لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

ما أشبة المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي! يتصرف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافا قاصرين؛ كذلك ليس من غرض المستبد ان تتنوّر الرعية بالعلم. أن لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبد طيرا لكان خفاشا يصطاد هوام عوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشا لكان ابن آوى يتلقف دواجن الحواضر في غشاء الليل، لكنه هو الإنسان يصيد عالمه جاهله. في النفوس حرارة وفي العلم قيسة من نور الله، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النور تبديد الظلام، والمتأمل في حالة كل اللسان وأكثرها هزل وهنيان يضيع به الزمان، لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، تلك العلوم التي بعضها يقوم
يف
أو سحر بيان يحل عقد الجيوش؛ وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علما غير علمهم، فحينئذ يأمن المستبد منهم كما يؤمن شر السكران إذا خمر. لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس، يشتريها المستبد بقليل من المال والإعزاز، لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس، ودار الكتاب اللبناني، 2011 م، وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه العلوم، لمندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أو الكتابة وهم المعبر عنهم فـي القرآن بالصالحين
يفيترون ماذة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد كما حولوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين. والخلاصة: أن المستبد يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة. لأن للعلم سلطانا أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماء
ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب
والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق. المتملقون"، بل في غالب الناس، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها، ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا
العوام هم قوة المستبد وقوته. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريم؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فإذا تفع الجهل وتنور العقل زال الخوف، كما قيل: عاقل لا يخدم غير نفسه، ورئيس عادل يخشى الانتقام، وحينئذ تنال الأمة حياة سية هنية، لأنه على الدوام ملحوظا بالبغضاء، محاطاً خطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قط أمامه من شده فيما يجهل؛ لا بد أن يهابه، فيضطرب --
باله، فيتشوش فكره، ويختل رأيه، فلا يهتدي على الصواب، فإن رأه متصلبا فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشذا كان أو غبيا، وكل مستشار غيره يدعى أنه غير هياب فهو كذاب؛ والقول الحق: إن الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناء عليه؛ لا يستفيد المستبد قط من راي غيره، وكفى بذلك انتقاما منه على استعباده الناس وقد خلقهم رتهم أحرارا. إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من باسه؛ وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفهم عن توقم التخاذل فقط؛ وخوفه على كل شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياة تعيسة فقير
وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبد بالجنون التام. وقلت: إنه يخاف من حاشيته؛ لأن أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأن هؤلاء أشقى خلق الله حياة، يرتكبون كل جريمة وفظيعة لحساب المستبد الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرح. الأنبياء والأولياء؟ وما هؤلاء إلا أشقياء؛ ولا يدعي ذلك إلا دجال، ولا يظن صدقه إلا مغفل، لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، والشمس وزحل، حقل والشيطان، وأضر الجهل هو الخوف، والأقلام
الشكاكين، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، وهكذا إذا زاد علم أفراد الزعية بأن المستبد امرق عاجز مثلهم، ويقول أهل النظر: إن خير ما يستدل به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في شنان الملوك، وعظمة الحفلات، ومراسيم التشريفات، وعلائم الأبهة، ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضا عن العقل والمفاداة، وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبد كما يلجأ قليل العز للتكبر، وقليل العلم للتصوف، وقليل الصدق
وقليل المال لزينة اللباس. ويقولون: إنه كذلك يستدل على عراقة الأمة في الاستعباد أو الحرية باستنطاق لغتها؛ هل هي قليلة ألفاظ التعظيم كالعربية مثلاً؟ أم هي غنية في عبارات الخضوع كالفارسية، وكتلك اللغة التي ليس فيها بين المتخاطبين أنا وأنت، بل سيدي وعبدكم؟!
فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحيانا في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار الناس، والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم، وهذا سبب أن كل الأنبياء العظام – عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء والنبلاء تقلبوا في البلاد
وكفى شاهذا أن أول كلمة أنزلت من القرآن هي لأمر بالقراءة أمرا مكررا، علمه به ما لم يعلم. وبذلك انتشر العلم في سائر الأمم أخذا على المسلمين! ولكن قاتل الله الاستبداد الذي هان بالعلم حتى جعله كالسلعة يعطي ويمنح للأميين، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض، أجل، الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إلى الأمية، فالتقى آخرها بأولها، ولا حول ولا قوة إلا الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزها، والحقوق وكيف تحفظ قال المدققون: إن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن والظلم وكيف يرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرحمة وما لذاتها. كأن العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة "لا إله إلا الله"،


النص الأصلي

ما أشبة المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي! يتصرف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافا قاصرين؛ فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم ، كذلك ليس من غرض المستبد ان تتنوّر الرعية بالعلم.


لا يخفى على المستبد، مهما كان غبيا، أن لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبد طيرا لكان خفاشا يصطاد هوام عوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشا لكان ابن آوى يتلقف دواجن الحواضر في غشاء الليل، لكنه هو الإنسان يصيد عالمه جاهله.


في النفوس حرارة وفي العلم قيسة من نور الله، وقد خلق الله النور كشافا مبصرا، يولد رئيس ومرؤوس يرى كل سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته. الرؤوس شهامة، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النور تبديد الظلام، والمتأمل في حالة كل اللسان وأكثرها هزل وهنيان يضيع به الزمان، نعم، لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، المستبد لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوم


يف


أو سحر بيان يحل عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أن الزمان ضنين بأن تلد الأمهات كثيرا من أمثال: الكميت وحسان أو مونتيسكيو وشيللر.


وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهى بها المتهوسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلاتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علما غير علمهم، فحينئذ يأمن المستبد منهم كما يؤمن شر السكران إذا خمر. على أنه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامها في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسد أفواههم بلقيمات من مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضا؛ لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس، صغار الهمم، يشتريها المستبد بقليل من المال والإعزاز، ولا يخاف من الماديين؛ لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس، ولا من الرياضيين؛ لأن غالبهم قصار النظر


• عبدالرحمن الكواكبي( 1854 - 1902 م)، "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، تقديم مجدي سعيد، دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتاب اللبناني، بيروت، 2011 م، ص 43


ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس، وتوسع العقول، وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه العلوم، لمندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أو الكتابة وهم المعبر عنهم فـي القرآن بالصالحين


المصلحين في نحو قوله تعالى: "أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" (الأنبياء 105 ) وفي له: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"(هود 117 )، وإن كان علماء الاستبداد


يفيترون ماذة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد كما حولوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين. والخلاصة: أن المستبد يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة. كما يبغض المستبد العلم لنتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته؛ لأن للعلم سلطانا أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماء


ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب


والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق. وعلى هذه القاعدة بني ابن خلدون قوله: "فاز


المتملقون"، وهذه طبيعة كل المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كل من يكون مسكينا خاملاً لا يرجي لخير ولا لشر.


وينتج مما تقدم أن بين الاستبداد والعلم حرنا دائمة وطرادا مستمرا: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا


فعلوا.


العوام هم قوة المستبد وقوته. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريم؛ وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيما؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة.


والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا تفع الجهل وتنور العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعا لغير منافعهم، كما قيل: عاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت أمم بترقيها المستبد اللئيم على الترقي معها والانقلاب – رغم طبعه – إلى وكيل أمين يهاب حساب، ورئيس عادل يخشى الانتقام، وأب حليم يتلذذ بالتحابب. وحينئذ تنال الأمة حياة سية هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عز وسعادة، ويكون حظ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظا بالبغضاء، محاطاً خطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قط أمامه من شده فيما يجهل؛ لأن الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متينا، لا بد أن يهابه، فيضطرب --


باله، فيتشوش فكره، ويختل رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبد، فإن رأه متصلبا فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشذا كان أو غبيا، وكل مستشار غيره يدعى أنه غير هياب فهو كذاب؛ والقول الحق: إن الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناء عليه؛ لا يستفيد المستبد قط من راي غيره، بل يعيش في ضلال وتردد وعذاب وخوف، وكفى بذلك انتقاما منه على استعباده الناس وقد خلقهم رتهم أحرارا.


إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من باسه؛ لان خوفه ينشا عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توقم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النبات وعلى وطن يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كل شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياة تعيسة فقير


كلما زاد المستبد ظلما واعتسافا زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبد بالجنون التام. قلت: (التام) لأن المستبد لا يخلو من الحمق قط، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبد غير احمق فيسارعه الموت قهرا إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلت: إنه يخاف من حاشيته؛ لأن أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأن هؤلاء أشقى خلق الله حياة، يرتكبون كل جريمة وفظيعة لحساب المستبد الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرد أنهم لا يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبك نبي ولا ولي، ولا يدعي ذلك إلا دجال، ولا يظن صدقه إلا مغفل، فإنك اللهم قلت وقولك الحق: "فلا غيبه أحدا" وأفضل أنبيائك يقول: "لو علمت الخير لاستكثرت منه".


من قواعد المؤرخين المدققين: إن أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدين كنيرون وتيمور


مثلاً، يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذر والتحفظ. وإذا أراد المفاضلة بين عادلين أنو شروان وعمر الفاروق، يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما. لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، والشمس وزحل، حقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أن أضر شيء على الإنسان هو الجهل، وأضر الجهل هو الخوف، فعملت هيكلاً مخصصا للخوف يعبد اتقاء لشره.


ل أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف - فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدس، والأقلام


الشكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يقدمون قرابين الخوف، وهو أهم التواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الزعية بأن المستبد امرق عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم.


ويقول أهل النظر: إن خير ما يستدل به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في شنان الملوك، وفخامة القصور، وعظمة الحفلات، ومراسيم التشريفات، وعلائم الأبهة، ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضا عن العقل والمفاداة، وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبد كما يلجأ قليل العز للتكبر، وقليل العلم للتصوف، وقليل الصدق


لليمين، وقليل المال لزينة اللباس.


ويقولون: إنه كذلك يستدل على عراقة الأمة في الاستعباد أو الحرية باستنطاق لغتها؛ هل هي قليلة ألفاظ التعظيم كالعربية مثلاً؟ أم هي غنية في عبارات الخضوع كالفارسية، وكتلك اللغة التي ليس فيها بين المتخاطبين أنا وأنت، بل سيدي وعبدكم؟!


والخلاصة أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحيانا في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار الناس، والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالشعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره، وهذا سبب أن كل الأنبياء العظام – عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء والنبلاء تقلبوا في البلاد


وماتوا غرباء.


إن الإسلامية أول دين حض على العلم، وكفى شاهذا أن أول كلمة أنزلت من القرآن هي لأمر بالقراءة أمرا مكررا، وأول منة أجلها الله وامتن بها على الإنسان هي أ أنه علمه بالقلم. علمه به ما لم يعلم. وقد فهم الشلف الأول من مغزى هذا الأمر وهذا الامتنان وجوب تعلم قراءة والكتابة على كل مسلم، وبذلك عمت القراءة والكتابة في المسلمين أو كادت تعم، وبذلك ـار العلم في الأمة حرا مباحا للكل لا يختص به رجال الدين أو الأشراف كما كان في الأمم ابقة، وبذلك انتشر العلم في سائر الأمم أخذا على المسلمين! ولكن قاتل الله الاستبداد الذي هان بالعلم حتى جعله كالسلعة يعطي ويمنح للأميين، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض، أجل، الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إلى الأمية، فالتقى آخرها بأولها، ولا حول ولا قوة إلا الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزها، والشرف وعظمته، والحقوق وكيف تحفظ قال المدققون: إن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن والظلم وكيف يرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرحمة وما لذاتها. هي


أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم، كأن العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة "لا إله إلا الله"، ولماذا كانت أفضل الذكر، ولماذا بني عليها الإسلام. بني الإسلام، بل وكافة الأديان على "لا إله إلا الله"، ومعنى ذلك أنه لا يعبد حقا سوى الصانع الاعظم، ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة العبد، فيكون معنى لا إله إلا الله: (لا يستحق الخضوع شيء غير الله). وما أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذرا من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. فهل – والحالة هذه – يناسب غرض المستبدين أن يعلم عبيدهم أن لا سيادة ولا عبودية في الإسلام ولا ولاية فيه ولا خضوع، إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض؟ كلا؛ لا يلائم ذلك غرضهم، وريما عدوا كلمة "لا إله إلا الله" شتما لهم! ولهذا؛ كان المستبدون – ولا زالوا – من أنصار الشرك وأعداء العلم.


إن العلم لا يناسب صغار المستبدين أيضا كخدمة الأديان المتكبرين وكالآباء الجهلاء، والأزواج الحمقى، وكرؤساء كل الجمعيات الضعيفة. والحاصل: أنه ما انتشر نور العلم في أمة قط إلا وتكشرت فيها قيود الأسر، وساء مصير المستبدين من رؤساء سياسة أو رؤساء دین.

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

وأخيرًا ، الجزء...

وأخيرًا ، الجزء الأكثر أهمية: للحفاظ على الثروة الحيوانية المستدامة ، يجب عليك استخدام مجموعة متنوعة...

يعتبر القرا ر ا...

يعتبر القرا ر الإداري إحدى وسائل الإدارة في تسيير المرافق العامة وهو تصرف قانوني صادر بالإرادة المن...

العلم بحرعظيم ي...

العلم بحرعظيم يحتوي على ما لا يُعدّ ولا يحصى من اللآلئ والدّرر، ولم يخطئ من شبهه بذلك فهو مجال واسع ...

The use of rada...

The use of radar has become increasingly popular in various fields of study. From self-driving cars ...

The separated m...

The separated mobile phone market with at any rate five huge adaptable stages makes neighborhood imp...

اضطرابات النوم ...

اضطرابات النوم هي أمراض ينتج عنها تغيرات في طريقة نومك. اضطراب النوم يمكنه التأثير على صحتك العامة ...

حاول قدر الإمكا...

حاول قدر الإمكان عدم الدخول والتطفل على الحوارات الخاصة القائمة بين الأشخاص ، إن كان لا بد من المشار...

Legal, social a...

Legal, social and ethical The ethical, legal and social aspects related to this project are varied, ...

مقدمة : شهد الع...

مقدمة : شهد العالم في نهاية القرن العشرين انبلاج عصر جديد اصطلح على تسميته بالعصر الرقمي ويرجع الفضل...

لقد عرف العالم ...

لقد عرف العالم في العقود الأخيرة خاصة في الألفية الثالثة ثورة هائلة في جل المجالات العلمية والتكنولو...

إن إدارة املورا...

إن إدارة املورارد اشريومن حوا داوت اإلداراي اإل ووملاسساس حل املة سوءي اهتناو ورا ح وء املة سوو اشعء...

وقد ذُكر أن الأ...

وقد ذُكر أن الأمير عبد القادر قال لتلميذه العايش: «أنا عبد القادر بن محي الدين بن مصطفى بن محمد بن ا...