خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
تقدم البنية الصناعية في أي بلد معلومات مثيرة للاهتمام عن الثقافة السائدة فيه. إذ إن المجتمعات التي تمتلك عائلات قوية، لكنها تنصف في الوقت نفسه بروابط ضعيفة نسبياً من الثقة بين الناس الذين لا تجمعهم صلات القربي تخضع غالباً لهيمنة مؤسسات تجارية صغيرة، في تطوير مؤسسات اقتصادية خاصة وقوية تتجاوز تخوم العائلة. من المعروف تقليدياً أن اليابان تمثل نموذجاً لمجتمع يتميز بنزعة جماعية وميل للإذعان لسلطة الدولة، بينما تجسد الولايات المتحدة مثال المجتمع الفرداني. تشكل القطب المقابل لليابان في مجال النزعة نحو التواصل الاجتماعي. لكن لو نظرنا إلى البنى الصناعية في كل من اليابان والولايات المتحدة لوجدنا عدداً من أوجه الشبه المثيرة للاهتمام. وفيه عدد قليل نسبياً من الشركات التي تملكها الدولة أو تسيرها إدارات محترفة، في وقت مبكر نسبياً من تاريخهما التطوري: في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بالنسبة للولايات المتحدة، وفي العقود الأخيرة منه بالنسبة لليابان. وبالرغم من احتفاظ اليابان والولايات المتحدة بقطاعات مهمة من المؤسسات التجارية الصغيرة التي تديرها العائلات على الأغلب، إلا أن معظم حجم العمالة موظف في شركات كبيرة ذات ملكية متوزعة على عدد كبير من الأطراف تتشابه هذه البني الصناعية في البلدين أكثر مما تتشابه مع تلك الموجودة في المجتمعات الصينية في تايوان وهونغ كونغ من جهة، أو في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا من جهة أخرى. وإذا مثلت اليابان والولايات المتحدة قطبي نقيض في مجال النزعة الاجتماعية، فلا الولايات المتحدة على الدرجة نفسها من الفردانية، لقد أغفلت الأدبيات التي تناولت قضية القدرة التنافسية، حين ركزت على مسألة السياسة الصناعية في مقابل سياسة السوق الحر، إلا أن معظم المراقبين الاجتماعيين الجادين قد لاحظوا في الماضي أن الولايات المتحدة امتلكت تاريخياً العديد من البني الاجتماعية القوية والمهمة التي تعطي مجتمعها المدني كثيراً من الديناميكية والمرونة. إضافة طبعاً إلى قطاع خاص قوي ومزدهر، الرحال الفرنسي اليكسي دو توكفيل أثناء زيارته لأميركا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. كما لاحظ هذا الجانب من المجتمع الأميركي أيضاً عالم الاجتماع ومع أن هذه الجمعيات حصرية، إلا أنها في الوقت نفسه طوعية . وصحيح أن للأميركيين تراثاً راسخاً يناسب الدولة العداء، وهو أمر يتضح من صغر الحجم النسبي للقطاع العام الأميركي قياساً بحجمه في جميع البلدان الأوروبية، ومن استطلاعات الرأي التي تظهر دون لبس تدني مستوى ثقة الأميركيين بالحكومة وعدم احترامهم لها، مقارنة بما يظهره المواطنون تجاهها في البلدان الصناعية الأخرى، لكن مناهضة الدولة تختلف عن معاداة النزعة الاجتماعية. ويقول الأميركيون إنهم يشعرون بشكوك عميقة بالحكومات الكبيرة، لكنهم يتفوقون في إنشاء المؤسسات الخاصة الضخمة التي تتميز بالتماسك والتلاحم والمحافظة عليها، وكانوا رواداً في تطوير الشركات التراتبية الحديثة التي أصبحت في ما بعد شركات متعددة الجنسية) مع ما أفرزته من نقابات عمالية كبرى. فالعائلة التي تكون أصغر أشكال المجتمع البشري والقاعدة الأساسية له، مع ما رافق ذلك من ارتفاع حاد في نسبة الطلاق وفي عدد العائلات