لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (72%)

سار التابعون الله ومن بعدهم من السلف والمحدثين على خطا أصحاب النبي ﷺ في العناية بالسُّنَّة وحفظها، وبذلوا جهدهم في سبيل أداء هذه الأمانة على أكمل وجه، وقد كان لاستقرار الرأي على كتابة الحديث أثر كبير في انتشار السُّنَّة، كما كان لتغير أحوال الناس ووجود الاختلافات السياسية وظهور البدع أثر في الاحتياط في تلقي الحديث والتفتيش في الأسانيد
مرت رواية الحديث بأطوار متعدّدة عبر العصور، من لدن صدر الإسلام حتى استقرت المرويات في المصنفات الكبار، وكانت هناك عوامل متعدّدة لها أثر في الرواية في شتى مراحلها وأطوارها، وكان لبعضها أثر في جوانب من منهج المحدثين في التحمل والرواية والنقد. ولم يكن تأثير هذه العوامل على الرواية سلبيا، بل إنَّ المحدثين قد تعاملوا معها بوعي للحفاظ على السُّنَّة النبوية، وقد ظهر ذلك جليا من خلال قواعد قبول الرواية وانتقاء الرواة ونقد المرويات، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. كان المسلمون في زمن النبي ، ثم في خلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان = على خير واجتماع كلمة وتمسك بالسُّنَّةِ، ولم تكن الخلافات السياسية أو المذهبية قد ظهرت بعد. ثم بدأت تلك الخلافات تظهر في أواخر خلافة عثمان الله بعد أن ثارت الفتنة التي أدت إلى مقتله، وكان ذلك أول خلاف ظهر بين المسلمين، وبه بدأ ظهور الأهواء الدخيلة على الإسلام. ثم ازدادت الخلافات بعد وقوع الفتن الأخرى؛ كالشيعة والخوارج، وظهر الكذب في حديث النبي ﷺ؛ لأنَّ بعض هذه الفرق لم تجد في نصوص القرآن والسنة الصحيحة ما يُؤيد بدعتها، فلجأت إلى انتحال الكذب. واختلقت أحاديث في مسألة الخلافة والأحق بها، وذم غيرهم. وكانت الرافضة أول فرقة وضعت الأحاديث نصرة لمذهبها، وذلك للتقدم الزمني لها من جهة، واستحلالها الكذب من جهة ثانية. ولذا حذر الأئمة من الرواية عن الرافضة،أحاديث أهل العراق؛ ومن ذلك : أنه لما جاء جماعة من أهل العراق إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ، وطلبوا منه أن يُحدثهم؛ قال: «إنَّ من أهل العراق قوما يكذبون ويكذبون ويسخرون (۱). وقال بعض الحفاظ : «تأملتُ ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته، فزاد على ثلاثمئة ألف (٢). قال: كنا إذا اجتمعنا واستحسنا شيئًا؛ جعلناه حديثا. الجامع لأخلاق الراوي (۱/ ۱۳۸). فتاب منه - قال: «لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئًا، فوالله لقد كنا نضع الأحاديث، تدخل بها الناس في القدر نحتَسِبُ بها» (۳). فقالوا: نحن نكذب له، فذهبوا إلى جواز وضع الحديث ترغيبا للناس في الطاعة، وزجرًا لهم عن المعصية (٤). ج وكان للزنادقة نصيب وافر من ذلك أيضًا، فقد كانوا يتسترون بالإسلام، ويضعون الأحاديث في تحليل الحرام وتحريم الحلال تشويها للدين، وإيقاعا للشك والريب في نفوس الناس. فهي تجول في أيدي الناس (0) وساهم القصاص أيضًا في وضع الحديث ، فرووا الغرائب والمناكير، رغبة في استثارة عواطف الناس ولفت انتباههم،من المؤلفات في التحذير من أحاديث القصاص: 1. لابن تيمية (٧٢٨هـ). . تحذير الخواص من أكاذيب القصاص»، هـ وكان لبعض جهلة الصالحين كثر في وضع الأحاديث وانتشار الغرائب والمناكير؛ فوضعوا الأحاديث حسبة بقصد ترغيب الناس في عمل الخير، وزجرهم عن الشر. فكان له دور كبير في ظهور الأحاديث الموضوعة، فوضعت أحاديث كثيرة في فضائل بلدان معينة أو لغات أو قبائل، والموطات، والمصنفات، وغيرها، كما سيأتي بيانه في الوحدة الثانية. وقد اعتنى الأئمة بالكلام على الأسانيد، وتواريخ الرجال وأحوالهم جرحًا وتعديلا، والرحلة في طلب الحديث، وروايته وتحمله، والتصنيف فيه، منها: تطور الرواية في هذه القرون، فصارت رواية الكتب أكثر من رواية الأحاديث، وزيادة الاهتمام بالإجازة؛ بسبب كثرة الشيوخ ومروياتهم وطول الأسانيد. الانتخاب على الشيوخ والانتقاء من مروياتهم أكثر مما كان موجودًا من قبل. ج انتشار مجالس الإملاء، وكثرة الإقبال عليها
