لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (100%)

فصل 1: القول على فروق في الخبر ۱۷۹ - أول ما ينبغي أن يُعْلَم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه ، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: "زيد منطلق"، والفعل كقولك: خرج زيد، وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال: كقولك: جاءني زيد راكباً، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ، ألا تراك قد أثبت الركوب" في قولك: "جاءني زيد راكباً لزيد؟ إلا أنَّ الفَرْقَ أنك جنت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، به، ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، وبشرط أن يكون في صلته. ومن غير أن تتسبب بغيره إليه، الفروق في الخبر: الاسم والفعل في الإثبات فالذي يليه من فروق الخبر، وهو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، كان بالفعل. وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة إليه. الفرق بين الخبر إذا كان بالاسم، وإذا كان بالفعل، وأمثلتها: أنَّ موضوع الاسم على أن يُثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئاً بعد شيء. ۱۸۲ - وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئاً بعد شيء ". فإذا قلت: "زيد منطلق، فقد أثبت الانطلاق فعلاً له، من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئاً فشيئاً، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: "زيد طويل"، و "عمرو قصير : فكما لا تقصد ههنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث، بل توجِبُهما وتُثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق، ۱۸۳ - وأما الفعل، فإنه يُقْصَدُ فيه إلى ذلك، فقد زَعَمْتَ أنَّ الانطلاق يقع منه جزءاً فجزءاً، ١٨٤ - وإن شئت أن تُحِس الفرق بينهما من حيثُ يَلْطُفُ، فتأمل هذا البيت: لا يألفُ الدَّرْهَمُ المَضْرُوبُ خِرقتنا، .. لكن يَمُرُّ عليها وهو منطلق؟ ولو قلته بالفعل: "لكن يمر عليها وهو ينطلق"، لم يحسن. والخبر إذا كان فعلا : ١٨٥ - وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يخفى أنَّ أحدهما لا يصلح في موضع صاحبها، وأن قولنا: "كلبهم يبسط ذراعيه، لا يؤدي الغرض، وليس ذلك إلا لأنَّ الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل، ومعنى يحدث شيئاً فشيئاً. وبين أن يقول: "وكلبهم واحد مثلاً، ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يَصْلحفي موضع صاحبه. فإذا قلت: "زيد طويل"، وإنما تقول: "يطول" و "يقصر"، إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، فأما وأنتَ تُحدَّث عن هيئة ثابتة، وعن شيءٍ قد استقر طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدد، مسار الصفحة الحالية: فهرس الكتاب - الفروق في الخبر "تقسيمه - الفروق في الخبر الاسم والفعل في الإثبات أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، ١٨٦ - وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة، وظهر الأمر، بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجَبَ أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان الآخر، كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي. وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك نجد الفِعْلَ يَقَعُ ثم لا يصلح الاسم مكانه، كان يؤديه. ۱۸۷ - فمن البين في ذلك قول الأعشى: العمري لقد لاحت عيون كثيرة . تُشَبُّ لِمَقْرورين يصطليانها . معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة ، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، الإنكار من أجل القافية وأنها تُفسد به، بل من جهة أنه لا يُشْبِهُ العَرَضَ ولا يليق بالحال. ۱۸۸ - وكذلك قوله : أو كلما وَرَدَتْ عُكاظ قبيلة . بَعثُوا إِلَى عَرِيفَهُم يَتَوَسَّمَ وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أنَّ هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً، وإذا قيل: متحرقة"، العمري لقد لاحت عيون كثيرة . معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة ، ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تُفسد به بل من جهة أنه لا يُشبه الغرض ولا يليق بالحال. أو كلما وَرَدَتْ عُكاظ قبيلة . بَعثُوا إِلَى عَرِيفَهُم يَتَوَسَّمَ وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أنَّ هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً، متحرقة"، كان المعنى أن هناك نارًا قد م في ديوان الأعشى. و "المحلق بتشديد اللام وكسرها وبفتحها أيضًا، لأن فرسا عضه في خده عضة كالحلقة. مسار الصفحة الحالية: ثبتت لها وفيها هذه الصفة، بعثوا إلي عريفهم بتوسم وذلك لأن المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالاً فحالاً، وتصفح منه للوجوه واحداً بعد واحد. لم يفد ذلك حق الإفادة. ۱۸۹ - ومن ذلك قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: ٢]، لو قيل: "هل من خالق غير الله رازق لكم"، لكان المعنى غير ما أريد. كما تقول، إنه في موضع "زيد قائم"، فإنَّ ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بَعْدِهِ افتراق، لم يكن أحدهما فعلاً والآخر اسماً، بل كان ينبغي أن يكون جميعا فعلين، الفروق في الخبر: التعريف والتنكير في الإثبات من فروق الخبر في الإثبات، وأمثلته: ١٩١ - ومن فروق الإثبات أنك تقول: "زيد" منطلق" و "زيد" المنطلق" و "المنطلق زيد"، فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غَرضُ خاص وفائدة لا تكون في الباقي. فأنتَ تُفيده ذلك ابتداء. إلا من زيد وإما من عمرو، فأنتَ تُعلمه أنه كان من زيد دون غيره. النكتة أنك تُثبت في الأول الذي هو قولك: "زيد منطلق" فعلاً لم يعلم السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو "زيد المنطلق" فعلاً قد عَلِمَ السامع أنه كان، ولكنه لم يَعْلَمهُ لِزَيْدٍ، فَأَفَدْتَهُ ذلك. وهو إثبات المعنى للشيء. وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أنَّ انطلاقاً كان من أحد الرجلين، كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله. ١٩٣ - وتمام التحقيق أنَّ هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان انطلاق مِنْ مَوْضِع كذا في وَقْتِ كذا لغرض كذا، فجوَّزْتَ أنْ يكون ذلك كان من زيد. معلوماً على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فضلاً" بين الجزءين فقالوا: "زيد" هو المنطلق". إذا كان الخبر نكرة، وتفصيل ذلك: ١٩٤ - ومن الفرق بين المسئلتين، أنك إذا نكَرْتَ الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان، على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، وإذا عرفت لم يجز ذلك. تريد وعمرو منطلق أيضاً، ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تُثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، في المطبوعة وحدها، من كان يثبته"، لفروق في الخبر القصر في التعريف الخبر معرفا بالألف واللام، نحو "زيد" هو الشجاع"، وتفصيل فروق الوجه الأول: ١٩٥ - وعلم أنك تجد الألف واللام" في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك وجوهاً: أحدهما: أن تَقْصُرَ جنس المعنى على المُخْبَر عنه القَصْدِك المبالغة، وذلك قولك: "زيد هو الجواد" و"عمرو هو الشجاع"، تريد أنه الكامل إلا أنكَ تُخْرج الكلام في صورة توهم أنَّ الجود أو الشجاعة لم تُوجد إلا فيه، لقصوره عن أن يبلغ الكمال. فهذا. ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في الخبر فتقول: "زيد وعمرو هما المنطلقان"، ثم تجيء فتثبته لعمرو. ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: "هو القائل بيت كذا"، ولَيْسَ لِسَيْفي في العِظَامِ بقية فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، فتقول: "جرير هو القائل هذا البيت وفلان"، حاولت محالا ، لأنه قول بعينه، كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك، فلو قلت: "زيد" هو الجواد وعمرو"، معنى الوجه الثاني: التشكيل ١٩٦ - والوجه الثاني: أن تَقْصُرَ جِنس المعنى الذي تُفيده بالخبر على المُخبر عنه، لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يُقيَّد بالحال والوقت كقولك: "هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً. وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى، ثم اشترطت له مفعولاً مخصوصا، هو الواهب المِئَةَ المُصطفاة ، .. إما مخاضاً وإمَّا عِشَاراً نوعاً خاصاً مِنَ الوفاء، وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعاً خاصاً، وكذا الباقي. ثم إنك تجعل كل هذا خبراً على معنى الاختصاص، وأنَّه للمذكور دونَ مَن عداه. ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى: أنه لا يَهَبُ هذه الهبة إلا الممدوح؟ وربما ظن الظان أنَّ "اللام" في "هُوَ الواهب المئة المصطفاة بمنزلتها في نحو "زيد" هو المنطلق"، كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص وليس الأمر كذلك، لأنَّ القصد ههنا إلى جنس من الهبة مخصوص، لا إلى هبة مخصوصة بعينها. يَدُلُّكَ على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه، وعلى أن يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى، وأما المعنى في قولك: "زيد هو المنطلق، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة وادة، كيف؟ وأنت تقول: "جرير" هو القائل وليس لسيفي في العِظام بقية ١، تُريد أن تُثبت له قيل هذا البيت وتأليفه. فأفصل بين أن تقصد إلى نوع فعل، الوجه الثالث: ولكن على وجه ثالث، إذا قَبحَ البكاء على قتيل . رَأَيْتُ بكاءَكَ الحسن الجميلام لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تُقيَّد الحسن بشيء فيتصور أن يُقْصَر على البقاء، كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح، ولا يشك فيه شاك. ۱۹۸ - ومثله قول حسان: وإِنَّ سَنام المَجْدِ مِنْ آلِ هاشم . بَنُو بنت مخزوم ووالدك العبد الفروق في الخبر نكت أخرى للتعريف] وأمثلته، وهو "الموهوم": يكون المتأمل عنده كما يقال: "يُعرف وينكر"، وأنت لا تقصد شيئاً مما تقدم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يَعْلَمْ أنه ممن كان كما مضى في قولك: "زيد هو المنطلق ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك: "زيد هو الشجاع ولا أن تقول: ظاهر أنه بهذه الصفة، كما كان في قوله: " ووالدك العبد" ولكنك تريد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي؟ وهل خصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يُقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علماً، فعليك صاحبك واشدد به يدك، فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك : هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرفه، فزيد هو هو بعينه". ٢٠٠ - ويزداد هذا المعنى ظهوراً بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف، كقوله ابن الرومي هو الرجل المَشْرُوك في جُلَّ مالِهِ . تقديره، كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، ٢٠١ - وهذا من عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تَقْصُرُ العبارة عن تأدية حقه. والمُعَوَّل فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل، فإذا علمت أنه لا يريد بقوله: "الرجل المشروك في جل ماله" أن يقول: "هو الذي بلغت حديثه، والذي وهب المئة المصطفاة من الإبل ولا أن يقول إنه على معنى: "هو الكامل في هذه الصفة، حتى كأن ههنا أقواماً يُشركون في جل أموالهم، إلا أنه في ذلك أكمل وأتم، لأنَّ ذلك لا يُتَصوَّر. وذاك أن كون الرجل بحيث يُشرك في جل ماله، كما أن بَدِّلَ الرجل كل ما يملك كذلك ولو قيل: "الذي يُشْرَكُ في ماله، وإذا كان كذلك، علمت أنه معنى ثالث. ثم تأمل فلاناً، وتجده يؤديها لك نصاً، ٢٠٢ - وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء، فاسمع قوله: أن الرجل المدعو عاق فقره . وإن أردت أعجب من ذلك فقوله: أهدى إلي أبو الحسين يدا . أرجو الثواب بها لديه غدا وكذلك عادات الكريم إذا . أَوْلَى يَداً حُسِبَتْ عَلَيْهِ يدا إن كان يحسد نفسه أحد، .. فلأزعمك ذلك الأحدم فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، ثم يجربه مجرى ما عهد وعلم. "الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم ٢٠٣ - وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي"، ومثال ذلك قوله: أخوك الذي إن تدعه لملمة . يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب أخوك الذي إن ريته قال إنما . أريت وإن غائبته لان جانبه فهذا ونحوه على أنك قدَّرْتَ إنساناً هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يَعِنُ في الوهم، دون أن يكون قد عرف جرلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت: أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يحبك". ٢٠٤ - ولكون هذا الجنس معهوداً من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يُوصف بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنَّى: "هذا هو الذي لا يكون"، وكقوله: مالا يكون فلا يكون بحيلة . أبداً وَمَا هُوَ كَائِن سَيُكُونُ ٣ ولذلك قال المأمون: "خذ منّي الخلافة وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يَعْرِضُ فيه شك أنه موهوم. الفرق بين المنطلق "زيد" و"زيد المنطلق والمبتدأ والخبر معرفتان ٢٠٥ - وأما قولنا: "المنطلق زيد"، والفرق بينه وبين أن تقول: "زيد" المنطلق ، فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر. وبيانه: أنك إذا قلت: "زيد المنطلق"، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف السامع كونه، إلا أنه لم يَعْلَم أَمِنْ زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: "زيد المنطلق"، بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز. وليس كذلك إذا قدمت "المنطلق" فقلت: "المنطلق "زيد"، فلم تثبته ، فقال لك صاحبك: المنطلق زيد"، والرجل ممن عرفته قديماً ثم بَعُدَ عَهْدُكَ به فتناسيته، أما تعرفه؟ لَشَدَّ ما نَسِيتَ ، ولا يكون ) الغرض أن يثبت له ليس الديباج، لاستحالة ذلك، فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبراً، اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا: ٢٠٦ - واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، والآخر خبراً، كقولك: "كان زيد أخاط" و "كان أخوك زيداً"، فيُظَنُّ مِنْ ههنا أن تكافؤ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معاً معرفتين. ٢٠٧ - ومما يوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و "جئتك والخليفة عبد الملك"، وتقوله لمن لا يُشاهدا، ومَنْ هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة. وهكذا من يتوهم في نحو قوله: أبُوكِ حباب سارقُ الضَّيفِ بُرْدَهُ . وجَدِّيَ يَا حَجَّاجُ فَارِسُ شَمَّرا أنه لا فصل بينه وبين أن يقال: حباب أبوك، وفارس شمَّر جدي"، وهو موضع غامض. والذي يُبين وجه الصواب، ويدل على وجوب الفرق بين المسئلتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت الا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائماً فيه قياماً لا سبيل إلى دفعه، هو الأعم الأكثر؟. ٢٠٨ - وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدمت لك من قولك: "اللابس الديباج زيد ، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: "ليس الطيب إلا المسك ، وقول جرير : ونحو قول المتنبي: ألست ابن الألى سعدوا وسادوا وأشباه ذلك مما لا يُحصى ولا يُعد وأرد المعن على أن يَسْلَمَ لك مع قَلْبِ طَرَفي الجملة، وقُل: "ليس المسك إلا الطيب"، و "أليس خيرُ مَنْ ركب المطايا إياكم ؟ " ، و "أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إِيَّاكَ ؟ ٢ تعلم أنَّ الأمر على المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك: والخبر خبراً لأنه مسند ومثبت به المعنى. تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "زيد" منطلق " فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته إليه، فَزَيد مثبت له، ومنطلق مثبت به، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظاً، فحكم واجبٌ من هذه الجهة، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يُثْبَتُ له المعنى ويسند إليه، ولو كان المبتدأ مبتدأ لنه في اللفظ مقدم مبدوء به، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: "منطلق زيد"، ولوجب أن يكون قولهم: "إن الخبر مقدَّم في اللفظ والنية به التأخير،