أحادية الأب أو الأم. وفي ما وراء تخوم الأسرة، وفي الوقت نفسه انخفض بشكل ملحوظ مستوى الثقة بين المواطنين الأميركيين، قامت الدولة، ولهذا تجسد الولايات المتحدة اليوم صورة مناقضة المجتمع حيوي فعال تمتع باحتياطي ضخم من رأس المال الاجتماعي الذي تراكم عبر السنين ليعطيه حياة اجتماعية غنية و ديناميكية، في وقت يفرط في إظهار عدم الثقة والفردانية بكل ما يتصفان به من جنوح لعزل أعضائه وتذريرهم. يوجد هذا النمط من الفردانية الانعزالية دوماً على شكل نزعة في حالة كمون داخل المجتمع، لكن أميركا استطاعت السيطرة عليها بواسطة التيارات الاجتماعية القوية التي شهدتها عبر تاريخها. ومن بين أبرز العلماء الذين ركزوا على مر السنين على دور الدولة في التطور الاقتصادي الياباني المؤرخ الاقتصادي الكسندر غير شنكرون، والباحث المختص في الشؤون اليابانية تشالمرز جونسون". وعلى شاكلة النظرة التي ترى الأميركيين فردانيين، فإن التوكيد على أن اليابان مجتمع يؤمن بمركزية سلطة الدولة يستند إلى بعض الأجزاء الجوهرية من الحقيقة، يطمح أذكى الناس وأبرعهم وأكثرهم شباباً ليصبحوا موظفين بيروقراطيين لا رجال أعمال، وتتدخل الدولة لتنظيم الاقتصاد والمجتمع وضبطهما بدرجة أكبر بكثير مما يحدث في الولايات المتحدة، كما أن الشركات والأفراد على استعداد أكبر للإذعان السلطة الدولة مقارنة بالولايات المتحدة، وذلك بتوجيه الاعتمادات، وتمويل البحث والتطوير وما شابه. أما الولايات المتحدة، من جهة أخرى، فلم يكن لديها على الإطلاق سياسة صناعية واضحة المعالم، لكن الدور المباشر الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد الياباني يظل محدوداً مقارنة بالمجتمعات التي يزداد فيها تركز السلطة بيد الدولة مثل فرنسا والمكسيك والبرازيل (فضلاً عن المجتمعات الاشتراكية في الصين أو في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق). وظل إنتاج القطاع العام الياباني بالنسبة للناتج القومي الإجمالي الأقل حجماً منذ عدة سنوات بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبالطبع، لا يشير أولئك الذين قدموا الحجة على التفسير الدولتي للتطور الاقتصادي الياباني إلى تدخل الحكومة المباشر، بل إلى ذلك التفاعل المتميز بالبراعة والمهارة بين الحكومة والشركات الكبرى في اليابان - والتعبير المألوف الاندماج الياباني بين الحكومة والشركات أبلغ ما يصف هذه العلاقة. بحيث يصعب التفريق بين القطاع العام والقطاع الخاص، لقد أكد المراقبون مراراً على أن في الحياة الاقتصادية اليابانية عنصراً قومياً تفتقده الدول الغربية. فإنه لا يبذل قصارى جهده من أجل نفسه أو عائلته أو شركته فحسب، بل في سبيل مجد ورفعة الأمة اليابانية أيضاً ). وبسبب التعاون الوثيق ما بين الحكومة والشركات، والذهنية القومية السائدة، بحيث يصعب رسم خط فاصل يميز بدقة بين العام والخاص في اليابان، تسرع الكثيرون في استنتاج عدم وجود فوارق بينهما. كما إن غموض المجتمع الياباني المعظم الأجانب عنه، أعطى الدعم لمثل هذه النظريات التي تفسر العلاقة بينهما باعتبارها نوعاً من التواطؤ الذي يصل إلى حد التأمرا لكن المحركات الكبرى للنمو الاقتصادي الياباني كانت جميعها (باستثناء الفترة القصيرة التي امتدت عقدين من السنوات في بداية عصر النهضة الميجية) مشروعات تجارية قام بها القطاع الخاص عرفت في