ثم تلقى أتباع التابعين العلم عن التابعين، حتى دونت الكتب، وقد برزت في العصر الأول مدرستان كبيرتان أولاهما في الحجاز (المدينة ومكة)، والثانية في العراق (الكوفة). ولا ريب أن المدينة كانت مركز العلم الأول بعد وفاة النبي ﷺ، وكان فيها أكثر الصحابة ، من أشهرهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وكان بعد هؤلاء طبقة أخرى أخذت العلم عن كبار التابعين؛ كابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأمن مكة فكان فيها حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ، كسعيد بن جبير، وغيرهم. وكان بعد هؤلاء طبقة أخذت العلم عنهم أو عن بعضهم؛ كعمرو بن دينار، وأما مدرسة الكوفة فإمامها الصحابي الجليل : عبد الله بن مسعود له، والأسود بن يزيد، ومن بعدهم: إبراهيم النَّخَعي، وعامر الشعبي. وكان بعد هؤلاء طبقة فيها : الأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، ومن بعدهما طبقة فيها سعيد بن أبي عروبة، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وغيرهم. وبالشام: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وبواسط: هشيم بن بشير. وقد سار التابعون فمن بعدهم على طريقة الصحابة في تلقي الأخبار وروايتها، ا قوی و استفادوا من منهجهم في التعامل مع المتغيرات التي طرأت في زمانهم، ومن ذلك: الأسباب التمسك بالسنة والالتزام بها. منهج الله بعين التي طرية في زمانهم فقد كانوا على درجة رفيعة من التمسك بالسنة، وكانوا يحثون تلاميذهم على الاعتصام بها وامتثالها، وهذا من أعظم وسائل حفظها. ب وقول الأوزاعي: «إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإيَّاك أن تقول بغيره، فإنَّ رسول الله ﷺ كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى ) (٢). ج - وقوله أيضًا: ندور مع السنة حيث دارت (۳). السؤال عن الإسناد. كان السلف الصالح من التابعين فمن بعدهم أمناء على سنة النبي ، فكانوا يحتاطون في نقلها، ولا يقبلون الرواية إلا عن أهل الصدق والإتقان. ومما يدل على ذلك :
أ- قول محمد بن سيرين إنَّ هذا العلم دين، ب وقول سفيان الثوري: «الاسناد سلاح المؤمن، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (۳). التثبت والاحتياط في التحمل والتلقي. ومن صور ذلك: سؤال الراوي والتأكد منه. ومن ذلك ما رواه . ا رواه مسلم (4)، فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ؟ قال أبو هريرة: «نعم». الرجوع إلى صاحب القصة للتحقق من الحديث. قال عروة بن الزبير: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مَسَّ الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، وقلت: لا وضوء على مَن مَسَّه، فقال مروان أخبرتني بسرة بنت صفوان، فذكر الحديث، قال عروة فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا مِن حَرَسِه، فأرسله إلى بسرة، فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان (0). قال يزيد بن أبي حبيب: «إذا سمعت الحديث فانشده كما تَنشُدُ الضَّالَّةَ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْه، وإلا فدعه ). وقال أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء» (۷) وقال مرة: «شر الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها ولا يعتمد عليها (۸)
ولا حدثني رجل بحديث وأحببت أن يُعيده علي، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته (۱). ب وقول علقمة: «أطيلوا كر الحديث لا يَدْرُس ) (۲). تحفظوه » (۳). العناية بمذاكرة الحديث. اعتنى التابعون فمن بعدهم من المحدثين بمذاكرة الحديث عناية فائقة، فلم يكونوا يكتفون بحفظ الحديث في صدورهم، بل كانت تعقد مجالس للمذاكرة، وتقام المناظرات بين أصحاب الحديث فيها. ومما يدل على ذلك: أ- قول علقمة: تذاكروا الحديث؛ ب وقال يزيد بن أبي زياد التقى ابن أبي ليلى وعبد الله بن شداد بن الهاد، فتذاكرا الحديث، فسمعت أحدهما يقول للآخر : يرحمك الله، فرب حديث أحييته في صدري كان قدمات » (٥). ج- وقال علي بن الحسن بن شقيق يقول: كنت مع عبد الله بن المبارك في المسجد في ليلة شتوية باردة، فقمنا لنخرج، فلما كان عند باب المسجد ذاكرني بحديث أو ذاكرته بحديث، فأذن لصلاة الصبح (1) . الرحلة في طلب الحديث وسماعه. فقد كان التابعون يرحلون إلى الصحابة ليأخذوا العلم عنهم، ثم رحل أتباع التابعين إلى التابعين، حتى اتسع نطاق الرحلة شيئًا فشيئًا. ومما يدل على ذلك:
ج - وقول هشيم: كنتُ أكون بأحد المصرين، فيبلغني أنَّ بالمصر الآخر حديثا، ومعرفة مصادرها ومخارجها. معرفة أحوال الرواة، اللقاء بالحفاظ، ومذاكرتهم، وللرحلة آداب يذكرها المحدثون، وإتقان المعرفة به. استئذان الأبوين في الرحلة. اختيار الرفيق الصالح في الرحلة. الرجوع إلى الوطن والإقامة فيه عند انتهاء الغرض المقصود من الرحلة. طلب علو الإسناد. كان أهل الحديث يرغبون في الإسناد العالي ويتطلبونه، بغية التثبت من رواية راوي الخبر، ولكون العلو أقرب إلى الصحة وأبعد عن الخطأ؛ لأن الإسناد العالي تقل الوسائط فيه، فيقل احتمال وقوع الخطأ فيه. لذا اعتنى الأئمة في عصور الرواية بطلب علو الإسناد، حتى قال أحمد: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف (٥)، كما جاء عن ابن المديني أنه قال:
