بنت: فان كان ابنا حجبهما وإن كانت بنتا واحدة اخذت بنتا الابن فأكثر معهما السدس تكملة الثلثين، وإن كان الفرع بنتين فأكثر سقطت بنتا الابن فأكثر إلا إذا وجد معهن المعصب وهو ابن الابن الذي في درجتهما أو الذي انزل فعندها تتعصبان به للذكر مثل حظ الأنثيين .
ثالثا: السدس (⅙)
نص المشرع الجزائري في المادة 149/5 من تقنين الأسرة " أصحاب السدس … بنتي الابن ولو تعددت بشرط ان تكون مع بنت واحدة وان لا يكون معها ابن ابن في درجتها".
أما الدليل على السدس من السنة، فلما روى الأشعري رضي الله عنه أنه سئل عن ابنة وبنت ابن وأخت فقال: للابنة النصف وللأخت الباقي، وأت ابن مسعود فإنه سيتابعني، فسئل عن ذلك ابن مسعود رضي الله عنه فقال: ضللت إذا وما أنا من المهتدين أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين والباقي للأخت" ، فترث بنت الابن السدس وفقا لشرطين:
- أن تكون مع بنت الابن بنت: تستحق بنت الابن واحدة او أكثر السدس إذا وجد معها بنت واحدة والأصل في ذلك أمران، أن النساء من البنات وبنات الابن حقهن الثلثان، وعند وجود بنت واحدة وبنات ابن تختص البنت النصف لقوة قرابتها، ويبقى من الثلثين الذي هو حق البنات سدس فتأخذه بنت الابن واحدة او أكثر، وقد انعقد الاجماع على ذلك وهنا جاء القول على لسان الفرضيين: السدس تكملة الثلثين .
- ألا يكون مع بنت الابن ابن صلبي اعلى منها درجة:اذ تحجب بوجود ابن صلبي أعلى منها درجة وفي وجود الصلبيتين الا إذا وجد معها معصب .
رابعا: الحجب
تحجب بنت الابن واحدة او أكثر بالابن الواحد او أكثر وسبب الحجب أمران:
- أن الابن عصبة فلا ترث معه بنت الابن تعصيبا لأنها أدنى منه درجة، ولا فرضا لان البنات لا يرثن معه بالفرض فبنات الابن أولى.
- أن بنت الابن لا ترث مع الابن إما أن تكون بنته فلا ترث مع أبيها وأما ان تكون بنت أخيه والأخ مساو لأخيه فلا ترث معه كذلك
الفرع الثاني: ميراث الجدة
الجدة هي أم الأم وإن علت بمحض الإناث وأم الاب وأم أبي الأب وإن علون ، والجدة نوعان، الجدة الصحيحة هي التي لا يدخل في نسبتها إلى الميت ذكر بين أنثتين. وهي أحد الأبوين، وأم الجد الصحيح، وأم الجدة الصحيحة، مثل أم الأم، أم الأب، وأم أم الأم، وأم أبي الأب. وأما الجدة غير الصحيحة، مثل أم أبي الأم، أم أبي أم الأب، وهي من ذوي الأرحام المؤرخين في الإرث عن أصحاب الفروض والعصبات ، أي لا ترث لا بالفرض ولا بالتعصيب.
والأصل في توريث الجدة الصحيحة أو الثابتة، ما رواه أبو داود عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس، إذا لم يكن دونها أم. وكذا ما رواه الإمام أحمد بن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للجدتين بالسدس بينهما.
وقد أعطى أبو بكر أم الأم السدس بحديث رواه المغيرة ومحمد بن مسلمة. كما أجمع الصحابة في عهد عمر وعلي رضي الله عنهما على إعطاء أم الأب السدس، لقوله عليه السلام " أطعموا الجدات السدس" .
أولا: السدس (⅙)
سواء كانت واحدة أم أكثر وسواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم، وللمتعددات منهن إذا تساوين في الدرجة كأم أم مع أم أب، فإنهما يقتسمان السدس بالسوية بينهما.
ولو كانت إحداهن تدلي للميت بجهتين أو أكثر، كأم أم أم الميت التي هي أم أبي أبي الميت فلها السدس ، وتتحقق إذا تزوج شخص من بنت عمه أو بنت خالته فإن هذه الجدة ترث في كلتا الحالتين .
ونص المشرع الجزائري في المادة 4/149 من تقنين الأسرة الجزائري:"أصحاب السدس... الجدة سواء لأب أو لام وكانت منفردة، فان اجتمعت جدتان وكانتا في درجة واحدة قسم السدس بينهما، أو كانت التي للأم أبعد، فان كانت هي الاقرب اختصت بالسدس".
ثانيا: الحجب
تحجب الجدة حجب حرمان في ثلاث حالات:
- بالأم:
تحجب الأم الجدة حجب حرمان من أي جهة كانت، سواء كانت من جهة الأم أو من جهة الأب، بمعنى أنه لا ميراث للجدة مع وجود الأم لأن توريث الجدة إنما هو بسبب الأمومة وهي ترث السدس عند غياب الأم أما إذا وجدت الأم الحقيقية فلا ميراث للجدة مطلقا سواء كانت من جهة هذه الأم أو كانت من جهة الأب اما إذا كانت الأم موجودة ولكنها غير وارثة بسبب مانع من موانع الميراث فإنها تعتبر كأن لم تكن ولا تحجب الجدة .
- بالأب:
بالنسبة للأب فإنه يحجب الجدة الأبوية و هي أم الأب لأنها تدلي إلى الميت بواسطته، فلا ترث معه و لأن الأب أقرب في الدرجة منها إلى الميت بينما لا يحجب الأب الجدة لأم لأنها لا تدلي إلى الميت بواسطته، كما لا يحجب الأب الجدة ذات القرابتين لأنه إذا حجبها من جهة الأب فإنها ترث من جهة الأم، فلو مات شخص عن أب، أم أم، أم أب فإن الجدة لأم ترث السدس ولا تحجب بالأب فيأخذ الاب الباقي تعصيبا ولا ترث أم الأب لأنها محجوبة بالأب .
- بالجدة القربى:
الأصل أن الجدة القريبة تحجب الجدة البعيدة. لكن استثناء الجدة لأب القريبة لا تحجب الجدة لأم البعيدة، بل تتقاسمان السدس فيما بينهما. (أي أن الجدتان إن كانتا في درجة واحدة اقتسمتا السدس، وإن كانت التي لأم أبعد اقتسمتا السدس أيضا، وإن كانت التي لأب أبعد حجبتها التي لأم)، فكما أن الأب يحجب الجدة لأب ولا يحجب الجدة لأم، فكذلك الجدة لأب الأقرب تحجب الجدة لأب الأبعد فقط ولا تحجب الجدة لأم الأبعد، أما الجدة لأم الأقرب فهي تحجب الجدة الأبعد مطلقا لأم كانت أو لأب مثلما تحجب الأم الجدة مطلقا لأم كانت أو لأب .
الفرع الثالث: ميراث الأخوات الشقيقات
يسمى الأخوات الشقيقات ببني الأعيان، لأن عين الشيء خياره، وهؤلاء خيار الأخوة لارتباطهم بالميت من جهتين، فكأنهم من ذات الميت وعينه. فالأخت الشقيقة هي الأنثى التي شاركت الميت في الأب والأم . و يشترط لميراثها الشروط الآتية:
- ألا يوجد فرع وارث ذكر أو أنثى، لأنه لو وجد فرع وارث ذكر حينئذ يحجب الاخوة والاخوات و إذا وجد الفرع الانثى فإنهن يرثن بالتعصيب مع الغير.
- ألا يوجد أصل وارث ذكر لأنه لو كان ابا لحجبهن بالإجماع ولو كان جدا لحجبهن على الراجح.
- ألا يوجد معصب وهو الاخ فإذا وجد عصبهن التعصيب بالغير للذكر مثل حظ الأنثيين .
ودليل ميراث الأخوات الشقيقات من القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم﴾، و المراد بالكلالة هو الميت الذي ليس له والد ولا ولد ، ويرثن فرضا وفقا لحالتين:
أولا: النصف (½)
ترث النصف بثلاثة شروط:
- ألا يكون معها أخ معصب وهو (الأخ الشقيق).
- أن تكون واحدة فقط.
- ألا يكون للميت أصل وفرع (الأصل يراد به الذكر كالأب والجد، والفرع الذكر والأنثى) . ودليل ذلكقوله تعالى:﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾.
ونص المشرع الجزائري في المادة 144/4 من تقنين الأسرة " أصحاب النصف …لأخت الشقيقة بشرط انفرادها، وعدم جود الشقيق والأب، وولد الصلب، وولد الابن ذكرا أو انثى، وعدم الجد الذي يعصبها".
ثانيا: الثلثان(⅔)
هذا الفرض إنما يكون لأكثر من واحدة من الأخوات الشقيقات متى ما توفرت الشروط التالية:
- أن لا يجتمع معها الاخ الشقيق.
- أن لا يكون للميت فرع وارث ذكرا كان أو انثى.
- أن لا يكون للمتوفى أب بالاتفاق ولا جد عند أبي حنيفة ولأن الأب يحجبها والجد يقاسمها للذكر مثل حظ الانثيين . ودليل ذلك من القران الكريم:﴿فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾. كما نص المشرع الجزائري في المادة 147/3 من تقنين الاسرة " اصحاب الثلثين ... الشقيقتان فأكثر بشرط عدم وجود الشقيق الذكر او الاب، او ولد الصلب "
ثالثا: الحجب
يحجبن حجب حرمان بالفرع المذكر ويحجبهن الأب، والفرع المذكر بالاتفاق أما الأب فلأنهن يدنين به، ومن المقرر فقها أن من يدلي إلى الميت بوارث يحجب عند وجود ذلك الوارث، واختلف العلماء في حجب الجد للأخوات الشقيقات، فقال أبو حنيفة أنه يحجبهن .
الفرع الرابع: ميراث الأخوات لأب
الأخوات لأب ويسمون ببني العلات، أي جمع علة وهي الضرة، وسموا بذلك لأن أمهاتهم شتى فهن ضرات ، والأخوات لأب هن أخوات الميت من أب واحد وأم مختلفة، فيرثن بالفرض عند توافر ثلاثة شروط:
- أن لا يوجد فرع وارث لأنه لو وجد فرع وارث ذكر حجبهن.
- أن لا يوجد أصل وارث ذكر أب أو جد.
- ألا يوجد معصب، و هو أخوهن.
قال ابن المنذر رحمه الله:" واجمعوا على أن الإخوة والأخوات من الأب يقومون مقام الإخوة والأخوات من الأب والأم ذكورهم كذكورهم وإناثهم كإناثهم إذا لم يكن للميت إخوة ولا أخوات لأب ولأم" ، ويرثن بالفرض وفق أربعة حالات:
أولا: النصف(½)
ترث الأخت لأب النصف بتوفر ثلاث شروط:
- أن تكون منفردة.
- أن لا يكن معها أخ لأب يعصبها.
- عدم وجود الأصل (الأب) والفرع الوارث.
- عدم وجود الأشقاء والشقيقات .
نص المشرع الجزائري في المادة 144/5منتقنين الأسرة" أصحاب النصف ... الأخت لأب بشرط انفرادها وعن الأخ والأخت للأب وعمن ذكر في الشقيقة".
ثانيا: الثلثان(⅔)
ترث الأخت لأب الثلثان فرضا بتوفر الشروط التالية:
- أن يتعددن أي اثنتين فأكثر من الأخوات لأب.
- أن لا يكن معهن عاصب كالأخ لأب أو البنت أو بنت الابن.
- أن لا يكن معهن حاجب كالفرع الوارث المذكر أو الأب أو الأخ الشقيق أو الأختين الشقيقتين
نص المشرع الجزائري في المادة 147/ 4 من تقنين الاسرة" أصحاب الثلثين … الأختان لاب فأكثر بشرط عدم وجود الأخ لأب ومن ذكر في الشقيقتين أصحاب الثلث''.
ثالثا: السدس (⅙)
ترث الأخوات لأب السدس عند توفر الشروط التالية:
- أن تكون واحدة أو أكثر مع الأخت الشقيقة الواحدة تكملة للثلثين، فإن فرض الشقيقة النصف فلا يبقى من نصيب الأخوات إلا السدس.
- أن لا يكون معها أخ لأب، وإلا أخذا معا الباقي تعصيبا.
نص المشرع الجزائري في المادة 149/6من تقنين الأسرة " أصحاب السدس …. الأخت لأب ولو تعددت بشرط أن تكون مع شقيقة واحدة وانفرادها عن الأخ لأب، والأب والولد ذكرا كان او أنثى".
رابعا: الحجب
تحجب الأخت لأب حجب حرمان بالأخ من الأبوين مطلقا، وبالأختين فأكثر من الأبوين إذا لم يكن معها من يعصبها، وبالأخت من الأبوين إذا كانت عصبة مع الغير، وبمن يحجب الأخت من الأبوين .
كما أكد المشرع الجزائري ذلك في المادة 164 من تقنين الأسرة "يحجب الأخت لأب كل من الأب، والإبن، وابن الابن وإن نزل، والأخ الشقيق والأخت الشقيقة إذا كانت عاصبة مع غيرها، والأختين الشقيقتين إذا لم يوجد أخ لأب".