مرحلة ما قبل الحرب باسم از ایباتو Zaibatu، مع الشبكات التجارية للشركات متعددة الجنسية، تشكك جميعها بالفرضية القائلة إن الدولة هي العامل الرئيس في التنمية الاقتصادية حتى في حالة اليابان. وكانت على درجة من الانتشار والتنوع بحيث يصعب اختزالها في صيغة كهذه ). وأن النمو قد حصل بالرغم من وليس بسبب الجهود التي بذلتها وزارة الصناعة والتجارة الخارجية اليابانية. وعلى أي حال، لكنها لا تعتمد على صلات القرابة، التي لا يوجد ما يماثلها في الصين، وعلى شاكلة الأميركيين، والبوذية وحتى المسيحية بمختلف طوائفها وكنائسها، ويدعمون بإسهاماتهم الحالية شبكة كثيفة ومتنوعة من المنظمات الدينية والطبيعية الطائفية للحياة الدينية اليابانية أقرب إلى الأميركيين منها إلى الصينيين وعلى طول مجرى التاريخ الياباني، وسوفيا، ودوشيشا، كمثيلاتها الأميركية في هارفارد، يكتسب القول دقة أكبر حين يشير إلى أن لليابانيين ثقافة تنزع نحو الجماعة لا الدولة . وبينما يكن معظم اليابانيين احتراماً للدولة في مرحلة ما بعد الحرب، فإن ارتباطاتهم الوجدانية الأساسية - مشاعر الولاء والإخلاص التي تجعلهم يبقون في مكاتبهم حتى العاشرة ليلاً، أو تفوت عليهم فرصة قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أسرهم هي مع الشركات والمؤسسات التجارية والجامعات التي تستخدمهم. لقد كانت هنالك حقبة سبقت الحرب العالمية الثانية جسدت أثناءها الدولة الهدف الأساسي للولاء، وكان المواطنون في حياتهم الخاصة على درجة أكبر من الوعي الذاتي بالأهداف القومية التي يطمحون لخدمتها. لكن الهزيمة في الحرب استطاعت تقريباً التشكيك بهذا النوع من المشاعر القومية، لكن اليابان تشترك مع الولايات المتحدة في القدرة على الإنتاج التلقائي للمؤسسات الاجتماعية القوية التي تقف في الجزء الأوسط من السلسلة أي في المنطقة التي تحدها العائلة من جهة والدولة من جهة أخرى، وتصبح الأهمية التي تعزى لهذه القدرة أكثر وضوحاً حين تقارن الولايات المتحدة واليابان بالمجتمعات الاشتراكية، أو البلدان الكاثوليكية اللاتينية، أو المجتمعات الصينية. لقد تعمدت الدولة اللينينية القضاء على جميع المنافسين المحتملين لقوتها: بدءاً بالقمم المتحكمة بالاقتصاد،
تقدم البنية الصناعية في أي بلد معلومات مثيرة للاهتمام عن الثقافة السائدة فيه. إذ إن المجتمعات التي تمتلك عائلات قوية، لكنها تنصف في الوقت نفسه بروابط ضعيفة نسبياً من الثقة بين الناس الذين لا تجمعهم صلات القربي تخضع غالباً لهيمنة مؤسسات تجارية صغيرة، تملكها العائلات وتديرها. ومن المرجح من ناحية أخرى، أن تنجح البلدان التي تمتلك مؤسسات خاصة نشطة وغير ربحية، مثل المدارس والمستشفيات والكنائس والجمعيات الخيرية، في تطوير مؤسسات اقتصادية خاصة وقوية تتجاوز تخوم العائلة.
من المعروف تقليدياً أن اليابان تمثل نموذجاً لمجتمع يتميز بنزعة جماعية وميل للإذعان لسلطة الدولة، بينما تجسد الولايات المتحدة مثال المجتمع الفرداني. والموضوع الحاضر دائماً في جميع الأدبيات التي عالجت مسألة القدرة التنافسية الشاملة، هو أن مجتمع الولايات المتحدة يعيش وفقاً لمبادئ الليبرالية الأنغلو - سكسونية، حيث يسعى الناس وراء غاياتهم وأهدافهم الخاصة ويعارضون التعاون في تجمعات بشرية أوسع. وبذلك، تشكل القطب المقابل لليابان في مجال النزعة نحو التواصل الاجتماعي.