النزول شؤم (۱)، وعن ابن معين: الحديث بنزول كالفرحة في الوجه » (٢). وقد كان عقد مثل هذه المجالس دأب أهل الحديث من قديم، وكان يحضرها الجم الغفير من الناس، حتى شاع عندهم اتخاذ المستملين، وهم الذين يبلغون كلام المحدث إلى الناس البعيدين الذين لا يصلهم صوته. وكان لمثل هذه المجالس الأثر الكبير في نشر الحديث على نطاق واسع، ثم تطورت من حيث المضمون، فصار بعض الشيوخ يسوق طرق الحديث ومتابعاته وشواهده بأسانيده، ويتكلم عليها، وصار لمثل هذه المجالس آداب خاصة عندهم، اختبار الشيوخ والرواة. فتنكشف حال الراوي بعد الاختبار، وقد ابتكروا في هذا السبيل أصنافا من الاختبارات؛ كاختبار الراوي بالسؤال عن وقت سماعه، أو بقلب الأحاديث وإدخالها عليه، وغير ذلك. ومن الأمثلة على ذلك: أ- ما جاء عن إسماعيل بن عياش قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هاهنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سنین (۳). ب وعن حماد بن سلمة قال: كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا إنما حدثناه أنس، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس ؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى (4)
طرق التابعين فمن بعدهم في ضبط الحديث اعتنى التابعون ومن بعدهم من المحدثين بضبط الحديث أشد اعتناء، وبالغوا في إتقان المكتوب وضبط المحفوظ ؛ ليبلغوه كما سمعوه، والتثبت من المكتوب. ومن ذلك: أ- ما جاء عن محمد بن عمرو أنه قال: «لا والله لا أحدثكم حتى تكتبوه، إني أخاف أن تغلطوا علي (٢) . ب وقال طلحة بن عبد الملك: أتيتُ القاسم وسألته عن أشياء، فقلت: أكتبها؟ قال: نعم، فقال لابنه: انظر في كتابه، لا يزيد علي شيئًا»، قلت: يا أبا محمد، إني لو أردت أن أكذب لم آتِكَ»، قال: «إني لم أرد ، وصحيفة سعيد بن جبير عن ابن عباس ، الاهتمام بضبط الكتاب وإصلاح الغلط. ومن مظاهر هذا الاهتمام: - توضيح الكتابة، وإزالة الإبهام والاستعجام عنها بالنقط ونحوه. قال الأوزاعي: «العَجْمُ (۲) نور الكتاب» (۳). ب - ضبط الكتابة، والتحرز من التصحيف، فاشهد له بالصحة (٤). وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيتُ عفَّانَ يحض أصحاب الحديث على الضبط والتغيير؛ ليصححوا ما أخذوا عنه من الحديث (٥). - معارضة الكتاب بأصله ومقابلته. قال: عارضت ؟ قلت: لا، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، فبذلوا في سبيل ذلك الجهود العظيمة. والكلام على منهج النقد عند المحدثين وأثره في حفظ السنة النبوية = لا يفي به مثل هذا المقام، نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها . وهو مضمار كبير، فابتكروا فيه العلوم، وقعدوا له القواعد، وألفت فيه المؤلفات النظرية والتطبيقية. وقد وضع أهل الحديث لهذا النقد قواعد دقيقة، مبنية على أصول علمية محكمة، تراعي حال الراوي في نفسه من جهة ديانته وصدقه، وتراعي حاله في شیخه وطريقة سماعه وروايته، وعرض روايته على روايات غيره والمقارنة بينها؛ للكشف عن سلامة روايته من الخطأ. ولكل قاعدة من تلك القواعد ضوابط وأصول تحكمها، حتى نتج عن ذلك تراث ضخم في النقد نظريا وتطبيقيا. فنعرضه على أصحابنا كما يُعرَضُ الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذنا به، وما أنكروا تركنا» (٢). ب تحملهم عناء السفر في سبيل التحقق من صحة الأحاديث، ومن ذلك: قصة رحلة شعبة بن الحجاج ليتأكد من صحة حديث الوضوء؛ حيث رحل إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم إلى البصرة (۳ ج - وقول ابن المبارك: «إذا أردت أن يصح لك الحديث؛ فاضرب بعضه ببعض (۱). التحذير من الكذابين وتبيين الأحاديث الموضوعة. مع ظهور الوضع في الحديث إبان فشُو الفتن والأهواء والبدع في هذه الأمة = شمر المحدثون عن ساعد الجد للكشف عن هذه الأحاديث وتبيينها والتحذير منها؛ لئلا يغتر الناس بها. ومما يدل على ذلك أن الرشيد أخذ زنديقا ليقتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ قال: «فأين أنت - يا عدو الله - عن أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك؟ ينخلانها، فيخرجانها حرفا حرفًا» (٢). ومنه قول يحيى بن سعيد القطان: لم تر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، وفسره مسلم بأن الكذب يجري على لسانهم ولا يتعمدونه (۳). ج - استعمال التاريخ في كشف كذب الكذابين الذين يدعون السماع ممن لم يلقوهم. ومن ذلك قول سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب؛ استعملنا لهم التاريخ (4). نقد الرواة، والتحذير من الرواية عن الضعفاء.


النص الأصلي

سار التابعون الله ومن بعدهم من السلف والمحدثين على خطا أصحاب النبي ﷺ في العناية بالسُّنَّة وحفظها، وبذلوا جهدهم في سبيل أداء هذه الأمانة على أكمل وجه، وقد كان لاستقرار الرأي على كتابة الحديث أثر كبير في انتشار السُّنَّة، كما كان لتغير أحوال الناس ووجود الاختلافات السياسية وظهور البدع أثر في الاحتياط في تلقي الحديث والتفتيش في الأسانيد


مرت رواية الحديث بأطوار متعدّدة عبر العصور، من لدن صدر الإسلام حتى استقرت المرويات في المصنفات الكبار، وكانت هناك عوامل متعدّدة لها أثر في الرواية في شتى مراحلها وأطوارها، وكان لبعضها أثر في جوانب من منهج المحدثين في التحمل والرواية والنقد. ولم يكن تأثير هذه العوامل على الرواية سلبيا، بل إنَّ المحدثين قد تعاملوا معها بوعي للحفاظ على السُّنَّة النبوية، وقد ظهر ذلك جليا من خلال قواعد قبول الرواية وانتقاء الرواة ونقد المرويات، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ومن أبرز تلك العوامل كي اثرت في رواية الاحاديث ظهور - الخلافات السياسية والمذهبية، والتغيرات الاجتماعية. كان المسلمون في زمن النبي ، ثم في خلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان = على خير واجتماع كلمة وتمسك بالسُّنَّةِ، ولم تكن الخلافات السياسية أو المذهبية قد ظهرت بعد. ثم بدأت تلك الخلافات تظهر في أواخر خلافة عثمان الله بعد أن ثارت الفتنة التي أدت إلى مقتله، وكان ذلك أول خلاف ظهر بين المسلمين، وبه بدأ ظهور الأهواء الدخيلة على الإسلام. ثم ازدادت الخلافات بعد وقوع الفتن الأخرى؛ في وقعة الجمل وصفين والنهروان وبدأ ظهور بعض الفرق؛ كالشيعة والخوارج، وظهر الكذب في حديث النبي ﷺ؛ لأنَّ بعض هذه الفرق لم تجد في نصوص القرآن والسنة الصحيحة ما يُؤيد بدعتها، فلجأت إلى انتحال الكذب. واختلقت أحاديث في مسألة الخلافة والأحق بها، وتفضيل بعض الأشخاص أو الجماعات، وذم غيرهم. وكانت الرافضة أول فرقة وضعت الأحاديث نصرة لمذهبها، وأكثر الفرق أثرًا في الرواية؛ وذلك للتقدم الزمني لها من جهة، واستحلالها الكذب من جهة ثانية. ولذا حذر الأئمة من الرواية عن الرافضة، وكان الصحابة والتابعون ومن بعدهم يتقون


أحاديث أهل العراق؛ لكثرة الرافضة فيهم، ومن ذلك : أنه لما جاء جماعة من أهل العراق إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ، وطلبوا منه أن يُحدثهم؛ قال: «إنَّ من أهل العراق قوما يكذبون ويكذبون ويسخرون (۱). وقال بعض الحفاظ : «تأملتُ ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته، فزاد على ثلاثمئة ألف (٢). قال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم - يعني: الرافضة - تاب، قال: كنا إذا اجتمعنا واستحسنا شيئًا؛ جعلناه حديثا. الجامع لأخلاق الراوي (۱/ ۱۳۸). القدرية المرحية ووقع الكذب أيضًا ممن انتحل بعض المذاهب البدعية الأخرى ومن ذلك : ما جاء عن محرز أبي رجاء - وكان يرى القدر ، فتاب منه - قال: «لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئًا، فوالله لقد كنا نضع الأحاديث، تدخل بها الناس في القدر نحتَسِبُ بها» (۳). وتأوَّل بعض الكرامية حديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، فقالوا: نحن نكذب له، لا عليه. فذهبوا إلى جواز وضع الحديث ترغيبا للناس في الطاعة، وزجرًا لهم عن المعصية (٤). ج وكان للزنادقة نصيب وافر من ذلك أيضًا، فقد كانوا يتسترون بالإسلام، ويضعون الأحاديث في تحليل الحرام وتحريم الحلال تشويها للدين، وإيقاعا للشك والريب في نفوس الناس. قال الخليفة المهدي: «أقرَّ عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمئة حديث، فهي تجول في أيدي الناس (0) وساهم القصاص أيضًا في وضع الحديث ، فرووا الغرائب والمناكير، رغبة في استثارة عواطف الناس ولفت انتباههم، ولذلك حذر المحدِّثون من أكاذيب القصاص، والفوا مصنفات خاصة في التحذير من مروياتهم


