لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (9%)

أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان ، تفتحت عيناه على الحياة في الوقت الذي كانت الدولة الأموية تغمض فيه عينيها ، ولمعت أمام عينيه بغداد التي كانت تتألق بأضوائها ، وشد أبو العتاهية رحاله إلى بغداد، فاتصل بالمهدي ثم بابنه الهادي من بعده . وقد سلك أبو العتاهية في عرض آرائه في مشكلة المصير خطاً منتظماً مستقيما فهو يعرض لكل ما يمكن أن يخطر على ذهن من يبحث في هذه المشكلة : ما الحياة ؟ وما سر حب الإنسان لها على الرغم من فنائها وزوالها ؟ وما الموت ؟ وماذا بعد الموت ؟ ثم ما الوسيلة التي يستطيع الإنسان أن ينجو بها من شقاء الدنيا ليصل إلى السعادة في الأخرة ؟ وما المشكلات التي يقابلها الإنسان في حياته ؟ وما الرأي فيها ؟ وما مشكلة الخير والشر ؟ وما مشكلة الصداقة والصديق ؟ أو - بعبارة أخرى - ما مشكلة هذه الحياة التي نحياها ، والتي ستنفارقها في يوم من الأيام في رحلة طويلة رهيبة تنتهي بنا إلى الجنة أو إلى النار ؟ هذه هي المشاكل التي شغلت ذهن أبي العتاهية وملأت عليه تفكيره ، أراك وإن طلبت بكلّ وجه كحلم النوم أو ظلّ السحاب أو الأمس الذى ولى ذهابا وليس يعود أو لمع الشراب الو ترى الدنيا بعيني بصير إنما الدنيا تحاكي السرابا إنما الدنيا كفى تولى وكما عاينت فيه الضبابا إنما الدنيا غرور كلها مثل لمع الآل في الأرض القفاز والدنيا - في حقيقة أمرها ، وصيحة الفرح بمولود تتفتح عيناه للحياة بصيحة الحزن على ميت يغمض عينيه عنها ، فكرت في الدنيا وجدتها فإذا جميع جديدها يُبلى وإذا جميع أمورها دُوَل بين البرية قلما تبقى ولقد مررت على القبور فما ميّزت بين العبد والمولى ما زالت الدنيا منّغصة لم يُخلَ صاحبها من البلوي دار الفجائع والهموم ودار الـ بؤس والأحزان والشكوى بينا الفتى فيها بمنزلة إذ صار تحت ترابها مُلقي تَقَهُو مساويها محاسَتَها لا شيء بين النعي والبشري ولمّل يوم در شاره إلا سمعتُ بهالك يُنمّي أتراك تخصى مَن رأيت من الـ أحياء ثم رأيتهم مؤتى ومهما تختلف الأيام بالناس فإن النهاية للجميع دائما واحدة ، وأن يفكر فيها أين مضت ؟ وأين انتهى بها المصير ؟ بل حسبه أن يفكر في آبائه وأباء آبائه حتى آدم أين مضوا ؟ وإلى أين انتهت بهم الحياة ؟ : يا نفس أين أبي وأين أبو أبي وأبوه عَدّى لا أبالك واحسبي عَلَى فإني قد نظرت فلم أجد بيني وبين أبيك آدم من أب قد مات ما بين الجنين إلى الرضي ع إلى الفطيم إلى الكبير الأشيب وكما خلقنا من التراب سنصير إلى التراب ، وأهم عمل فني قام به أبو العتاهية في هذا المجال أرجوزته المزدوجة التي سمّاها ذات الأمثال ، ومن الممكن أن نرى في هذه الأرجوزة دستور النفس الخيرَة والحياة الفاضلة يسجل فيه أبو العتاهية كل ما وصل إليه من آراء في النفس والحياة ، وهي تشبه من بعض جوانبها الابتهالات الصوفية التي يناجي بها الصوفية الله . على نحو مانرى في هذه الأبيات : كل امرىء فكما يَدِينَ يُدَانَ سبحان من لم يُخل منه مكانْ سبحان من يُعطى المنى بخواطر في النفس لم ينطق به لسانَ سبحان من لاشيء يجب علمه فالسر أجمع عندة إعلانَ سبحان من هو لايزال مسبحا | أبدا وليس لغيره السُبحان سبحان من تجرى قضاياه على ماشاء منها غائب وعيًان
ووصفه ابن قتيبة بأنه « ممن يكاد يكون كلامه كله شعرا ، ومن هنا نستطيع أن نصف العمل الفني عند أبي العتاهية بأنه كان في بعض جوانبه ترجمة شعرية يترجم فيها الشر إلى شعر . فإذا كان موضوع الشعر الزهد - واشعَ الناس به العامة - تحتم على الشاعر أن يجعل من أسلوبه أسلوبا شعبيا قريبا إلى نفوسهم .