لكن لو نظرنا إلى البنى الصناعية في كل من اليابان والولايات المتحدة لوجدنا عدداً من أوجه الشبه المثيرة للاهتمام. فكلا الاقتصادين تسيطر عليه الشركات الكبيرة، وفيه عدد قليل نسبياً من الشركات التي تملكها الدولة أو
تدعمها، وفي البلدين كليهما ارتقت المؤسسات التجارية التي تديرها العائلات إلى شركات منظمة بطريقة عقلانية، تسيرها إدارات محترفة، في وقت مبكر نسبياً من تاريخهما التطوري: في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بالنسبة للولايات المتحدة، وفي العقود الأخيرة منه بالنسبة لليابان. وبالرغم من احتفاظ اليابان والولايات المتحدة بقطاعات مهمة من المؤسسات التجارية الصغيرة التي تديرها العائلات على الأغلب، إلا أن معظم حجم العمالة موظف في شركات كبيرة ذات ملكية متوزعة على عدد كبير من الأطراف تتشابه هذه البني الصناعية في البلدين أكثر مما تتشابه مع تلك الموجودة في المجتمعات الصينية في تايوان وهونغ كونغ من جهة، أو في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا من جهة أخرى.
وإذا مثلت اليابان والولايات المتحدة قطبي نقيض في مجال النزعة الاجتماعية، فلم تتشابه فيهما البني الصناعية إلى هذه الدرجة وتختلف عنها في باقي البلدان الصناعية على مستوى التنمية المقارن؟ يكمن السبب في خطأ وضع الخصائص المميزة للمجتمعين الأميركي والياباني على طرفي نقيض، فلا الولايات المتحدة على الدرجة نفسها من الفردانية، ولا اليابان على القدر نفسه من الإذعان المركزية الدولة، كما توحي الحكمة التقليدية. لقد أغفلت الأدبيات التي تناولت قضية القدرة التنافسية، حين ركزت على مسألة السياسة الصناعية في مقابل سياسة السوق الحر، أغفلت عاملاً رئيساً وحاسماً للاقتصاد القوي والمجتمع النشيط.
النأخذ الولايات المتحدة. فمع أن الأميركيين يعدون أنفسهم فردانيين، إلا
أن معظم المراقبين الاجتماعيين الجادين قد لاحظوا في الماضي أن الولايات المتحدة امتلكت تاريخياً العديد من البني الاجتماعية القوية والمهمة التي تعطي مجتمعها المدني كثيراً من الديناميكية والمرونة. وهي تتفوق إلى حد بعيد على العديد من المجتمعات الغربية الأخرى من حيث امتلاكها لشبكة معقدة وكثيفة من المؤسسات الطوعية كالكنائس، والجمعيات الحرفية، والمؤسسات الخيرية والمدارس الخاصة، والجامعات، والمستشفيات، إضافة طبعاً إلى قطاع خاص قوي ومزدهر، وكان أول من لاحظ هذه الحياة الجماعية المتطورة، الرحال الفرنسي اليكسي دو توكفيل أثناء زيارته لأميركا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. كما لاحظ هذا الجانب من المجتمع الأميركي أيضاً عالم الاجتماع
ماكس فيبر حيث كتب يقول بعد زيارة الولايات المتحدة في نهايات القرن: وإن للديمقراطية الأميركية على وجه الخصوص سمة مميزة دقيقة امتدت آثارها من الماضي وحتى الوقت الراهن، فهي لا تؤلف كومة رمال عديمة الشكل من الأفراد، بل تشكل جمعيات معقدة ومتطورة تضج بالحركة، ومع أن هذه الجمعيات حصرية، إلا أنها في الوقت نفسه طوعية .