من المؤلفات في التحذير من أحاديث القصاص: 1. «أحاديث القصاص»، لابن تيمية (٧٢٨هـ). . تحذير الخواص من أكاذيب القصاص»، للسيوطي (٩١١هـ). هـ وكان لبعض جهلة الصالحين كثر في وضع الأحاديث وانتشار الغرائب والمناكير؛ فوضعوا الأحاديث حسبة بقصد ترغيب الناس في عمل الخير، وزجرهم عن الشر. وأما التعصب للبلدان والأجناس واللغات؛ فكان له دور كبير في ظهور الأحاديث الموضوعة، فوضعت أحاديث كثيرة في فضائل بلدان معينة أو لغات أو قبائل، وفي الحط من أخرى (1). سماع التغيرات التي طرأت على تحمل الأحاديث وروايتها كان القرنان الثاني والثالث أبرز قرون الرواية والتصنيف في السنة النبوية، وقد دونت في هذين القرنين أمهات كتب السنة؛ من الصحاح والسنن، والمسانيد، والموطات، والمصنفات، وغيرها، كما سيأتي بيانه في الوحدة الثانية. وقد اعتنى الأئمة بالكلام على الأسانيد، وتواريخ الرجال وأحوالهم جرحًا وتعديلا، وكان اعتمادهم على ما حفظوه عن مشايخهم من الحديث، ولم يكونوا ينقلون من كتب أخرى. وقد سار علماء القرن الرابع وما بعده بسير أهل هذين القرنين؛ من حيث العناية بالإسناد، والرحلة في طلب الحديث، وروايته وتحمله، والتصنيف فيه، وزادوا على ما كان فيهما أمورًا مهمة، منها: تطور الرواية في هذه القرون، فصارت رواية الكتب أكثر من رواية الأحاديث، وزيادة الاهتمام بالإجازة؛ بسبب كثرة الشيوخ ومروياتهم وطول الأسانيد. الانتخاب على الشيوخ والانتقاء من مروياتهم أكثر مما كان موجودًا من قبل. ج انتشار مجالس الإملاء، وكثرة الإقبال عليها


عناية التابعين فمن بعدهم بتلقي السنة وروايتها وحفظها )) تفرق الصحابة له في الأمصار بعد وفاة النبي ، فأقبل عليهم التابعون ينهلون من علمهم الذي حملوه عن النبي ، فكان في كل مصر من تلك الأمصار مدرسة علمية متكاملة. ثم تلقى أتباع التابعين العلم عن التابعين، ثم تلقاه عنهم من بعدهم خلفا عن سلف، حتى دونت الكتب، وتنوقلت بين العلماء. وقد برزت في العصر الأول مدرستان كبيرتان أولاهما في الحجاز (المدينة ومكة)، والثانية في العراق (الكوفة). ولا ريب أن المدينة كانت مركز العلم الأول بعد وفاة النبي ﷺ، وكان فيها أكثر الصحابة ، وقد تصدر جماعة منهم لتعليم الناس وتفقيههم، فتكونت مدرسة علمية كان رأسها زيد بن ثابت ، وأخذ العلم عنه جمع غفير من التابعين، من أشهرهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وغيرهم. وكان بعد هؤلاء طبقة أخرى أخذت العلم عن كبار التابعين؛ كابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي الزناد، وبعدهم طبقة أخرى على رأسها إمام دار الهجرة مالك بن أنس. وأمن مكة فكان فيها حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ، وقد أخذ العلم عنه جماعة من التابعين؛ كسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. وكان بعد هؤلاء طبقة أخذت العلم عنهم أو عن بعضهم؛ كعمرو بن دينار، وابن جريج، وبعدهم طبقة أخرى على رأسها سفيان بن عيينة. وأما مدرسة الكوفة فإمامها الصحابي الجليل : عبد الله بن مسعود له، ومن أشهر أصحابه علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، ومن بعدهم: إبراهيم النَّخَعي، وعامر الشعبي. وكان بعد هؤلاء طبقة فيها : الأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، ثم طبقة أخرى على رأسها سفيان الثوري. وقد كان مدار رواية السنة على هؤلاء الأئمة غالبا، إضافة إلى قتادة ويحيى بن أبي كثير بالبصرة، ومن بعدهما طبقة فيها سعيد بن أبي عروبة، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وغيرهم. وبالشام: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وبواسط: هشيم بن بشير. وقد سار التابعون فمن بعدهم على طريقة الصحابة في تلقي الأخبار وروايتها، ا قوی و استفادوا من منهجهم في التعامل مع المتغيرات التي طرأت في زمانهم، ومن ذلك: الأسباب التمسك بالسنة والالتزام بها. منهج الله بعين التي طرية في زمانهم فقد كانوا على درجة رفيعة من التمسك بالسنة، وكانوا يحثون تلاميذهم على الاعتصام بها وامتثالها، وهذا من أعظم وسائل حفظها. ومن ذلك: أ- قول الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة (1). ب وقول الأوزاعي: «إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإيَّاك أن تقول بغيره، فإنَّ رسول الله ﷺ كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى ) (٢). ج - وقوله أيضًا: ندور مع السنة حيث دارت (۳). السؤال عن الإسناد. كان السلف الصالح من التابعين فمن بعدهم أمناء على سنة النبي ، فكانوا يحتاطون في نقلها، ولا يقبلون الرواية إلا عن أهل الصدق والإتقان. ومما يدل على ذلك :


