لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

بدل أن يتوجه سيد عليوي إلى السراي مباشرة، ليزف البشارة إلى داود باشا، أخذ طريقه إلى ثكنة الفرسان. إذ لم يقدر أبداً أن تنتهي الأمور بهذا الشكل وبهذه السرعة . بغداد لا تزال تغط في نوم ثقيل، بعد ليال لم تنم خلالها بسبب التعب والخوف العربة التي تقله، ثم العربة التي ترافقه وفيها عدا الأربعة الذين دخلوا معه، اثنان للحراسة ولإبلاغ السراي فيما لو سمعا آذان الصبح ولم بعد، ولا بد من إجراء ما الظلمة والصمت يملآن الكون ما عدا الوقع الرتيب والكامد الحوافر الخيل . ولا يعرفون كيف يجيبون على أسئلته فيما لو سأل . لأنك سويت كل شيء وحدك وبدون ما يدري أحد ابتسم وقد شعر بفخر مضاعف، إذ لا يمكن لإنسان أن يدعي لنفسه دوراً مهما كان ضئيلاً، كما هي العادة حين تنجز المهمات الكبيرة ويتحقق النصر ! شعر أن ثكنة الفرسان، كيف تبتدع الخطط التي لا يمكن للأبالسة أن يكتشفوها . فحين يتدحرج رأس الباشا على الأرض، وحين يرون بأعينهم سوف يصابون بالدهشة والخوف : هل يـ وحدك ؟ هل ما نراه حقيقة أم منام؟». يعقل أن تفعل ذلك دون إطلاق لقد عزم على العودة إلى ثكنة الفرسان لأن داود باشا نائم الآن، يلتقيه بملابس الاستعراض أكثر لياقة وتأثيراً من هذه الملابس الملطخة قواه وأعصابه، إذ يكون الانفعال قد زال، ولا بد أن يعطي نفسه مقداراً من الوقت يستطيع خلاله أن يستجمع يقول للباشا من هو سيد عليوي، وماذا يستطيع أن يفعل! تعمد سائقا العربتين إحداث ضجة زائدة حين توقفا قليلاً عند بوابة الثكنة ، ثم أثناء الدخول للإعلان . وللإعلان : بإنجاز مهمة لا يستطيعها غيرهم . وكان يتجه إلى الغرفة الملحقة بمكتبه: ناوشني رأس ابن التي . ما كاد حامل الرأس يفك البساط، وقد اختلطت الملامح والشعر بالدماء، وبعد أن ألقى علي الامان الآغا والذين جاءوا مهرولين نظرة سريعة، وخرج صوت البالية اله مخدشاً : شوفتك حزن وفراقك عيد، لكن اليوم خلصنا منك ! لما خيم الصمت، لا أحد يقوى على أن يعلق أو يسأل، تابع الآغاء الدروم وقد شعر بلذة النصر : حيثكان ابن المقرودة يناطح بقرون من طين، وما يعرف الآغا منوا وتذكر في تلك اللحظة حمادي الذي كان ينام في إحدى غرف القلعة . ويريد لرجاله أن يسمعوا : - صدق . ليش ما خلصنا عليه بدربنا ؟ وبعد قليل وقد تغير صوته : حمادي، خليني أخلص، كان يبتسم ويهز رأسه. قال بصوت هو خفيض، وهذا اللي يونس . راح سند يوان أشوي على إذنك بصل، وأخليك تصيح : دخيلك يا سيد إدريس، وكأنه تذكر شيئاً : - إذبحوا لنا طلي . وقبل أن يتحرك أحد لتنفيذ المهمة، وأسمع علي صوته وهو يماعي، حتى أعرف منو أسبع : الطلي أو أبو الخرق، وكل واحد لا يريد، وبدا بالعيون المطفأة، وربما من الرائحة، بدا الرأس بهذه الملامح مثل لعبة منفرة أو لم يحسن صنعها. وكأنه يحارب خوفاً غامضاً انتشر فجأة، لكن أنت أثول زمال، وحتى الونسة ما تعرف شلون تتونس تارك كل الدنيا وعابد أبو الطيز الجايفة، اللي لونها بلون الليل ، تارك نعمة الله هذي كلها ولاحق ابن الزفرة حمادي . وقد شعر بالرضا، وأضاف وهو يتلمظ : - تسلم إيدك يا آغا، لأنك خلصت العباد من البلاء الأعظم! وتغيرت لهجته، أصبحت أمراً لذاك المسكين الذي لا يعرف إن كان أخطأ حين ظل واقفاً، أو كان يجب أن يبقى هكذا ، نزع قسماً من ملابسه، ووضع البلطة التي كان يخفيها على منضدة قريبة . كان الدم قد جف وتيبس على حواف شفرتها، أشار إلى الأول منها، وهو يحرك إليته بقدمه : - هذا للفطور . وضحك بصخب وهو يضيف : واللي بعده للغدا، وقد انضم آخرون كثيرون، نتيجة الحركة المناسبة من والضجة، وتناثرت كلمات الآغا وأسئلته، أن تتطلع إليه، وقد استغل مراد الجو ليزيد المرح. مثل ذيك، تمهيداً ليسلمها إلى الآغا، لأن هذي للروس الجبيرة، مو لكل مصخم وجهه وقال ابن الحرام، ما تنضرب غير النخلة اللي بيها تمر . ثم بسخرية : أنا حداد ! وبطريقة لا تخلو من مكر، وهو يجر الخروف بعيداً، وقد استل خنجراً ليتولى ذبحه : لعيونك ، سيدي ! وكانت عادة الآغا أن يتراوح بين حدين متباعدين في تعامله مع رجاله ، ومرة يمتنع عن استقبال أحد، دون أن يأتيه عقل الرحمان، عند تخوم الفجر، أو هكذا يبدو لمن يراه. ربما للغبطة الفياضة بعد أن أنجز مهمته الكبرى، وقد وقد يكون بدافع مقاومة الخوف الذي يحاصره بعد أن انصبت عليه عينا نابي خاتون، ولعل الرأس القريب تتدفق منه صرخات مكتومة، وتجعله لا يحس بالطمأنينة . وقد انتحى جانباً، أثناء ذبح الخروف : - نظرة عيونها تموت . تخلي البني آدم يتشاهد ويقول : يا ربي أخافك وأخاف من اللي ما يخافك، كأنه يشجع إلا بشفاء الخضر وزيارة العباس. فإذا توالت الأسئلة همساً ليقول لهم ما حصل، يرفع يديه بياس وتخرج الكلمات مبعثرة :

  • شوفة الليلة يا جماعة ما راح تروح من البال والخاطر العمر كله يمكن لرجال عليوي أن يفكروا بالطريقة التي تـ تروق لهم، أما هو ، فكان يفكر بشيء واحد ولا يريد أن يتأخر . لا بد أن يذكر التفاصيل، فأكثر ما كان . الطريقة التي : كانوا يتحدثون بها، كيف وصل ؛ وتاه في أفكار بعيدة، بالنجاح ، أنهى عصراً بكامله، وقد يقلب كل شيء سيدة إنه الآن أسعد إنسان، من هو أسعد منه لان الفلات الباشا، خاصة عند ما يرى الرأس وحده وقد انطفأت : فيه العينان وصمت الفم إلى الأبد. ولئلا يفوته الوقت، وتتسرب أخبار القلعة قبل أن يزفها بنفسه إلى داود باشا، يكفي هذا الان للفطور، وعليه بعد ذلك أن يلبس حلة تليق بهذه المناسبة ويذهب. وأن تذبح خراف أخرى من أجل إعداد وليمة كبيرة لضباط الثكنة وجنودها، وأنه سيكون حاضراً مع ضباط الثكنة والجنود، وقد يحضر آخرون هكذا أبلغ حامد، وطلب منه البقاء في الثكنة للإعداد والإشراف على كل شيء، وأيضاً انتظار أخبار أخرى سيبلغه بها لاحقاً . الباشا الذي تعود أن يستيقظ مبكراً، كان نومه في تلك الليلة قلقاً متقطعاً، اثنين منهم من حرس السراي، وستظهر نتائجه سريعاً. مثل بعض الحيوانات، كان حديثه عاماً، ولم يسأله عما ينوي فعله، فقط ذكره بالخطورة التي يشكلها سعيد، وأن الانتصار لا يعتبر كاملاً إذا بقي متحصناً في القلعة . وفهم الآغا ما هو مطلوب منه، وقد تأكد الباشا حين لمعت عينا الآغا وكأنه اتخذ قراراً، وسوف يلجأ إلى كل الوسائل من أجل تنفيذه. بل أكثر من ذلك، كان يرد على الذين يسألونه بطريقة ساخرة :- من ساعة لساعة فرج . فإذا ألح عليه أحد لمعرفة ما سيفعله يرد بنزق : فخلها علي وأنا كفيلها ! البيضاوي لكي يصبح أكثر اطمئناناً ، بعده بقيضان قريب. رأى أسراباً من الطيور تسف وتعلو قليلاً عن سطح الماء. يتأخر سيد عليوي، وهو يتوجه نحوه، والله وفقنا. قال الباشا. أو نسيت أن الدنيا الصبح ؟ ورغم أن الآغا حاول ) يريد أن ينقلها كان كبيراً متدفقاً إلى درجة أن رد على ا الباشا بارتباك، وجلسا متهالكاً على الكرسي المقابل له . وربما الخطير، أشوفك جاي من غبشة، لكن بعد أن تذكر أهمية التفاصيل، كيف كان حال الحراس والحراسات، ماذا قال له وكيف رد عليه . وكيف. المهم النتيجة يا آغا. ابتسم الآغا ابتسامة واسعة، بل صفق بيديه. كل من جهة، وما أن وصلا قريباً منهما، تدحرج حتى وصل بالقرب من الاثنين . كأنه يريد مساعدة أحد. صرخ، وكان صوته أقرب إلى الشهيق :أعوذ بالله من هذا الصباح ! سحب نفساً عميقاً، ونظر إلى عليوي وكأنه يؤنبه : من هذا وماذا فعلت؟ ولكنها أو امرك يا سيدي ! قتلتني . ثم وهو يشيح بنظره ويرفع يديه بيأس : هذا خدني وابن عمي . وبعد قليل صرخ، خذوه بسرعة . حمادي، والآن لا أعرف ماذا يجب أن أفعل . وجلس على كرسيه متهالكا، يمكن أن ينجزها غيره، وهذا ما يريده الباشا، أما حمادي فلا يعدو أن يكون مجرد خادم ماذا حصل للباشا ؟ كان لدى عليوي الكثير من التفاصيل ليبلغها، لكن رد فعل البيتر ونظراته الجمته. ولكن، وأن سعيد . من لحمي ودمي . وهذا كان سبب غضبي عليه. عينا سائل كثيرة نسويها زفر، وهو يضرب مسند المقعد : الصناعية، هو حمادي . فيرد عليه سعيد أي نعم. وكان حمادي الفاعل الناهي، كاد يضيف أشياء أخرى لكن مقاطعة عليوي غيرت الموضوع . حمادي، وبعد قليل، وبلهجة جديدة : والخاتون، أمه، شنو اللي صار بيها ؟ رد عليوي، تركناها تنوح وتلطم ومشينا ! لا حول ولا قوة إلا بالله . وبعد قليل، وإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون!وتوجه إلى الرجال الأربعة الذين لا يعرفون ما ينبغي أن يفعلوه بالرأس بعد أن أعادوا وضعه داخل البساط : ليش بعدكم واقفين بخلقتنا؟ يا الله خذوه وامشوا . والتفت إلى عليوي الذي بدا مذهولاً : كل شيء بهذي الدنيا يا آغا، وأنت تعرف معزتك عندي، وشقد اعتمد عليك . هز رأسه عدة مرات وأضاف : الله يرحمنا برحمته ويعطينا القوة ويسدد خطانا، إنه السميع المجيب . لكن الوهج الذي كان يحسه في داخله، بعد أن أنجز المهمة بنجاح، جعله يشعر بالدفء، بلهب الغبطة، إذ لم يقدر أبداً أن تنتهي الأمور بهذا الشكل وبهذه السرعة . بعد ليال لم تنم خلالها بسبب التعب والخوف العربة التي تقله، ولا بد من إجراء ما الظلمة والصمت يملآن الكون ما عدا الوقع الرتيب والكامد الحوافر الخيل . قال لنفسه، وهو يخرج رأسه ويعرضه للهواء البارد: حظك، آغا، كان يريد أن يفاجئهم، أن يقول لهم، دون كلمات، كيف تبتدع الخطط التي لا يمكن للأبالسة أن يكتشفوها . أيمكن تحقيق كل هذا . يعقل أن تفعل ذلك دون إطلاق لقد عزم على العودة إلى ثكنة الفرسان لأن داود باشا نائم الآن، رصاصة واحدة؟» . يلتقيه بملابس الاستعراض أكثر لياقة وتأثيراً من هذه الملابس الملطخة قواه وأعصابه، إذ يكون الانفعال قد زال، ولا بد أن يعطي نفسه مقداراً من الوقت يستطيع خلاله أن يستجمع يقول للباشا من هو سيد عليوي، ثم أثناء الدخول للإعلان . وللإعلان : بإنجاز مهمة لا يستطيعها غيرهم . قال الآغا للذي يحمل الرأس، بالعجل . ما كاد حامل الرأس يفك البساط، وقد اختلطت الملامح والشعر بالدماء، حتى ليصعب تمييز الوجه، وبعد أن ألقى علي الامان الآغا والذين جاءوا مهرولين نظرة سريعة، حتى قال، وخرج صوت البالية اله مخدشاً : شوفتك حزن وفراقك عيد، تابع الآغاء الدروم وقد شعر بلذة النصر : حيثكان ابن المقرودة يناطح بقرون من طين، قال يخاطب نفسه، حمادي، اللي تأكله العنز يطلعه الدباغ، حمادي، راح أخليه يقول : فدوة لعينك آغا بس اقتلني، أبوس إيدك ! تطلع إلى الرجال الصامتين. كان يبتسم ويهز رأسه. قال بصوت هو خفيض، وهذا اللي يونس . راح سند يوان أشوي على إذنك بصل، وكأنه تذكر شيئاً : - إذبحوا لنا طلي . وقبل أن يتحرك أحد لتنفيذ المهمة، حتى أعرف منو أسبع : الطلي أو أبو الخرق، غادروا خوفاً أو قرفاً، أو لا يقوى على رؤية الرأس الذي يبست دماؤه على الملامح، على الشعر، بالشفة السفلى المرتخية وكأنها على وشك الكلام، أو شعر أن عواطفه على سعيد لم تبرد بعد فقد اندفع يخاطب الرأس بانفعال : الدنيا كلها ما جانت توسعك چنت شايخ بيها . أنا ربكم الأعلى فاعبدون. لا تشوف أحد ولا أحد يشوفك. لكن أنت أثول زمال، اللي لونها بلون الليل ، تارك نعمة الله هذي كلها ولاحق ابن الزفرة حمادي . تفو وتستاهل مو موتة واحدة تستاهل ألف موتة يا ابن الخايبة . استراح قليلاً، وقد شعر بالرضا، أصبحت أمراً لذاك المسكين الذي لا يعرف إن كان أخطأ حين ظل واقفاً، أو كان يجب أن يبقى هكذا ، قال له الآغا بحقد : حط راس ابن الخايبة على صفحة حتى نعرف شلون ناكل قد لقمة قبل ما نشوف الباشا ! جيء بثلاثة خراف متفاوتة الهيئة والأعمار، ووضع البلطة التي كان يخفيها على منضدة قريبة . كان الدم قد جف وتيبس على حواف شفرتها، ولم تبق منه إلا خطوط غير منتظمة وكانت شديدة القتامة . أشار إلى الأول منها، وهو يحرك إليته بقدمه : - هذا للفطور . وما تخلف بسبب ذلك من رضى وحبور، في هذه المساحة اختراق الهواء ، الضيقة، أن تتطلع إليه، قال بطريقة راجية ليشعر من لا يعرف بعد : سيدي . تمهيداً ليسلمها إلى الآغا، مفاجئة جمدت اليد قبل أن تصل إلى البلطة : بهذي . يا مش بوزك، ما تنضرب غير النخلة اللي بيها تمر . ثم بسخرية : أنا حداد ! وبطريقة لا تخلو من مكر، ولئلا يزداد الآغا عتواً، وقد استل خنجراً ليتولى ذبحه : لعيونك ، وقد يصدر أوامر أو تعليمات تنال بعضاً من ضباطه، ولا يستطيع أحد تجاوزها، في هذا الوقت المتأخر من الليل، عند تخوم الفجر، وبانتظار الساعة حركة المناسبة من أجل التوجه إلى السراي، كان الآغا في حالة من الإشراق، ربما للغبطة الفياضة بعد أن أنجز مهمته الكبرى، ولعل الرأس القريب تتدفق منه صرخات مكتومة، لكنها قادرة على اختراق الهواء، وتجعله لا يحس بالطمأنينة . أثناء ذبح الخروف : - نظرة عيونها تموت . وهذا الآغا ما يخاف الله ! وحين تنظر إليه العيون تطلب منه أن يواصل، يضيف، كأنه يشجع أرض السوار نفسه : ظني أن بعد هذي الليلة عيني ما راح تشوف النوم، فإذا توالت الأسئلة همساً ليقول لهم ما حصل، يرفع يديه بياس وتخرج الكلمات مبعثرة : ويمكن الحكم لمشاعرهم أن تسلك دروباً لا حصر لها . كيف يحسن به عرض الموضوع على الباشا ؟ لا يريد أن يبلغه الأمر فوراً عليه كثيراً. لا بد أن يذكر التفاصيل، ويجودون في الحديث، الطريقة التي : كانوا يتحدثون بها، كيف كان حال الذين التقى بهم وكيف استقبلوه. والذي لا يمكن لغيره أن يفعله بالسرعة، وبالتايم التي لا تقدر بثمن بضربة واحدة. أنهى عصراً بكامله، وأزال خطراً كان يمكن أن يبقى لسنين وسنين، لكن بعد ساعة سيكون هناك . من هو أسعد منه لان الفلات الباشا، هكذا مرت الأفكار والصور والمشاعر في رأس سيد عليوي وفي صدره. ولئلا يفوته الوقت، يكفي هذا الان للفطور، وأن تشوى معه قطع من الية الخروف، وأن تذبح خراف أخرى من أجل إعداد وليمة كبيرة لضباط الثكنة وجنودها، وسوف يبلغ لاحقاً ما إذا ستكون الوليمة غداء أو عشاء، تبعاً لانشغاله في السراي، وطلب منه البقاء في الثكنة للإعداد والإشراف على كل شيء، كانت الشمس قد ارتفعت مقدار رمح عندما امتطى عليوي آغا حصانه الباشا الذي تعود أن يستيقظ مبكراً، كان نومه في تلك الليلة قلقاً متقطعاً، ولا بد أن يكون هذا الماكر قد دبر أمراً، فالباشا يعرف كيف يصبح الآغا أمكر من ثعلب حين يريد الوصول إلى شيء. مثل بعض الحيوانات، كان حديثه عاماً، لم يقل ماذا يجب عليه أن يفعل، ولم يسأله عما ينوي فعله، فقط ذكره بالخطورة التي يشكلها سعيد، وقد تأكد الباشا حين لمعت عينا الآغا وكأنه اتخذ قراراً، وسوف يلجأ إلى كل الوسائل من أجل تنفيذه. وتذكر الباشا مهمات سابقة كلف الآغا بتنفيذها . بل أكثر من ذلك، فإذا ألح عليه أحد لمعرفة ما سيفعله يرد بنزق : البيضاوي لكي يصبح أكثر اطمئناناً ، ثم أمر بأن يؤتى له بالقهوة إلى العريقة الجنوبية المطلة على دجلة، لكن لا توجي، ولكنه وصل . قال للباشا، يا باشا، لم يكن يريد أن يبدأ هكذا، لكن هكذا وجد نفسه يفعل. قال الباشا. أو نسيت أن الدنيا الصبح ؟ وجلسا متهالكاً على الكرسي المقابل له . وربما الخطير، أشوفك جاي من غبشة، لكن بعد أن تذكر أهمية التفاصيل، كيف كان حال الحراس والحراسات، ماذا قال له وكيف رد عليه . كيف أصر على أن يرى سعيد بنفسه، المهم النتيجة يا آغا. لم يجب، كان اثنان منهم يحملان البساط، غير المنتظمة، تدحرج حتى وصل بالقرب من الاثنين . تطلع إليه بنظرة سريعة. من تلك النظرة قدر، أو تأكد، أنه رأس سعيد . وكان صوته أقرب إلى الشهيق :أعوذ بالله من هذا الصباح ! سحب نفساً عميقاً، وتهدج صوته : كنت أريده حياً . وكان وجهه نحو النهر : خذوه . أبعدوه عني. خذوه بسرعة . والآن لا أعرف ماذا يجب أن أفعل . ماذا يعني حمادي، هذا المأبون التافه، لولا سعيد سعيد . كان الباشا يعتبر أن الخصم الحقيقي سعيد، وقد أصبح الرأس تحت قدميه، أليس هذا قال عليوي بصوت يشوبه الحرج : سعيد هو الخصي يعاني الريشة فهمت منك يا باشا أنك تريد رأس سعيد، يا عليوي، من لحمي ودمي . سعيد مثل ابني يوسف سمبا المالية . عينا سائل كثيرة نسويها زفر، يا عليوي، كان يقوده كما يقود الرامي الموز ياية رنية الغنم . فيرد عليه سعيد أي نعم. وكان حمادي الفاعل الناهي، قال له حرام نجس أيدينا بابن الخايبة، حمادي، يا باشا! ذاك راس الشليلة يا عليوي، لأنه أصل البلاء. وبعد قليل، شنو اللي صار بيها ؟ رد عليوي، قلت حريمة وما يجوز نمد أيدينا عليها، تركناها تنوح وتلطم ومشينا ! لا حول ولا قوة إلا بالله . قسمة ونصيب، والبني آدم ما يقدر يغير اللي كاتبه الله ! وبعد قليل،


النص الأصلي

بدل أن يتوجه سيد عليوي إلى السراي مباشرة، ليزف البشارة إلى داود باشا، أخذ طريقه إلى ثكنة الفرسان. كان هواء آخر الليل بارداً، أقرب إلى اللسع، لكن الوهج الذي كان يحسه في داخله، بعد أن أنجز المهمة بنجاح، جعله يشعر بالدفء، بلهب الغبطة، إذ لم يقدر أبداً أن تنتهي الأمور بهذا الشكل وبهذه السرعة .بغداد لا تزال تغط في نوم ثقيل، بعد ليال لم تنم خلالها بسبب التعب والخوف العربة التي تقله، ثم العربة التي ترافقه وفيها عدا الأربعة الذين دخلوا معه، اثنان للحراسة ولإبلاغ السراي فيما لو سمعا آذان الصبح ولم بعد، إشارة إلى أنه اعتقل، ولا بد من إجراء ما الظلمة والصمت يملآن الكون ما عدا الوقع الرتيب والكامد الحوافر الخيل .كان سيد عليوي يريد أن يتحدث، أن يسأل، لكن وجد أن الذين يرافقونه غير جديرين بالحديث، ولا يعرفون كيف يجيبون على أسئلته فيما لو سأل . قال لنفسه، وهو يخرج رأسه ويعرضه للهواء البارد: حظك، آغا، من السما، لأنك سويت كل شيء وحدك وبدون ما يدري أحد ابتسم وقد شعر بفخر مضاعف، إذ لا يمكن لإنسان أن يدعي لنفسه دوراً مهما كان ضئيلاً، كما هي العادة حين تنجز المهمات الكبيرة ويتحقق النصر ! شعر أن ثكنة الفرسان، رغم قربها بعيدة، وأن الضباط، في مثل هذه الساعة، غارقون في النوم. كان يريد أن يفاجئهم، أن يقول لهم، دون كلمات، كيف تنفذ المهمات، كيف تبتدع الخطط التي لا يمكن للأبالسة أن يكتشفوها . فحين يتدحرج رأس الباشا على الأرض، وحين يرون بأعينهم سوف يصابون بالدهشة والخوف : هل يـ وحدك ؟ هل ما نراه حقيقة أم منام؟». أيمكن تحقيق كل هذا . يعقل أن تفعل ذلك دون إطلاق لقد عزم على العودة إلى ثكنة الفرسان لأن داود باشا نائم الآن، ثم أن
رصاصة واحدة؟» .يلتقيه بملابس الاستعراض أكثر لياقة وتأثيراً من هذه الملابس الملطخة قواه وأعصابه، إذ يكون الانفعال قد زال، لكي يا بالدماء. ولا بد أن يعطي نفسه مقداراً من الوقت يستطيع خلاله أن يستجمع يقول للباشا من هو سيد عليوي، وماذا يستطيع أن يفعل! تعمد سائقا العربتين إحداث ضجة زائدة حين توقفا قليلاً عند بوابة الثكنة ، ثم أثناء الدخول للإعلان . عن وصول الآغا، وللإعلان : بإنجاز مهمة لا يستطيعها غيرهم .قال الآغا للذي يحمل الرأس، وكان يتجه إلى الغرفة الملحقة بمكتبه:
بالعجل ... ناوشني رأس ابن التي . ما كاد حامل الرأس يفك البساط، ويظهر ما بداخله، وقد اختلطت الملامح والشعر بالدماء، حتى ليصعب تمييز الوجه، وبعد أن ألقى علي الامان الآغا والذين جاءوا مهرولين نظرة سريعة، حتى قال، وخرج صوت البالية اله مخدشاً : شوفتك حزن وفراقك عيد، لكن اليوم خلصنا منك ! لما خيم الصمت، لا أحد يقوى على أن يعلق أو يسأل، تابع الآغاء الدروم وقد شعر بلذة النصر : حيثكان ابن المقرودة يناطح بقرون من طين، وما يعرف الآغا منوا وتذكر في تلك اللحظة حمادي الذي كان ينام في إحدى غرف القلعة . جريحاً. قال يخاطب نفسه، ويريد لرجاله أن يسمعوا : - صدق . . هذا القواد، حمادي، ليش ما خلصنا عليه بدربنا ؟ وبعد قليل وقد تغير صوته :
اللي تأكله العنز يطلعه الدباغ، وابن الدهاليز، حمادي، راح أخليه يقول : فدوة لعينك آغا بس اقتلني، خليني أخلص، أبوس إيدك ! تطلع إلى الرجال الصامتين. كان يبتسم ويهز رأسه. قال بصوت هو خفيض، كأنه يخاطب حمادي : حساب ناكر ونكير راح تشوف يا ابن الزفرة، وهذا اللي يونس . راح سند يوان أشوي على إذنك بصل، وأخليك تصيح : دخيلك يا سيد إدريس، دخيلكن النصر يا آغا والتفت من جديد إلى الرجال حوله، وكأنه تذكر شيئاً : - إذبحوا لنا طلي . وقبل أن يتحرك أحد لتنفيذ المهمة، تابع : لكن قبل ما تذبحوه خلوني أشوفه ؛ أريد أشوف شلون يباوع، وأسمع علي صوته وهو يماعي، حتى أعرف منو أسبع : الطلي أو أبو الخرق، حمادي ! تحرك الرجال لتنفيذ المهمة. غادر أغلبهم . غادروا خوفاً أو قرفاً، وكل واحد لا يريد، أو لا يقوى على رؤية الرأس الذي يبست دماؤه على الملامح، على الشعر، وبدا بالعيون المطفأة، بالشفة السفلى المرتخية وكأنها على وشك الكلام، وربما من الرائحة، بدا الرأس بهذه الملامح مثل لعبة منفرة أو لم يحسن صنعها. ولئلا يبقى الآغا صامتاً، وكأنه يحارب خوفاً غامضاً انتشر فجأة، أو شعر أن عواطفه على سعيد لم تبرد بعد فقد اندفع يخاطب الرأس بانفعال : الدنيا كلها ما جانت توسعك چنت شايخ بيها . أنا ربكم الأعلى فاعبدون. كان خشمك بالسما، لا تشوف أحد ولا أحد يشوفك. لكن أنت أثول زمال، وحتى الونسة ما تعرف شلون تتونس تارك كل الدنيا وعابد أبو الطيز الجايفة، حمادي الخايس ! لك البنات القمريات بنات الستطعش والسبطعش، اللي لونها بلون الليل ، تارك نعمة الله هذي كلها ولاحق ابن الزفرة حمادي ... تفو وتستاهل مو موتة واحدة تستاهل ألف موتة يا ابن الخايبة . استراح قليلاً، وقد شعر بالرضا، وأضاف وهو يتلمظ : - تسلم إيدك يا آغا، لأنك خلصت العباد من البلاء الأعظم! وتغيرت لهجته، أصبحت أمراً لذاك المسكين الذي لا يعرف إن كان أخطأ حين ظل واقفاً، أو كان يجب أن يبقى هكذا ، قال له الآغا بحقد : حط راس ابن الخايبة على صفحة حتى نعرف شلون ناكل قد لقمة قبل ما نشوف الباشا ! جيء بثلاثة خراف متفاوتة الهيئة والأعمار، ليختار الآغا واحداً منها . نزع قسماً من ملابسه، ووضع البلطة التي كان يخفيها على منضدة قريبة . كان الدم قد جف وتيبس على حواف شفرتها، ولم تبق منه إلا خطوط غير منتظمة وكانت شديدة القتامة . لما مررت الخراف، أشار إلى الأول منها،وهو يحرك إليته بقدمه : - هذا للفطور ...
وضحك بصخب وهو يضيف : واللي بعده للغدا، وما يندرى عشانا يكون وين! شاركة الرجال بالضحك، وقد انضم آخرون كثيرون، نتيجة الحركة المناسبة من والضجة، وأيضاً نتيجة الهمس الذي سرى أن شيئاً خطيراً قد حدث والآغا هو البطل، وما تخلف بسبب ذلك من رضى وحبور، عبقت الغرفة بروائح الأغنام وبحركتها العمياء، في هذه المساحة اختراق الهواء ،
الضيقة، وتناثرت كلمات الآغا وأسئلته، وهي توجه للأغنام لأن ترفع رؤوسها، أن تتطلع إليه، وقد استغل مراد الجو ليزيد المرح. قال بطريقة راجية ليشعر من لا يعرف بعد : سيدي ... ضربة من يدك الكريمة، مثل ذيك، تخلي رأس الخروف المستطع نتى اللى بطير بالهوا! وتقدم نحو البلطة ليتناولها، تمهيداً ليسلمها إلى الآغا، مفاجئة جمدت اليد قبل أن تصل إلى البلطة :
بهذي ... يا مش بوزك، لأن هذي للروس الجبيرة، مو لكل مصخم وجهه وقال ابن الحرام، ما تنضرب غير النخلة اللي بيها تمر ..ثم بسخرية : أنا حداد ! وبطريقة لا تخلو من مكر، ولئلا يزداد الآغا عتواً، صرخ أحد مرافقيه،وهو يجر الخروف بعيداً، وقد استل خنجراً ليتولى ذبحه : لعيونك ، سيدي ! وكانت عادة الآغا أن يتراوح بين حدين متباعدين في تعامله مع رجاله ، غير فمرة يتبسط إلى درجة تجعلهم يتكلمون في حضرته بجرأة، وقد يمزحون ؛ ومرة يمتنع عن استقبال أحد، فارضاً جواً من القسوة أقرب إلى الذعر، وقد يصدر أوامر أو تعليمات تنال بعضاً من ضباطه، ولا يكون مستعداً لمناقشتها، وقد يتعمد نسيانها، ولا يستطيع أحد تجاوزها، دون أن يأتيه عقل الرحمان، كما يقول مرافقه حامد في تبرير عدم إمكانية المخالفة . في هذا الوقت المتأخر من الليل، عند تخوم الفجر، وبانتظار الساعة حركة المناسبة من أجل التوجه إلى السراي، كان الآغا في حالة من الإشراق، أو هكذا يبدو لمن يراه. ربما للغبطة الفياضة بعد أن أنجز مهمته الكبرى، وقد وقد يكون بدافع مقاومة الخوف الذي يحاصره بعد أن انصبت عليه عينا نابي خاتون، ولعل الرأس القريب تتدفق منه صرخات مكتومة، لكنها قادرة على اختراق الهواء، وتجعله لا يحس بالطمأنينة . قال أحد الأربعة لأصدقائه، وقد انتحى جانباً، أثناء ذبح الخروف : - نظرة عيونها تموت . تخلي البني آدم يتشاهد ويقول : يا ربي أخافك وأخاف من اللي ما يخافك، وهذا الآغا ما يخاف الله ! وحين تنظر إليه العيون تطلب منه أن يواصل، يضيف، كأنه يشجع
أرض السوار نفسه : ظني أن بعد هذي الليلة عيني ما راح تشوف النوم، إلا بشفاء الخضر وزيارة العباس. فإذا توالت الأسئلة همساً ليقول لهم ما حصل، يرفع يديه بياس وتخرج الكلمات مبعثرة :



  • شوفة الليلة يا جماعة ما راح تروح من البال والخاطر العمر كله يمكن لرجال عليوي أن يفكروا بالطريقة التي تـ تروق لهم، ويمكن الحكم لمشاعرهم أن تسلك دروباً لا حصر لها . أما هو ، فكان يفكر بشيء واحد ولا يريد أن يتأخر . كيف يحسن به عرض الموضوع على الباشا ؟ لا يريد أن يبلغه الأمر فوراً عليه كثيراً. لا بد أن يذكر التفاصيل، لأنه حين يسمع يسترعي انتباه بايد الذين يتحدثون، ويجودون في الحديث، فأكثر ما كان . الطريقة التي : كانوا يتحدثون بها، وهذه الطريقة إذا أراد أن يلخصها لنفسه من غارها التفاصيل الصغيرة : كيف بدأ من كان معه ؛ كيف وصل ؛ كيف كان حال الذين التقى بهم وكيف استقبلوه. وتاه في أفكار بعيدة، شعر بأهمية العمل المدونة الي كان الذي أنجزه، والذي لا يمكن لغيره أن يفعله بالسرعة، بالنجاح ، وبالتايم التي لا تقدر بثمن بضربة واحدة. لا بضربة ونصف، أنهى عصراً بكامله، وأزال خطراً كان يمكن أن يبقى لسنين وسنين، وقد يقلب كل شيء سيدة إنه الآن أسعد إنسان، لكن بعد ساعة سيكون هناك . من هو أسعد منه لان الفلات الباشا، خاصة عند ما يرى الرأس وحده وقد انطفأت : فيه العينان وصمت الفم إلى الأبد. هكذا مرت الأفكار والصور والمشاعر في رأس سيد عليوي وفي صدره. ولئلا يفوته الوقت،
    وتتسرب أخبار القلعة قبل أن يزفها بنفسه إلى داود باشا، طلب أن ينتزع من الخروف الذي ذبح لتوه المعلاق، يكفي هذا الان للفطور، وعليه بعد ذلك أن يلبس حلة تليق بهذه المناسبة ويذهب.
    أصدر بسرعة أوامره بأن يُشوى المعلاق، وأن تشوى معه قطع من الية الخروف، وأن تذبح خراف أخرى من أجل إعداد وليمة كبيرة لضباط الثكنة وجنودها، وسوف يبلغ لاحقاً ما إذا ستكون الوليمة غداء أو عشاء، تبعاً لانشغاله في السراي، وأنه سيكون حاضراً مع ضباط الثكنة والجنود، وقد يحضر آخرون هكذا أبلغ حامد، وطلب منه البقاء في الثكنة للإعداد والإشراف على كل شيء، وأيضاً انتظار أخبار أخرى سيبلغه بها لاحقاً . كانت الشمس قد ارتفعت مقدار رمح عندما امتطى عليوي آغا حصانه
    متوجهاً إلى السراي .الباشا الذي تعود أن يستيقظ مبكراً، أفاق قبل موعده بساعة أو تزيد . كان نومه في تلك الليلة قلقاً متقطعاً، فقد بلغه أن الآغا اختار اليوم عدداً من الجنود، اثنين منهم من حرس السراي، ولا بد أن يكون هذا الماكر قد دبر أمراً، وستظهر نتائجه سريعاً. فالباشا يعرف كيف يصبح الآغا أمكر من ثعلب حين يريد الوصول إلى شيء. إنه يعمل بغريزته، مثل بعض الحيوانات، إذ تتركز حواسه في نقطة واحدة : كيف يتغلب على المصاعب لكي يصل ! الباشا حين تحدث معه في الليلة الأولى، كان حديثه عاماً، لم يقل ماذا يجب عليه أن يفعل، ولم يسأله عما ينوي فعله، فقط ذكره بالخطورة التي يشكلها سعيد، وأن الانتصار لا يعتبر كاملاً إذا بقي متحصناً في القلعة . وفهم الآغا ما هو مطلوب منه، وقد تأكد الباشا حين لمعت عينا الآغا وكأنه اتخذ قراراً، وسوف يلجأ إلى كل الوسائل من أجل تنفيذه.وتذكر الباشا مهمات سابقة كلف الآغا بتنفيذها . كان لا يحب أن يسأله أحد عن الخطة التي سيتبعها. بل أكثر من ذلك، كان يرد على الذين يسألونه بطريقة ساخرة :- من ساعة لساعة فرج .فإذا ألح عليه أحد لمعرفة ما سيفعله يرد بنزق :

  • الشهر المالك بيه لا تعد أيامه، فخلها علي وأنا كفيلها !
    هكذا مرت الصور في ذهن الوالي، البيضاوي لكي يصبح أكثر اطمئناناً ، ثم أمر بأن يؤتى له بالقهوة إلى العريقة الجنوبية المطلة على دجلة، كانت مياه النهر عكرة، لكن لا توجي، بعده بقيضان قريب. رأى أسراباً من الطيور تسف وتعلو قليلاً عن سطح الماء. صلى الفجر وقرأ جزءاً من سمع هديل الحمام الذي أخذ ينتقل لم مألوفاً أو بين أشجار النخيل . يتأخر سيد عليوي، إذ مع فنجان القهوة الثاني وصل . لم يكن هذا من عادته، ولكنه وصل . أبلغ الباشا بوصوله، فأمر أن يوافيه على الفور. قال للباشا، وهو يتوجه نحوه، وقبل أن يصل : - طلعنا من حلق السبع، يا باشا، والله وفقنا. لم يكن يريد أن يبدأ هكذا، لكن هكذا وجد نفسه يفعل. قال الباشا. في محاولة لأن يبقى حازماً وصبوراً :الله يصبحك بالخير يا آغا، أو نسيت أن الدنيا الصبح ؟
    ورغم أن الآغا حاول ) يريد أن ينقلها كان كبيراً متدفقاً إلى درجة أن رد على ا الباشا بارتباك، وجلسا متهالكاً على الكرسي المقابل له . لم يكن الباشا بحاجة إلى الكثير من الكلمات لكي يعرف أو يستنتج أن مما لدى الآغا الكثير، وربما الخطير، ليبلغه به سأله بنعومة وبصوت دانی عله يمتص انفعاله : ها آغا ... أشوفك جاي من غبشة، وبوجهك سوالف هوايه ؟ وأخذ الآغا يروي، لكن بعد أن تذكر أهمية التفاصيل، ما حصل معنا لحظة وصوله إلى القلعة. كيف كان حال الحراس والحراسات، وكيف استدعى آمر الحرس . ماذا قال له وكيف رد عليه . كيف أصر على أن يرى سعيد بنفسه، وكيف. قال الباشا بنفاذ صبر : والنتيجة، المهم النتيجة يا آغا. ابتسم الآغا ابتسامة واسعة، أكثر مما تعود أن يفعل أمام الباشا . لم يجب، بل صفق بيديه. خلال ثوان دخل الذين كانوا يرافقون الآغا . كان اثنان منهم يحملان البساط، كل من جهة، والرأس يلق صعوداً وهبوطاً تبعاً للخطوات السريعة، غير المنتظمة، وما أن وصلا قريباً منهما، حتى قال الآغا بطريقة آمرة : خلوا الباشا يشوف صيدنا ! ورفع الاثنان البساط من جانب وخفضاه من جانب، فتدحرج الرأس، تدحرج حتى وصل بالقرب من الاثنين . انتفض الباشا قبل أن يعرف رأس من الذي تدحرج. وقف. تلفت حواليه، كأنه يريد مساعدة أحد. لم يمعن بالرأس إلا بعد أن مرت لحظات . تطلع إليه بنظرة سريعة. من تلك النظرة قدر، أو تأكد، أنه رأس سعيد .صرخ، وكان صوته أقرب إلى الشهيق :أعوذ بالله من هذا الصباح ! سحب نفساً عميقاً، ونظر إلى عليوي وكأنه يؤنبه : من هذا وماذا فعلت؟ ولكنها أو امرك يا سيدي ! قتلتني ...ثم وهو يشيح بنظره ويرفع يديه بيأس : هذا خدني وابن عمي .... وتهدج صوته : كنت أريده حياً .وبعد قليل صرخ، وكان وجهه نحو النهر : خذوه . أبعدوه عني. خذوه بسرعة . والتفت إلى عليوي : كنت أريد ابن الزانية، حمادي، والآن لا أعرف ماذا يجب أن أفعل .
    وجلس على كرسيه متهالكا، في حين ثم المرافقون الرأس من جديد افترض أنه انجز مهمة و وضعوه في البساط مرة أخرى. أما عليوي . يمكن أن ينجزها غيره، وأن الباشا سيكون في منتهى السعادة، فقد الي بيده. ماذا يعني حمادي، هذا المأبون التافه، لولا سعيد سعيد . الصيد، وهذا ما يريده الباشا، أما حمادي فلا يعدو أن يكون مجرد خادم ماذا حصل للباشا ؟ كان لدى عليوي الكثير من التفاصيل ليبلغها، لكن رد فعل البيتر ونظراته الجمته. لأول مرة يحس أنه لم يفهم ما قبل في الليلة يارا الماضية . كان الباشا يعتبر أن الخصم الحقيقي سعيد، ووحده الذي يريد طلبه أو تمناه؟ ماذا حصل في هذه الدنيا؟ أين هو الخطأ؟ الآن، وقد أصبح الرأس تحت قدميه، يبدي أسفه، ولكن، أليس هذا قال عليوي بصوت يشوبه الحرج : سعيد هو الخصي يعاني الريشة فهمت منك يا باشا أنك تريد رأس سعيد، وأن سعيد . فماذا تغير ؟ - سعيد، يا عليوي، من لحمي ودمي . سعيد مثل ابني يوسف سمبا المالية . ما كان يحل رجل دجاجة، وهذا كان سبب غضبي عليه. عينا سائل كثيرة نسويها زفر، وهو يضرب مسند المقعد : الصناعية، هز رأسه عدة من رضا رحمة ويعطيا القوة العلة والمصيبة ، يا عليوي، هو حمادي . كان يقوده كما يقود الرامي الموز ياية رنية الغنم . كان يقول له من هنا القبلة، فيرد عليه سعيد أي نعم. كان حمادي الموليرا ساحره و آسره، وكان حمادي الفاعل الناهي، ولولاه لما كانت مشكلة بين أولاد العم ... كاد يضيف أشياء أخرى لكن مقاطعة عليوي غيرت الموضوع . قال له حرام نجس أيدينا بابن الخايبة، حمادي، يا باشا! ذاك راس الشليلة يا عليوي، لأنه أصل البلاء. وبعد قليل، وبلهجة جديدة : والخاتون، أمه، شنو اللي صار بيها ؟
    رد عليوي، وقد شعر بخيبة أمل : لخاطرك يا باشا، قلت حريمة وما يجوز نمد أيدينا عليها، تركناها تنوح وتلطم ومشينا ! لا حول ولا قوة إلا بالله .. وبعد قليل، كأنه يقنع نفسه :
    وإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون!وتوجه إلى الرجال الأربعة الذين لا يعرفون ما ينبغي أن يفعلوه بالرأس بعد أن أعادوا وضعه داخل البساط : ليش بعدكم واقفين بخلقتنا؟ يا الله خذوه وامشوا .
    والتفت إلى عليوي الذي بدا مذهولاً : كل شيء بهذي الدنيا يا آغا، قسمة ونصيب، والبني آدم ما يقدر يغير اللي كاتبه الله ! وبعد قليل، وبطريقة أبوية : باقي علينا مسائل كثيرة نسويها ، يا آغا، وأنت تعرف معزتك عندي، وشقد اعتمد عليك .... أخذ نفساً عميقاً . هز رأسه عدة مرات وأضاف :
    الله يرحمنا برحمته ويعطينا القوة ويسدد خطانا، إنه السميع المجيب . رد عليوي بطريقة رتيبة : - اللهم آمين !


بدل أن يتوجه سيد عليوي إلى السراي مباشرة، ليزف البشارة إلى داود باشا، أخذ طريقه إلى ثكنة الفرسان. كان هواء آخر الليل بارداً، أقرب إلى اللسع، لكن الوهج الذي كان يحسه في داخله، بعد أن أنجز المهمة بنجاح، جعله يشعر بالدفء، بلهب الغبطة، إذ لم يقدر أبداً أن تنتهي الأمور بهذا الشكل وبهذه السرعة .بغداد لا تزال تغط في نوم ثقيل، بعد ليال لم تنم خلالها بسبب التعب والخوف العربة التي تقله، ثم العربة التي ترافقه وفيها عدا الأربعة الذين دخلوا معه، اثنان للحراسة ولإبلاغ السراي فيما لو سمعا آذان الصبح ولم بعد، إشارة إلى أنه اعتقل، ولا بد من إجراء ما الظلمة والصمت يملآن الكون ما عدا الوقع الرتيب والكامد الحوافر الخيل .كان سيد عليوي يريد أن يتحدث، أن يسأل، لكن وجد أن الذين يرافقونه غير جديرين بالحديث، ولا يعرفون كيف يجيبون على أسئلته فيما لو سأل . قال لنفسه، وهو يخرج رأسه ويعرضه للهواء البارد: حظك، آغا، من السما، لأنك سويت كل شيء وحدك وبدون ما يدري أحد ابتسم وقد شعر بفخر مضاعف، إذ لا يمكن لإنسان أن يدعي لنفسه دوراً مهما كان ضئيلاً، كما هي العادة حين تنجز المهمات الكبيرة ويتحقق النصر ! شعر أن ثكنة الفرسان، رغم قربها بعيدة، وأن الضباط، في مثل هذه الساعة، غارقون في النوم. كان يريد أن يفاجئهم، أن يقول لهم، دون كلمات، كيف تنفذ المهمات، كيف تبتدع الخطط التي لا يمكن للأبالسة أن يكتشفوها . فحين يتدحرج رأس الباشا على الأرض، وحين يرون بأعينهم سوف يصابون بالدهشة والخوف : هل يـ وحدك ؟ هل ما نراه حقيقة أم منام؟». أيمكن تحقيق كل هذا . يعقل أن تفعل ذلك دون إطلاق لقد عزم على العودة إلى ثكنة الفرسان لأن داود باشا نائم الآن، ثم أن
رصاصة واحدة؟» .يلتقيه بملابس الاستعراض أكثر لياقة وتأثيراً من هذه الملابس الملطخة قواه وأعصابه، إذ يكون الانفعال قد زال، لكي يا بالدماء. ولا بد أن يعطي نفسه مقداراً من الوقت يستطيع خلاله أن يستجمع يقول للباشا من هو سيد عليوي، وماذا يستطيع أن يفعل! تعمد سائقا العربتين إحداث ضجة زائدة حين توقفا قليلاً عند بوابة الثكنة ، ثم أثناء الدخول للإعلان . عن وصول الآغا، وللإعلان : بإنجاز مهمة لا يستطيعها غيرهم .قال الآغا للذي يحمل الرأس، وكان يتجه إلى الغرفة الملحقة بمكتبه:
بالعجل ... ناوشني رأس ابن التي . ما كاد حامل الرأس يفك البساط، ويظهر ما بداخله، وقد اختلطت الملامح والشعر بالدماء، حتى ليصعب تمييز الوجه، وبعد أن ألقى علي الامان الآغا والذين جاءوا مهرولين نظرة سريعة، حتى قال، وخرج صوت البالية اله مخدشاً : شوفتك حزن وفراقك عيد، لكن اليوم خلصنا منك ! لما خيم الصمت، لا أحد يقوى على أن يعلق أو يسأل، تابع الآغاء الدروم وقد شعر بلذة النصر : حيثكان ابن المقرودة يناطح بقرون من طين، وما يعرف الآغا منوا وتذكر في تلك اللحظة حمادي الذي كان ينام في إحدى غرف القلعة . جريحاً. قال يخاطب نفسه، ويريد لرجاله أن يسمعوا : - صدق . . هذا القواد، حمادي، ليش ما خلصنا عليه بدربنا ؟ وبعد قليل وقد تغير صوته :
اللي تأكله العنز يطلعه الدباغ، وابن الدهاليز، حمادي، راح أخليه يقول : فدوة لعينك آغا بس اقتلني، خليني أخلص، أبوس إيدك ! تطلع إلى الرجال الصامتين. كان يبتسم ويهز رأسه. قال بصوت هو خفيض، كأنه يخاطب حمادي : حساب ناكر ونكير راح تشوف يا ابن الزفرة، وهذا اللي يونس . راح سند يوان أشوي على إذنك بصل، وأخليك تصيح : دخيلك يا سيد إدريس، دخيلكن النصر يا آغا والتفت من جديد إلى الرجال حوله، وكأنه تذكر شيئاً : - إذبحوا لنا طلي . وقبل أن يتحرك أحد لتنفيذ المهمة، تابع : لكن قبل ما تذبحوه خلوني أشوفه ؛ أريد أشوف شلون يباوع، وأسمع علي صوته وهو يماعي، حتى أعرف منو أسبع : الطلي أو أبو الخرق، حمادي ! تحرك الرجال لتنفيذ المهمة. غادر أغلبهم . غادروا خوفاً أو قرفاً، وكل واحد لا يريد، أو لا يقوى على رؤية الرأس الذي يبست دماؤه على الملامح، على الشعر، وبدا بالعيون المطفأة، بالشفة السفلى المرتخية وكأنها على وشك الكلام، وربما من الرائحة، بدا الرأس بهذه الملامح مثل لعبة منفرة أو لم يحسن صنعها. ولئلا يبقى الآغا صامتاً، وكأنه يحارب خوفاً غامضاً انتشر فجأة، أو شعر أن عواطفه على سعيد لم تبرد بعد فقد اندفع يخاطب الرأس بانفعال : الدنيا كلها ما جانت توسعك چنت شايخ بيها . أنا ربكم الأعلى فاعبدون. كان خشمك بالسما، لا تشوف أحد ولا أحد يشوفك. لكن أنت أثول زمال، وحتى الونسة ما تعرف شلون تتونس تارك كل الدنيا وعابد أبو الطيز الجايفة، حمادي الخايس ! لك البنات القمريات بنات الستطعش والسبطعش، اللي لونها بلون الليل ، تارك نعمة الله هذي كلها ولاحق ابن الزفرة حمادي ... تفو وتستاهل مو موتة واحدة تستاهل ألف موتة يا ابن الخايبة . استراح قليلاً، وقد شعر بالرضا، وأضاف وهو يتلمظ : - تسلم إيدك يا آغا، لأنك خلصت العباد من البلاء الأعظم! وتغيرت لهجته، أصبحت أمراً لذاك المسكين الذي لا يعرف إن كان أخطأ حين ظل واقفاً، أو كان يجب أن يبقى هكذا ، قال له الآغا بحقد : حط راس ابن الخايبة على صفحة حتى نعرف شلون ناكل قد لقمة قبل ما نشوف الباشا ! جيء بثلاثة خراف متفاوتة الهيئة والأعمار، ليختار الآغا واحداً منها . نزع قسماً من ملابسه، ووضع البلطة التي كان يخفيها على منضدة قريبة . كان الدم قد جف وتيبس على حواف شفرتها، ولم تبق منه إلا خطوط غير منتظمة وكانت شديدة القتامة . لما مررت الخراف، أشار إلى الأول منها،وهو يحرك إليته بقدمه : - هذا للفطور ...
وضحك بصخب وهو يضيف : واللي بعده للغدا، وما يندرى عشانا يكون وين! شاركة الرجال بالضحك، وقد انضم آخرون كثيرون، نتيجة الحركة المناسبة من والضجة، وأيضاً نتيجة الهمس الذي سرى أن شيئاً خطيراً قد حدث والآغا هو البطل، وما تخلف بسبب ذلك من رضى وحبور، عبقت الغرفة بروائح الأغنام وبحركتها العمياء، في هذه المساحة اختراق الهواء ،
الضيقة، وتناثرت كلمات الآغا وأسئلته، وهي توجه للأغنام لأن ترفع رؤوسها، أن تتطلع إليه، وقد استغل مراد الجو ليزيد المرح. قال بطريقة راجية ليشعر من لا يعرف بعد : سيدي ... ضربة من يدك الكريمة، مثل ذيك، تخلي رأس الخروف المستطع نتى اللى بطير بالهوا! وتقدم نحو البلطة ليتناولها، تمهيداً ليسلمها إلى الآغا، مفاجئة جمدت اليد قبل أن تصل إلى البلطة :
بهذي ... يا مش بوزك، لأن هذي للروس الجبيرة، مو لكل مصخم وجهه وقال ابن الحرام، ما تنضرب غير النخلة اللي بيها تمر ..ثم بسخرية : أنا حداد ! وبطريقة لا تخلو من مكر، ولئلا يزداد الآغا عتواً، صرخ أحد مرافقيه،وهو يجر الخروف بعيداً، وقد استل خنجراً ليتولى ذبحه : لعيونك ، سيدي ! وكانت عادة الآغا أن يتراوح بين حدين متباعدين في تعامله مع رجاله ، غير فمرة يتبسط إلى درجة تجعلهم يتكلمون في حضرته بجرأة، وقد يمزحون ؛ ومرة يمتنع عن استقبال أحد، فارضاً جواً من القسوة أقرب إلى الذعر، وقد يصدر أوامر أو تعليمات تنال بعضاً من ضباطه، ولا يكون مستعداً لمناقشتها، وقد يتعمد نسيانها، ولا يستطيع أحد تجاوزها، دون أن يأتيه عقل الرحمان، كما يقول مرافقه حامد في تبرير عدم إمكانية المخالفة . في هذا الوقت المتأخر من الليل، عند تخوم الفجر، وبانتظار الساعة حركة المناسبة من أجل التوجه إلى السراي، كان الآغا في حالة من الإشراق، أو هكذا يبدو لمن يراه. ربما للغبطة الفياضة بعد أن أنجز مهمته الكبرى، وقد وقد يكون بدافع مقاومة الخوف الذي يحاصره بعد أن انصبت عليه عينا نابي خاتون، ولعل الرأس القريب تتدفق منه صرخات مكتومة، لكنها قادرة على اختراق الهواء، وتجعله لا يحس بالطمأنينة . قال أحد الأربعة لأصدقائه، وقد انتحى جانباً، أثناء ذبح الخروف : - نظرة عيونها تموت . تخلي البني آدم يتشاهد ويقول : يا ربي أخافك وأخاف من اللي ما يخافك، وهذا الآغا ما يخاف الله ! وحين تنظر إليه العيون تطلب منه أن يواصل، يضيف، كأنه يشجع
أرض السوار نفسه : ظني أن بعد هذي الليلة عيني ما راح تشوف النوم، إلا بشفاء الخضر وزيارة العباس. فإذا توالت الأسئلة همساً ليقول لهم ما حصل، يرفع يديه بياس وتخرج الكلمات مبعثرة :



  • شوفة الليلة يا جماعة ما راح تروح من البال والخاطر العمر كله يمكن لرجال عليوي أن يفكروا بالطريقة التي تـ تروق لهم، ويمكن الحكم لمشاعرهم أن تسلك دروباً لا حصر لها . أما هو ، فكان يفكر بشيء واحد ولا يريد أن يتأخر . كيف يحسن به عرض الموضوع على الباشا ؟ لا يريد أن يبلغه الأمر فوراً عليه كثيراً. لا بد أن يذكر التفاصيل، لأنه حين يسمع يسترعي انتباه بايد الذين يتحدثون، ويجودون في الحديث، فأكثر ما كان . الطريقة التي : كانوا يتحدثون بها، وهذه الطريقة إذا أراد أن يلخصها لنفسه من غارها التفاصيل الصغيرة : كيف بدأ من كان معه ؛ كيف وصل ؛ كيف كان حال الذين التقى بهم وكيف استقبلوه. وتاه في أفكار بعيدة، شعر بأهمية العمل المدونة الي كان الذي أنجزه، والذي لا يمكن لغيره أن يفعله بالسرعة، بالنجاح ، وبالتايم التي لا تقدر بثمن بضربة واحدة. لا بضربة ونصف، أنهى عصراً بكامله، وأزال خطراً كان يمكن أن يبقى لسنين وسنين، وقد يقلب كل شيء سيدة إنه الآن أسعد إنسان، لكن بعد ساعة سيكون هناك . من هو أسعد منه لان الفلات الباشا، خاصة عند ما يرى الرأس وحده وقد انطفأت : فيه العينان وصمت الفم إلى الأبد. هكذا مرت الأفكار والصور والمشاعر في رأس سيد عليوي وفي صدره. ولئلا يفوته الوقت،
    وتتسرب أخبار القلعة قبل أن يزفها بنفسه إلى داود باشا، طلب أن ينتزع من الخروف الذي ذبح لتوه المعلاق، يكفي هذا الان للفطور، وعليه بعد ذلك أن يلبس حلة تليق بهذه المناسبة ويذهب.
    أصدر بسرعة أوامره بأن يُشوى المعلاق، وأن تشوى معه قطع من الية الخروف، وأن تذبح خراف أخرى من أجل إعداد وليمة كبيرة لضباط الثكنة وجنودها، وسوف يبلغ لاحقاً ما إذا ستكون الوليمة غداء أو عشاء، تبعاً لانشغاله في السراي، وأنه سيكون حاضراً مع ضباط الثكنة والجنود، وقد يحضر آخرون هكذا أبلغ حامد، وطلب منه البقاء في الثكنة للإعداد والإشراف على كل شيء، وأيضاً انتظار أخبار أخرى سيبلغه بها لاحقاً . كانت الشمس قد ارتفعت مقدار رمح عندما امتطى عليوي آغا حصانه
    متوجهاً إلى السراي .الباشا الذي تعود أن يستيقظ مبكراً، أفاق قبل موعده بساعة أو تزيد . كان نومه في تلك الليلة قلقاً متقطعاً، فقد بلغه أن الآغا اختار اليوم عدداً من الجنود، اثنين منهم من حرس السراي، ولا بد أن يكون هذا الماكر قد دبر أمراً، وستظهر نتائجه سريعاً. فالباشا يعرف كيف يصبح الآغا أمكر من ثعلب حين يريد الوصول إلى شيء. إنه يعمل بغريزته، مثل بعض الحيوانات، إذ تتركز حواسه في نقطة واحدة : كيف يتغلب على المصاعب لكي يصل ! الباشا حين تحدث معه في الليلة الأولى، كان حديثه عاماً، لم يقل ماذا يجب عليه أن يفعل، ولم يسأله عما ينوي فعله، فقط ذكره بالخطورة التي يشكلها سعيد، وأن الانتصار لا يعتبر كاملاً إذا بقي متحصناً في القلعة . وفهم الآغا ما هو مطلوب منه، وقد تأكد الباشا حين لمعت عينا الآغا وكأنه اتخذ قراراً، وسوف يلجأ إلى كل الوسائل من أجل تنفيذه.وتذكر الباشا مهمات سابقة كلف الآغا بتنفيذها . كان لا يحب أن يسأله أحد عن الخطة التي سيتبعها. بل أكثر من ذلك، كان يرد على الذين يسألونه بطريقة ساخرة :- من ساعة لساعة فرج .فإذا ألح عليه أحد لمعرفة ما سيفعله يرد بنزق :

  • الشهر المالك بيه لا تعد أيامه، فخلها علي وأنا كفيلها !
    هكذا مرت الصور في ذهن الوالي، البيضاوي لكي يصبح أكثر اطمئناناً ، ثم أمر بأن يؤتى له بالقهوة إلى العريقة الجنوبية المطلة على دجلة، كانت مياه النهر عكرة، لكن لا توجي، بعده بقيضان قريب. رأى أسراباً من الطيور تسف وتعلو قليلاً عن سطح الماء. صلى الفجر وقرأ جزءاً من سمع هديل الحمام الذي أخذ ينتقل لم مألوفاً أو بين أشجار النخيل . يتأخر سيد عليوي، إذ مع فنجان القهوة الثاني وصل . لم يكن هذا من عادته، ولكنه وصل . أبلغ الباشا بوصوله، فأمر أن يوافيه على الفور. قال للباشا، وهو يتوجه نحوه، وقبل أن يصل : - طلعنا من حلق السبع، يا باشا، والله وفقنا. لم يكن يريد أن يبدأ هكذا، لكن هكذا وجد نفسه يفعل. قال الباشا. في محاولة لأن يبقى حازماً وصبوراً :الله يصبحك بالخير يا آغا، أو نسيت أن الدنيا الصبح ؟
    ورغم أن الآغا حاول ) يريد أن ينقلها كان كبيراً متدفقاً إلى درجة أن رد على ا الباشا بارتباك، وجلسا متهالكاً على الكرسي المقابل له . لم يكن الباشا بحاجة إلى الكثير من الكلمات لكي يعرف أو يستنتج أن مما لدى الآغا الكثير، وربما الخطير، ليبلغه به سأله بنعومة وبصوت دانی عله يمتص انفعاله : ها آغا ... أشوفك جاي من غبشة، وبوجهك سوالف هوايه ؟ وأخذ الآغا يروي، لكن بعد أن تذكر أهمية التفاصيل، ما حصل معنا لحظة وصوله إلى القلعة. كيف كان حال الحراس والحراسات، وكيف استدعى آمر الحرس . ماذا قال له وكيف رد عليه . كيف أصر على أن يرى سعيد بنفسه، وكيف. قال الباشا بنفاذ صبر : والنتيجة، المهم النتيجة يا آغا. ابتسم الآغا ابتسامة واسعة، أكثر مما تعود أن يفعل أمام الباشا . لم يجب، بل صفق بيديه. خلال ثوان دخل الذين كانوا يرافقون الآغا . كان اثنان منهم يحملان البساط، كل من جهة، والرأس يلق صعوداً وهبوطاً تبعاً للخطوات السريعة، غير المنتظمة، وما أن وصلا قريباً منهما، حتى قال الآغا بطريقة آمرة : خلوا الباشا يشوف صيدنا ! ورفع الاثنان البساط من جانب وخفضاه من جانب، فتدحرج الرأس، تدحرج حتى وصل بالقرب من الاثنين . انتفض الباشا قبل أن يعرف رأس من الذي تدحرج. وقف. تلفت حواليه، كأنه يريد مساعدة أحد. لم يمعن بالرأس إلا بعد أن مرت لحظات . تطلع إليه بنظرة سريعة. من تلك النظرة قدر، أو تأكد، أنه رأس سعيد .صرخ، وكان صوته أقرب إلى الشهيق :أعوذ بالله من هذا الصباح ! سحب نفساً عميقاً، ونظر إلى عليوي وكأنه يؤنبه : من هذا وماذا فعلت؟ ولكنها أو امرك يا سيدي ! قتلتني ...ثم وهو يشيح بنظره ويرفع يديه بيأس : هذا خدني وابن عمي .... وتهدج صوته : كنت أريده حياً .وبعد قليل صرخ، وكان وجهه نحو النهر : خذوه . أبعدوه عني. خذوه بسرعة . والتفت إلى عليوي : كنت أريد ابن الزانية، حمادي، والآن لا أعرف ماذا يجب أن أفعل .
    وجلس على كرسيه متهالكا، في حين ثم المرافقون الرأس من جديد افترض أنه انجز مهمة و وضعوه في البساط مرة أخرى. أما عليوي . يمكن أن ينجزها غيره، وأن الباشا سيكون في منتهى السعادة، فقد الي بيده. ماذا يعني حمادي، هذا المأبون التافه، لولا سعيد سعيد . الصيد، وهذا ما يريده الباشا، أما حمادي فلا يعدو أن يكون مجرد خادم ماذا حصل للباشا ؟ كان لدى عليوي الكثير من التفاصيل ليبلغها، لكن رد فعل البيتر ونظراته الجمته. لأول مرة يحس أنه لم يفهم ما قبل في الليلة يارا الماضية . كان الباشا يعتبر أن الخصم الحقيقي سعيد، ووحده الذي يريد طلبه أو تمناه؟ ماذا حصل في هذه الدنيا؟ أين هو الخطأ؟ الآن، وقد أصبح الرأس تحت قدميه، يبدي أسفه، ولكن، أليس هذا قال عليوي بصوت يشوبه الحرج : سعيد هو الخصي يعاني الريشة فهمت منك يا باشا أنك تريد رأس سعيد، وأن سعيد . فماذا تغير ؟ - سعيد، يا عليوي، من لحمي ودمي . سعيد مثل ابني يوسف سمبا المالية . ما كان يحل رجل دجاجة، وهذا كان سبب غضبي عليه. عينا سائل كثيرة نسويها زفر، وهو يضرب مسند المقعد : الصناعية، هز رأسه عدة من رضا رحمة ويعطيا القوة العلة والمصيبة ، يا عليوي، هو حمادي . كان يقوده كما يقود الرامي الموز ياية رنية الغنم . كان يقول له من هنا القبلة، فيرد عليه سعيد أي نعم. كان حمادي الموليرا ساحره و آسره، وكان حمادي الفاعل الناهي، ولولاه لما كانت مشكلة بين أولاد العم ... كاد يضيف أشياء أخرى لكن مقاطعة عليوي غيرت الموضوع . قال له حرام نجس أيدينا بابن الخايبة، حمادي، يا باشا! ذاك راس الشليلة يا عليوي، لأنه أصل البلاء. وبعد قليل، وبلهجة جديدة : والخاتون، أمه، شنو اللي صار بيها ؟
    رد عليوي، وقد شعر بخيبة أمل : لخاطرك يا باشا، قلت حريمة وما يجوز نمد أيدينا عليها، تركناها تنوح وتلطم ومشينا ! لا حول ولا قوة إلا بالله .. وبعد قليل، كأنه يقنع نفسه :
    وإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون!وتوجه إلى الرجال الأربعة الذين لا يعرفون ما ينبغي أن يفعلوه بالرأس بعد أن أعادوا وضعه داخل البساط : ليش بعدكم واقفين بخلقتنا؟ يا الله خذوه وامشوا .
    والتفت إلى عليوي الذي بدا مذهولاً : كل شيء بهذي الدنيا يا آغا، قسمة ونصيب، والبني آدم ما يقدر يغير اللي كاتبه الله ! وبعد قليل، وبطريقة أبوية : باقي علينا مسائل كثيرة نسويها ، يا آغا، وأنت تعرف معزتك عندي، وشقد اعتمد عليك .... أخذ نفساً عميقاً . هز رأسه عدة مرات وأضاف :
    الله يرحمنا برحمته ويعطينا القوة ويسدد خطانا، إنه السميع المجيب . رد عليوي بطريقة رتيبة : - اللهم آمين !


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

ضربة موجعة ومؤل...

ضربة موجعة ومؤلمة تلقتها القيادات العليا لميليشيا الحوثي عقب صدور بيان رسمي حاسم ادخل الفرح والسرور ...

أعادت وفاة طفل ...

أعادت وفاة طفل في منطقة الصباحة بالعاصمة المختطفة صنعاء، إثر إصابته بداء الكلب بعد تعرضه لعضة كلب شا...

العَقيدةُ والإي...

العَقيدةُ والإيمانُ والتَّوحيدُ: هي في الجُملةِ ألفاظٌ مُتقارِبةٌ عند أهل السُّنَّةِ، إلَّا أنَّهم ق...

كلُّ شخصٍ يرى غ...

كلُّ شخصٍ يرى غيرَه ينتمي إلى فرقةٍ ضالّةٍ و الفئة باغية بس في الحقيقة هو الذي ينتمي إلى هذه الفئة ل...

لما كانت الفكرة...

لما كانت الفكرة النظامية تتخطى الأركان الموضوعية للشركة وتنظر اليها كمجموعة أجهزة متعددة تتكامل وظائ...

شنّ الصحفي وائل...

شنّ الصحفي وائل البدري هجومًا لاذعًا على الرئيس السابق لجهاز الأمن القومي، علي حسن الأحمدي، متهمًا إ...

استقبل رئيس مجل...

استقبل رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني، اليوم الخميس، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ا...

المبحث الأول: م...

المبحث الأول: مفهوم القيادة والقيادة النسوية تمهيد: تعد القيادة الركيزة الأساسية التي تستند إليها ال...

Statistics will...

Statistics will be essential for my future career in medicine because they help doctors make decisio...

تساهم المنصات ا...

تساهم المنصات الرقمية المدعمة بالذكاء الاصطناعي في رفع مستوى طموح الطالبات من خلال التفاعل المستمر، ...

أثار تأخر صرف م...

أثار تأخر صرف مرتبات منتسبي اللواء الثاني مشاة بحري بمنطقة بالحاف موجة استياء وغضب واسعة في أوساط ال...

أكد رئيس حلف قب...

أكد رئيس حلف قبائل دهم في محافظة الجوف "الشيخ عبد الرحمن مرعي"، (الخميس)، أن قضية "الشيخ حمد بن فدغم...