وصحيح أن للأميركيين تراثاً راسخاً يناسب الدولة العداء، وهو أمر يتضح من صغر الحجم النسبي للقطاع العام الأميركي قياساً بحجمه في جميع البلدان الأوروبية، ومن استطلاعات الرأي التي تظهر دون لبس تدني مستوى ثقة الأميركيين بالحكومة وعدم احترامهم لها، مقارنة بما يظهره المواطنون تجاهها في البلدان الصناعية الأخرى، لكن مناهضة الدولة تختلف عن معاداة النزعة الاجتماعية. فالأميركيون الذين يعادون أنظمة الدولة وضرائبها ورقابتها وتملكها المصادر ووسائل الإنتاج، يمكن أن يكونوا متعاونين واجتماعيين إلى درجة استثنائية في شركاتهم، وجمعياتهم الطوعية، وكنائسهم، ومؤسساتهم الصحفية، وجامعاتهم وغيرها. ويقول الأميركيون إنهم يشعرون بشكوك عميقة بالحكومات الكبيرة، لكنهم يتفوقون في إنشاء المؤسسات الخاصة الضخمة التي تتميز بالتماسك والتلاحم والمحافظة عليها، وكانوا رواداً في تطوير الشركات التراتبية الحديثة التي أصبحت في ما بعد شركات متعددة الجنسية) مع ما أفرزته من نقابات عمالية كبرى.
لقد استمرت نزعة الأميركيين نحو التواصل الاجتماعي ضمن مؤسسات طوعية حتى الوقت الحاضر، لكن الضعف بدأ يصبب جوانب رئيسة فيها أثناء الجيل أو الجيلين الماضيين، فالعائلة التي تكون أصغر أشكال المجتمع البشري والقاعدة الأساسية له، تدهورت بصورة ملحوظة منذ الستينيات، مع ما رافق ذلك من ارتفاع حاد في نسبة الطلاق وفي عدد العائلات أحادية الأب أو الأم. وفي ما وراء تخوم الأسرة، حدث انهيار متواصل أصاب المؤسسات الاجتماعية الأقدم مثل الكنائس وأمكنة العمل وعلاقات الجوار، وفي الوقت نفسه انخفض بشكل ملحوظ مستوى الثقة بين المواطنين الأميركيين، وهو مستوى يمكن قياسه بالحذر الذي يظهره أحدهم تجاه الآخر جراء ارتفاع معدل الجريمة، وبالزيادة
الكبيرة في حالات الاحتكام للقضاء كوسيلة لحل المنازعات في ما بينهم. وفي السنوات الماضية، قامت الدولة، متنكرة غالباً بالنظام القضائي، بدعم جملة من الحقوق الفردية التي تنامت بصورة سريعة ودمرت قدرة المؤسسات الاجتماعية الأوسع على وضع المعايير التي تحدد سلوك أعضائها، ولهذا تجسد الولايات المتحدة اليوم صورة مناقضة المجتمع حيوي فعال تمتع باحتياطي ضخم من رأس المال الاجتماعي الذي تراكم عبر السنين ليعطيه حياة اجتماعية غنية و ديناميكية، في وقت يفرط في إظهار عدم الثقة والفردانية بكل ما يتصفان به من جنوح لعزل أعضائه وتذريرهم. يوجد هذا النمط من الفردانية الانعزالية دوماً على شكل نزعة في حالة كمون داخل المجتمع، لكن أميركا استطاعت السيطرة عليها بواسطة التيارات الاجتماعية القوية التي شهدتها عبر تاريخها.
ولم يكن المجتمع الأميركي الوحيد الذي صور خطأ على هذه الدرجة من الفردانية الانعزالية في الدراسات التحليلية التقليدية، إذ إن اليابان قد تعرضت أيضاً لسوء فهم حين قدمت لتمثل الطرف النقيض المقابل بوصفها مجتمعاً جماعي النزعة وخاضعاً لسلطة الدولة. ومن بين أبرز العلماء الذين ركزوا على مر السنين على دور الدولة في التطور الاقتصادي الياباني المؤرخ الاقتصادي الكسندر غير شنكرون، والباحث المختص في الشؤون اليابانية تشالمرز جونسون".