النص الأصلي

فصل 1: القول على فروق في الخبر


الخبر الذي هو جزء من الجملة والخبر الذي ليس بجزء منها:


۱۷۹ - أول ما ينبغي أن يُعْلَم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه ، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: "زيد منطلق"، والفعل كقولك: خرج زيد، فكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال: كقولك: جاءني زيد راكباً، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ، وبالفعل للفاعل . ألا تراك قد أثبت الركوب" في قولك: "جاءني زيد راكباً لزيد؟ إلا أنَّ الفَرْقَ أنك جنت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تُجرد إثباتك للركوب ولم تباشره، به، بل ابتدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، وبشرط أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق نحو: "زيد" منطلق" و "خرج عمرو"، فإنك مثبت للمعنى إثباتاً جردته له، وجعلته يُباشره من غير واسطة، ومن غير أن تتسبب بغيره إليه، فأعرفه.


الفروق في الخبر: الاسم والفعل في الإثبات


۱۸۰ - وإذ قد عرفت هذا الفرق، فالذي يليه من فروق الخبر، وهو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، وبينه إذا


كان بالفعل. وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة إليه.


الفرق بين الخبر إذا كان بالاسم، وإذا كان بالفعل، وأمثلتها:


۱۸۱ - وبيانه، أنَّ موضوع الاسم على أن يُثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئاً بعد شيء.


۱۸۲ - وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئاً بعد شيء ".


فإذا قلت: "زيد منطلق، فقد أثبت الانطلاق فعلاً له، من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئاً فشيئاً، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: "زيد طويل"، و "عمرو قصير : فكما لا تقصد ههنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث، بل توجِبُهما وتُثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا تتعرض في قولك: زيد منطلق" لأكثر من إثباته لزيد.


