لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (التلخيص باستخدام خوارزمية التجزئة)
الكلام في هذا الفصل في موضعين في الأصل. أحدهما - في تفسير الحكم. والثاني - في بيان أنواعه. وكل قسم من هذين القسمين ينقسم إلى البيان: * ومن حيث عرف الشرع. * ومن حيث الحد والحقيقة: عند الفقهاء، والمتكلمين. أما الأول وهو تفسير الحكم
- يذكر ويراد به المنع والصرف - يقال: حكمت الرجل عن رأيه، وأحكمته، وحكمته- أي منعته وصرفته عن رأيه. ومنه يقال: حكمت الفرس وأحكمته إذا جعلـ[ـت] له حكمة تمنعه عن الجموح والعدو وتصرفه عن المشي طبعاً. ومنه سمي الرجل حكيماً لأنه يمنع نفسه ويردها ويصرفها عن هواها.
- ويذكر ويراد به الإحكام والإتقان. ومنه قوله تعالى: "ألر كتاب أحكمت آياته". ومنه "الحكيم" من أسماء الله تعالى - فعيل بمعنى مفعل أي محكم للعالم الدال على قدرته وعلمه؛ لكونه محكماً متقناً.
- ويذكر ويراد به الحكمة، وهو وضع الشيء في موضعه. وفي الحديث: "وإن من الشعر لحكماً" أي من أنواع الشعر ما هو حكمة. [فـ] يستعمل على وضع اللغة في الوجوه الثلاثة:
- فإن الله تعالى شرع الأحكام داعية إلى مصالح العباد، ومانعة عن أنواع العبث والفساد. - وكذا شرعت مبنية على الحكمة البالغة والمعاني المستحسنة.
- وكذا هي محكمة متقنة، بحيث لو تأملها العاقل حق التأمل لعرف أنها مما ينبغي أن يكون كذلك. وأما بيان حده وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين: فقال أصحابنا رحمهم الله بأن حكم الله تعالى صفة أزلية له: هو فعله، وكون الفعل الحادث واجباً وحسناً وحراماً وقبيحاً محكوم الله تعالى يثبت بحكمه، وهو إيجاده الفعل الحادث على هذا الوصف، وهو بناء على مسألة التكوين والمكون، فإن التكوين والإيجاد والإحداث والتخليق عبارات عن صفة أزلية لله تعالى وهو فعله حقيقة، والمكون مفعوله وحادث بإحداثه الأزلي لوقت وجوده- ولهذا قلنا: إن الله تعالى خالق لم يزل، ولله تعالى فعل واحد لكن تختلف تسمياته باعتبار الإضافة إلى وصف المفعول، فإن كان وصف المفعول كونه حادثاً يسمى فعله "إحداثاً" وإن كان أثره الوجوب يسمى "إيجاباً"، وإن كان أثره الحرمة يسمى "تحريماً"- وهذا لأن خالق الحوادث كلها هو الله تعالى لا خالق سواه ولا صانع غيره، سواء كان الحادث جسماً أو جوهراً أو عرضاً حقيقياً أو حكمياً من الحسن والقبح والحرمة وغيرها. لكن في عرف الفقهاء وأهل الكلام يسمى كون الفعل واجبًا أو مندوباً أو حسناً أو قبيحاً أو محرماً، حكم الله تعالى، لكن المراد به محكومه عندنا بطريق المجاز، إطلاقاً لاسم الفعل على المفعول. ثم المحكوم: كونه حسناً وواجباً، أو الوجوب والحسن ونحو ذلك، لا نفس الفعل الذي اتصف بها، لأن نفس الفعل حصل باختيار العبد وقدرته الحادثة، وإن كان الخالق له هو الله تعالى. ومحكوم الشرع ما يثبت بإثبات الشرع، جبراً، شاء العبد أو أبي. فأمَّا على أصل المعتزلة والأشعرية وأكثر المتكلمين: [فـ] التكوين عين المكون، فيكون الإيجاب عين الواجب، والحكم عين المحكوم، والتحسين عين الحسن، والتحريم عين الحرمة - فيكون إطلاق اسم الحكم على المحكوم عندهم بطريق الحقيقة. إن الحكم هو كون الفعل على وصف حكمي، بأن كان موصوفاً بكونه واجبًا ومندوباً وحسناً ومحرماً، لا نفس الفعل، فإن كون الصَّلاة فرضاً، وكون التصدق بالمال حسنًا، وكون الزنا حراماً - حكم شرعي، لا نفس هذه الأفعال، لما ذكرنا أن حكم الله تعالى ما يثبت جبراً، شئنا أو أبينا، والعبد مختار في أفعاله. وهذا الحد صحيح إن أراد بالحكم المحكوم مجازاً. وإن أراد به، نفس الحكم حقيقة فيكون الحد على رأي من قال إن التكوين عين المكون. إن حكم الله تعالى هو إعلامه إيانا بكون الفعل واجبًا ومندوباً ومباحاً وحراماً ونحوها؛ وهو إيجابه وتحريمه وإباحته. وإنما قالوا إن الحكم هو إعلام الله تعالى إيانا بذلك، لا إحداثه وإيجاده وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة في الفعل، وإن كان عندهم الإحداث والحادث واحداً، [لأنهم] يقولون إن حدوث الحوادث بإرادة الله تعالى الحادثة، وكونه قادراً - لكن الداخل تحت الإرادة وكونه قادراً، هو نفس المحدث من الأجسام والجواهر والأعراض، فأمَّا الأوصاف التابعة للحدوث من كونه جسماً وجوهراً وسواداً وحموضة وحلاوة، وكون الفعل قبيحاً وحسناً لم يدخل تحت الإرادة وكونه قادرًا، ولم يتعلق وجوده بالفاعل، فلا يمكنهم إضافة ذلك إلى الإرادة الحادثة وكونه قادراً. وقال بعض أصحاب الحديث من الأشعرية: الحكم هو الخبر عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته إذا كان صدقاً، أي الحكم الحق الصواب. فأمَّا الحكم الباطل فهو الخبر عن المحكوم على خلاف ما هو عليه في ذاته، لأنه كذب. وقالوا : حكم الله تعالى هو خبره عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته، لأن خبره صدق لا محالة. إن حكم الله تعالى ما استحقه المحكوم مما عليه من الوصف الذي أخبر الله تعالى عنه بذلك. وهذا حد صحيح عندهم، لأن الأوصاف التابعة للحدوث، عندهم، حادثة بإحداث الله تعالى في الجواهر والأجسام والأعراض والأفعال الاختيارية من العباد بمنزلة أعيان الحوادث، لأن كل ذلك بتكوين الله تعالى وإحداثه، وإن كان التكوين عين المكون، ولكن حدوث الحوادث كلها تعلق بقدرة الله تعالى أو بخطاب "كن"، فيكون الحكم والمحكوم هو كون الفعل على ما هو عليه من الوصف حقيقة. لكن إنما تعلقوا بالأخبار، لأن الأحكام الشرعية التي ذكرنا لا تعرف عندهم إلا بخبر الله تعالى، لا بالعقل، فحسن الأشياء عندهم يعرف بالشرع لا بالعقل، وإنما ذكر المعتزلة لفظ الإعلام دون الخبر حتى يدخل تحته العقل، لأن به عندهم يعرف كثير من المحاسن والمقابح من الأحكام الشرعيّة على ما يعرف في أصول الكلام، ونذكر شيئاً من ذلك ههنا في موضع آخر إن شاء الله تعالى. إن حكم الله تعالى هو خطابه الذي تعلق بأفعال المكلفين، وهو أمره ونهية، إيجاباً وندباً وتحريماً وكراهة، وخبره أيضاً بالحل والحرمة، وسائر الأحكام الشرعية. فالواجب ما هو مأمور به حتماً، والمندوب ما هو مأمور به ندباً، والمباح ما يقال فيه للمكلف "إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل"، والحرام ما يجب الامتناع عنه. والمكروه ما يندب إلى الامتناع عنه. وهذا الحد ليس بصحيح عندهم على ما نذكر. ولكن الحد الصحيح عندهم ما ذكرنا من القولين عنهم، فإن الفعل موصوف بكونه حسنًا حقيقة عندهم، فإن صفات الأفعال الراجعة إليها حادثة بإحداث الله تعالى، فيكون خالق الفعل بوصف الحسن هو الله تعالى، لكن الأمر دليل الحسن، والنهي دليل القبح. وكذا الخبر عنهما دليل عليهما - لا أنه يثبت الحسن والقبح بالأمر والنهي والخبر. فإن قيل: فيما ذكرتم إشكالان: أحدهما - أن الفعل عرض، وأنه صفة، والصفة لا تقوم بالصفة، والثاني -أن الفعل قبل الوجود يوصف بكونه واجبًا وحسناً وحراماً- والمعدوم كيف يقبل الصفة حقيقة؟ عن [الإشكال] الأول- إن هذا إشكال على الكل، فإنه لا شك في كون الإيمان حسنًا، وكون الكفر قبيحاً، وكون الزنا حراماً، وكون صلاة الظهر فرضاً. فإما أن يوصف بذلك مجازاً أو حقيقة. والقول يكون الإيمان حسنًا والكفر قبيحاً بطريق المجاز، وحش من القول يرده العقل والشرع. ولأن علامة الحقيقة ما لا يجوز نفيها عن الموصوف بحال، والمجاز ما يجوز نفيه، ونفي الحسن عن الإيمان ونفي القبح عن الكفر، لا يجوز بحال. وإذا بطل الوصف بالمجاز ثبت أنه بطريق الحقيقة. أحدها - أن تكون صفات الفعل راجعة إلى الذات، كالوجود مع الموجود، والحدوث مع الحادث، وكالعرض الواحد الذي يوصف بأنه موجود ومحدث ومصنوع وعرض وصفة ولون وسواد ودليل على ثبوت الصانع - فيكون هذه الصفات راجعة إلى الذات لا معاني زائدة عليها. والثاني - يوصف الفعل بأنه واجب، لدخوله تحت إيجاب الله تعالى. ويوصف بأنه مندوب لدخوله تحت ندبه. ويوصف بأنه حسن لدخوله تحت تحسين الله تعالى. ويوصف بكونه محرماً لدخوله تحت تحريم الله تعالى، كما يوصف الفعل بأنه محدث وحادث لدخوله تحت إحداث الله تعالى، لا أنه محدث لحدوث قام به، لأن ذلك الحدوث محدث، فيحتاج إلى حدوث آخر فيؤدي إلى القول بمعان لا نهاية لها، وإنه باطل. والثالث - أن هذه صفات إضافية، وأسماء نسبية، والصفات الإضافية ليست بمعان قائمة بالذات، فيكون الذات موصوفاً بها على الحقيقة. وإنما يقتضي وجود غير يكون علقة بين الصفة والموصوف، والاسم والمسمى- كما في لفظ الأب والابن والأخ، فالذات موصوف بهذه الصفات، حقيقة لا مجازاً، وإن لم يكن الأبوة والبنوة والأخوة معاني قائمة بالذات زائدة عليها. وقد ذكرنا على الاستقصاء في أصل هذا المختصر وفي كتب الكلام - وفي هذا القدر كفاية. وأما الإشكال الثاني- فسهل، لأنا نصف المعدوم بهذه الصفات على طريق المجاز، على الطريق الأول والثاني، لأن صفات الذات لا يتصور وجودها قبل وجود الذات، وكذا الإحداث لا يتعلق بالمعدوم إلا حالة الحدوث. وأمَّا على الطريق الثالث، وهو الإضافة، [فـ] يكون الوصف له بطريق الحقيقة، كوصف المعدوم بأنه معلوم ومذكور ومخبر عنه. وأما الفصل الثاني في بيان أنواع الأحكام أنواع الأحكام كثيرة، لكنا نذكر المشهور منها، * وحدودها عند الفقهاء والمتكلمين. فمن جملتها كون الفعل: فرضاً، وواجباً، ومندوباً وسنة، ونفلاً، في اللغة-[فـ] يستعمل لمعنيين : أحدهما - التقدير، قال الله تعالى: "فنصف ما فرضتم" أي قدرتم. ويقال: فرض القاضي النفقة أي قدرها . والثاني - القطع، يقال: فرضت الفأرة الثوب أي قطعته. وأما في عرف الشرع - فمستعمل على مقتضى اللغة: سميت الصَّلاة فرضاً وفريضة بمعنى مفروضة أي مقدرة من حيث الذات والزمان الخاص الذي تفعل فيه. وكذا كل فرض مقطوع عما يغايره من جنسه المشروع في عامة الأحكام.
- في الساقط، يقال: وجب الميت أي سقط. ومنه سمي القتيل واجبًا - قال الله تعالى: "فإذا وجبت جنوبها" أي سقطت.
- ويستعمل في اللازم، يقال: وجب عليه الدين ووجب عليه الصوم والصلاة أي لزم المكلف أداؤه بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بأدائه، كأنه لازمه وجاوره. وقيل: مأخوذ من الوجبة، وهي الاضطراب، سمي به لاضطراب في دليل ثبوته. وأما في عرف الشرع - فمقرر على وضع اللغة، فإن الواجب يلازم الذي عليه بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بإسقاطه عن نفسه، ويكون كالساقط عليه، فيحتاج إلى تفريغ نفسه عنه. في اللغة-[فـ] هو المدعو إليه. فإن الندب فب اللغة هو الدعاء- يقال: ندبته إلى كذا فانتدب؛ أي دعوته فأجاب. ولهذا يسمى هذا النوع من الأمر أمراً طريق الأدب، لأن الأدب في اللغة هو الدعاء أيضاً، ومنه سميت المائدة الموضوعة للدعوة مأدبة. وأما في عرف الشرع -[فـ] اسم لفعل مدعو إليه على طريق الاستحباب والترغيب، دون الحتم والإيجاب. فأما المدعو إليه على طريق الحتم والإيجاب [فـ] يسمى فرضاً وواجباً. في اللغة -[فـ] عبارة عن مطلق الطريق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" أي من وضع طريقة حسنة أو سيئة. وقد يذكر في اللغة ويراد بها السيرة المطلقة، حسنة كانت أو سيئة - يقال: لفلان سنة حسنة مرضية. ولفلان سنة سيئة مذمومة - أي سيرة حسنة وسيرة سيئة. فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها . فأول راض سنة من يسيرها. وأما في عرف الشرع -[فـ] مستعملة في هذين المعنيين، تقريراً للوضع اللغوي، لكن في الخير لا في الشر. فالسنة، في عرف الشرع، هي الطريقة المسلوكة في الدين. يقال: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وسنة الصالحين - أي طريقتهم المرضية وسيرتهم المحمودة. في اللغة -[فـ] عبارة عن الزيادة. ولهذا سمي ولد الولد "نافلة"، لكونه زيادة على الولد الصلبي. وسميت الغنيمة "نفلا" لأنها زيادة على ما وضع له الجهاد من الثواب في الدار الآخرة. وأما في عرف الشرع-[فـ] اسم لما هو زيادة على الفرائض والواجبات على تقرير الوضع اللغوي. في اللغة -[فـ] اسم لكل خير يباشره المرء عن طوع واختيار من غير إيجاب موجب. تفعل من الطوع والطواعية والطاعة. وأما في عرف الشرع - فمستعمل على مقتضى اللغة، قال الله تعالى: "ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم". وأما حدود هذه الألفاظ عند الفقهاء والمتكلمين: أما حد الفرض في عرف الفقهاء: [فـ] ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به. وحد الواجب: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة العلم. نظير الأول - الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وصوم رمضان، والحج، ونحوها. ونظير الثاني - ما ثبت وجوبه بالقياس وخبر الواحد، نحو الوتر وصدقة الفطر والأضحية ونحوها. وأنكر أصحاب الحديث ما ذكرنا، وقالوا: لا نعرف إلا الواجب والسنة، فالفرض والواجب سواء. وقلنا نحن: هما قسمان حقيقة، لأن الفعل الذي يجب تحصيله على وجه لا شبهة في وجوبه و لزومه ويجب أن يعتقد كونه فرضاً عليه، يخالف الفعل الذي يجب العمل به مع الاحتمال والشبهة دون الاعتقاد بكونه واجباً قطعًا إلا ظاهراً. ولهذا يكفر جاحد القسم الأول دون الثاني. وإذا كانا مختلفين في الأحكام فلابد من الاختلاف في الاسم للتمييز بينهما، فسمينا القسم الأول فرضاً وبقينا اسم الجنس على الثاني، والخلاف وين الفقهاء لايجري في الأسماء وإنما يجري في الأحكام على مراتب الحقائق. ثم تكلم الفقهاء والمتكلمون في حد الفرض حقيقة وحد الواجب القطعي: قال بعضهم: ما يعاقب المكلف على تركه ويثاب على تحصيله. - فإن الصلاة في أول الوقت فرض: حتى لو أداها في الأول يقع فرضاً ولا يأثم بتركه، حتى لو مات قبل آخر الوقت لقي الله تعالى ولا شيء عليه. وكذا صوم رمضان: عزيمة في حق المسافر، حتى يكون الأداء أفضل، ولو أدى يقع فرضاً، ولا يعاقب على تركه، حتى لو مات قبل رمضان آخر لا يؤاخذ به. - وكذا باطل بمن ترك الفرض ثم عفا الله تعالى عنه: فإن هذا فرض، ولا يعاقب على تركه. وقال بعضهم: ما لا يؤمن العذاب على تركه، أو ما يخاف العقوبة على تركه. وهذا ليس بصحيح: فإن الصلاة في أول الوقت وصوم رمضان في حق المسافر، مما يؤمن العذاب على تركه - وهو فرض. وقال بعضهم: ما فيه وعيد لتاركه. وهذا لا يصح: فإن الصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر، فرض، وليس فيه وعيد لتاركه. وقال بعضهم: الفرض ما يستحق العذاب على تركه. - إن عنى بالاستحقاق أن الله تعالى حكم عليه بالعذاب جزاء على قدر ذنبه بحيث لا يجوز تركه، فباطل، لأن عفو الله تعالى عما سوى الكفر في مشيئته ، وإذا عفا الله تعالى عنه لا يعاقبه بعد العفو، وحكم الله تعالى نافذ لا محالة، و لا يجوز غيره، ولا يجوز الخلف في خبره، فلا يكون هذا تفسيراً للاستحقاق. - وإن عني به أنه لم يحكم عليه بالعذاب، ولكن جائز أن يعذبه وجائز أن لا يعذبه، فلا يكون هذا مستحقاً. وقال بعض المعتزلة: الواجب القطعي فعل للإخلال به مدخل في استحقاق الدّم أو فعل للإخلال به تأثير في استحقاق الذم. وفيه نظر - فإنه يقال له: - إن عنيتت بالإخلال: هو ترك الفعل أو الامتناع عنه بالاشتغال بضده، فهو باطل بالصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر: فإنه فرض، وليس لتركه أثر في استحقاق الذم. - وإن عنيت بالإخلال عدم الفعل الواجب منه، وأن لا يفعل ذلك الفعل الواجب، فهو فاسد، لأن الذم إنما يحسن على الفعل، لا على عدم الفعل، فإن العلم ليس بشيء، فكيف يستحق الذم بتركه عليه.
- ثم هو باطل بما ذكرنا من الصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر: فإنه فرض وواجب قطعًا، وليس للإخلال به تأثير في استحقاق الذم، على التفسير الذي ذكرت. ومنهم من زاد على هذا الحد، احترازاً عما ذكرنا، فقال: الواجب فعل للإخلال به أو للإخلال ببدله تأثير في استحقاق الذم. وهو فاسد؛ لأنه حد مقسم، والحد المقسم فاسد، على ما يعرف فساده بعد إن شاء الله تعالى. ثم هو باطل بمن ترك صوم رمضان من غير عذر، ومات من غير قضاء بعد إدراك وقت القضاء، فهو يستحق الدم بالإخلال بالأصل والبدل جميعاً. وقد ذكرت الحد في أحدهما لأن حرف "أو" يتناول أحد المذكورين، أي يستحق الذم، إما بالإخلال بالأصل أو بالإخلال بالبدل، وهو فرض. فهذا يبطل الحد الذي ذكرت. فإن ذكرت بحرف الواو فيبطل بالمسافر إذا مات بعد ما أدرك وقت القضاء، فإنه يستحق اللذم بأحدهما، وهو البدلت، دون الأصل وهو فرض. [فـ] منها قولهم: الفرض ى فعل يستحق الذم على تركه من غير عذر. واستحقاق الذم حكم من الله تعالى، حال وجود الفعل منه: بكونه فاسقًا وعاصياً، والتسمية له بذلك، وهو حكم معلوم منجز للحال. فأما القول باستحقاق العذاب فمتردد، وهو في مشيئة الله تعالى على ما ذكرنا. والأصح أن يقال: ما يحسن الذم على تركه من غير عذر. وإن شئت قلت: ما أمر الله تعالى بذم تاركه من غير عذر. [و] لا يلزم على هذه الحدود: المسافر إذا مات قبل إدراك وقت القضاء: فإنه فاته الأصل والبدل، ولا يستحق الذم على ذلك، وهو فرض في حقه؛ لأنه ترك بعذر السَّفر. ولا يلزم الصلاة في أول الوقت لأنها غير واجبة، وإنما وتعين الوجوب بالشروع فيها أو في آخر الوقت. ولا يلزم إسلام الصبي، لأنه ترك بعذر الصبا. وإن شئت قلت: الواجب فعل لو أتى به يقع مستحقاً؛ أي لم يقع تبرعاً. وإن شئت قلت: الواجب ما أوجبه الله تعالى. ثم إيجاب الله تعالى يعرف بدليله. وليس من شرط كونه واجبًا أن يتعلق العقاب بتركه، وليس هو من لوازمه. ويدخل تحت هذا الحد: الواجب القطعي، والواجب مع الاحتمال، والواجب الموسع، والمضيق، والمخير، والمرخص. والله أعلم. وأما حد المندوب: فما رغب في تحصيله من غير إيجاب. وقيل: ما يكون تحصيله أولى من تركه. وقيل: ما يكون في مباشرته ثواب، وليس في تركه عقاب. وقيل: ما [يحث] المكلف على تحصيله من غير إيجاب. وهذا لا يصح: فإن فعل الصبي العاقل في الصوم والصلاة والحج مندوب إليه، وهو ليس بمكلف. وكذا إسلام الصبي العاقل صحيح من غير تكليف، ولا شك أن الإسلام لا يوصف بالإباحة - كيف وقد ورد الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً". وأما حد السنة: [فـ] قيل: ما واظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتركه إلا لعذر. وهذا الحد موافق للغة - يقال: سننت الماء، إذا والى في الصب. وأما حد التطوع: [فـ] قيل: هو اكتساب الخير طوعاً. وأما حد النفل: [فـ] قيل هو قربة زائدة على القرب الواجبة. ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل: عبادة، وقربة، فهي في اللغة: عبارة عن الخضوع والتذلل. يقال: طريق معبد أي مذلل.
- فقد قيل: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، للمعبود، بأمره. [فـ] لا يلزم الصلاة بغير طهارة، وصلاة أهل الذمة، وعبادة الأصنام- حيث؛ لا تكون عبادة، مع وجود نهاية الخضوع للمعبود، لأنه لم يوجد الأمر من المعبود بذلك. لكن هذا يبطل بعبادة فرعون بأمره: فإنه نهاية الخضوع والتذلل للمعبود بأمره، إلا يكون عبادة، فينبغي أن يغير هذه العبارة فيقال: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، لمن يستحق، بأمره.
- وقيل: فعل لا يراد به إلا تعظيم الله تعالى، بأمره- بخلاف القربة: فإنه يراد بها تعظيم الله تعالى مع إرادة ما وضع له الفعل من الغرض، نحو الوطء الحلال الذي أريد به حصول الولد ليوحد الله تعالى ويعبده مع إرادة اقتضاء الشهوة. وكذا بناء المساجد والرباطات: قربة، لأنه يراد به وجه الله تعالى مع إرادة حصول المنفعة للناس. - وقيل: العبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى وتوجيهه إليه - قال الله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين". فما فيها وجه التقريب إلى الله تعالى بما فيه من الإحسان، بعبادته، وتعظيم أمره، وإن كان نفس العمل لنفسه أو لغيره. - فهو موافقة الأمر.
- وقيل: هو العمل، لغيره، بأمره، طوعاً. ولهذا لا تجوز العبادة لغير الله تعالى، وتجوز الطاعة لغيره - قال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". وكذا التقريب إلى غير الله تعالى، لاختصاصه بالعلم والزهد، جائز، ويكون سبب الثواب إذا كان قصده تعظيم الله تعالى وتعظيم العلم والزهد. ومن أنواع الأحكام، مما يدخل في العبادات والمعاملات، كون الفعل: صحيحاً، وجائزاً، ونافذاً، وموقوفاً. وكونه فاسداً، في اللغة: فيستعمل في الجمادات فيما استوى تركيبه الخاص، وفيه صلابة وشدة - يقال: هذه اسطوانة صحيحة وخشبة منكسرة، وكوز صحيح وكوز منكسر إذا كان فيه نوع نقصان. ويستعمل في الحيوانات فيما اعتدلت طبيعته واستكمل قوته مع انتفاء أسباب الهلاك والنقصان عن المعاني الباطنة - يقال: "رجل صحيح" و "رجل سقيم" و "فلان مصحاح" و "فلان مسقام". وأما في عرف الشرع: فيستعمل فيما استجمع أركانه وشرائطه، بحيث يكون معتبرًا شرعًا في حق الحكم، نقلاً للاسم من المحسوس إلى المشروع، لمشابهة بينهما في اعتدال الأجزاء والأركان، واعتبار ذلك فيما وضع له وأريد به - في قال: صلاة صحيحة وصوم صحيح وبيع صحيح - إذا وجد أركانه وشروطه. وتبين بهذا أن الصحة ليست بمعنى زائد على نفس التصرف وإنما يرجع إلى ذاته من وجود أركانه وشرائطه الموضوعة له شرعاً. فهما في اللغة: مأخوذان من المجاوزة عن الشيء. يقال: جاز السهم ونفذ إذا جاوز عن الشيء الذي أصابه وتعدى عنه. ولهذا يقال في الدعاء: "وجوازاً على الصراط". وأما في عرف الشرع: فيستعمل بمعنى الاحتساب والاعتبار في حق الحكم- يقال: صلاة جائزة وصوم جائز وبيع جائز ونافذ، أي محسوب معتبر في الشرع، يظهر نفاذه إلى حصول ما وضع له في الشرع من الثواب في العبادات، والحكم المقصود الذي شرع له في المعاملات مع الأمن عن الذم والإثم شرعًا. وأما البيع الموقوف والتصرف الموقوف: فهو الذي لا يعرف حكمه للحال، مع وجود ركن التصرف، لعارض اعترض عليه. ومتى زال العارض ثبت الحكم من وقت وجود العقد، إما من كل وجه، أو من وجه، فيجب التوقف في الجواب: أنه هل له حكم في الحال أم لا؟ فإنه لا يدرى أنه هل يزول المانع أم لا؟ وهل يجاز العقد أو يفسخ؟ والتوقف في الجواب في موضع الجهل واجب، ويعرف حقيقته في باب القياس في فصل بيان الأسباب إن شاء الله تعالى. وأما بيان الفاسد والباطل: في اللغة: فالفاسد من الأعيان ما تغير عن حاله واختل ما هو المقصود منه - يقال: طعام فاسد إذا تغير ولحم فاسد إذا أنتن. والباطل من الأعيان هو الذي انعدم معناه المخلوق له، وفات، بحيث لم يبق إلا صورته. ولهذا مقابل الباطل الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت. وأما في عرف الشرع: [فـ] يراد بهما ما هو المفهوم مهما في وضع اللغة. فالفاسد هو ما كان مشروعاً في نفسه، فائت المعنى من وجه، لملازمة ما ليس بمشروع إياه، بحكم الحال، مع تصور الانفصال في الجملة. والباطل ما كان فائت المعنى من كل وجه، مع وجود الصورة: إما لانعدام محل التصرف كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل، على ما يعرف في باب النهي إن شاء الله تعالى. ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل: حراماً، ومحرماً، ومحظوراً، ومنهياً، ومكروهاً وعلى مقابلتها كونه: حلالًا، ومحللاً، ومباحاً، ومأذوناً، ومطلقاً، أما الحرام والمحرم: في اللغة - فهو الممنوع. والحرمة والحرمان والتحريم هو المنع. قال الله تعالى: "وحرمنا عليه المراضع من قبل" أي منعنا. ويقال: حرمت الرجل العطية إذا منعته. وكذا النهي: لغة - هو المنع، والمنهي الممنوع - قال الله تعالى: "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى" أي امتنع. ومنه قيل: "لا تنه عن خلق وتأتي مثله" أي لا تمنع. وكذا المحظور: الممنوع. والحظر هو المنع. ومنه الحظيرة. وأما المكروه: فمأخوذ من الكره، والكراهة، الذي هو ضد المحبة والرضا - قال الله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم". فالمكروه ضد المندوب والمحبوب لغة. والكراهة ليست بضد الإرادة عندنا، فإن الله تعالى كاره للكفر والمعاصي أي ليس براض بها ولا محب لها، وإن كان الكفر والمعاصي بإرادة الله تعالى ومشيئته. وعند المعتزلة: الكراهة ضد الإرادة أيضاً على ما عرف في أصول الكلام. وأما الحلال والمحلل: في اللغة -[فـ] مأخوذ من معنى الفتح والإطلاق. ومنه حل العقدة وهو نقيض العقد. قال الله تعالى خبراً عن موسى صلوات الله عليه وسلامه: "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي". وأما المباح: في اللغة -[فـ] الظاهر [أنه] مأخوذ من قولهم: باح فلان بسر فلان بوحاً أي أظهره. ويكون باح به وأباح بمعنى واحد. وأما الإطلاق: فهو الفتح ورفع القيد، وهو معروف. وأما الإذن: فهو الإعلام - قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله" أي إعلام. وأما المشروع: [فـ] مأخوذ من الشرع، وهو البيان والإظهار - يقال: شرع الله تعالى كذا أي أظهره وجعله مبيناً ظاهراً. ومنه سميت المشرعة والشريعة لمكان ظاهر معلوم من البحر والنهر نغترف منه الماء ويشرب منه الدواب. وقيل: المشروع والشريعة والشرعة الطريق المسلوك في الدين - يقال: شرع فلان في أمر كذا إذا أخذ فيه، وابتدأ ذلك. ومنه الشروع في الصوم والصلاة. ومنه سميت الشريعة لأنه يشرع فيها للغسل والتبرد. وفي عرف الشرع: اسم لفعل أظهره الشرع، عن غير حجر وإنكار، ولا ندب وإيجاب على مقتضى اللغة. فالحلال والمطلق والمأذون نظائر، والمندوب إليه والمحبوب والمرضي نظائر. والمشروع شامل للكل. وأما حدودها عند الفقهاء والمتكلمين: أما حد الحرام والمحرم والمنهي: فعلى خلاف ما ذكرنا من حد الفرض والواجب القطعي - أعني أن من قال في حد الواجب "ما يأثم بتركه" يقول في الحرام: "ما يأثم بفعله". ومن قال في حد الواجب: "ما أوعد على تركه" يقول في حد الحرام: "ما أوعد على فعله" إلى آخر ما تكلموا فيه. وقيل: المحرم ما حرم فعله. وقيل: ما منع من فعله، وقد ثبت المنع بدليله من النهي والخبر عن الحرمة. ولكن إنما يصح هذا الحد على قول من يقول بتحريم الأفعال دون الأعيان، فيجب أن يذكر على الإطلاق، حتى يصح هذا التحديد بالاتفاق، فيقال: المحرم هو الممنوع شرعًا حتى يدخل تحته الأفعال والأعيان جميعاً. وقد اختلف المشايخ في أن تحريم الأعيان هل يكون على سبيل الحقيقة أو يضاف إليها الحرمة مجازاً على ما نذكر إن شاء الله تعالى. [فـ] قيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله. [فـ] هو المطاق بالإذن شرعًا. وقيل: التحليل إطلاق الفعل، لمن يجوز عليه المنع والحجر والتقييد، بالإذن. وزيادة معنى على كونه مطلقاً احترازاً عن فعل المجانين والبهائم، فإنه لا يوصف بالحل والحرمة, لأنه لا إذن في حقهم ولا حجر. فأصحاب الحديث قالوا: لا يوصف به؛ لأنه لا خطاب عليهم. ونحن نقول: يوصف فعل الصبي العاقل بالحل والإباحة والندب، لوجود الإذن من الله تعالى في حقه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً"، لكن لا يوصف فعله بالحرمة، لانعدام خطاب النهي في حقه. [فـ] قيل: ما استوى فعله وتركه في الشريعة. وهذا يبطل بفعل البهائم والمجانين. وقيل: ما لا يتعلق بفعله ثواب ولا عقاب (١). وهذا يبطل أيضاً بما قلنا. وقيل: ما يتخير العاقل فيه بين الترك والتحصيل شرعًا. [فـ] قيل: ما بين الله تعالى فعله من من غير إنكار. وقيل: ما جعله الله تعالى شريعة لعباده؛ أي طريقاً ومذهباً يسلكونه اعتقاداً وعملاً على وفق ما شرع. ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل: حسنًا، ومرضياً، وحقاً، وصواباً، وعدلاً، وقد يوصف الفعل على ضد هذه الأوصاف - فيقال: فعل قبيح، وباطل، وخطأ، وظلم، وجور، وسفه. في اللغة: فهو كون الشيء على وجه تقبله النفس، ويميل إليه الطبع، من حيث الاستمتاع به. والحسن هو الكائن على هذا الوجه. ولهذا يوصف الوجه بالحسن والقبح: يقال وجه حسن ووجه قبيح. وأما في عرف الشرع: فعندنا الحسن هو القبول للشيء والرضا به، والحسن هو المقبول والمرضي. ثم هو اسم إضافي باعتبار غير يقبله ويرضى به: وذلك الغير إما الطبع أو العقل أو الشرع: - فكل ما يميل إليه الطبع لا غير، يكون حسناً طبعاً، لا عقلاً وشرعاً، كمباشرة المحرمات الشرعية. - وكل ما يدعو إليه العقل والشرع، دون الطبع - فهو حسن عقلاً، وشرعاً، لا طبعاً، كالإيمان بالله تعالى وأصل العبادات.
- وكل ما جاء الشرع به، ودعانا إليه، ورغبنا في فعله، من غير أن يعقل فيه وجه الحسن ويميل إليه الطبع - فهو حسن شرعًا، لا عقلاً وطبعاً، كصور العبادات ومقاديرها وأوقاتها وهيئاتها. فهو على ضد هذه الوجوه أيضاً ، -[فـ] قيل: مأخوذ في اللغة من العدول، وهو الميل - يقال: عدل عن الطريق إذا مال عنه. وأما في عرف الشرع فقد استعمل في وجه مخصوص، وهو العدول عن الباطل إلى الحق.
- وقيل: هو مصدر بمعنى العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة. وفي عرف الشرع: يستعمل في فعل مستقيم في العقل بحيث يقبله ولا يرده. فهو مأخوذ من الميل أيضاً لغة - يقال "جار السهم" إذا زال عن سننه. إلا أنه في الشرع استعمل في الميل الخاص وهو أن يكون عن الحق إلى الباطل. فهو في اللغة عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه. يقال في المثل السائر: "من أشبه أباه فما ظلم" أي هذا الشبه ليس في غير موضعه. ويقال: "ظلم الشعر" إذا ابيض في غير حينه. في اللغة: [فـ] عبارة عن التحفة والاضطراب. يقال "سفهت أحلام القوم" أي عقولهم إذا خفت. ومنه سمي الرجل سفيهاً إذا كان به خفة وفي عقله نوع اضطراب فيحمله على فعل مخلف للعقل بقلة التأمل. في اللغة: فقد قال ابن الأعرابي: الحكمة العلم، والحكيم هو العالم. وقيل: الحكمة هي الإتقان والإحكام والحكيم هو المحكم للشيء: فعيل بمعنى مفعل كما يقال: عذاب أليم أي مؤلم، وسميع بمعنى مسمع. وأما حدود هذه الأفعال عند المتكلمين: [فقد] اتفقوا على أن كل ما هو حكمة وعدل فهو حسن في العقل، وأن كل ما هو سفه وظلم فهو قبيح. القبيح والظلم والسفه ما نهي عنه. والحسن ما أمر به.
- بأفعال الله تعالى عندهم، وهي المفعولات عندنا: فإن كثيراً منها يوصف بالحسن، والله تعالى لم يكن يدخل تحت أمر آمر. - وكذا أبطل عليهم بفعل العاقل البالغ قبل بلوغ الدعوة من الإيمان بالله تعالى والإحسان في حق ذوي الحاجة، فإنه فعل حسن ولم يؤمر به قبل بلوغ الدعوة عندكم. وكذا ما أتى به من الكفر والكفران والكذب والظلم: فإنه قبيح يقر به كل عاقل، وليس هو، بمنهي عن هذه الأفعال. فلما عرفوا هذا الإلزام قالوا: إن القبيح ما نهي عنه، والحسن ما لم ينه عنه.
- بفعل الصبيان والمجانين، من اللواطة والوطء في ملك الغير، وقذف المحصنات، والقتل بغير حق ونحو ذلك - فإنها أفعال قبيحة ولم توصف بالحسن، وإنهم لم ينهوا عنها. - وكذا العاقل البالغ إذا آمن بالله تعالى وأقر بوحدانيته وبجميع صفات الكمال قبل بلوغ الدعوة وظهور الشريعة، وكذا إذا أطعم جائعاً وسقى عطشان: فإن فعله لا يوصف بالحسن عندهما، والإيمان والإحسان مما لم ينه عنهما. فتركوا هذا الحد ونقلوا إلى حد آخر، وهو قولهم: الحسن والعدل والحكمة ما لفاعله فعله، والقبيح والظلم والسفه ما ليس لفاعله فعله. - بم عرفتم أن لفاعله فعل هذا النوع دون النوع الآخر: أبالعقل عرفتم ذلك أم بالشرع؟ إن قلتم: بالعقل، فقد تركتم مذهبكم في أن العقل لا يعرف به الحسن والقبح والعدل والظلم. وإن قلتم: بالشرع فقد عدتم إلى الحد الأول وقد أبطلناه. - ثم هو باطل بفعل البالغ العاقل الذي لم يبلغه الشرع - فما قولكم: هل له أن يؤمن أم لا؟ فإن قلتم: لا، فهو قبيح شنيع. وإن قلتم: له أن يؤمن، فقد فعل ما له فعله، وفعله لا يوصف بالحسن عندكم، فيبطل هذا الحد في جانب الحسن. - ثم نقول لهم: هل له أن يكفر؟ فإن قلتم: نعم، فهذا كفر. وإن قلتم: ليس له أن يفعله، فقد وجد حد فعل القبيح، وفعله لا يوصف بالقبح عندكم. - وكذا عندكم فاعل الكفر والمعاصي، هو الله تعالى، وله فعله، والعبد كانت و ليس بفاعل، وإنه لا يوصف بالحسن بل بالقبح. الحسن ما إذا فعله القادر عليه لم يستحق الذم بوجه ما. - بالصبي العاقل إذا فعل شيئًا من الفواحش: فإنه لا يوصف ذلك الفعل بالحسن مع وجود ما ذكرتم من الحد. - وكذا باطل بالمباح: فإنه ليس بحسن، مع وجود هذا الحد. فإن وصفوا المباح بالحسن: فهو فاسد، لأن الحسن لابد أن يكون فيه وصف يترجح به جانب وجوده على جانب عدمه، والمباح ما استوى طرفاه في الوجود والعدم. وذكر أبو إسحاق الاسفرايني من الأشعرية وقال: الظلم والقبيح ما يعود به على فاعله ضرر محض. والحسن على عكسه (١). والحكمة في الفعل وقوعه على قصد فاعله. والسفه وقوع الفعل (٢) على خلاف قصد فاعله. فمن وقع فعله على موافقة قصده فهو حكيم، ومن وقع فعله على خلاف قصده فهو سفيه. إن الحكمة كل فعل فيه نفع إما للفاعل أو لغير الفاعل. وهو عدل. وهو حسن. وكل فعل خلا عن المنفعة إما للفاعل وإما لغيره، فهو سفه. وقالوا: كل فعل فيه إلحاق الضرر بالغير من غير أن يكون فيه نفع أعظم مما فيه من الضرر - فهو ظلم. الظلم هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه، ولا هو مستحق؛ ولا يدفع به ضرر أعظم منه، ولا يظن به أحد هذه الوجوه. وقال أصحابنا رحمهم الله: وهو قبيح لخلوه عن العاقبة الحميدة، لا لمكان الضرر. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. والحكمة ما تعلقت به عاقبة حميدة. والكلام في هذه الفصول لتصحيح ما ذكرنا من الحدود، وإبطال ما ذكروه يستقصى في أصول الكلام. وقد ذكرنا طرفاً منه لاتصاله بما قلنا. وفي الشرح يذكر بأبلغ من هذا إن شاء الله تعالى. ومن أنواع الأحكام كون الفعل: في اللغة: [فـ] عبارة عن النية المؤكدة - فإن من خطر بباله شيء من الأفعال التي يحتاج إلى تحصيله، فإنه ينوي مباشرته بقلبه. فإذا أكد النيَّة يقال: "عزم عليه". فأما الإرادة والقصد [فـ] قرينة الفعل، بها يصير الفعل اختيارياً، ويخرج عن حد الاضطرار. غير أن لفظة الإرادة مطلقة يجوز إطلاقها في الشاهد والغائب. فأما القصد فيطلق في الإرادة الحادثة، ولا يجوز إطلاقه في صفة الله تعالى مكان الإرادة. وقال بعض مشايخنا رحهمم الله: يجوز أن تكون الإرادة سابقة على الفعل، بخلاف القدرة الحقيقية: فإنَّها مقارنة للفعل لا محالة، لا يجوز سبقها عليه ألبتة. في اللغة: فعبارة عن السهولة واليسر - يقال: رخص السعر إذا كثرت الأعيان وتيسرت إصابتها. فالعزيمة اسم للحكم الأصلي في الشرع لا لعارض أمر. وهو ما ذكرنا من الفرض والواجب والسنة ونحوها. وما ذكرنا من الحلال والحرام ونحوهما. و [أما] الرخصة فهي اسم لما تغير عن الأمر الأصلي لعارض، إلى تخفيف وتيسير، ترفيهاً وتوسعة على أصحاب الأعذار، سواء كان التغيير في وصفه أو في حكمه. وذلك نوعان: حقيقة ومجاز. أما الحقيقة فقد تكلموا فيها: قال بعض مشايخنا رحمهم الله: هي نوعان: أحدهما ما تغير حكمه مع بقاء الوصف الذي كان عليه من قبل، وهو أن يكون الفعل محرمًا في نفسه مع سقوط حكمه، وهو المؤاخذة في الدار الآخرة. وذلك نحو إجراء كلمة الكفر على لسانه حالة الإكراه، مع قيام التصديق بالقلب، وإتلاف المال المعصوم لغيره بغير إذنه، وسبب الإكراه أو المخمصة، حتى لو امتنع فقتل أو مات جوعاً فإنه يثاب على ذلك، لامتناعه، ببذل نفسه لوجه الله تعالى، وتعظيم نهيه، لأن حرمة الكفر والتكلم به لا تحتمل الإباحة بحال، وكذا إباحة تناول مال الغير بغير إذنه لم يرد الشرع به، لكن لا يؤاخذه في الآخرة، لأن العذاب ليس من الأحكام اللازمة لمباشرة المحظور. وإنما عرف جزاء له بوعيد الله تعالى، والله تعالى ما أوعد الجزاء بمباشرة المحظور عند العذر. وكذا إفطار صوم رمضان بالإكراه من هذا القبيل. والنوع الثاني - أن يسقط الحظر والمؤاخذة جميعاً. وذلك نحو حرمة الميتة والخمر عند الإكراه والمخمصة، حتى لو امتنع فمات، فإنه يؤاخذ (أي يأثم) بدمه. وأما الصوم في حق المسافر في رمضان: فعند عامة مشايخنا رحمهم الله من القسم الأول، فإن العزيمة في حق المسافر، إذا كان لا يخاف الهلاك، هو الصوم، فيكون الصوم واجبًا في حقه، لكن المؤاخذة ساقطة مع قيام الوجوب. وعند بعض المشايخ من القسم الثاني، لأن الوجوب ساقط إلا أنه إذا ترك الترخص واشتغل بالعزيمة، يعود حكم العزيمة كما كان. وكلا القسمين رخصة، بطريق الحقيقة، لوجود التغير عن الأمر الأصلي إلى تخفيف وتيسير، إلا أن القسم الثاني أكمل في الرخصة، لأن التيسير والتغير فيه عن الأمر الأصلي أكثر، وهو سقوط وصف الفعل وسقوط الحكم جميعاً. فأما قصر الصلاة في حق المسافر فليس برخصة عندنا، بل هو عزيمة. وعند الشافعي رحمه الله رخصة، لأن المشروع الأصلي في الصلاة من حيث القدر ركعتان، على ما روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصلاة في الأصل ركعتان زيدت في الحضر، وأقرت في السفر" وقال عمر رضي الله عنه: "صلاة المسافر ركعت أن [تمام] عن غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - " ثم في حق المقيم تغيرت عن الأصل وصارت أربعة لكنه تغير إلى الغلظ والشدة لا إلى التيسير والسهولة، فلا يسمى رخصة. وقال بعض مشايخنا رحمهم الله: أحدهما - ما تسقط المؤاخذة فيه مع قيام الحرمة والوجوب على ما ذكرنا. والثاني - ما تسقط المؤاخذة فيه والحرمة والوجوب مع قيام السبب المحرم والسبب الموجب. وهذا إنما يصح على قول من يقول بتخصيص العلة، ويجوز قيام السبب المحرم والموجب بلا حرمة ولا وجوب. إن حقيقة الرخصة ما وسع على المكلف فعله، لعذر، مع كونه حراماً في حق من لا عذر له، أو وسع على المكلف تركه، مع قيام الوجوب، في الجملة في حق غير المعذور. وسوى بين الرخص كلها وقال: لا يجوز أن تكون الرخصة حرام التحصيل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه" وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -، لعمار بن ياسر رضي الله عنه، حين أكرهه الكفار على إجراء كلمة الكفر فأجرى، : "فإن عادوا فعد"، كيف وإن بعض الرخص يجب تحصيله، كما في تناول الميتة والدم عند الإكراه والمخمصة، وكما في الإفطار إذا خاف الهلاك. وهذا صحيح ويجب أن يكون قول أصحابنا رحمهم الله هذا، فإن معنى الرخصة السهولة واليسر، وذلك في سقوط الحظر والعقوبة جميعاً. وأما الرخصة بطريق المجاز: فهو كل حكم شرع، في الأصل، تيسيراً، لا أنه تغير عن الأصل إلى التخفيف بعارض، لكن كان على التضييق والعسر في شريعة من قبلنا من الأمم السالفة، وذلك نحو وضع الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السالفة وصارت منسوخة، ولم يشرع مثلها في شريعتنا، بل على اليسر والسهولة. فعلى اعتبار الإضافة إلى الشريعة الماضية يشبه الرخصة فسميت بها مجازاً. فأما ما شرع في شريعتنا بطريق السهولة و اليسر كما هو في شريعة من قبلنا، كإباحة أكل الطيبات ولبس الزينة، فلا يسمى رخصة لا حقيقة ولا مجازاً. ثم ما قيل في حد الرخصة، و هو استباحة المحظور مع قيام المحرم عبارة مشكلة: إن أريد بها إباحة المحظور مع قيام المحرم بلا حرمة، فهو قول بتخصيص العلة. وإن أريد بها إباحة المحظور مع قيام الحرمة نفسها، فهو قول بالجمع بين المتضادين، وكلاهما فاسدان. والصحيح ما ذكرنا من العبارة، وممكن تصحيح ما ذكرنا من عبارة بعض أصحاب الحديث. وإن ذكر حداً مقسماً بأن يقال: حد الرخصة ما وسع على المكلف بعذر. ثم ما وسع عليه نوعان: ما وسع فعله، أو ما وسع تركه - حتى يصير حداً شاملاً للقسمين [جاز]. وبعضهم صحح هذه العبارة فقال: ما رخص فيه مع كونه حراماً. وهذا لا ينفع لأن الترخيص إباحة أيضاً وإن لم يكن إباحة مطلقة- كيف وقد أمر به النَّبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال لعمار رضي الله عنه: "فإن عادوا فعد"، وأدنى درجات الأمر هو الإباحة - والله تعالى أعلم. ومن أنواع الأحكام كون الفعل: أداء، وقضاء، فنذكر تفسير هذه الجملة من حيث اللغة، وعرف الشرع. فلفظان يستعملان في اللغة أحدهما مكان الآخر - قال الله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض". والمراد منه الأداء، لأن صلاة الجمعة لا تقضى. وقال الله تعالى: "فإذا قضيتم مناسككم". ويقال: "قضي الدين"-. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدين مقضي" أي مؤدى. إلا أن الأداء في اللغة ينبئ عن شدة الرعاية والمبادرة إلى تسليم عين الواجب، فيستعمل في تسليم عين الواجب على طريق المسارعة. ولهذا يقال في الثلاثي منه: "الذئب يأدو للغزال فيختله" أي يراعي حضوره شدة الرعاية، وينتهز الفرصة بالحيلة حتى يأخذه. وأما القضاء فعبارة عن الإحكام والإتقان - قال قائلهم. وعليهما مسرودتان قضاهما . داود أو صنع السوابغ تبع أي أحكم صنعتهما. ويراد به إتيان الفعل الواجب محكماً تاماً، من غير قصور من حيث المعنى. فيستعمل في تسليم مثل الواجب، كما يستعمل في تسليم عينه، لاستوائهما من حيث المعنى. فالأداء عبارة عن تسليم عين الواجب، في وقته المعين شرعًا أو مطلقًا. والقضاء عبارة عن تسليم مثل الواجب في غير وقته المعين شرعًا.
- نوع منها هو مثل الواجب من كل وجه، صورة ومعنى، بأن عقل معناه، كتسليم المثل في المثليات لعد الاستهلاك حقيقة أو تقديراً بالغصب.
- ونوع هو مثل الأول معنى لا صورة، كتسليم القيمة فيما لا مثل له من الأعيان.
- ونوع جعل مثلًا شرعًا، وإن لم يكن بينهما مشابهة من حيث الصورة والمعنى، من كل وجه، كالدية في باب القتل، والفدية في حق الشيخ الفاني، ونفقة الإحجاج مقام أداء الحج في حق المعذور على ما عرف في كتب الفقه. فهي رد عين الفائت إلى يد صاحبه حال قيامه - هو موجبه في اللغة: مأخوذ من العود. وفي إعادة الأجسام والأعراض، بعد الفناء والعدم، كلام دون العقلاء يعرف في مسائل الكلام. ولكن الإعادة المستعملة في العبادات، في عرف الشرع، هي إتيان مثل الفعل الأول على صفة الكمال، بأن وجب على المكلف فعل موصوف بصفة، فأداه على وجه النقصان، وهو نقصان فاحش -[فـ] يجب عليه الإعادة، وهي إتيان مثل الأول، ذاتاً، مع صفة الكمال على ما نذكر كيفية ذلك في مسألة: الأمر بالفعل هل يقتضي الإجزاء - إن شاء الله تعالى. ثم عندنا ما يؤدى في خارج الوقت المعين، بعد فواته عن الوقت المعين، يكون قضاء، سواء كان وجوب الفعل ثابتًا في الوقت بأن كان أهلا للتكليف أو لم يكن الوجوب ثابتًا، لكن ليس في القضاء حرج، كالحائض والنفساء والنائم والمغمى عليه والمجنون غير المطبق ونحو ذلك. ويعتبر وجوب الأداء في الجملة لا في حقه، ولكن يعتبر في حقه أهلية ثواب الأداء فيجب القضاء نظرًا له. وقال بعض أصحاب الحديث: إن من وجب عليه الفعل في الوقت، ففاته، عمدًا أو سهوًا، يكون المثل في الوقت الآخر قضاء. وإن لم يكن الوجوب ثابتًا يكون أداء حقيقة، وهو فرض ثان لكن سمي قضاء مجازًا إلا أن من شرط هذا الفرض الثاني فوات الأول. ولكن الصحيح ما ذكرنا، فإنه بالإجماع يجب عليه أن ينوي قضاء الفائت. وبين الأداء والقضاء اختلاف في الأحكام، ولكن ليس من شرط القضاء وجوب الأداء في حق من وجب عليه. ولكن الشرط وجوب الأداء في الجملة لعموم دليله وفواته عن الوقت في حقه، مع إدراك وقت القضاء، وانتفاء الحرج عنه، على ما عرف في مسألة المجنون على الاستقصاء. والله أعلم. ومن أنواع الأحكام كثرة من: - كون الشيء مالًا مملوكًا متقومًا - فيحتاج إلى تفسير المالية والملك والتقوم، وقد عرف ذلك في كتب الفقه ومسائل الخلاف.
- وكذا تفسير الحرية والرق، والقيد والإطلاق، ونحوها -[فـ] يذكر في كتب الفقه ومسائل الخلاف. وإنما ذكرنا بعض ما يختص بأصول الفقه. والله الموفق.
النص الأصلي
الكلام في هذا الفصل في موضعين في الأصل.
أحدهما - في تفسير الحكم.
والثاني - في بيان أنواعه.
وكل قسم من هذين القسمين ينقسم إلى البيان:
- من حيث وضع اللغة.
- ومن حيث عرف الشرع.
- ومن حيث الحد والحقيقة: عند الفقهاء، والمتكلمين.
أما الأول وهو تفسير الحكم
أما من حيث اللغة:
فيستعمل في مواضع:
- يذكر ويراد به المنع والصرف - يقال: حكمت الرجل عن رأيه، وأحكمته، وحكمته- أي منعته وصرفته عن رأيه. ومنه يقال: حكمت الفرس وأحكمته إذا جعلـ[ـت] له حكمة تمنعه عن الجموح والعدو وتصرفه عن المشي طبعاً.
ومنه سمي الرجل حكيماً لأنه يمنع نفسه ويردها ويصرفها عن هواها. - ويذكر ويراد به الإحكام والإتقان. ومنه قوله تعالى: "ألر كتاب أحكمت آياته".
ومنه "الحكيم" من أسماء الله تعالى - فعيل بمعنى مفعل أي محكم للعالم الدال على قدرته وعلمه؛ لكونه محكماً متقناً. - ويذكر ويراد به الحكمة، وهو وضع الشيء في موضعه. وفي الحديث: "وإن من الشعر لحكماً" أي من أنواع الشعر ما هو حكمة.
وأمَّا من حيث عرف الشرع:
[فـ] يستعمل على وضع اللغة في الوجوه الثلاثة: - فإن الله تعالى شرع الأحكام داعية إلى مصالح العباد، ومانعة عن أنواع العبث والفساد.
- وكذا شرعت مبنية على الحكمة البالغة والمعاني المستحسنة.
- وكذا هي محكمة متقنة، بحيث لو تأملها العاقل حق التأمل لعرف أنها مما ينبغي أن يكون كذلك.
وأما بيان حده وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين:
فقال أصحابنا رحمهم الله بأن حكم الله تعالى صفة أزلية له: هو فعله، وكون الفعل الحادث واجباً وحسناً وحراماً وقبيحاً محكوم الله تعالى يثبت بحكمه، وهو إيجاده الفعل الحادث على هذا الوصف، وهو بناء على مسألة التكوين والمكون، فإن التكوين والإيجاد والإحداث والتخليق عبارات عن صفة أزلية لله تعالى وهو فعله حقيقة، والمكون مفعوله وحادث بإحداثه الأزلي لوقت وجوده- ولهذا قلنا: إن الله تعالى خالق لم يزل، ولله تعالى فعل واحد لكن تختلف تسمياته باعتبار الإضافة إلى وصف المفعول، فإن كان وصف المفعول كونه حادثاً يسمى فعله "إحداثاً" وإن كان أثره الوجوب يسمى "إيجاباً"، وإن كان أثره الحرمة يسمى "تحريماً"- وهذا لأن خالق الحوادث كلها هو الله تعالى لا خالق سواه ولا صانع غيره، سواء كان الحادث جسماً أو جوهراً أو عرضاً حقيقياً أو حكمياً من الحسن والقبح والحرمة وغيرها.
لكن في عرف الفقهاء وأهل الكلام يسمى كون الفعل واجبًا أو مندوباً أو حسناً أو قبيحاً أو محرماً، حكم الله تعالى، لكن المراد به محكومه عندنا بطريق المجاز، إطلاقاً لاسم الفعل على المفعول.
ثم المحكوم: كونه حسناً وواجباً، أو الوجوب والحسن ونحو ذلك، لا نفس الفعل الذي اتصف بها، لأن نفس الفعل حصل باختيار العبد وقدرته الحادثة، وإن كان الخالق له هو الله تعالى.
ومحكوم الشرع ما يثبت بإثبات الشرع، جبراً، شاء العبد أو أبي.
هذا هو بيان مذهبنا.
فأمَّا على أصل المعتزلة والأشعرية وأكثر المتكلمين:
[فـ] التكوين عين المكون، فيكون الإيجاب عين الواجب، والحكم عين المحكوم، والتحسين عين الحسن، والتحريم عين الحرمة - فيكون إطلاق اسم الحكم على المحكوم عندهم بطريق الحقيقة.
وقال بعض المتكلمين:
إن الحكم هو كون الفعل على وصف حكمي، بأن كان موصوفاً بكونه واجبًا ومندوباً وحسناً ومحرماً، لا نفس الفعل، فإن كون الصَّلاة فرضاً، وكون التصدق بالمال حسنًا، وكون الزنا حراماً - حكم شرعي، لا نفس هذه الأفعال، لما ذكرنا أن حكم الله تعالى ما يثبت جبراً، شئنا أو أبينا، والعبد مختار في أفعاله.
وهذا الحد صحيح إن أراد بالحكم المحكوم مجازاً. وإن أراد به، نفس الحكم حقيقة فيكون الحد على رأي من قال إن التكوين عين المكون.
وقال بعض المعتزلة:
إن حكم الله تعالى هو إعلامه إيانا بكون الفعل واجبًا ومندوباً ومباحاً وحراماً ونحوها؛ وهو إيجابه وتحريمه وإباحته. وإنما قالوا إن الحكم هو إعلام الله تعالى إيانا بذلك، لا إحداثه وإيجاده وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة في الفعل، وإن كان عندهم الإحداث والحادث واحداً، [لأنهم] يقولون إن حدوث الحوادث بإرادة الله تعالى الحادثة، وكونه قادراً - لكن الداخل تحت الإرادة وكونه قادراً، هو نفس المحدث من الأجسام والجواهر والأعراض، فأمَّا الأوصاف التابعة للحدوث من كونه جسماً وجوهراً وسواداً وحموضة وحلاوة، وكون الفعل قبيحاً وحسناً لم يدخل تحت الإرادة وكونه قادرًا، ولم يتعلق وجوده بالفاعل، فلا يمكنهم إضافة ذلك إلى الإرادة الحادثة وكونه قادراً.
وقال بعض أصحاب الحديث من الأشعرية:
الحكم هو الخبر عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته إذا كان صدقاً، أي الحكم الحق الصواب. فأمَّا الحكم الباطل فهو الخبر عن المحكوم على خلاف ما هو عليه في ذاته، لأنه كذب.
وقالوا : حكم الله تعالى هو خبره عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته، لأن خبره صدق لا محالة.
وقال بعض الأشعرية أيضاً:
إن حكم الله تعالى ما استحقه المحكوم مما عليه من الوصف الذي أخبر الله تعالى عنه بذلك.
وهذا حد صحيح عندهم، لأن الأوصاف التابعة للحدوث، عندهم، حادثة بإحداث الله تعالى في الجواهر والأجسام والأعراض والأفعال الاختيارية من العباد بمنزلة أعيان الحوادث، لأن كل ذلك بتكوين الله تعالى وإحداثه، وإن كان التكوين عين المكون، ولكن حدوث الحوادث كلها تعلق بقدرة الله تعالى أو بخطاب "كن"، فيكون الحكم والمحكوم هو كون الفعل على ما هو عليه من الوصف حقيقة. لكن إنما تعلقوا بالأخبار، لأن الأحكام الشرعية التي ذكرنا لا تعرف عندهم إلا بخبر الله تعالى، لا بالعقل، فحسن الأشياء عندهم يعرف بالشرع لا بالعقل، وإنما ذكر المعتزلة لفظ الإعلام دون الخبر حتى يدخل تحته العقل، لأن به عندهم يعرف كثير من المحاسن والمقابح من الأحكام الشرعيّة على ما يعرف في أصول الكلام، ونذكر شيئاً من ذلك ههنا في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
وقال عامة الأشعرية:
إن حكم الله تعالى هو خطابه الذي تعلق بأفعال المكلفين، وهو أمره ونهية، إيجاباً وندباً وتحريماً وكراهة، وخبره أيضاً بالحل والحرمة، وسائر الأحكام الشرعية. فالواجب ما هو مأمور به حتماً، والمندوب ما هو مأمور به ندباً، والمباح ما يقال فيه للمكلف "إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل"، والحرام ما يجب الامتناع عنه. والمكروه ما يندب إلى الامتناع عنه.
وهذا الحد ليس بصحيح عندهم على ما نذكر. ولكن الحد الصحيح عندهم ما ذكرنا من القولين عنهم، فإن الفعل موصوف بكونه حسنًا حقيقة عندهم، فإن صفات الأفعال الراجعة إليها حادثة بإحداث الله تعالى، فيكون خالق الفعل بوصف الحسن هو الله تعالى، لكن الأمر دليل الحسن، والنهي دليل القبح. وكذا الخبر عنهما دليل عليهما - لا أنه يثبت الحسن والقبح بالأمر والنهي والخبر.
فإن قيل: فيما ذكرتم إشكالان:
أحدهما - أن الفعل عرض، وأنه صفة، والصفة لا تقوم بالصفة، فكيف يصح قولكم بأن الفعل موصوف بالحسن والقبح والوجوب حقيقة؟
والثاني -أن الفعل قبل الوجود يوصف بكونه واجبًا وحسناً وحراماً- والمعدوم كيف يقبل الصفة حقيقة؟
[و] الجواب:
عن [الإشكال] الأول- إن هذا إشكال على الكل، فإنه لا شك في كون الإيمان حسنًا، وكون الكفر قبيحاً، وكون الزنا حراماً، وكون صلاة الظهر فرضاً. فإما أن يوصف بذلك مجازاً أو حقيقة. والقول يكون الإيمان حسنًا والكفر قبيحاً بطريق المجاز، وحش من القول يرده العقل والشرع. ولأن علامة الحقيقة ما لا يجوز نفيها عن الموصوف بحال، والمجاز ما يجوز نفيه، ونفي الحسن عن الإيمان ونفي القبح عن الكفر، لا يجوز بحال. وإذا بطل الوصف بالمجاز ثبت أنه بطريق الحقيقة.
ثم لتخريجه طرق ثلاثة:
أحدها - أن تكون صفات الفعل راجعة إلى الذات، كالوجود مع الموجود، والحدوث مع الحادث، وكالعرض الواحد الذي يوصف بأنه موجود ومحدث ومصنوع وعرض وصفة ولون وسواد ودليل على ثبوت الصانع - فيكون هذه الصفات راجعة إلى الذات لا معاني زائدة عليها.
والثاني - يوصف الفعل بأنه واجب، لدخوله تحت إيجاب الله تعالى. ويوصف بأنه مندوب لدخوله تحت ندبه. ويوصف بأنه حسن لدخوله تحت تحسين الله تعالى. ويوصف بكونه محرماً لدخوله تحت تحريم الله تعالى، كما يوصف الفعل بأنه محدث وحادث لدخوله تحت إحداث الله تعالى، لا أنه محدث لحدوث قام به، لأن ذلك الحدوث محدث، فيحتاج إلى حدوث آخر فيؤدي إلى القول بمعان لا نهاية لها، وإنه باطل.
والثالث - أن هذه صفات إضافية، وأسماء نسبية، والصفات الإضافية ليست بمعان قائمة بالذات، فيكون الذات موصوفاً بها على الحقيقة. وإنما يقتضي وجود غير يكون علقة بين الصفة والموصوف، والاسم والمسمى- كما في لفظ الأب والابن والأخ، فالذات موصوف بهذه الصفات، حقيقة لا مجازاً، وإن لم يكن الأبوة والبنوة والأخوة معاني قائمة بالذات زائدة عليها.
وقد ذكرنا على الاستقصاء في أصل هذا المختصر وفي كتب الكلام - وفي هذا القدر كفاية.
وأما الإشكال الثاني- فسهل، لأنا نصف المعدوم بهذه الصفات على طريق المجاز، على الطريق الأول والثاني، لأن صفات الذات لا يتصور وجودها قبل وجود الذات، وكذا الإحداث لا يتعلق بالمعدوم إلا حالة الحدوث. وأمَّا على الطريق الثالث، وهو الإضافة، [فـ] يكون الوصف له بطريق الحقيقة، كوصف المعدوم بأنه معلوم ومذكور ومخبر عنه.
والله أعلم.
وأما الفصل الثاني في بيان أنواع الأحكام
فنقول:
أنواع الأحكام كثيرة، لكنا نذكر المشهور منها، ونذكر تفسيرها:
- من حيث وضع اللغة.
- ومن حيث العرف.
- وحدودها عند الفقهاء والمتكلمين.
فمن جملتها كون الفعل: فرضاً، وواجباً، ومندوباً وسنة، ونفلاً، وتطوعاً
أما الفرض:
في اللغة-[فـ] يستعمل لمعنيين :
أحدهما - التقدير، قال الله تعالى: "فنصف ما فرضتم" أي قدرتم.
ويقال: فرض القاضي النفقة أي قدرها .
والثاني - القطع، يقال: فرضت الفأرة الثوب أي قطعته.
وأما في عرف الشرع - فمستعمل على مقتضى اللغة: سميت الصَّلاة فرضاً وفريضة بمعنى مفروضة أي مقدرة من حيث الذات والزمان الخاص الذي تفعل فيه. وكذا كل فرض مقطوع عما يغايره من جنسه المشروع في عامة الأحكام.
وأما الواجب:
في اللغة-[فـ] يستعمل في شيئين:
- في الساقط، يقال: وجب الميت أي سقط. ومنه سمي القتيل واجبًا - قال الله تعالى: "فإذا وجبت جنوبها" أي سقطت.
- ويستعمل في اللازم، يقال: وجب عليه الدين ووجب عليه الصوم والصلاة أي لزم المكلف أداؤه بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بأدائه، كأنه لازمه وجاوره.
وقيل: مأخوذ من الوجبة، وهي الاضطراب، سمي به لاضطراب في دليل ثبوته.
وأما في عرف الشرع - فمقرر على وضع اللغة، فإن الواجب يلازم الذي عليه بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بإسقاطه عن نفسه، ويكون كالساقط عليه، فيحتاج إلى تفريغ نفسه عنه.
وأما المندوب إليه:
في اللغة-[فـ] هو المدعو إليه. فإن الندب فب اللغة هو الدعاء- يقال: ندبته إلى كذا فانتدب؛ أي دعوته فأجاب. ولهذا يسمى هذا النوع من الأمر أمراً طريق الأدب، لأن الأدب في اللغة هو الدعاء أيضاً، ومنه سميت المائدة الموضوعة للدعوة مأدبة.
وأما في عرف الشرع -[فـ] اسم لفعل مدعو إليه على طريق الاستحباب والترغيب، دون الحتم والإيجاب. فأما المدعو إليه على طريق الحتم والإيجاب [فـ] يسمى فرضاً وواجباً.
وأما السنة:
في اللغة -[فـ] عبارة عن مطلق الطريق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" أي من وضع طريقة حسنة أو سيئة.
وقد يذكر في اللغة ويراد بها السيرة المطلقة، حسنة كانت أو سيئة - يقال: لفلان سنة حسنة مرضية. ولفلان سنة سيئة مذمومة - أي سيرة حسنة وسيرة سيئة. قال الهذلي شعراً:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها.
وأما في عرف الشرع -[فـ] مستعملة في هذين المعنيين، تقريراً للوضع اللغوي، لكن في الخير لا في الشر. فالسنة، في عرف الشرع، هي الطريقة المسلوكة في الدين. يقال: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وسنة الصالحين - أي طريقتهم المرضية وسيرتهم المحمودة.
وأما النفل:
في اللغة -[فـ] عبارة عن الزيادة. ولهذا سمي ولد الولد "نافلة"، لكونه زيادة على الولد الصلبي. وسميت الغنيمة "نفلا" لأنها زيادة على ما وضع له الجهاد من الثواب في الدار الآخرة.
وأما في عرف الشرع-[فـ] اسم لما هو زيادة على الفرائض والواجبات على تقرير الوضع اللغوي.
وأما التطوع:
في اللغة -[فـ] اسم لكل خير يباشره المرء عن طوع واختيار من غير إيجاب موجب. تفعل من الطوع والطواعية والطاعة.
وأما في عرف الشرع - فمستعمل على مقتضى اللغة، قال الله تعالى: "ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم".
وأما حدود هذه الألفاظ عند الفقهاء والمتكلمين:
أما حد الفرض في عرف الفقهاء: [فـ] ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به.
وحد الواجب: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة العلم.
نظير الأول - الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وصوم رمضان، والحج، ونحوها.
ونظير الثاني - ما ثبت وجوبه بالقياس وخبر الواحد، نحو الوتر وصدقة الفطر والأضحية ونحوها.
وأنكر أصحاب الحديث ما ذكرنا، وقالوا: لا نعرف إلا الواجب والسنة، فالفرض والواجب سواء.
وقلنا نحن: هما قسمان حقيقة، لأن الفعل الذي يجب تحصيله على وجه لا شبهة في وجوبه و لزومه ويجب أن يعتقد كونه فرضاً عليه، يخالف الفعل الذي يجب العمل به مع الاحتمال والشبهة دون الاعتقاد بكونه واجباً قطعًا إلا ظاهراً. ولهذا يكفر جاحد القسم الأول دون الثاني. وإذا كانا مختلفين في الأحكام فلابد من الاختلاف في الاسم للتمييز بينهما، فسمينا القسم الأول فرضاً وبقينا اسم الجنس على الثاني، والخلاف وين الفقهاء لايجري في الأسماء وإنما يجري في الأحكام على مراتب الحقائق.
ثم تكلم الفقهاء والمتكلمون في حد الفرض حقيقة وحد الواجب القطعي:
قال بعضهم: ما يعاقب المكلف على تركه ويثاب على تحصيله.
وهذا ليس بصحيح: - فإن الصلاة في أول الوقت فرض: حتى لو أداها في الأول يقع فرضاً ولا يأثم بتركه، حتى لو مات قبل آخر الوقت لقي الله تعالى ولا شيء عليه. وكذا صوم رمضان: عزيمة في حق المسافر، حتى يكون الأداء أفضل، ولو أدى يقع فرضاً، ولا يعاقب على تركه، حتى لو مات قبل رمضان آخر لا يؤاخذ به.
- وكذا باطل بمن ترك الفرض ثم عفا الله تعالى عنه: فإن هذا فرض، ولا يعاقب على تركه.
وقال بعضهم: ما لا يؤمن العذاب على تركه، أو ما يخاف العقوبة على تركه.
وهذا ليس بصحيح: فإن الصلاة في أول الوقت وصوم رمضان في حق المسافر، مما يؤمن العذاب على تركه - وهو فرض.
وقال بعضهم: ما فيه وعيد لتاركه.
وهذا لا يصح: فإن الصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر، فرض، وليس فيه وعيد لتاركه.
وقال بعضهم: الفرض ما يستحق العذاب على تركه.
وهذا لا يصح؛ لأنه: - إن عنى بالاستحقاق أن الله تعالى حكم عليه بالعذاب جزاء على قدر ذنبه بحيث لا يجوز تركه، فباطل، لأن عفو الله تعالى عما سوى الكفر في مشيئته ، وإذا عفا الله تعالى عنه لا يعاقبه بعد العفو، وحكم الله تعالى نافذ لا محالة، و لا يجوز غيره، ولا يجوز الخلف في خبره، فلا يكون هذا تفسيراً للاستحقاق.
- وإن عني به أنه لم يحكم عليه بالعذاب، ولكن جائز أن يعذبه وجائز أن لا يعذبه، فلا يكون هذا مستحقاً.
وقال بعض المعتزلة: الواجب القطعي فعل للإخلال به مدخل في استحقاق الدّم أو فعل للإخلال به تأثير في استحقاق الذم.
وفيه نظر - فإنه يقال له: - إن عنيتت بالإخلال: هو ترك الفعل أو الامتناع عنه بالاشتغال بضده، فهو باطل بالصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر: فإنه فرض، وليس لتركه أثر في استحقاق الذم.
- وإن عنيت بالإخلال عدم الفعل الواجب منه، وأن لا يفعل ذلك الفعل الواجب، فهو فاسد، لأن الذم إنما يحسن على الفعل، لا على عدم الفعل، فإن العلم ليس بشيء، فكيف يستحق الذم بتركه عليه.
- ثم هو باطل بما ذكرنا من الصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر: فإنه فرض وواجب قطعًا، وليس للإخلال به تأثير في استحقاق الذم، على التفسير الذي ذكرت.
ومنهم من زاد على هذا الحد، احترازاً عما ذكرنا، فقال: الواجب فعل للإخلال به أو للإخلال ببدله تأثير في استحقاق الذم.
وهو فاسد؛ لأنه حد مقسم، والحد المقسم فاسد، على ما يعرف فساده بعد إن شاء الله تعالى.
ثم هو باطل بمن ترك صوم رمضان من غير عذر، ومات من غير قضاء بعد إدراك وقت القضاء، فهو يستحق الدم بالإخلال بالأصل والبدل جميعاً. وقد ذكرت الحد في أحدهما لأن حرف "أو" يتناول أحد المذكورين، أي يستحق الذم، إما بالإخلال بالأصل أو بالإخلال بالبدل، وهو فرض. فهذا يبطل الحد الذي ذكرت. فإن ذكرت بحرف الواو فيبطل بالمسافر إذا مات بعد ما أدرك وقت القضاء، فإنه يستحق اللذم بأحدهما، وهو البدلت، دون الأصل وهو فرض.
وأما الحدود الصحيحة:
[فـ] منها قولهم: الفرض ى فعل يستحق الذم على تركه من غير عذر. واستحقاق الذم حكم من الله تعالى، حال وجود الفعل منه: بكونه فاسقًا وعاصياً، والتسمية له بذلك، وهو حكم معلوم منجز للحال.
فأما القول باستحقاق العذاب فمتردد، وهو في مشيئة الله تعالى على ما ذكرنا.
والأصح أن يقال: ما يحسن الذم على تركه من غير عذر.
وإن شئت قلت: ما أمر الله تعالى بذم تاركه من غير عذر.
[و] لا يلزم على هذه الحدود: المسافر إذا مات قبل إدراك وقت القضاء: فإنه فاته الأصل والبدل، ولا يستحق الذم على ذلك، وهو فرض في حقه؛ لأنه ترك بعذر السَّفر. ولا يلزم الصلاة في أول الوقت لأنها غير واجبة، وإنما وتعين الوجوب بالشروع فيها أو في آخر الوقت. ولا يلزم إسلام الصبي، لأنه ترك بعذر الصبا.