وعلى شاكلة النظرة التي ترى الأميركيين فردانيين، فإن التوكيد على أن اليابان مجتمع يؤمن بمركزية سلطة الدولة يستند إلى بعض الأجزاء الجوهرية من الحقيقة، لكنه يغفل بدوره جانباً مهماً في المجتمع الياباني. ومن دون شك تلعب الدولة في المجتمع الياباني دوراً أعظم مما تفعله الدولة في نظيره الأميركي، وهذا يصدق على التاريخ القومي للبلدين كليهما. ففي اليابان، يطمح أذكى الناس وأبرعهم وأكثرهم شباباً ليصبحوا موظفين بيروقراطيين لا رجال أعمال، كما إن هناك تنافاً شديداً على الوظائف البيروقراطية، وتتدخل الدولة لتنظيم الاقتصاد والمجتمع وضبطهما بدرجة أكبر بكثير مما يحدث في الولايات المتحدة، كما أن الشركات والأفراد على استعداد أكبر للإذعان السلطة الدولة مقارنة بالولايات المتحدة، ومنذ بداية عصر النهضة الميجية عام ١٨٦٨، لعبت الدولة في اليابان دوراً رئيساً في تطوير الاقتصاد الياباني، وذلك بتوجيه الاعتمادات، وحماية
الصناعات من خطر المنافسة الخارجية، وتمويل البحث والتطوير وما شابه. لقد ذاعت شهرة وزارة الصناعة والتجارة اليابانية في مختلف أرجاء العالم بوصفها العقل المفكر والموجه للتنمية الاقتصادية اليابانية في حقبة ما بعد الحرب، أما الولايات المتحدة، من جهة أخرى، فلم يكن لديها على الإطلاق سياسة صناعية واضحة المعالم، وهنالك تقاليد راسخة من العداء للبيروقراطيين، وشعور واسع الانتشار بتفوق أداء القطاع الخاص على القطاع الحكومي في المجالات كافة.
لكن الدور المباشر الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد الياباني يظل محدوداً مقارنة بالمجتمعات التي يزداد فيها تركز السلطة بيد الدولة مثل فرنسا والمكسيك والبرازيل (فضلاً عن المجتمعات الاشتراكية في الصين أو في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق). وفي الواقع تظل الدولة في اليابان أقل نشاطاً بكثير منها في البلدان الأسيوية الأخرى التي شهدت تطوراً سريعاً مثل تايوان (حيث يبلغ إنتاج الصناعات التي تملكها الدولة ثلث إجمالي الناتج المحلي)، أو كوريا (حيث اتخذ تدخل الدولة لإيجاد تكتلات اقتصادية ضخمة على الطراز الياباني شكلاً أكثر وضوحاً وصراحة، ولا يزال الدور المباشر الذي تلعبه الحكومة اليابانية في الاقتصاد صغيراً حتى اليوم، وظل إنتاج القطاع العام الياباني بالنسبة للناتج القومي الإجمالي الأقل حجماً منذ عدة سنوات بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. بل أقل من معدلاته حتى في الولايات المتحدة.
وبالطبع، لا يشير أولئك الذين قدموا الحجة على التفسير الدولتي للتطور الاقتصادي الياباني إلى تدخل الحكومة المباشر، بل إلى ذلك التفاعل المتميز بالبراعة والمهارة بين الحكومة والشركات الكبرى في اليابان - والتعبير المألوف الاندماج الياباني بين الحكومة والشركات أبلغ ما يصف هذه العلاقة. إذ تبلغ درجة التعاون بين الوكالات الحكومية والشركات الخاصة جداً لا تصله الولايات المتحدة، بحيث يصعب التفريق بين القطاع العام والقطاع الخاص، لقد أكد المراقبون مراراً على أن في الحياة الاقتصادية اليابانية عنصراً قومياً تفتقده الدول الغربية. فحين يذهب المدير التنفيذي الياباني إلى العمل، فإنه لا يبذل قصارى جهده من أجل نفسه أو عائلته أو شركته فحسب، بل في سبيل مجد ورفعة الأمة اليابانية أيضاً ).