۱۸۳ - وأما الفعل، فإنه يُقْصَدُ فيه إلى ذلك، فإذا قلت: "زيدها هو ذا ينطلق" ، فقد زَعَمْتَ أنَّ الانطلاق يقع منه


جزءاً فجزءاً، وجعلته يُزاوله ويُزَجيه.


١٨٤ - وإن شئت أن تُحِس الفرق بينهما من حيثُ يَلْطُفُ، فتأمل هذا البيت:


لا يألفُ الدَّرْهَمُ المَضْرُوبُ خِرقتنا، ... لكن يَمُرُّ عليها وهو منطلق؟


هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: "لكن يمر عليها وهو ينطلق"، لم يحسن.


الفرق بين الخبر صفة مشبهة، والخبر إذا كان فعلا :


١٨٥ - وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يخفى أنَّ أحدهما لا يصلح في موضع صاحبها، فانظر إلى قوله تعالى:


وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: ۱۸]، فإنَّ أحداً لا يشك في امتناع الفعل ههنا، وأن قولنا: "كلبهم يبسط ذراعيه، لا يؤدي الغرض، وليس ذلك إلا لأنَّ الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل، ومعنى يحدث شيئاً فشيئاً. ولا فرق بين وكلبهم باسط"، وبين أن يقول: "وكلبهم واحد مثلاً، في أنك لا تُثْبِتُ مزاولة، ولا تجعل الكلب يفعل شيئاً، بل تثبته بصفة هو عليها. فالغرض إذن تأدية هيئة الكلب.


ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجَدْتَ الفرق ظاهراً بيناً، ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يَصْلحفي موضع صاحبه. فإذا قلت: "زيد طويل"، و "عمرو قصير": لم يصلح مكانه "يطول" و "يقصر"، وإنما تقول: "يطول" و "يقصر"، إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، ومما يتجدد فيه الطول أو يحدث فيه القصر. فأما وأنتَ تُحدَّث عن هيئة ثابتة، وعن شيءٍ قد استقر طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدد، فلا يَصْلُح فيه إلا الاسم.


مسار الصفحة الحالية:


فهرس الكتاب - الفروق في الخبر "تقسيمه - الفروق في الخبر الاسم والفعل في الإثبات


أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، وبينه إذا كان اسما:


١٨٦ - وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة، وظهر الأمر، بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجَبَ أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان الآخر، وتَعْلَم أَنَّ المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر، كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي. وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك نجد الفِعْلَ يَقَعُ ثم لا يصلح الاسم مكانه، ولا يؤدي ما


كان يؤديه.


۱۸۷ - فمن البين في ذلك قول الأعشى:


العمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تَحَرَّقُ


تُشَبُّ لِمَقْرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق؟


معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة ، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، ثم لا يكون ذاك النبو وذاك


الإنكار من أجل القافية وأنها تُفسد به، بل من جهة أنه لا يُشْبِهُ العَرَضَ ولا يليق بالحال.


۱۸۸ - وكذلك قوله :


أو كلما وَرَدَتْ عُكاظ قبيلة ... بَعثُوا إِلَى عَرِيفَهُم يَتَوَسَّمَ


وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أنَّ هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً، وإذا قيل:


متحرقة"، كان المعنى أن هناك نارًا قد
العمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تَحَرَّقُ


تُشَبُّ لِمَقْرُورين يَصْطَليانها ... وبات على النار الندى والمحلق؟


معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة ، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، ثم لا يكون ذاك النبو وذاك


الإنكار من أجل القافية وأنها تُفسد به بل من جهة أنه لا يُشبه الغرض ولا يليق بالحال.


۱۸۸ - وكذلك قوله :


أو كلما وَرَدَتْ عُكاظ قبيلة ... بَعثُوا إِلَى عَرِيفَهُم يَتَوَسَّمَ


وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أنَّ هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً، وإذا قيل:


متحرقة"، كان المعنى أن هناك نارًا قد


في المطبوعة وحدها: "بين الشيئين".


م في ديوان الأعشى. و "المحلق بتشديد اللام وكسرها وبفتحها أيضًا، واسمه عبد العزى ابن خثم بن شداد بن ربيعة المجنون بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب"، وسمى "المخلق". لأن فرسا عضه في خده عضة كالحلقة.


مسار الصفحة الحالية:


فهرس الكتاب - الفروق في الخبر "تقسيمه - الفروق في الخبر الاسم والفعل في ال


في قوله:


ثبتت لها وفيها هذه الصفة، وجرى تجرى أن يقال: "إلى ضوء نار عظيمة" في أنه لا يفيد فعلاً يُفعل وكذلك الحال


بعثوا إلي عريفهم بتوسم


وذلك لأن المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالاً فحالاً، وتصفح منه للوجوه واحداً بعد واحد. ولو قيل: "بعثوا إلى عريفهم متوسماً، لم يفد ذلك حق الإفادة.


۱۸۹ - ومن ذلك قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: ٢]، لو قيل: "هل من خالق غير الله رازق لكم"، لكان المعنى غير ما أريد.


١٩٠ - ولا ينبغي أن يَغُرَّكَ أنَّا إذا تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم، كما تقول، في "زيد يقوم"، إنه في موضع "زيد قائم"، فإنَّ ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بَعْدِهِ افتراق، فإنهما لو استويا هذا الاستواء، لم يكن أحدهما فعلاً والآخر اسماً، بل كان ينبغي أن يكون جميعا فعلين، أو يكونا اسمين.