النص الأصلي

أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان ، شاعر كوفي ، ولد بالكوفة ونشأ بها . وهو مولى من الموالى ، ويرجح الباحثون أنه من الأنباط الذين كانوا يعيشون حول الحيرة ، تفتحت عيناه على الحياة في الوقت الذي كانت الدولة الأموية تغمض فيه عينيها ، إذ ولد في سنة مائة وثلاثين سنة قبيل سقوط الدولة الأموية بعامين. وشهدت طفولته تلك الحياة السياسية المضطربة التي عاش فيها المجتمع الإسلامي عقب الانقلاب العباسي ، وشهد بعينيه الصغيرتين رؤوسًا تتطاير وأشلاء واروحاً تزهق ودماء تسيل، وطبع هذه الصورة قائمة سوداء في نفسه منذ هذا الوقت المبكر من حياته. وهي صورة حجبتها الحياة عنه فترة من الزمن حين كان العود ريان الشباب مخضر الإهاب ، ولكنها عادت فظهرت قوية واضحة حين أخذت حياته تنحدر نحو الغروب . في هذه الفترة المبكرة من حياته انطبعت في نفسه صورة قاتمة لمصير الإنسان في الحياة ، ذلك المصير الذي شغله فترة طويلة ، وملأ نفسه بالتشاؤم منذ أن أخذ ينحاز عن الجانب المشرق من الحياة إلى الجانب المظلم في عزلته بعيداً عن موكب الحياة والأحياء . في هذه الفترة أخذ أبو العتاهية ينظم الشعر ، وبدأ نجمه يلمع ، وأخذت ناشئة الأدب تسعى إليه لتأخذ عنه الشعر وترويه له . ويحدثنا الرواة أن هذه الناشئة كانت تقصد إليه حيث يصنع الجرار ويبيعها ، وأنها كانت تكتب شعره على ما يتناثر من جراره من قطع الخزف . ثم أراد أبو العتاهية أن يجرب حظه في الحياة شاعرا ، ولمعت أمام عينيه بغداد التي كانت تتألق بأضوائها ، فتجذب إليها العناصر الطامحة من أرجاء المجتمع الإسلامي كله . وشد أبو العتاهية رحاله إلى بغداد، وتحول أبو العتاهية إلى شاعر رسمي يؤدي واجبه التقليدي للقصر العباسي في بغداد ، فاتصل بالمهدي ثم بابنه الهادي من بعده . ثم بابنه الرشيد بعد الهادي ، وتوطدت صلته بالرشيد حتى أصبح شاعره الرسمي لا يفارقه في سفر ولا في إقامة . وأغدق الرشيد عليه الجوائز والعطايا ، وبدأت الدنيا تقبل عليه ، وبدأت الحياة تبسط له ذراعيها إلى أبعد حدودهما ، وبدأ الذهب يسيل من بين أصابعه ، ولكن كل هذا جاء بعد الغروب . لقد ودع أبو العتاهية شبابه محملا بذكريات حزينة وأخذ يستقبل شيخوخته التي لا تصلح لحب ولا للهو ولا لمتعة . وقرر أن ينصرف عن متع الدنيا وملذاتها ، وأن يعتزل الناس ، ويفرض على نفسه حياة تقوم على الزهد والتقشف . ومضى أبو العتاهية في زهده يجاهد نفسه مجاهدة عنيفة ؛ إذ فرض على نفسه الحج كل عام ، كما فرض عليها اعتزال الناس والميل إلى الوحدة ومفارقة مجالس اللهو والشعر والغزل ، كما كان يفرض على نفسه أحيانا أن يصوم عن الكلام . ومضى في ثيابه الصوفية الخشنة يمارس هذه الرياضات الروحية حتى ودع الحياة . ثم تضطرب الأمور السياسية ويدور الصراع السياسي بين الأمين والمأمون ، ثم ينتهي الصراع بمصرع الأمين واستقرار الأمر للمأمون الذي يرتقى عرش الخلافة . تحدث كل هذه الأحداث وأبو العتاهية في عزلته الروحية بعيدا عن الناس لم يشترك في شيء منها ، ولم يتصل بالحياة السياسية لا في اضطرابها ولا في استقرارها ، وإنما هو يجاهد نفسه مجاهدة عنيفة ، ويروضها رياضة روحية عميقة ، أما السياسة وأحداثها وأما الحياة والصراع فيها فإنها أشياء قد نفض يديه منها إلى الأبد . . ولكن من حين إلى حين كان يخرج إلى معترك الحياة ليشهد اصطراع الناس وهم غافلون عن المصير الذي ينتظرهم ، وليستخلص من ذلك معاني يصورها في شعره الذي بلغ من الذيوع والانتشار درجة كبيرة ، فناشئة الأدب والمتأدبون يفدون عليه في طلب شعره ، والرواة يسجلونه ويحفظونه ، والخليفة نفسه يسعى إليه لينشده من شعره في الزهد والموت والحديث عن المصير ، فيعجب به حينا وينقده حينا آخر ، ولكنه في كلتا الحالين يجزيه ويكافئه
موضوعات شعره : والفكرة الأساسية في شعر أبي العتاهية الزهدي هي فكرة المصير : مصير الانسان في الحياة ومصيره بعد الموت ، وتتردد هذه الفكرة في شعره بصورة واسعة ، وهو مشغول بها شغلا كبيرا يعبر عنها في صور شتى وبأساليب متعددة ، يطوف حولها حينا ويتغلغل في أعماقها حينا آخر ، ويعرض علينا منها نماذج مختلفة ، تماما كما كان يفعل في سالف أيامه حين كان يسوّي الطينة الخضراء جرارا مختلفة الأحجام والأشكال ، ولكن جراره الفنية لم تكن خضراً كتلك الجرار التي كان يسويها ، وإنما كانت جرارا سودا قاتمة تبعث على التشاؤم ، وتثير في النفس الحزن والانقباض . ويوشك أبو العتاهية أن يكون أهم شاعر عربي شغلته مشكلة المصير ، إلا إذا استثنينا أبا العلاء الذي ألحت عليه هذه المشكلة أيضا وشغلته ، واحتلت قسما كبيرا من شعره ، وقد سلك أبو العتاهية في عرض آرائه في مشكلة المصير خطاً منتظماً مستقيما فهو يعرض لكل ما يمكن أن يخطر على ذهن من يبحث في هذه المشكلة : ما الحياة ؟ وما سر حب الإنسان لها على الرغم من فنائها وزوالها ؟ وما الموت ؟ وماذا بعد الموت ؟ ثم ما الوسيلة التي يستطيع الإنسان أن ينجو بها من شقاء الدنيا ليصل إلى السعادة في الأخرة ؟ وما المشكلات التي يقابلها الإنسان في حياته ؟ وما الرأي فيها ؟ وما مشكلة الخير والشر ؟ وما مشكلة الصداقة والصديق ؟ أو - بعبارة أخرى - ما مشكلة هذه الحياة التي نحياها ، والتي ستنفارقها في يوم من الأيام في رحلة طويلة رهيبة تنتهي بنا إلى الجنة أو إلى النار ؟ هذه هي المشاكل التي شغلت ذهن أبي العتاهية وملأت عليه تفكيره ، ومضى يصوغها في شعره ألوانا مختلفة ، ويرسم منها صورا متعددة لا حصر لها . فالحياة عنده ـ كما هي في القرآن الكريم - دار المتاع والزوال والغرور ، وهو يتمثلها حينا كأحلام النيام تأتي اليقظة فتمحوها ، وحينا كظل السحاب لا استقرار له ، وحينا كلمع السراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وحينا كالضباب لا تلبث أشعة الشمس أن تبدده ، وحينا كالأمس الذي ولي ولن يعود ، أراك وإن طلبت بكلّ وجه كحلم النوم أو ظلّ السحاب أو الأمس الذى ولى ذهابا وليس يعود أو لمع الشراب الو ترى الدنيا بعيني بصير إنما الدنيا تحاكي السرابا إنما الدنيا كفى تولى وكما عاينت فيه الضبابا إنما الدنيا غرور كلها مثل لمع الآل في الأرض القفاز والدنيا - في حقيقة أمرها ، و كما يجب أن يتمثلها الإنسان حتى ينجو منها ويفوز بالسعادة في الآخرة - ليست دار إقامة أو استقرار ، وإنما هي - على حد تعبيره - « دار قلعة تقتلع الإنسان مهما يطل عمره فيها : ألم تر أن الأرض منزلُ فَلَعَةٍ وإن طال تعميرى عليها اوازمَنتُ ألم تر أن المرء في دار قلعة إلى غيرها ، والموتُ فيها سبيله، والدنيا عند أبي العتاهية دار الفجائع والهموم والبؤس والأحزان والشقاء والتعب ، جديدها يبلى ، وأمورها متقلبة ، لا تكاد تبتسم الإنسان حتى تقلب له ظهر المجنّ ، ترفعه فوق النجوم ثم تهوي به إلى الثرى ، مساوئها تقفو محاسنها فتمحوها ، وتمتزج فيها فرحة البشري بصوت النعى ، وصيحة الفرح بمولود تتفتح عيناه للحياة بصيحة الحزن على ميت يغمض عينيه عنها ، والصونان متشابهان لا فرق بينهما ، والموت للناس بالمرصاد ، والقبور تسوى بين البشر جميعاً ، فكرت في الدنيا وجدتها فإذا جميع جديدها يُبلى وإذا جميع أمورها دُوَل بين البرية قلما تبقى ولقد مررت على القبور فما ميّزت بين العبد والمولى ما زالت الدنيا منّغصة لم يُخلَ صاحبها من البلوي دار الفجائع والهموم ودار الـ بؤس والأحزان والشكوى بينا الفتى فيها بمنزلة إذ صار تحت ترابها مُلقي تَقَهُو مساويها محاسَتَها لا شيء بين النعي والبشري ولمّل يوم در شاره إلا سمعتُ بهالك يُنمّي أتراك تخصى مَن رأيت من الـ أحياء ثم رأيتهم مؤتى ومهما تختلف الأيام بالناس فإن النهاية للجميع دائما واحدة ، إنها الموت الذي ينتظر الجميع ولا يترك منهم أحداً : الموت لا والداً يُبقى ولا ولدا ولا صغيرا ولا شيخه ولا أحدا للموت فينا سهام غير مُخطئة مَن فاته اليوم سهم لم يَمُته غدا فالموت سنة الله في خلقه منذ أن خلق الحياة ، وحسب الإنسان أن ينظر في الأجيال التي مضت ، والقرون التي سبقت ، وأن يفكر فيها أين مضت ؟ وأين انتهى بها المصير ؟ بل حسبه أن يفكر في آبائه وأباء آبائه حتى آدم أين مضوا ؟ وإلى أين انتهت بهم الحياة ؟ : يا نفس أين أبي وأين أبو أبي وأبوه عَدّى لا أبالك واحسبي عَلَى فإني قد نظرت فلم أجد بيني وبين أبيك آدم من أب قد مات ما بين الجنين إلى الرضي ع إلى الفطيم إلى الكبير الأشيب وكما خلقنا من التراب سنصير إلى التراب ، فالتراب هو البداية والنهاية ، وهو المبدأ والمعاد ، وهو المورد والمصدر ، وإذا كان هذا هو المصير ففيم صراع الإنسان في الحياة ؟ لمن يبني ويشيد ؟ ولم يجمع الأموال ويحرص عليها ؟ ولم ينجب ويحرص على البنين ؟ إنه يبنى للخراب ، ويلد للموت ، ويجمع لمن يرثه بعد موته ، أما هو . فسيخرج من الحياة ولا شيء معه . يقول مرة : فإذا دعتك إلى الخطيئة شهوة از فاجعل لطرَفك في السماء سبيلا وف الإله فإنه لك ناظر وكفى بربك زاجرا وسئولا ماذا تقول غدا إذا لاقيته بصغائر وكبائر مسئولا . وتنتشر العظات الدينية في شعر أبي العتاهية انتشارا واسعا ، وهي تؤلف الموضوع الثاني من شعره الزهدي بعد الموضوع الأول وهو المصير . والعظات الدينية عنده تدور كلها في جو ديني إسلامي ، وتستمد معانيها من القرآن والحديث ومن مواعظ أصحاب القصص الديني والخطابة الوعظية الأمويين ، ثم من آرائه هو في الحياة والموت . وهي تهدف كلها إلى غرض واحد ، وهو رفض الدنيا والعمل للآخرة . وهو يقف فيها موقف الواعظ الديني ، يخاطب الناس عنيفا بهم حينا ومترفقا بهم حينا آخر ، يعدهم ويتوعدهم ، ويتقرب إليهم ، ويتباعد عنهم ، ويرغبهم ويرهبهم ، ولكنه دائما يتمنى لهم السعادة في الآخرة والعمل الصالح من أجلها في الدنيا . . وكما تنتشر العظات الدينية في شعره تنتشر أيضا الحكم الأخلاقية ، وهي تؤلف الموضوع الثالث من موضوعات شعره الزهدى ، وهو يعرض لها أحيانا في أثناء قصائده ومقطوعاته ، ويفرد لها أحيانا أخرى قصائد ومقطوعات مستقلة ، ومن هنا كان أحيانا يطيل فيها ويفصل ، وأحيانا أخرى كان يركزها ويجملها . ومعنى هذا أن الحكم الأخلاقية عنده تأخذ أحيانا صورة دراسة للنفس الإنسانية وللمجتمع البشري لبيان مافيهما من شرور وأخطاء وعيوب ، وتأخذ أحيانا أخرى صورة الأمثال التي يركز فيها خلاصة تجاربه في الحياة ، ولكنه في كلتا الحالتين يرسم صورة مثالية للحياة الفاضلة ، وللنفس الخيرة التي يريد أن يقلم منها أظفار السوء ، وينتزع أنياب الشر . وأهم عمل فني قام به أبو العتاهية في هذا المجال أرجوزته المزدوجة التي سمّاها ذات الأمثال ، وهي أرجوزة طويلة جدا يقلل إن له فيها أربعة آلاف مثل . ولكن مما يؤسف له أن هذه الأرجوزة قد ضاعت ولم يصل إلينا منها إلا عدد قليل جدا من أبياتها . وهي كما يدل عليها اسمها مجموعة من الأمثال والحكم الأخلاقية ، يسجل فيها خلاصة تجاربه في الحياة ، وآرائه في الموت والمصير والزهد ، في صياغة مركزة لتجري مجرى الأمثال . ومن الممكن أن نرى في هذه الأرجوزة دستور النفس الخيرَة والحياة الفاضلة يسجل فيه أبو العتاهية كل ما وصل إليه من آراء في النفس والحياة ، وهو دستور ذو مواد وبنود متعددة ، وأمام كل بند أو مادة رأي من آرائه أو فكرة من أفكاره ، على نحو مانري في هذه الأبيات منها : حَسَبك مما تبتغيير القوت اما أكثر القوت لمن يموت إن كان لايُغنيك مايكفيكا فكل مافي الأرض لايُغنيكا إن الفساد ضده الصلا ورُبّ جلّ جرّه المزاح مازالت الدنيا لنادار أذي ممزوجة الصفو بألوانِ القدّي الخير والشر بها أزواج لذا تاج ولذا نتاج والموضوع الرابع في شعر أبي العتاهية الزهدى الابتهالات الدينية ، وهي تشبه من بعض جوانبها الابتهالات الصوفية التي يناجي بها الصوفية الله . وهو يعرض لها أحيانا في مستهل قصائده ، وأحيانا في خواتيمها ، وأحيانا يفرد لها القصائد أو المقطوعات : المستقلة . وهي كلها تدور في جو ديني إسلامي بل في جو قرآني خالص ، يبدؤها عادة بعبارات التسبيح والحمد والتمجيد والتنزيه التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم ، ويردد فيها العبارات التي يصور بها مشاعره الدينية والتي يستمدها من القرآن الكريم ، وتنتشر بها أسماء الله الحسني التي يكثر من ترديدها وحشدها فيها ، على نحو مانرى في هذه الأبيات : كل امرىء فكما يَدِينَ يُدَانَ سبحان من لم يُخل منه مكانْ سبحان من يُعطى المنى بخواطر في النفس لم ينطق به لسانَ سبحان من لاشيء يجب علمه فالسر أجمع عندة إعلانَ سبحان من هو لايزال مسبحا | أبدا وليس لغيره السُبحان سبحان من تجرى قضاياه على ماشاء منها غائب وعيًان
خصائص شعره الفنيه ( إذا مضينا بعد ذلك إلى شعر أبي العتاهية لنرى طبيعة العمل الفني عنده وخصائصه الفنية فإننا نلاحظ أنه فنان أصيل ذو مقدرة فائقة على قول الشعر ، يعبر عن كل مايريد دون أن نشعر أنه يتكلف أو يتصنع أو يلاقى أي عناء أو مشقة ، ويصوغ كل مايدور في ذهنه من معان وأفكار في سهولة ويسر ، فهو ينظم الشعر كما لو كان يتكلم . وقديما وصفه الجاحظ بأنه أحد الشعراء المطبوعين ، ووصفه ابن قتيبة بأنه « ممن يكاد يكون كلامه كله شعرا ، ومن قبلهما وصفه أحد معاصريه وهو ابن مُناذر الشاعر البصري بأنه « يتناول شعره من كُمُه » .وأبو العتاهية شاعر مكثر إلى درجة مفرطة ، ومجموعته الفنية ضخمة ضخامة كبيرة ، وقد ساعده على ذلك سهولة الشعر عليه ، ومقدرته الفائقة على قوله وارتجاله . ويذكر صاحب الأغانى أنه أحد ثلاثة شعراء لم يُعرف من بين شعراء العرب من هم أكثر منهم شعرا ، ولم يُقيم أحد من الرواة على جمع شعرهم كله ، والشاعران الآخران هما بشار والسيد الحميري . الملوك فشعر أبي العتاهية يظهر فيه بوضوح طابع النثر بكل مافي أسلوب النثر من وضوح الفكرة ، وتقريرية العبارة ، والميل إلى السرد والتفصيل ، والاقتصاد في الخيال ، وقلة الحرص على التصوير الفني . وربما كان من أسباب ذلك أن موضوع شعره الأساسي - وهو الزهد ـ يعتمد أساسيا على النثر وبالذات على الخطابة ، فكل الممثل الفنية التي كانت أمامه كانت مثلا نثرية ، وهي هذه الخطب والمواعظ ، وهذا القصص الديني الذي عرفه العصر الأموي . وقد وجد أبو العتاهية في هذا التراث النثري الضخم مادة خصبة يستمد منها معانيه وأفكاره التي كان قديراً قدرة فائقة على صبها في قوالب الوزن والقافية ، بل إنه كان أحياناً يترجم هذه المواعظ النثرية إلى شعر لايكاد يختلف إلا قليلا عن الأصل . ومن هنا نستطيع أن نصف العمل الفني عند أبي العتاهية بأنه كان في بعض جوانبه ترجمة شعرية يترجم فيها الشر إلى شعر . والظاهرة الأخرى وهي الشعبية جاءته أيضا من موضوع شعره ، فالزهد موضوع يتجه أساسا إلى الجماهير ، فمن الطبيعي أن يستمد مادته منها . وهو يصرح بمذهبه في هذه القضية إذ يرى أن الشعر إما أن يكون جاريا على أسلوب القدماء من حيث الجزالة . اللفظية والخضوع للتقاليد الفنية ، وإما أن ينحدر بمستواه لكي يتلاءم مع الجمهور الذي يوجه إليه ، فإذا كان موضوع الشعر الزهد - واشعَ الناس به العامة - تحتم على الشاعر أن يجعل من أسلوبه أسلوبا شعبيا قريبا إلى نفوسهم .

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

• Nevertheless,...

• Nevertheless, various departments and personnel had to collect environmental data in order to comp...

بدو قرروا الرحي...

بدو قرروا الرحيل والمغادرة بالرغم من سماعمهم نعيق الغراب, والذى يدل على علامة شؤم ؛ وذلك لأن جمالهم ...

أول مرة رأي فيه...

أول مرة رأي فيها ( إدريس علي ) ، ذلك النحيل ، الذي سپربكني أشهرا طويلة بعد ذلك ، كان في حي النور الش...

لوح الراعي لسرب...

لوح الراعي لسرب النعام بيديه ولكن النعام وهدارة ركضوا مبتعدين بعد إن رأوه إلى أن وصلو لشجرة الأكاسيا...

Economic growth...

Economic growth is not a sufficient condition for improving mass living standards for several reason...

1- الفكاهه :- ا...

1- الفكاهه :- الفُكاهَة أو الدُّعابَة أو الطُّرْفَة هي الميل لخبرات معرفية محددة بغرض إثارة الضحك وا...

إن أساليب التلا...

إن أساليب التلاعب والتضليل الدعائي التى تتبعها بعض وسائل الإعلام عبر برامجها كثيرة جداً ومتنوعة،ومنه...

تتعرف قمر في رح...

تتعرف قمر في رحلتها إلى جنوب القدس على أم نجم التي تصبح رفيقتها في تلك القافلة وتحكي لها عن حياتها و...

1 العربية الفصح...

1 العربية الفصحى أو ما يسميه الغربيون Classical Arabic، وهي بالدرجة األولى لغة الشعر الجاهلي، ولغة ا...

ح.2. يقوم فن ال...

ح.2. يقوم فن العمارة الإسلامية على تكوين التصميم حسب تقاليد الهندسة المعمارية الإسلامية، وتبعاً للشر...

على مدى العقدين...

على مدى العقدين أو الثلاثة عقود الماضية ، أصبحت التكنولوجيا جزءًا متزايدًا من حياتنا اليومية ، لدرجة...

تعتبر بناء الثق...

تعتبر بناء الثقة هي الطريقة الوحيدة والمثالية كما يمكن القول ان من افضل الطرق التي يتم التواصل مع جم...