وبسبب التعاون الوثيق ما بين الحكومة والشركات، والذهنية القومية السائدة، بحيث يصعب رسم خط فاصل يميز بدقة بين العام والخاص في اليابان، تسرع الكثيرون في استنتاج عدم وجود فوارق بينهما. كما إن غموض المجتمع الياباني المعظم الأجانب عنه، أعطى الدعم لمثل هذه النظريات التي تفسر العلاقة بينهما باعتبارها نوعاً من التواطؤ الذي يصل إلى حد التأمرا لكن المحركات الكبرى للنمو الاقتصادي الياباني كانت جميعها (باستثناء الفترة القصيرة التي امتدت عقدين من السنوات في بداية عصر النهضة الميجية) مشروعات تجارية قام بها القطاع الخاص عرفت في مرحلة ما قبل الحرب باسم از ایباتو Zaibatu، أو الكتل الصناعية العملاقة، ثم حملت في حقبة ما بعد الحرب اسم كيريتو Keiretsu، مع الشبكات التجارية للشركات متعددة الجنسية، إضافة إلى عدد ضخم من الشركات الصغيرة التي لم تقدر في الغالب حق قدرها ولم يقيم مدى تأثيرها في الاقتصاد الياباني، حيث كان نشاط مؤسسات الصف الثاني مدهشاً ومذهلاً. لقد رأى رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات التجارية اليابانية مصلحتهم مطابقة لمصلحة الدولة، فعملوا على توفير رأس المال المتراكم، والابتكارات التكنولوجية، والمهارات التنظيمية الضرورية للاقتصاد الحديث يقول مؤرخ الاقتصاد الياباني وليام لوكوود الذي عاين المرحلة المبكرة من تاريخ التصنيع الياباني: الملاحظات السابقة... تشكك جميعها بالفرضية القائلة إن الدولة هي العامل الرئيس في التنمية
الاقتصادية حتى في حالة اليابان.. أو أن رجال الدولة هم اللاعبون الرئيسون... لقد وفرت الطاقات والمهارات والطموحات القوة الحقيقية التي دفعت ثورة التصنيع اليابانية، وكانت على درجة من الانتشار والتنوع بحيث يصعب اختزالها في صيغة كهذه ). وتراكمت الأدلة في حقبة ما بعد الحرب على أن الحكومة اليابانية قد اصطدمت مراراً بالقطاع الخاص، وأن النمو قد حصل بالرغم من وليس بسبب الجهود التي بذلتها وزارة الصناعة والتجارة الخارجية اليابانية. وعلى أي حال، فإن رؤية القطاع الخاص الياباني بوصفه مجرد امتداد للدولة تبهم صفة التنظيم الذاتي الاستثنائية التي تميز المجتمع الياباني.
ومثلما يحدث في الولايات المتحدة، يدعم المجتمع الياباني شبكة كثيفة من المؤسسات الطوعية. ويسمي اليابانيون العديد منها جماعات إيموتون
(lemoto)، التي يتركز نشاطها على مجالات الفنون أو الحرف التقليدية مثل مسرح الكابوكي، وتنسيق الزهور، وطقوس شرب الشاي التقليدية، وتمثل هذه الجماعات، كالعائلات تماماً، مؤسسات تراتبية ذات روابط عمودية قوية بين المعلمين (المرشدين) والمريدين، لكنها لا تعتمد على صلات القرابة، بل يدخلها الأتباع طوعاً. تنتشر منظمات إيموتو»، التي لا يوجد ما يماثلها في الصين، في المجتمع الياباني، وتتجاوز أطر جمعيات الفنون التقليدية لتضم جمعيات دينية وسياسية وحرفية. وعلى شاكلة الأميركيين، وخلافاً للصينيين، يميل اليابانيون لإظهار قدر كبير من التدين . فهم يتبعون ديانة الشنتو، والبوذية وحتى المسيحية بمختلف طوائفها وكنائسها، ويدعمون بإسهاماتهم الحالية شبكة كثيفة ومتنوعة من المنظمات الدينية والطبيعية الطائفية للحياة الدينية اليابانية أقرب إلى الأميركيين منها إلى الصينيين وعلى طول مجرى التاريخ الياباني، تعاقبت سلسلة متصلة من الرهبان والمبشرين فأسوا طوائف تبعها المريدون، واصطدموا مراراً بالسلطة السياسية وفي ما بينهم. أخيراً، تعد اليابان البلد الأسيوي الوحيد الذي يمتلك نظاماً متماسكاً من الجامعات الخاصة، فقد بدأت مؤسسات مثل واسيدا، وكيو، وسوفيا، ودوشيشا، كمثيلاتها الأميركية في هارفارد، وبيل، و ستانفورد، بواسطة رجال أعمال أغنياء أو منظمات دينية.