الفروق في الخبر: التعريف والتنكير في الإثبات


من فروق الخبر في الإثبات، وأمثلته:


١٩١ - ومن فروق الإثبات أنك تقول: "زيد" منطلق" و "زيد" المنطلق" و "المنطلق زيد"، فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غَرضُ خاص وفائدة لا تكون في الباقي. وأنا أفسر لك ذلك.


١٩٢ - إعلم أنك إذا قلت: "زيد" منطلق"، كان كلامك مع مَنْ لم يعلم أن انطلاقاً كان، لا مِنْ زَيْد ولا مِنْ عَمْرو، فأنتَ تُفيده ذلك ابتداء.


وإذا قلت: "زيد المنطلق " كان كلامك مع مَنْ عَرَفَ أنَّ انطلاقاً كان، إلا من زيد وإما من عمرو، فأنتَ تُعلمه أنه كان من زيد دون غيره.
النكتة أنك تُثبت في الأول الذي هو قولك: "زيد منطلق" فعلاً لم يعلم السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو "زيد المنطلق" فعلاً قد عَلِمَ السامع أنه كان، ولكنه لم يَعْلَمهُ لِزَيْدٍ، فَأَفَدْتَهُ ذلك. فقد وافق الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبراً، وهو إثبات المعنى للشيء. وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أنَّ انطلاقاً كان من أحد الرجلين، لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو، وكان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيدا، كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله.


١٩٣ - وتمام التحقيق أنَّ هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان انطلاق مِنْ مَوْضِع كذا في وَقْتِ كذا لغرض كذا، فجوَّزْتَ أنْ يكون ذلك كان من زيد. فإذا قيل لك: "زيد" المنطلق"، صار الذي كان معلوماً على جهة الجواز، معلوماً على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فضلاً" بين الجزءين فقالوا: "زيد" هو المنطلق".


إذا كان الخبر نكرة، جاز أن تعطف على المبتدأ مبتدأ آخر، وتفصيل ذلك:


١٩٤ - ومن الفرق بين المسئلتين، وهو مما تمسُّ الحاجة إلى معرفته، أنك إذا نكَرْتَ الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان، على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، وإذا عرفت لم يجز ذلك.


تفسير هذا أنك تقول: "زيد" منطلق وعمرو، تريد وعمرو منطلق أيضاً، ولا تقول: "زيد المنطلق وعمرو"، ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تُثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يَصِحَ إثباته لعمرو.
في المطبوعة وحدها، ...... من كان يثبته"، وهي زيادة لا خير فيها.


لفروق في الخبر القصر في التعريف


الخبر معرفا بالألف واللام، نحو "زيد" هو الشجاع"، وتفصيل فروق الوجه الأول:


١٩٥ - وعلم أنك تجد الألف واللام" في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك وجوهاً:


أحدهما: أن تَقْصُرَ جنس المعنى على المُخْبَر عنه القَصْدِك المبالغة، وذلك قولك: "زيد هو الجواد" و"عمرو هو


الشجاع"، تريد أنه الكامل إلا أنكَ تُخْرج الكلام في صورة توهم أنَّ الجود أو الشجاعة لم تُوجد إلا فيه، وذلك لأنك لم تَعْتَدَّ بما كان مِنْ غَيْره ، لقصوره عن أن يبلغ الكمال. فهذا.


ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في الخبر فتقول: "زيد وعمرو هما


المنطلقان"، لا أن تُفرّق فتُثبته أولاً لزيد، ثم تجيء فتثبته لعمرو.


ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: "هو القائل بيت كذا"، كقولك: "جرير هو القائل:


ولَيْسَ لِسَيْفي في العِظَامِ بقية


فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، فتقول: "جرير هو القائل هذا البيت وفلان"، حاولت محالا ، لأنه قول بعينه، فلا يتصور أن يُشرك جريراً فيه غيره.


كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك، فلو قلت: "زيد" هو الجواد وعمرو"، كان خلفاً من القول.


معنى الوجه الثاني:


التشكيل


١٩٦ - والوجه الثاني: أن تَقْصُرَ جِنس المعنى الذي تُفيده بالخبر على المُخبر عنه، لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، بل على دعوى أنه لا يُوجَدُ إلا منه. ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يُقيَّد بالحال والوقت كقولك: "هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً. وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى، ثم اشترطت له مفعولاً مخصوصا، كقول الأعشى:


هو الواهب المِئَةَ المُصطفاة ، ... إما مخاضاً وإمَّا عِشَاراً


فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد، نوعاً خاصاً مِنَ الوفاء، وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعاً خاصاً، وكذا الباقي. ثم إنك تجعل كل هذا خبراً على معنى الاختصاص، وأنَّه للمذكور دونَ مَن عداه.


ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى: أنه لا يَهَبُ هذه الهبة إلا الممدوح؟ وربما ظن الظان أنَّ "اللام" في "هُوَ


الواهب المئة المصطفاة بمنزلتها في نحو "زيد" هو المنطلق"، من حديث كان القصد إلى هبة مخصوصة، كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص وليس الأمر كذلك، لأنَّ القصد ههنا إلى جنس من الهبة مخصوص، لا إلى هبة مخصوصة بعينها. يَدُلُّكَ على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه، وعلى أن يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى، وأما المعنى في قولك: "زيد هو المنطلق، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة وادة، لا إلى جنس من الانطلاق. فالتكرر هناك غير متصور، كيف؟ وأنت تقول: "جرير" هو القائل وليس لسيفي في العِظام بقية ١، تُريد أن تُثبت له قيل هذا البيت وتأليفه.


فأفصل بين أن تقصد إلى نوع فعل، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين، حاله في المعاني حال زيد في الجرال، في أنه ذات بعينها.