أ- قول محمد بن سيرين إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ). ب وقول سفيان الثوري: «الاسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل ؟ (۲). ب وقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (۳). التثبت والاحتياط في التحمل والتلقي. ومن صور ذلك: سؤال الراوي والتأكد منه. ومن ذلك ما رواه . ا رواه مسلم (4)، عن كعب الأحبار : أن أبا هريرة الأحبار : أن أبا هريرة الله حدثه بحديث عن النبي ، فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ؟ قال أبو هريرة: «نعم». الرجوع إلى صاحب القصة للتحقق من الحديث. ومن ذلك ما جرى بين عروة بن الزبير ومروان بن الحكم، قال عروة بن الزبير: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مَسَّ الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك، وقلت: لا وضوء على مَن مَسَّه، فقال مروان أخبرتني بسرة بنت صفوان، فذكر الحديث، قال عروة فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا مِن حَرَسِه، فأرسله إلى بسرة، فسألها عما حدثت مروان، فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان (0). الحرص على تلقي المشهور من العلم وترك الغريب. قال يزيد بن أبي حبيب: «إذا سمعت الحديث فانشده كما تَنشُدُ الضَّالَّةَ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْه، وإلا فدعه ). وقال أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء» (۷) وقال مرة: «شر الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها ولا يعتمد عليها (۸)


العناية بحفظ السنة في الصدور. ومن ذلك: أ- قول الشعبي: «ما كتبت سوداء في بيضاء إلا وأنا أحفظها، ولا حدثني رجل بحديث وأحببت أن يُعيده علي، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته (۱). ب وقول علقمة: «أطيلوا كر الحديث لا يَدْرُس ) (۲). ج- وقول سفيان الثوري: اجعلوا الحديث حديث أنفسكم وفكر قلوبكم؛ تحفظوه » (۳). العناية بمذاكرة الحديث. اعتنى التابعون فمن بعدهم من المحدثين بمذاكرة الحديث عناية فائقة، فلم يكونوا يكتفون بحفظ الحديث في صدورهم، بل كانوا يتذاكرون ما يحفظونه فيما بينهم، بل كانت تعقد مجالس للمذاكرة، وتقام المناظرات بين أصحاب الحديث فيها. ومما يدل على ذلك: أ- قول علقمة: تذاكروا الحديث؛ فإنَّ ذكره حياته » (٤). ب وقال يزيد بن أبي زياد التقى ابن أبي ليلى وعبد الله بن شداد بن الهاد، فتذاكرا الحديث، فسمعت أحدهما يقول للآخر : يرحمك الله، فرب حديث أحييته في صدري كان قدمات » (٥). ج- وقال علي بن الحسن بن شقيق يقول: كنت مع عبد الله بن المبارك في المسجد في ليلة شتوية باردة، فقمنا لنخرج، فلما كان عند باب المسجد ذاكرني بحديث أو ذاكرته بحديث، فما زال يذاكرني وأذاكره حتى جاء المؤذن، فأذن لصلاة الصبح (1) . الرحلة في طلب الحديث وسماعه. وهي امتداد لما كان في عهد الصحابة ، فقد كان التابعون يرحلون إلى الصحابة ليأخذوا العلم عنهم، ثم رحل أتباع التابعين إلى التابعين، حتى اتسع نطاق الرحلة شيئًا فشيئًا. ومما يدل على ذلك:


أ- قول أبي العالية: «إن كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة، فسمعناها من أفواههم (1). ب وقول الحسن: رحلت إلى كعب بن عجرة من البصرة إلى الكوفة، فقلت: ما كان فداؤك حين أصابك الأذى؟ قال: شاة (٢). ج - وقول هشيم: كنتُ أكون بأحد المصرين، فيبلغني أنَّ بالمصر الآخر حديثا، فأرحل فيه حتى أسمعه وأرجع (۳). وللرحلة فوائد كثيرة، من أهمها: طلب العلم، وتحصيل السماع من الشيوخ. التحقق من صحة الأحاديث، ومعرفة مصادرها ومخارجها. معرفة أحوال الرواة، وتمييز الثقات من غيرهم. تحصيل علو الإسناد وقدم السماع. اللقاء بالحفاظ، ومذاكرتهم، والاستفادة منهم. وللرحلة آداب يذكرها المحدثون، منها (٤): أن لا يرحل الطالب إلا بعد تحصيل حديث بلده، وإتقان المعرفة به. استئذان الأبوين في الرحلة. اختيار الرفيق الصالح في الرحلة. الرجوع إلى الوطن والإقامة فيه عند انتهاء الغرض المقصود من الرحلة. طلب علو الإسناد. كان أهل الحديث يرغبون في الإسناد العالي ويتطلبونه، بل كانوا يرحلون لأجل ذلك؛ بغية التثبت من رواية راوي الخبر، ولكون العلو أقرب إلى الصحة وأبعد عن الخطأ؛ لأن الإسناد العالي تقل الوسائط فيه، فيقل احتمال وقوع الخطأ فيه. لذا اعتنى الأئمة في عصور الرواية بطلب علو الإسناد، حتى قال أحمد: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف (٥)، بل كانوا يذمون النزول، كما جاء عن ابن المديني أنه قال:


النزول شؤم (۱)، وعن ابن معين: الحديث بنزول كالفرحة في الوجه » (٢). عقد مجالس الرواية والإملاء. وقد كان عقد مثل هذه المجالس دأب أهل الحديث من قديم، واستمرت إلى عصور متأخرة، وكان يحضرها الجم الغفير من الناس، يبلغ عشرات الألوف في بعض الأحيان، حتى شاع عندهم اتخاذ المستملين، وهم الذين يبلغون كلام المحدث إلى الناس البعيدين الذين لا يصلهم صوته. وكان لمثل هذه المجالس الأثر الكبير في نشر الحديث على نطاق واسع، ثم تطورت من حيث المضمون، فصار بعض الشيوخ يسوق طرق الحديث ومتابعاته وشواهده بأسانيده، ويتكلم عليها، وصار لمثل هذه المجالس آداب خاصة عندهم، وألفت فيها المؤلفات. اختبار الشيوخ والرواة. ومن عناية أهل الحديث بحفظ السنة اختبارهم للشيوخ والرواة لمعرفة عدالتهم وضبطهم، فتنكشف حال الراوي بعد الاختبار، وتعرف درجته في العدالة والضبط. وقد ابتكروا في هذا السبيل أصنافا من الاختبارات؛ كاختبار الراوي بالسؤال عن وقت سماعه، أو بقلب الأحاديث وإدخالها عليه، وغير ذلك. ومن الأمثلة على ذلك: أ- ما جاء عن إسماعيل بن عياش قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هاهنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سنین (۳). ب وعن حماد بن سلمة قال: كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكانوا يقولون: القصاص لا يحفظون، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا إنما حدثناه أنس، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس ؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى (4)


طرق التابعين فمن بعدهم في ضبط الحديث اعتنى التابعون ومن بعدهم من المحدثين بضبط الحديث أشد اعتناء، وبالغوا في إتقان المكتوب وضبط المحفوظ ؛ ليبلغوه كما سمعوه، امتثالاً لقول النبي ﷺ: «نضر الله امراً سمع منا شيئًا، فبلغه كما سمع (١). ومن الطرق التي سلكوها في ذلك: الأمر بكتابة الحديث، والتثبت من المكتوب. ومن ذلك: أ- ما جاء عن محمد بن عمرو أنه قال: «لا والله لا أحدثكم حتى تكتبوه، إني أخاف أن تغلطوا علي (٢) . ب وقال طلحة بن عبد الملك: أتيتُ القاسم وسألته عن أشياء، فقلت: أكتبها؟ قال: نعم، فقال لابنه: انظر في كتابه، لا يزيد علي شيئًا»، قلت: يا أبا محمد، إني لو أردت أن أكذب لم آتِكَ»، قال: «إني لم أرد ، إنما أردتُ إن أسقطت شيئًا يُعدله لك (۳)


ومن الصحف المكتوبة في عهد التابعين صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة له، وصحيفة أبي الزبير عن جابر الله، وصحيفة سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وسيأتي الكلام عليها بشيء من التفصيل في الوحدة الثانية إن شاء الله (۱). الاهتمام بضبط الكتاب وإصلاح الغلط. ومن مظاهر هذا الاهتمام: - توضيح الكتابة، وإزالة الإبهام والاستعجام عنها بالنقط ونحوه. قال الأوزاعي: «العَجْمُ (۲) نور الكتاب» (۳). ب - ضبط الكتابة، والتحرز من التصحيف، وإصلاح الخطأ، وإتمام النقص. قال الشافعي: «إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح؛ فاشهد له بالصحة (٤). وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيتُ عفَّانَ يحض أصحاب الحديث على الضبط والتغيير؛ ليصححوا ما أخذوا عنه من الحديث (٥). - معارضة الكتاب بأصله ومقابلته. قال هشام بن عروة: قال لي أبي: أكتبت ؟ قلت: نعم، قال: عارضت ؟ قلت: لا، قال: لم تكتب (7) جهود أهل الحديث في حفظ السنة من أخطاء الرواة ووضع الوضاعين )) اصطفى الله أهل الحديث لحفظ سنة نبيه ، ينفون عنها انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، فبذلوا في سبيل ذلك الجهود العظيمة. والكلام على منهج النقد عند المحدثين وأثره في حفظ السنة النبوية = لا يفي به مثل هذا المقام، لكن نشير إلى طرف من أبرز معالم ذلك المنهج - سوى ما تقدم ذكره - بإيجاز . نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها . وهو مضمار كبير، أوسعه أهل الحديث كلامًا وبحثا؛ فابتكروا فيه العلوم، وقعدوا له القواعد، وألفت فيه المؤلفات النظرية والتطبيقية. وقد وضع أهل الحديث لهذا النقد قواعد دقيقة، مبنية على أصول علمية محكمة، تراعي حال الراوي في نفسه من جهة ديانته وصدقه، ومن جهة ضبطه وحفظه، وتراعي حاله في شیخه وطريقة سماعه وروايته، وعرض روايته على روايات غيره والمقارنة بينها؛ للكشف عن سلامة روايته من الخطأ. ولكل قاعدة من تلك القواعد ضوابط وأصول تحكمها، وتطبيقات توضحها وتبينها، حتى نتج عن ذلك تراث ضخم في النقد نظريا وتطبيقيا. ومما يدل على عنايتهم بهذا الباب من قديم: أ- ما جاء عن الأوزاعي أنه قال: كنا نسمع الحديث، فنعرضه على أصحابنا كما يُعرَضُ الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذنا به، وما أنكروا تركنا» (٢). ب تحملهم عناء السفر في سبيل التحقق من صحة الأحاديث، وتمييز الصحيح من الضعيف. ومن ذلك: قصة رحلة شعبة بن الحجاج ليتأكد من صحة حديث الوضوء؛ حيث رحل إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم إلى البصرة (۳ ج - وقول ابن المبارك: «إذا أردت أن يصح لك الحديث؛ فاضرب بعضه ببعض (۱). التحذير من الكذابين وتبيين الأحاديث الموضوعة. مع ظهور الوضع في الحديث إبان فشُو الفتن والأهواء والبدع في هذه الأمة = شمر المحدثون عن ساعد الجد للكشف عن هذه الأحاديث وتبيينها والتحذير منها؛ لئلا يغتر الناس بها. و من جهودهم في هذا الباب - كشف كذب الكذابين، ونقد الأحاديث وتمحيصها بدقة بالغة. ومما يدل على ذلك أن الرشيد أخذ زنديقا ليقتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ قال: «فأين أنت - يا عدو الله - عن أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك؟ ينخلانها، فيخرجانها حرفا حرفًا» (٢). كعب التحذير من الأحاديث التي يرويها جهلة الصالحين. ومنه قول يحيى بن سعيد القطان: لم تر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، وفسره مسلم بأن الكذب يجري على لسانهم ولا يتعمدونه (۳). ج - استعمال التاريخ في كشف كذب الكذابين الذين يدعون السماع ممن لم يلقوهم. ومن ذلك قول سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب؛ استعملنا لهم التاريخ (4). نقد الرواة، والتحذير من الرواية عن الضعفاء. وقد بذلوا في ذلك جهودًا عظيمة أيضًا، منها: أ- تقعيد القواعد التي تبين من يؤخذ عنه . من الرواة ومن لا يؤخذ عنه. ومن ذلك: قول مالك بن أنس: لا يُؤخذ العلم عن أربعة: سفيه معلن السَّفَهِ، وصاحب هوى يدعو الناس إليه، ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يكذب على رسول الله ﷺ، ورجل له فضل وصلاح لا يعرف ما يُحدث به (٥) . وعلم الجرح والتعديل وقواعده مشهورة في هذا الباب. ي - التصدي لنقد الرواة، والكشف عن الضعفاء وتبيين أحوالهم


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

Side panel Sayl...

Side panel Saylor University History of Psychology Back to '1.2: History of Psychology\' Completion...

شهدت الأبحاث ال...

شهدت الأبحاث الطبية والنفسية في السنوات الأخيرة زيادة في الاهتمام بالأمراض المزمنة، بسبب ما تسببه من...

محادثة مع Gemin...

محادثة مع Gemini اريد الاجابة المنطقية والواقعية لديوان المحاسبة الاردني الوحدة 3: كيف يمكن لمدقق في...

الفصل بين السلط...

الفصل بين السلطات والتعاون فيما بينهما . نظام الحكم في دولة الكويت ، يعمل في ظل هيكل دستوري فريد ، ي...

السيادة في الدو...

السيادة في الدولة الفدرالية لا يمكن أن يتوافق مفهوم السيادة في الدولة الدستورية مع الفصل بين السلطات...

كخلاصة لما جاء ...

كخلاصة لما جاء في هذا الفصل، فالسياسة الخارجية الجزائرية بمقارباتها المختلفة حققت العديد من المكاسب ...

لن يعود شيء كما...

لن يعود شيء كما كان بعد نهاية العصر الجليدي، حيث عُزلت جيوب كبيرة من البشرية على جانبي الكرة الأرضية...

كما مٌكن ب عٌ ا...

كما مٌكن ب عٌ الأصل التجاري الإلكترون ،ً فإنه مٌكن تقد مٌه حصة ف شركة والمقصود بتقد مٌ الأصل التجاري...

تغزو سهول شرق أ...

تغزو سهول شرق أفريقيا موطن الغابات التقليدي لأسلافنا من القردة، حيث تقل الأشجار وتتسع المسافات بينها...

الكود الزائف يش...

الكود الزائف يشبه لغات البرمجة مثل C++ ، لكنك لستِ مجبرة على الالتزام بقواعدها الصارمة (Syntax). نحن...

الأصالة: قوة أن...

الأصالة: قوة أن تكون حقيقي فالأصالة هي حجر الزاوية للقيادة الفعالة. تخلق القيادات النسائية اللواتي ي...

تفرض طبيعة الحي...

تفرض طبيعة الحياة الإنسانية على الفرد مواجهة سلسلة مستمرة من التغيرات والتحديات التي تترافق مع ضغوط ...