يكتسب القول دقة أكبر حين يشير إلى أن لليابانيين ثقافة تنزع نحو الجماعة لا الدولة . وبينما يكن معظم اليابانيين احتراماً للدولة في مرحلة ما بعد الحرب، فإن ارتباطاتهم الوجدانية الأساسية - مشاعر الولاء والإخلاص التي تجعلهم يبقون في مكاتبهم حتى العاشرة ليلاً، أو تفوت عليهم فرصة قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أسرهم هي مع الشركات والمؤسسات التجارية والجامعات التي تستخدمهم. لقد كانت هنالك حقبة سبقت الحرب العالمية الثانية جسدت أثناءها الدولة الهدف الأساسي للولاء، وكان المواطنون في حياتهم الخاصة على درجة أكبر من الوعي الذاتي بالأهداف القومية التي يطمحون لخدمتها. لكن الهزيمة في الحرب استطاعت تقريباً التشكيك بهذا النوع من المشاعر القومية، وبقي أقصى اليمين وحده بمنأى عن آثارها.
قد تكون المؤسسات الاجتماعية التي يدين لها اليابانيون بالولاء أكثر قوة وأشد تماسكاً من مثيلاتها في الولايات المتحدة، وليس هنالك من شك بأن الدولة في اليابان أكثر تدخلاً واقتحاماً لحياة المواطنين منها في الولايات المتحدة. لكن اليابان تشترك مع الولايات المتحدة في القدرة على الإنتاج التلقائي للمؤسسات الاجتماعية القوية التي تقف في الجزء الأوسط من السلسلة أي في المنطقة التي تحدها العائلة من جهة والدولة من جهة أخرى، وتصبح الأهمية التي تعزى لهذه القدرة أكثر وضوحاً حين تقارن الولايات المتحدة واليابان بالمجتمعات الاشتراكية، أو البلدان الكاثوليكية اللاتينية، أو المجتمعات الصينية.
وربما يكون من أخطر النتائج التي قضت على الاشتراكية كما مورست فعلياً في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، التدمير الشامل للمجتمع المدني هناك، الأمر الذي عرقل ظهور اقتصاديات السوق النشطة والديمقراطيات المستقرة. لقد تعمدت الدولة اللينينية القضاء على جميع المنافسين المحتملين لقوتها: بدءاً بالقمم المتحكمة بالاقتصاد، مروراً بعدد لا يحصى من المزارع والشركات الصغيرة والنقابات والكنائس والصحف والجمعيات الطوعية وغيرها، وصولاً إلى العائلة نفسها.
تفاوت مدى النجاح الذي حققه مشروع الحكم الشمولي بين مجتمع اشتراكي وآخر، وربما كان تدمير المجتمع المدني قد بلغ ذروة اكتماله وشموله في الاتحاد السوفييتي، إذ لم يكن المجتمع المدني قوياً في روسيا قبل الثورة البلشفية، نظراً لما أصابه من ضعف
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...
تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...
السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...
يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...
Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...
لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...
لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...
يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...
The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...
فقد هدفت دراسة () الي سهولة استخدام استخدام بيئة تعليم إلكتروني مُدمجة بمقاطع فيديو للغة الإشارة، وع...
قادة الشباب في مجال المناخ يلتقون وزير الشباب قبيل مشاركتهم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP...