لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (100%)

د.رقية العلواني حلقة ١ من ٤ مقدمة عن سورة لقمان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بين أيدينا اليوم صورة من صور القرآن العظيم، نزلت على الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد الإسراء وقبيل الهجرة إلى المدينة، ما تركوا وسيلة إلا سلكوها لإيقاف هذه الدعوة المباركة. حاولوا أن يتحدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال أسئلة يتعلمونها ويلتقطونها من هنا ومن هناك، لاجل أن يحاولوا إظهار عجزه عن الإجابة، أو إدخاله في متاهات لا يمكن أبداً أن ينساق إليها صلى الله عليه وسلم، فهو يشهد وهم يعلمون ويوقنون أن هذا الكتاب من عند الله وليس من عند نفسه. فما كان لهم أنه أن يجيب إجابة من تلقاء نفسه دون أن يوحى إليه الله سبحانه وتعالى. وأنها مصدقة بنبوته، من هنا نزلت هذه الآية، وكان واحد من أسباب نزولها أن قريشاً سألت نبينا صلى الله عليه وسلم عن شخص يدعى لقمان. ما أرادت بذلك أن تعلم أو تتعرف عن شخصيته قدر ما أرادت أن تعجز هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. نزلت هذه السورة العظيمة في هذه الظروف، في ظروف وجد فيها من يحاول حتى أن يشتري ويقتني من المغنيات ومن الجواري ما يصل به عن سبيل الله، ويريد الناس عن الاستماع إلى هذا القرآن العظيم. هذه الظروف التي نزلت فيها هذه الصورة المباركة هي ظروف قد تحدث في كثير من المجتمعات، بما في ذلك مجتمعاتنا المعاصرة، حين يواجه الدعاة والمصلحون بأساليب تحاول أن تصرفهم عن الحكمة في الخطاب والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولكن هذا القرآن في كل سورة يؤكد مرة بعد مرة أن الدعوة لا يمكن ولا ينبغي أن تخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. العلاقة بين سورة لقمان وسورة الروم ثمة فارق زمني وتاريخي بين نزول سورة لقمان التي بين أيدينا اليوم وبين سورة الروم، ولكن في ترتيب المصحف جاءت سورة الروم وقبلها سورة لقمان. سورة الروم كما ذكرنا في محورها ومقاصدها أنها جاءت تعلم المؤمنين برسالة القرآن، كيف يخاطب به أمم الأرض ويجادلهم بالتي هي أحسن، مؤكدة عالمية هذا الخطاب القرآني. مقدمه أشكال وأساليب لكيفية مخاطبة أمم الأرض، وواحد من أبرزها العين والتفوق في العين، والتفوق في الاكتشافات والإنجازات العلمية التي أشارت إليها السورة العظيمة. وجاءت محملة بتلك الإشارة من الحديث عن الرياح إلى الحديث عن المطر إلى الحديث عن أشكال مختلفة من الإعجازات التي يمكن أن يحققها المؤمنون بهذا الكتاب إذا انطلقوا من هذا الكتاب في قراءة لهذا العالم والكون المحيط من حولهم. كما حولت السورة العظيمة صورته سنن وقوانين تحكم حركة الفرد والمجتمع والأمم والدول. أوضحت على الإنسان المسؤولية الكاملة في إشكالية الفساد وظهوره وانتشاره في البر وفي البحر. وختمت السورة العظيمة سورة الروم بقوله عز وجل: "وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ". لتبين أن الأمثال والقصص الموجودة في القرآن والشخصيات التي تذكر في القرآن إنما هي لاجل أن يتعلم الذين يقرأون القرآن كيف يربطون بين هذه الأمثال والشخصيات وما يأتي فيها من ذكر في كتاب الله وبين الواقع الذي يعيشون ويعانون. وبكل آية، لا يرون الحق حقاً، يرون الحق باطلاً. وشخص القرآن العظيم في نهاية سورة الروم السبب وراء ذلك قال: "كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ". هؤلاء طبع على قلوبهم شكل من أشكال الختم على القلوب، وراء ذلك، لأن ما في قلبها من إعراض واستكبار وعناد وأمراض نفسية أخرى جعلت ثمة سدود بينها وبين الحق، فلا ينفذ نور العلم ولا نور الكتاب العظيم إلى داخل هذه النفوس الضعيفة التي قد صدت وصدت عن سبيل الله استكباراً وإعراضاً أو عناداً. من هنا جاء آخر أمر في سورة الروم العظيمة: "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". قبلها قال: "الذين لا يعلمون"، وبعد ذلك نفى عنهم اليقين قال: "الذين لا يوقنون". شيء طبيعي أن ثمة تلازم واضح بين عدم العلم وعدم اليقين. والعلم النافع السليم الصحيح بكل أشكاله وفروعه المختلفة لا يمكن إلا أن يوصل إلى حقيقة اليقين بالله سبحانه وتعالى والإيمان بصدق هذا الكتاب الكريم. الإيمان بما جاء به هذا الكتاب العظيم من أركان ومبادئ وقيم باقية إلى أن يشاء الله. آخر ما ختمت به سورة الروم: "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". وتدبروا معي في التناسب بين ختام سورة وبين مفتتح سورة لقمان. سورة لقمان قال الفنانين الحروف المقطعة التي افتتحت بها كثير من صور القرآن العظيم، مؤلفة من ذات الكلام الذي يتكلم به الناس، إلا أن كلام القرآن كلام الله سبحانه وتعالى يغير كل كلام ويختلف عن كل كلام، وموجز في كل حرف وكلمة في تحدي. قال: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ". الحكمة هنا لها عدد من المعاني. الحكمة أنها تعلمك الحكمة، ومتى يقول، ومتى تخرج الكلمات من فيه، ومتى يتوقف ويسكت ولا يتكلم، وأي شكل مناسب يستعملها. الحكمة التي أمر الله سبحانه عباده فقال: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ". لا ينبغي أن تدعو إلى سبيل الله بشيء غير الحكمة، لماذا؟ لأن الحكمة تعلمك ماذا تقول وكيف تقول ولمن تتخاطب وتقول، وبأي أسلوب ينبغي أن تقول. لقمان، "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ". وما جاء عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يكون إلا في سياق الحكمة. هذه الآيات التي تعلم الإنسان الحكمة، في تعاملك مع الأشياء، حكمة. هدى ورحمة للمحسنين، ولا شيء يمكن أن يكون فيه من تدبروا في الربط مع ختام الصورة: "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ"، وهنا وصف عباد الله المؤمنين قال: "وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". إذن في مقارنة بين الأمرين، عملهم الاستهزاء، أملهم أن يصدوا عن سبيل الله. "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". مواصفات الأعمال التي يقومون بها. يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون. وذكر أعظم عبادتين في الإسلام وفي شريعة الإسلام التي تجعل الإنسان شيئاً فشيئاً، الإحسان ليس حالة طارئة تطرأ على الإنسان المؤمن، الإحسان عمل متواصل، مجاهدة نفس حتى تترقى في مرتبة الإحسان، البعض الآخر بدرجة التسعين، يتفاوتون. ولكن المبدا العام الذي قامت عليه الزكاة، مقصد الزكاة العام، بل المال للآخرين في أعمال الخير ومساعدة الآخرين. هذه كلها كانت موجودة في التشريع المكي، ولكن التشريع الخاص بالزكاة وتفاصيلها جاء لاحقاً في المرحلة المدنية. الجزاء، بمعنى آخر، أنه لا شيء يوصل الإنسان المؤمن إلى مرحلة الهدى، هدى ورحمة وإحسان والجزاء الفلاح، إلا تلك الصلة بآيات الكتاب الحكيم. تريد سبيل الإحسان، تريد اليقين، تريد أن تمشي في الدنيا على هدى، وتصل في الآخرة وفي الدنيا كذلك الفلاح والفوز، لا سبيل لك بعيداً عن آيات الكتاب الحكيم. مررت بينها وبين ختام سورة الروم. في ذات الوقت فيها بيان واضح، في نفس الوقت، "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". لديك صنف آخر من البشر، اصبر وأنت بحاجة إلى المصادرة معهم، الصبر عليها. رافقهم، هذه من ناحية الآيات في الختام وفي المفتاح. أما من ناحية المقاصد، نقول كذلك هذه السورة العظيمة جاءت تبين كيف أن الإنسان ولو كان فرداً مثل لقمان الحكيم يستطيع بدوره أن يخاطب أمم الأرض. بمعنى آخر، هذا هو الخير. ربما لانتشار ذلك الفساد، ربما لغيبوبة هذه الأمة عن دورها، رسالته في الحياة. واحد منها على سبيل المثال كما ذكرت كثير من كتب التفاسير أن هذا الرجل كان في واقع الأمر عبداً مملوكاً، أما كان حراً، ولكن هذا الوضع الذي عاشه لم يمنع أبداً عن القيام بدوره وأداء رسالته في الدعوة إلى الله بالحكمة. فإذاً أنا وأنت نستطيع أن نقول، "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا". تدبروا معي في هذه المعاني العظيمة، شكل آخر من أشكال التناسب. سورة الروم من مقاصدها أنها تعلم كيف تجادل بالتي هي أحسن. سورة القصص أمرت قالت: "وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ". صورة علمت وأكدت أنك مكلف بمخاطبة وجدان أمم الأرض بالتي هي أحسن. وسورة لقمان امتداد لتلك المجادلة وبيان لأشكال هذه المجادلة وأساليبها، سورة لقمان جاءت في الحكمة، ونموذج لإنسان حكيم عاش حياته حكيماً، وتضمنت رسالته كل الحكمة. وإلا من يمتلك من الحكمة الشيء العظيم. مفرقاً لا مجمعاً، ولا مؤلفاً، شاغلاً عن صف وحدة الكلمة، لا جامعاً للقلوب ومؤسساً للإصلاح ووحدة الكلمة والأمة. لماذا؟ لأنه تنقصه الحكمة. الحكمة هي التي تجعل الإنسان يصل إلى هذه الأهداف العظيمة السابقة التي يعلمنا القرآن العظيم طرفاً منها في هذه السورة المباركة. الترابط في سورة لقمان وتدبروا معي في التناسب بين أول السورة: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". قال في آخر السورة: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". في ترابط: "وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا". يقينك بالآخرة جاء الأمر به في نهاية السورة: "واتقوا يوماً"، ما هي؟ ما زال يخشى يوماً. يقينك بالآخرة يزيد في تقواك، ويرفع مقامات التقوى. "فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ". هذه من اليقين، ويعلم ما في الأرحام، مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. هذا جزء من يقينك، ويقينك بالآخرة يقتضي كذلك أن توقن بها. تدبروا في هذا الترابط العجيب. واحدة من مواصفات هذا الكتاب وأوصافه أنه كما ذكرنا مشحون حكمة. ثم تلك الحكمة التي في كل آياته وحروفه ومفرداته. حتى كأنك أمام كتاب يعلمك كيف تبني بناءً متكاملاً لحياة الإنسان الفرد، ولحياة المجتمع. هذه كلها من الحكمة التي جاءت بها هذه السورة العظيمة التي ما تجاوزت آياتها إلا الثلاثين بقليل، ولكنها حملت من الحكمة والحِكَم ما يجعل الإنسان يعيش حياته وهو مدرك أنه بالحكمة يصل إلى الفلاح وإلى الفوز. وتدبروا معي في شكل آخر من أشكال الترابط. يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، على نهج فيه هدى من ربه، هذا لا يمكن أن يصل إليه إلا وقد بلغ درجة من الحكمة. مرحلة الحياة، الابتلاء. ويعرف كيف ينبغي أن يؤمن بالآخرة لأنه إن لم يؤمن بالآخرة سيكون من الخاسرين. وحكماً تعلمه من حِكَم من خلال تعلم آيات الكتاب الحكيم أوصلته إلى الفلاح والفوز في الدنيا وفي الآخرة. تدبروا كذلك في شكل من أشكال التناسب بين نهاية سورة الروم العظيمة حيث قال فيها الله سبحانه: "فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يَسْتَعْتَبُونَ". لماذا؟ لأنهم يوم قامت الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة. هم لو كانوا فيهم شيء من الحكمة لَا وصلت بهم تلك الحكمة إلى إدراك أن يوم القيامة ليس يوم معذرة ولا عتاب، لا تنفعهم. غداً دار الجزاء، لا تعتذر غداً. تعتذر بعد فوات الأوان. إذاً واحدة من أكبر إشكاليات الظالمين والكفار خلو عقولهم وقلوبهم من الحكمة. ويهتم فيه، يتعلم كيف يمارسه لأنها هي ميران وتدريب صحيح. هي عطاء من الله سبحانه، وأن يسأله الحكمة، وأن يجتهد، وأعظم أسباب اكتساب الحكمة الصلة القوية بآيات الكتاب الحكيم. تدبروا معي في هذا التناسب العظيم. إذن نهاية سورة الروم التي اختتمت ببيان مواصفات أولئك الذين خلت عقولهم من الحكمة تناسبت مع هذه السورة العظيمة التي جاءت تتكلم عن الحكمة،


النص الأصلي

د.رقية العلواني


تدبر سورة لقمان: الحلقة الأولى
→ جميع الحلقات
حلقة ١ من ٤
تدبر سورة لقمان: الحلقة الأولى
مقدمة عن سورة لقمان
الرحمان الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


بين أيدينا اليوم صورة من صور القرآن العظيم، نزلت على الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد الإسراء وقبيل الهجرة إلى المدينة، في فترة تميزت بالصعوبة والشدة من فترات قضائه للدعوة في مكة بين قومه وأهله وعشيرته. يكذبون، يعاندون، يستكبرون، يعرضون، ما تركوا وسيلة إلا سلكوها لإيقاف هذه الدعوة المباركة.


حاولوا أن يتحدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال أسئلة يتعلمونها ويلتقطونها من هنا ومن هناك، لاجل أن يحاولوا إظهار عجزه عن الإجابة، أو إدخاله في متاهات لا يمكن أبداً أن ينساق إليها صلى الله عليه وسلم، فهو يشهد وهم يعلمون ويوقنون أن هذا الكتاب من عند الله وليس من عند نفسه. فما كان لهم أنه أن يجيب إجابة من تلقاء نفسه دون أن يوحى إليه الله سبحانه وتعالى.


وذكرنا فيما ذكرنا سابقاً في تدبرنا لصور القرآن أن قريشاً ما كانت تكذبه في داخلها، وأنها مصدقة بنبوته، ولكنّه العناد والاستكبار والضلال والتمسك بدين الآباء والأجداد والعادات والتقاليد التي ما جاءت بخير ولا تدل على حكمة في منطقهم ولا تفكيرهم ولا أسلوب محاجتهم لهذا النبي الكريم.


من هنا نزلت هذه الآية، وكان واحد من أسباب نزولها أن قريشاً سألت نبينا صلى الله عليه وسلم عن شخص يدعى لقمان. ما أرادت بذلك أن تعلم أو تتعرف عن شخصيته قدر ما أرادت أن تعجز هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. نزلت هذه السورة العظيمة في هذه الظروف، في ظروف وجد فيها من يحاول حتى أن يشتري ويقتني من المغنيات ومن الجواري ما يصل به عن سبيل الله، ويريد الناس عن الاستماع إلى هذا القرآن العظيم.


هذه الظروف التي نزلت فيها هذه الصورة المباركة هي ظروف قد تحدث في كثير من المجتمعات، بما في ذلك مجتمعاتنا المعاصرة، حين يواجه الدعاة والمصلحون بأساليب تحاول أن تصرفهم عن الحكمة في الخطاب والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولكن هذا القرآن في كل سورة يؤكد مرة بعد مرة أن الدعوة لا يمكن ولا ينبغي أن تخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.


العلاقة بين سورة لقمان وسورة الروم
ثمة فارق زمني وتاريخي بين نزول سورة لقمان التي بين أيدينا اليوم وبين سورة الروم، ولكن في ترتيب المصحف جاءت سورة الروم وقبلها سورة لقمان. سورة الروم كما ذكرنا في محورها ومقاصدها أنها جاءت تعلم المؤمنين برسالة القرآن، كيف يخاطب به أمم الأرض ويجادلهم بالتي هي أحسن، مؤكدة عالمية هذا الخطاب القرآني.


مقدمه أشكال وأساليب لكيفية مخاطبة أمم الأرض، وواحد من أبرزها العين والتفوق في العين، والتفوق في الاكتشافات والإنجازات العلمية التي أشارت إليها السورة العظيمة. وجاءت محملة بتلك الإشارة من الحديث عن الرياح إلى الحديث عن المطر إلى الحديث عن أشكال مختلفة من الإعجازات التي يمكن أن يحققها المؤمنون بهذا الكتاب إذا انطلقوا من هذا الكتاب في قراءة لهذا العالم والكون المحيط من حولهم.


كما حولت السورة العظيمة صورته سنن وقوانين تحكم حركة الفرد والمجتمع والأمم والدول. أوضحت على الإنسان المسؤولية الكاملة في إشكالية الفساد وظهوره وانتشاره في البر وفي البحر. وختمت السورة العظيمة سورة الروم بقوله عز وجل: "وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ".


لتبين أن الأمثال والقصص الموجودة في القرآن والشخصيات التي تذكر في القرآن إنما هي لاجل أن يتعلم الذين يقرأون القرآن كيف يربطون بين هذه الأمثال والشخصيات وما يأتي فيها من ذكر في كتاب الله وبين الواقع الذي يعيشون ويعانون.


ثم قررت الآيات العظيمة في نهاية سورة الروم أن هؤلاء الكافرين، لو جئتهم بآية، وبكل آية، ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون. لا يرون الحق حقاً، يرون الحق باطلاً. وشخص القرآن العظيم في نهاية سورة الروم السبب وراء ذلك قال: "كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ".


هؤلاء طبع على قلوبهم شكل من أشكال الختم على القلوب، فلا يصل إليها النور من الحق، ولن يصل، وراء ذلك، لأن ما في قلبها من إعراض واستكبار وعناد وأمراض نفسية أخرى جعلت ثمة سدود بينها وبين الحق، فلا ينفذ نور العلم ولا نور الكتاب العظيم إلى داخل هذه النفوس الضعيفة التي قد صدت وصدت عن سبيل الله استكباراً وإعراضاً أو عناداً.


من هنا جاء آخر أمر في سورة الروم العظيمة: "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". قبلها قال: "الذين لا يعلمون"، وبعد ذلك نفى عنهم اليقين قال: "الذين لا يوقنون". شيء طبيعي أن ثمة تلازم واضح بين عدم العلم وعدم اليقين. والعلم النافع السليم الصحيح بكل أشكاله وفروعه المختلفة لا يمكن إلا أن يوصل إلى حقيقة اليقين بالله سبحانه وتعالى والإيمان بصدق هذا الكتاب الكريم. الإيمان بما جاء به هذا الكتاب العظيم من أركان ومبادئ وقيم باقية إلى أن يشاء الله.


آخر ما ختمت به سورة الروم: "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". وتدبروا معي في التناسب بين ختام سورة وبين مفتتح سورة لقمان. سورة لقمان قال الفنانين الحروف المقطعة التي افتتحت بها كثير من صور القرآن العظيم، مؤلفة من ذات الكلام الذي يتكلم به الناس، إلا أن كلام القرآن كلام الله سبحانه وتعالى يغير كل كلام ويختلف عن كل كلام، وموجز في كل حرف وكلمة في تحدي. قال: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ".


والقرآن حين يصف آيات هذا الكتاب بالحكمة، الحكمة هنا لها عدد من المعاني. الحكمة أنها تعلمك الحكمة، والحكمة في معناها الواسع العام أن يتعرف الإنسان ماذا يقول، وكيف يقول، ومتى يقول، وبالشكل المناسب الذي ينبغي أن يقوم. من هنا يوصف الإنسان بالحكمة، إنسان يعرف كيف يتصرف، كيف يقول، ومتى تخرج الكلمات من فيه، ومتى يتوقف ويسكت ولا يتكلم، وأي شكل مناسب يستعملها. الحكمة التي أمر الله سبحانه عباده فقال: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ".


لا ينبغي أن تدعو إلى سبيل الله بشيء غير الحكمة، لماذا؟ لأن الحكمة تعلمك ماذا تقول وكيف تقول ولمن تتخاطب وتقول، وبأي أسلوب ينبغي أن تقول. فال تناسب واضح منذ بداية السورة: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ". لقمان، "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ". وما جاء عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يكون إلا في سياق الحكمة. "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ" قال: "هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ".


هذه الآيات التي تعلم الإنسان الحكمة، وكلما زادت صلتك بكتاب الله كل ما تتحكم في القول، بالفعل، في التصرف، السكوت، في كل شيء، في كل حركاتك، في قراراتك، في تصرفاتك، في حزنك، في مكرك، في تعاملك مع الأشياء، في اتخاذ كل مختلف القرارات في حياتك، حكمة. هدى ورحمة للمحسنين، ولا شيء يمكن أن يكون فيه من


تدبروا في الربط مع ختام الصورة: "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ"، وهنا وصف عباد الله المؤمنين قال: "وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". إذن في مقارنة بين الأمرين، في مضادة بين عباد الله الذين يوقنون والذين لا يوقنون. الذين لا يوقنون عملهم الاستخفاف، عملهم الاستهزاء، أملهم أن يصدوا عن سبيل الله. "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". مواصفات الأعمال التي يقومون بها. أما هؤلاء من عباد الله الذين يوقنون، فمن أعظم صفاتهم أنهم من المحسنين، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون.


وذكر أعظم عبادتين في الإسلام وفي شريعة الإسلام التي تجعل الإنسان شيئاً فشيئاً، درجة درجة يترقى في ميادين الإحسان. الإحسان ليس حالة طارئة تطرأ على الإنسان المؤمن، الإحسان عمل متواصل، مجاهدة نفس حتى تترقى في مرتبة الإحسان، لأن الإحسان ليس على درجة واحدة. ممكن بعض الأشخاص يحسنون بدرجة عشرة بالمائة، البعض الآخر بدرجة عشرين، البعض الآخر بدرجة التسعين، يتفاوتون. فما الذي يجعل هذا الأمر يتفاوت ويتلقى فيه العبد المؤمن؟ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة بالمعنى العام. الزكاة في ذلك الوقت ما شرعت، لم تشرع بعد بتفاصيلها، ولكن المبدا العام الذي قامت عليه الزكاة، مقصد الزكاة العام، تزكية المال وتزكية النفس من خلال الإنفاق وعدم التعلق به وبالدنيا، بل المال للآخرين في أعمال الخير ومساعدة الآخرين. هذه كلها كانت موجودة في التشريع المكي، ولكن التشريع الخاص بالزكاة وتفاصيلها جاء لاحقاً في المرحلة المدنية.


ثم تدبروا معي كيف وصف هؤلاء العباد قال: "أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ". قال: "آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". الجزاء، بمعنى آخر، أنه لا شيء يوصل الإنسان المؤمن إلى مرحلة الهدى، هدى ورحمة وإحسان والجزاء الفلاح، إلا تلك الصلة بآيات الكتاب الحكيم. "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ"، كان القرآن يريد أن يقول لي ويقول للبشر: تريد هدى، تريد رحمة، تريد سبيل الإحسان، تريد اليقين، تريد أن تمشي في الدنيا على هدى، وتصل في الآخرة وفي الدنيا كذلك الفلاح والفوز، لا سبيل لك بعيداً عن آيات الكتاب الحكيم.


مررت بينها وبين ختام سورة الروم. سورة الروم في ختامها قال: "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". ولا الشيء في الدنيا يزيد من صبر هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام والمؤمنين برسالتِه كالتعلق ودوام الصلة بآيات الكتاب الحكيم. في ذات الوقت فيها بيان واضح، في نفس الوقت، "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". لديك صنف آخر من البشر، اصبر وأنت بحاجة إلى المصادرة معهم، ودوام الصلة بهم، هؤلاء هم الذين خصهم الله بأن يكونوا واحدة من أعظم وسائل التثبيت على الدعوة، الصبر عليها. رافقهم، رافق الذين يمكن وصفهم فقال: "وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".


مقاصد سورة لقمان
هذه من ناحية الآيات في الختام وفي المفتاح. أما من ناحية المقاصد، وكما ذكرنا أن مقصد سورة الروم العظيمة جاء لمخاطبة العالم وشعوب الأرض بهذا القرآن وعالميته، نقول كذلك هذه السورة العظيمة جاءت تبين كيف أن الإنسان ولو كان فرداً مثل لقمان الحكيم يستطيع بدوره أن يخاطب أمم الأرض. بمعنى آخر، كل يقوم بما يسر الله له. إذا استطاعت الأمة التي تؤمن بهذا القرآن أن تخاطب به الأمم كجماعة، كأمة، كشعوب، كدول، هذا هو الخير. إن لم تستطع لسبب أو لآخر، ربما لظهور كثير من الفساد فيها، ربما لانتشار ذلك الفساد، ربما لغيبوبة هذه الأمة عن دورها، فهذا لا يعني أنك كفرد لا تقوم بدورك. وهو مثل يضربه الله في سورة لقمان لفرد أدى دوره، رسالته في الحياة. كان في قيود كما سنأتي عليها، واحد منها على سبيل المثال كما ذكرت كثير من كتب التفاسير أن هذا الرجل كان في واقع الأمر عبداً مملوكاً، أما كان حراً، ما كان حراً في قراره وتصرفه وما يمكن أن يفعله باعتباره أنه مملوك. ولكن هذا الوضع الذي عاشه لم يمنع أبداً عن القيام بدوره وأداء رسالته في الدعوة إلى الله بالحكمة. فإذاً أنا وأنت نستطيع أن نقول، وكل بشر المؤمنون الذين يؤمنون بهذا الكتاب يستطيعون أن يقوموا بأدوار بما مكّنه الله سبحانه، "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".


تدبروا معي في هذه المعاني العظيمة، شكل آخر من أشكال التناسب. سورة الروم من مقاصدها أنها تعلم كيف تجادل بالتي هي أحسن. سورة القصص أمرت قالت: "وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ". صورة علمت وأكدت أنك مكلف بمخاطبة وجدان أمم الأرض بالتي هي أحسن. وسورة لقمان امتداد لتلك المجادلة وبيان لأشكال هذه المجادلة وأساليبها، والجدال الذي يكون بالحكمة. سورة لقمان جاءت في الحكمة، ونماذج للحكمة، ونموذج لإنسان حكيم عاش حياته حكيماً، وقدم رسالته بالحكمة، وتضمنت رسالته كل الحكمة. إذن الحكمة السورة، الصورة تدور مع هذه القضية الجوهرية في مخاطبة أمم الأرض وتقديم رسالة القرآن العظيم التي لا يمكن أن يقدمها إلا الحكماء، وإلا من يمتلك من الحكمة الشيء العظيم.


تدبروا في هذه المعاني العظيمة. كيفية من الأشخاص الذين تنقصهم الحكمة في الخطاب والحكمة في أسلوب الدعوة، تراه منفراً لا مبشراً، مفرقاً لا مجمعاً، ولا مؤلفاً، شاغلاً عن صف وحدة الكلمة، لا جامعاً للقلوب ومؤسساً للإصلاح ووحدة الكلمة والأمة. لماذا؟ لأنه تنقصه الحكمة. الحكمة هي التي تجعل الإنسان يصل إلى هذه الأهداف العظيمة السابقة التي يعلمنا القرآن العظيم طرفاً منها في هذه السورة المباركة.


الترابط في سورة لقمان
وتدبروا معي في التناسب بين أول السورة: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". قال في آخر السورة: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". في ترابط: "وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا". يقينك بالآخرة جاء الأمر به في نهاية السورة: "واتقوا يوماً"، اليوم الذي توقنون به اتقوا هذا اليوم. ما هي؟ ما زال يخشى يوماً. "اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا". يقينك بالآخرة يزيد في تقواك، ويرفع مقامات التقوى. وذات الوقت يقينك بالله وبالآخرة يجعلك تخشى ذلك اليوم فتقدم بين يدي الله. "فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ". هذه من اليقين، "هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ"، ويحتاج معها أن الله أن توقن أن الله سبحانه عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت، مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. هذا جزء من يقينك، هذه تكملة وبناء لليقين الذي ينبغي أن توطد به إيمانك. ويقينك بالآخرة يقتضي كذلك أن توقن بها. تدبروا في هذا الترابط العجيب.


"تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ". واحدة من مواصفات هذا الكتاب وأوصافه أنه كما ذكرنا مشحون حكمة. ثم تلك الحكمة التي في كل آياته وحروفه ومفرداته. ثم ذاك الإحكام والتناسق والترابط والتناسب الواضح بين آياته وسوره وكلماته، حتى كأنك أمام كتاب يعلمك كيف تبني بناءً متكاملاً لحياة الإنسان الفرد، ولحياة المجتمع. هذه كلها من الحكمة التي جاءت بها هذه السورة العظيمة التي ما تجاوزت آياتها إلا الثلاثين بقليل، ولكنها حملت من الحكمة والحِكَم ما يجعل الإنسان يعيش حياته وهو مدرك أنه بالحكمة يصل إلى الفلاح وإلى الفوز.


وتدبروا معي في شكل آخر من أشكال الترابط. قال: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". وسنجد أن الإنسان الذي يكون كما وصفهم السورة العظيمة في بداياتها، يؤمن، يوقن بالآخرة، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، على نهج فيه هدى من ربه، هذا لا يمكن أن يصل إليه إلا وقد بلغ درجة من الحكمة. إن الحكمة في مفهومها العام الشامل أنك تتعلم كيف تتصرف ومتى وفي الوقت المناسب. المؤمن يعرف متى يؤمن في هذه المرحلة، مرحلة الحياة، الابتلاء. ويعرف كيف ينبغي أن يؤمن بالآخرة لأنه إن لم يؤمن بالآخرة سيكون من الخاسرين. وحكماً تعلمه من حِكَم من خلال تعلم آيات الكتاب الحكيم أوصلته إلى الفلاح والفوز في الدنيا وفي الآخرة.


تدبروا كذلك في شكل من أشكال التناسب بين نهاية سورة الروم العظيمة حيث قال فيها الله سبحانه: "فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يَسْتَعْتَبُونَ". لماذا؟ لأنهم يوم قامت الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة. هذه دليل على أي شيء؟ دليل على خلو قولهم من الحكمة. هم لو كانوا فيهم شيء من الحكمة لَا وصلت بهم تلك الحكمة إلى إدراك أن يوم القيامة ليس يوم معذرة ولا عتاب، لا تنفعهم. "وَلَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ". الحكمة تعلمك أن تعتذر إلى الله ثم إلى الناس اليوم وليس غداً. غداً دار الجزاء، ليست دار عمل. تريد أن تعتذر؟ اعتذر اليوم، لا تعتذر غداً. تعتذر بعد فوات الأوان. "لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ". إذاً واحدة من أكبر إشكاليات الظالمين والكفار خلو عقولهم وقلوبهم من الحكمة. الحكمة ركن أساسي في حياة الإنسان، مكون أساسي ينبغي أن يعتنى به، ويهتم فيه، ويتعلم كيف يدرسه ويمارسه في حياته. يتعلم كيف يمارسه لأنها هي ميران وتدريب صحيح. هي عطاء من الله سبحانه، "وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا". ولكن في ذات الوقت الإنسان مطلوب منه أن يتعرض لرحمة الله، وأن يسأله الحكمة، وأن يجتهد، وأن يحاول أن يكتسب ما يمكن أن يوصل به إلى الحكمة. وأعظم أسباب اكتساب الحكمة الصلة القوية بآيات الكتاب الحكيم. تدبروا معي في هذا التناسب العظيم.


إذن نهاية سورة الروم التي اختتمت ببيان مواصفات أولئك الذين خلت عقولهم من الحكمة تناسبت مع هذه السورة العظيمة التي جاءت تتكلم عن الحكمة، وماذا يمكن أن تصنع الحكمة في حياتك، وكيف يمكن أن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...