الوجه الثالث:


١٩٧ - والوجه الثالث: أن لا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور، لا كما كان في "زيد هو الشجاع - تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله: "هو الواهب المئة المصطفاة، ولكن على وجه ثالث، وهو الذي عليه قول الخنساء:


إذا قَبحَ البكاء على قتيل ... رَأَيْتُ بكاءَكَ الحسن الجميلام


لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تُقيَّد الحسن بشيء فيتصور أن يُقْصَر على البقاء، كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح، ولكنها أرادت أن تُقره في جنس ما حُسْنُهُ الحُسْنُ الظاهر الذي لا يُنكره أحد، ولا يشك فيه شاك.


۱۹۸ - ومثله قول حسان:


وإِنَّ سَنام المَجْدِ مِنْ آلِ هاشم ... بَنُو بنت مخزوم ووالدك العبد


الفروق في الخبر نكت أخرى للتعريف]


الوجه الرابع في الخبر المعرف بالألف واللام وهو مسلك دقيق، وأمثلته، وهو "الموهوم":


١٩٩ - واعلم أن للخبر المعرَّف "بالألف واللام" معنى غير ما ذكرت لك، وله مَسْلكَ ثُمَّ دقيقُ وَلَمَحَةُ كَالخَلْسِ، يكون المتأمل عنده كما يقال: "يُعرف وينكر"، وذلك قولك: "هو البطل المحامي" و "هو المتقي المرنجي"، وأنت لا تقصد شيئاً مما تقدم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يَعْلَمْ أنه ممن كان كما مضى في قولك: "زيد هو المنطلق ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك: "زيد هو الشجاع ولا أن تقول: ظاهر أنه بهذه الصفة، كما كان في قوله: " ووالدك العبد" ولكنك تريد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي؟ وهل خصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يُقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علماً، وتصوَّرته حق تصوره، فعليك صاحبك واشدد به يدك، فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك : هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرفه، فزيد هو هو بعينه".


٢٠٠ - ويزداد هذا المعنى ظهوراً بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف، كقوله


ابن الرومي


هو الرجل المَشْرُوك في جُلَّ مالِهِ .... ولكنه بالمجد والحمد مُفْرَدا


تقديره، كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فأعلك أنه ذلك الرجل.


٢٠١ - وهذا من عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تَقْصُرُ العبارة عن تأدية حقه. والمُعَوَّل فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل، فإذا علمت أنه لا يريد بقوله: "الرجل المشروك في جل ماله" أن يقول: "هو الذي بلغت حديثه، وعرفت من حاله وقصته أن يُشرك في جُل ماله، على حد قولك: "هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا، والذي وهب المئة المصطفاة من الإبل ولا أن يقول إنه على معنى: "هو الكامل في هذه الصفة، حتى كأن ههنا أقواماً يُشركون في جل أموالهم، إلا أنه في ذلك أكمل وأتم، لأنَّ ذلك لا يُتَصوَّر. وذاك أن كون الرجل بحيث يُشرك في جل ماله، ليس بمعنى يقع فيه تفاضل ، كما أن بَدِّلَ الرجل كل ما يملك كذلك ولو قيل: "الذي يُشْرَكُ في ماله، جاز أن يتفاوت. وإذا كان كذلك، علمت أنه معنى ثالث. وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب: "ضع في نسك معنى قولك: رجل متشروك في جُل ماله، ثم تأمل فلاناً، فإنك تستملي هذه الصورة منه،


وتجده يؤديها لك نصاً، ويأتيك بها كملاً.


٢٠٢ - وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء، فاسمع قوله:


أن الرجل المدعو عاق فقره .... إذا لَمْ تُكَارِمْني صروف زَمَانِي


وإن أردت أعجب من ذلك فقوله:


أهدى إلي أبو الحسين يدا ... أرجو الثواب بها لديه غدا


وكذلك عادات الكريم إذا ... أَوْلَى يَداً حُسِبَتْ عَلَيْهِ يدا


إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمك ذلك الأحدم


فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، وأن يُصوّر في خاطره شيئاً لم يره ولم يعلمه، ثم يجربه مجرى ما عهد وعلم.


"الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم


٢٠٣ - وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي"، فإنه يجيء كثيرًا من أنك تقدر شيئاً في وهمك،


ثم تعبر عنه بالذي"، ومثال ذلك قوله:


أخوك الذي إن تدعه لملمة .... يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
وقول الآخر:
أخوك الذي إن ريته قال إنما ... أريت وإن غائبته لان جانبه


فهذا ونحوه على أنك قدَّرْتَ إنساناً هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يَعِنُ في الوهم، دون أن يكون قد عرف جرلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت:


أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يحبك".


٢٠٤ - ولكون هذا الجنس معهوداً من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يُوصف بالاستحالة، كقولك للرجل


وقد تمنَّى: "هذا هو الذي لا يكون"، و "هذا ما لا يدخل في الوجود"، وكقوله:


مالا يكون فلا يكون بحيلة .... أبداً وَمَا هُوَ كَائِن سَيُكُونُ ٣


وَمِنْ لطيف هذا الباب قوله :


وإني لمشتاق إلى ظل صاحب .... يَروقُ ويَصْفُو إِنْ كَدِرْتُ عليهِ


قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجوداً، ولذلك قال المأمون: "خذ منّي الخلافة وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يَعْرِضُ فيه شك أنه موهوم.


الفرق بين المنطلق "زيد" و"زيد المنطلق والمبتدأ والخبر معرفتان


٢٠٥ - وأما قولنا: "المنطلق زيد"، والفرق بينه وبين أن تقول: "زيد" المنطلق ، فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد؟، فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر.


وبيانه: أنك إذا قلت: "زيد المنطلق"، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف السامع كونه، إلا أنه لم يَعْلَم أَمِنْ زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: "زيد المنطلق"، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز.


وليس كذلك إذا قدمت "المنطلق" فقلت: "المنطلق "زيد"، بلى يكون المعنى حيئذ على أنك رأيت إنساناً ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته ، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك: المنطلق زيد"، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد.


وقد ترى الرجل قائماً بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديماً ثم بَعُدَ عَهْدُكَ به فتناسيته، فيقال لك: "اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لَشَدَّ ما نَسِيتَ ، ولا يكون ) الغرض أن يثبت له ليس الديباج، لاستحالة ذلك، من حيث إنَّ رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له.
فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبراً، فاعلم أنَّ الغرض هناك، غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبراً، كقولك: "زيد المنطق".


اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا:


٢٠٦ - واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتى يُظن أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبراً، لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير ومما يوهم ذلك قول النحويين في "باب كان": "إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيهما شئت اسماً، والآخر خبراً، كقولك: "كان زيد أخاط" و "كان أخوك زيداً"، فيُظَنُّ مِنْ ههنا أن تكافؤ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان


الترتيب الذي يُدعى بين المبتدأ والخبر وما يُوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر، يسقط ويرتفع إذا كان


الجزآن معاً معرفتين.


٢٠٧ - ومما يوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و "جئتك والخليفة عبد الملك"، فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد، والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا قلت: "زيد" الأمير" و "عبد الملك الخليفة"، وتقوله لمن لا يُشاهدا، ومَنْ هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة.


وهكذا من يتوهم في نحو قوله:


أبُوكِ حباب سارقُ الضَّيفِ بُرْدَهُ ... وجَدِّيَ يَا حَجَّاجُ فَارِسُ شَمَّرا


أنه لا فصل بينه وبين أن يقال: حباب أبوك، وفارس شمَّر جدي"، وهو موضع غامض.


والذي يُبين وجه الصواب، ويدل على وجوب الفرق بين المسئلتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت الا يحتمل


التسوية، وما تجد الفرق قائماً فيه قياماً لا سبيل إلى دفعه، هو الأعم الأكثر؟.


٢٠٨ - وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدمت لك من قولك: "اللابس الديباج زيد ، وأنت تشير له إلى


رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: "ليس الطيب إلا المسك ، وقول جرير :


ألستُم خِيرَ مَنْ رَكِبَ المَطاياه


ونحو قول المتنبي:


ألست ابن الألى سعدوا وسادوا
وأشباه ذلك مما لا يُحصى ولا يُعد وأرد المعن على أن يَسْلَمَ لك مع قَلْبِ طَرَفي الجملة، وقُل: "ليس المسك إلا الطيب"، و "أليس خيرُ مَنْ ركب المطايا إياكم ؟ " ، و "أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إِيَّاكَ ؟ ٢ تعلم أنَّ الأمر على


ما عرفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير.


المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك:


٢٠٩ - وههنا نكتة جيب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبداً، وهي أن المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبر خبرًا لنه مذكور بعد المبتدأ، بل كان المبتدأ مبتدأ لنه مسند إليه ومُثْبَت له المعنى، والخبر خبراً لأنه مسند ومثبت به المعنى.


تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "زيد" منطلق " فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته إليه، فَزَيد مثبت له، ومنطلق مثبت به، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظاً، فحكم واجبٌ من هذه الجهة، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يُثْبَتُ له المعنى ويسند إليه، والخبر هو الذي يُثْبَت به المعنى ويُسند. ولو كان المبتدأ مبتدأ لنه في اللفظ مقدم مبدوء به، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: "منطلق زيد"، ولوجب أن يكون قولهم: "إن الخبر مقدَّم في اللفظ والنية به التأخير، محالاً. وإذا كان هذا كذلك ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما متبدأ وخبراً فقد وجب وجوباً أن تكون مثبتاً بالثاني معنى للأول. فإذا قلت: "زيدًا أخوك"، كنت قد أثبت بأخوك معنى لزيد، وإذا


قدمت وأخرت فقلت:


أخوك زيد ، وجب أن تكون مثبتًا يزيد معنى لأخوك، وإلا كان تسميتك له الآن متبدأ وإذا ذاك خبراً، تغييراً للاسم عليه من غير معنى، ولأذى إلى أن لا يكون لقولهم المبتدأ والخير" فائدة غير أن يتقدم اسم في اللفظ على اسم، من غير أن ينفدر كل واحد منما بحكم لا يكون لصاحبه. وذلك مما لا يُشك في سقوطه.


٢١٠ - ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى إذا جئت بمعرفتين، ثم جعلت هذا مبتدأ وذاك خبراً تارة، وتارة بالعكس قولهم: "الحبيب أنت"، و "أنت الحبيب"، وذاك أن معنى الحبيب أنت"، أنه لا فصل بينك وبينَ مَنْ تحبه إذا صدقت المحبة، وأنَّ مثل المتحابين مثل نفسٍ يقتسمها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال: الحبيب أنت إلا أنه غيرك". فهذا كما ترى فوق لطيف وكنكتة شريفة، ولو حاولت أن تفيدها بقولك: "أنت الحبيب"، حاولت ما لا يصح، لأنَّ الذي يُعقل من قولك أنت الحبيب" هو ما عناه المتنبي في قوله:


أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... مِنْ أن أكون محبصا غير محبوب؟


ولا يخفى بعد ما بين الغرضين. فالمعنى في قولك: "أنت الحبيب" أنَّكَ الذي أخْتَصُّه بالمحبة من بين الناس، وإذا كان كذلك، عرفت أن الفرق واجب، أبداً، وأنه لا يجوز أن يكون أخوك زيد" و "زيد اخوك" بمعنى واحد.


٢١١ - وههنا شيء يجب النظر فيه، وهو أن قولك: "أنت الحبيب"، كقولنا "أنت الشجاع، تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أم كقولنا : "زيد" المنطلق ، تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يحتمل أن يكون كقولنا: "أنت الشجاع ، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا تحبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب، كما أن المعنى في "هو الشجاع" أنه لا شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده وما هو شجاع به. وذلك محال.


٢١٢ - وأمر آخر وهو أنَّ الحبيب "فعيل" فمعنى" "مفعول"، فالمحبة إذن ليست هل له بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره قد لا بسته وتعلقت به تعلق الفعل بالمفعول، والصفة إذا وُصِفَتْ بكمال وُصفت به على أَنْ يَرجع ذلك الكمال إلى مَنْ هي صفةً له، دونَ مَن تُلابِسه ملابسة المفعول. وإذا كان كذلك، يعد أن تقول: "أنت المحبوب"، على معنى أنت الكامل في كونك محبوباً، كما أن بعيداً أن يقال: هو المضروب"، على معنى أنه الكامل في كونه مضروباً.


وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور ههنا، وذلك أن يقال مثلاً: "زيد هو المظلوم"، على معنى أنه لم يُصب أحداً ظلم يبلغ في الشَّدَةِ والشناعة الظلم الذي لحقه، فصار كل ظلم سواهُ عَدْلاً فِي جَنْبِهِ ولا يجيء هذا التأويل في قولنا: "أنت الحبيب"، لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إِنَّ أحداً لم يُحب أحدا مجتبى لك، وأن ذلك قد أبطل


المحبات كلها حتى صبرت الذي لا يُعقل للمحبة معنى إلا فيه. وإنما الذي يريدون أن المحبة مني بجملتها


مقصورة عليك، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبة مني.


٢١٣ - وإذا كان كذلك بان أنه لا يكون بمنزلة "أنت الشجاع ، تريد الذي يتكامل الوصف فيها، إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أنَّ بين أنتَ الحبيب" وبين " زيد المنطلق" فرقاً، وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفاً من الجنسية، من حيث كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، ولم تعمد إلى محبة واحدة من محباتك. ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك: "أنت الحبيب أنك لا تُحِبُّ غيره، وأن لا محبة لأحد سواه عندك؟ ولا يتصور هذا في "زيد المنطلق"، لأنه وجه هناك للجنسية، إذ ليس ثم إلا انلاطق واحد قد عرف المخاطب أنه كان، واحتاج أن يُعين له الذي كان منه ويُنَصَّ له عليه. فإن قلت: " زيد المنطلق في حاجتك"، تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في "أنت الحبيب".


أسماء الأجناس والمصادر تتنوع إذا وصفت:


٢١٤ - وههنا أصل يجب أن تُحْكِمَهُ: وهو أنَّ من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وُصِفَتْ، أن تتنوع بالصفة، فيصير "الرجل الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت: "رجل ظريف"، و "رجل طويل"، و "رجل قصير"، و "رجل شاعر"، و "رجل كاتب"، أنواعاً مختلفةً يُعد كل نوع منها شيئًا على حدة، وتستأنف في اسم "الرجل" بكل صفة تقرنها إليه جنسية؟.


٢١٥ - وهكذا القول في "المصادر"، تقول: "العلم" و "الجهل" و "الضرب" و "القتل" و "السير" و "القيام" و "القعود" فتجد كل واحد من هذه المعاني جنساً كالرجل والفرس والحمار. فإذا وصفت فقلت: "علم كذا" و "علم كذا" كقولك: "علم ضروري" و "علم مكتسب"، و "علم جلي" و "علم خفي" و "ضرب شديد" و "ضرب خفيف" و "سير سريع" و "سير بطيء" وما شاكل ذلك، أتقسم الجنس منها أقاساما، وصار أنواعًا، وكان مثلها مثل الشيء


والمجموع المؤلف تَفْرُقُه فِرَقاً وتَشْعَبُه شُعبا. وهذا مذهب معروف عندهم، وأصل متعارف فيكل جيل وأمة.


المصادر تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة


٢١٦ - ثم إن ههنا أصلاً هو كالمتفرع عل


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

قبل التطرق لتعر...

قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...

تتواصل حالة الج...

تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...

نفّذ مكتب الصحة...

نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...

المتمعن في المو...

المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...

يشرف الناظر على...

يشرف الناظر على الاستشارة التربوية و يراقبه وهذا تحت سلطة المدير ,كما يقوم بالتنسيق اليومي مع الأسات...

نصيحة السلطان و...

نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...

ويقول: ما ظنك ب...

ويقول: ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا.. فتنصرف تلك الفرقة دون أن تراهما. 65 . خر...

ثالثا : اإلضاءة...

ثالثا : اإلضاءة الخلةية تعطى اإلبااة الخلفية عمقا لمكان التصوير وذلم عن طريق زيادة اإلبااة، وفصل م...

کتاب اللؤلؤة في...

کتاب اللؤلؤة في السلطان السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدن...

آليات المساءلة ...

آليات المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية تتجسد في مجموعة متداخلة من الإجراءات القانونية التي تشمل المس...

اعتبر الباحث ال...

اعتبر الباحث اليمني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، الدكتور علي الذهب، أن تحليق الطائرات المسيّرة ...

شهدت بلاد المغر...

شهدت بلاد المغرب الاوسط خلال العصر الوسيط لا سيما الفترة الممتدة ما بين القرنين الثالث والسابع هجري ...