وإن شئت قلت: الواجب فعل لو أتى به يقع مستحقاً؛ أي لم يقع تبرعاً.
وإن شئت قلت: الواجب ما أوجبه الله تعالى. ثم إيجاب الله تعالى يعرف بدليله. وليس من شرط كونه واجبًا أن يتعلق العقاب بتركه، وليس هو من لوازمه.
ويدخل تحت هذا الحد: الواجب القطعي، والواجب مع الاحتمال، والواجب الموسع، والمضيق، والمخير، والمرخص. والله أعلم.
وأما حد المندوب: فما رغب في تحصيله من غير إيجاب.
وقيل: ما يكون تحصيله أولى من تركه.
وقيل: ما يكون في مباشرته ثواب، وليس في تركه عقاب.
وقيل: ما [يحث] المكلف على تحصيله من غير إيجاب. وهذا لا يصح: فإن فعل الصبي العاقل في الصوم والصلاة والحج مندوب إليه، وهو ليس بمكلف. وكذا إسلام الصبي العاقل صحيح من غير تكليف، ولا شك أن الإسلام لا يوصف بالإباحة - كيف وقد ورد الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً".
وأما حد السنة: [فـ] قيل: ما واظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتركه إلا لعذر.
وهذا الحد موافق للغة - يقال: سننت الماء، إذا والى في الصب.
وأما حد التطوع: [فـ] قيل: هو اكتساب الخير طوعاً.
وأما حد النفل: [فـ] قيل هو قربة زائدة على القرب الواجبة.
ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل: عبادة، وقربة، وطاعة
أما العبادة:
فهي في اللغة: عبارة عن الخضوع والتذلل. يقال: طريق معبد أي مذلل.
وأما حدها: - فقد قيل: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، للمعبود، بأمره. [فـ] لا يلزم الصلاة بغير طهارة، وصلاة أهل الذمة، وعبادة الأصنام- حيث؛ لا تكون عبادة، مع وجود نهاية الخضوع للمعبود، لأنه لم يوجد الأمر من المعبود بذلك.
لكن هذا يبطل بعبادة فرعون بأمره: فإنه نهاية الخضوع والتذلل للمعبود بأمره، إلا يكون عبادة، فينبغي أن يغير هذه العبارة فيقال: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، لمن يستحق، بأمره. - وقيل: فعل لا يراد به إلا تعظيم الله تعالى، بأمره- بخلاف القربة: فإنه يراد بها تعظيم الله تعالى مع إرادة ما وضع له الفعل من الغرض، نحو الوطء الحلال الذي أريد به حصول الولد ليوحد الله تعالى ويعبده مع إرادة اقتضاء الشهوة. وكذا بناء المساجد والرباطات: قربة، لأنه يراد به وجه الله تعالى مع إرادة حصول المنفعة للناس.
- وقيل: العبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى وتوجيهه إليه - قال الله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين".
وأما القربة:
فما فيها وجه التقريب إلى الله تعالى بما فيه من الإحسان، بعبادته، وتعظيم أمره، وإن كان نفس العمل لنفسه أو لغيره.
وأما حد الطاعة: - فهو موافقة الأمر.
- وقيل: هو العمل، لغيره، بأمره، طوعاً. ولهذا لا تجوز العبادة لغير الله تعالى، وتجوز الطاعة لغيره - قال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". وكذا التقريب إلى غير الله تعالى، لاختصاصه بالعلم والزهد، جائز، ويكون سبب الثواب إذا كان قصده تعظيم الله تعالى وتعظيم العلم والزهد.
فهذا هو الفرق بين هذه الجملة.
ومن أنواع الأحكام، مما يدخل في العبادات والمعاملات، كون الفعل: صحيحاً، وجائزاً، ونافذاً، وموقوفاً. وكونه فاسداً، وباطلاً
أما الصحيح:
في اللغة: فيستعمل في الجمادات فيما استوى تركيبه الخاص، وفيه صلابة وشدة - يقال: هذه اسطوانة صحيحة وخشبة منكسرة، وكوز صحيح وكوز منكسر إذا كان فيه نوع نقصان. ويستعمل في الحيوانات فيما اعتدلت طبيعته واستكمل قوته مع انتفاء أسباب الهلاك والنقصان عن المعاني الباطنة - يقال: "رجل صحيح" و "رجل سقيم" و "فلان مصحاح" و "فلان مسقام".
وأما في عرف الشرع: فيستعمل فيما استجمع أركانه وشرائطه، بحيث يكون معتبرًا شرعًا في حق الحكم، نقلاً للاسم من المحسوس إلى المشروع، لمشابهة بينهما في اعتدال الأجزاء والأركان، واعتبار ذلك فيما وضع له وأريد به - في قال: صلاة صحيحة وصوم صحيح وبيع صحيح - إذا وجد أركانه وشروطه. وتبين بهذا أن الصحة ليست بمعنى زائد على نفس التصرف وإنما يرجع إلى ذاته من وجود أركانه وشرائطه الموضوعة له شرعاً.
وأما الجائز والنافذ:
فهما في اللغة: مأخوذان من المجاوزة عن الشيء. يقال: جاز السهم ونفذ إذا جاوز عن الشيء الذي أصابه وتعدى عنه.
ولهذا يقال في الدعاء: "وجوازاً على الصراط".
وأما في عرف الشرع: فيستعمل بمعنى الاحتساب والاعتبار في حق الحكم- يقال: صلاة جائزة وصوم جائز وبيع جائز ونافذ، أي محسوب معتبر في الشرع، يظهر نفاذه إلى حصول ما وضع له في الشرع من الثواب في العبادات، والحكم المقصود الذي شرع له في المعاملات مع الأمن عن الذم والإثم شرعًا.
وأما البيع الموقوف والتصرف الموقوف:
فهو الذي لا يعرف حكمه للحال، مع وجود ركن التصرف، لعارض اعترض عليه. ومتى زال العارض ثبت الحكم من وقت وجود العقد، إما من كل وجه، أو من وجه، فيجب التوقف في الجواب: أنه هل له حكم في الحال أم لا؟ فإنه لا يدرى أنه هل يزول المانع أم لا؟ وهل يجاز العقد أو يفسخ؟ والتوقف في الجواب في موضع الجهل واجب، ويعرف حقيقته في باب القياس في فصل بيان الأسباب إن شاء الله تعالى.
وأما بيان الفاسد والباطل:
في اللغة: فالفاسد من الأعيان ما تغير عن حاله واختل ما هو المقصود منه - يقال: طعام فاسد إذا تغير ولحم فاسد إذا أنتن.
والباطل من الأعيان هو الذي انعدم معناه المخلوق له، وفات، بحيث لم يبق إلا صورته. ولهذا مقابل الباطل الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت.
وأما في عرف الشرع: [فـ] يراد بهما ما هو المفهوم مهما في وضع اللغة. فالفاسد هو ما كان مشروعاً في نفسه، فائت المعنى من وجه، لملازمة ما ليس بمشروع إياه، بحكم الحال، مع تصور الانفصال في الجملة.
والباطل ما كان فائت المعنى من كل وجه، مع وجود الصورة: إما لانعدام محل التصرف كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل، على ما يعرف في باب النهي إن شاء الله تعالى.
ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل: حراماً، ومحرماً، ومحظوراً، ومنهياً، ومكروهاً وعلى مقابلتها كونه: حلالًا، ومحللاً، ومباحاً، ومأذوناً، ومطلقاً، ومشروعاً
أما الحرام والمحرم: في اللغة - فهو الممنوع. والحرمة والحرمان والتحريم هو المنع. قال الله تعالى: "وحرمنا عليه المراضع من قبل" أي منعنا. ويقال: حرمت الرجل العطية إذا منعته.
وكذا النهي: لغة - هو المنع، والمنهي الممنوع - قال الله تعالى: "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى" أي امتنع. ومنه قيل: "لا تنه عن خلق وتأتي مثله" أي لا تمنع.
وكذا المحظور: الممنوع. والحظر هو المنع. ومنه الحظيرة.
وأما المكروه: فمأخوذ من الكره، والكراهة، الذي هو ضد المحبة والرضا - قال الله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم".
فالمكروه ضد المندوب والمحبوب لغة.
والكراهة ليست بضد الإرادة عندنا، فإن الله تعالى كاره للكفر والمعاصي أي ليس براض بها ولا محب لها، وإن كان الكفر والمعاصي بإرادة الله تعالى ومشيئته.
وعند المعتزلة: الكراهة ضد الإرادة أيضاً على ما عرف في أصول الكلام.
وأما الحلال والمحلل: في اللغة -[فـ] مأخوذ من معنى الفتح والإطلاق. ومنه حل العقدة وهو نقيض العقد. قال الله تعالى خبراً عن موسى صلوات الله عليه وسلامه: "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي".
وأما المباح: في اللغة -[فـ] الظاهر [أنه] مأخوذ من قولهم: باح فلان بسر فلان بوحاً أي أظهره. ويكون باح به وأباح بمعنى واحد.
وأما الإطلاق: فهو الفتح ورفع القيد، وهو معروف.
وأما الإذن: فهو الإعلام - قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله" أي إعلام.
وأما المشروع: [فـ] مأخوذ من الشرع، وهو البيان والإظهار - يقال: شرع الله تعالى كذا أي أظهره وجعله مبيناً ظاهراً. ومنه سميت المشرعة والشريعة لمكان ظاهر معلوم من البحر والنهر نغترف منه الماء ويشرب منه الدواب.
وقيل: المشروع والشريعة والشرعة الطريق المسلوك في الدين - يقال: شرع فلان في أمر كذا إذا أخذ فيه، وابتدأ ذلك. ومنه الشروع في الصوم والصلاة. ومنه سميت الشريعة لأنه يشرع فيها للغسل والتبرد.
وفي عرف الشرع: اسم لفعل أظهره الشرع، عن غير حجر وإنكار، ولا ندب وإيجاب على مقتضى اللغة.
فالحلال والمطلق والمأذون نظائر، والمندوب إليه والمحبوب والمرضي نظائر. والمشروع شامل للكل.
وأما حدودها عند الفقهاء والمتكلمين:
أما حد الحرام والمحرم والمنهي:
فعلى خلاف ما ذكرنا من حد الفرض والواجب القطعي - أعني أن من قال في حد الواجب "ما يأثم بتركه" يقول في الحرام: "ما يأثم بفعله".
ومن قال في حد الواجب: "ما أوعد على تركه" يقول في حد الحرام: "ما أوعد على فعله" إلى آخر ما تكلموا فيه.
وقيل: المحرم ما حرم فعله.
وقيل: ما منع من فعله، وقد ثبت المنع بدليله من النهي والخبر عن الحرمة. ولكن إنما يصح هذا الحد على قول من يقول بتحريم الأفعال دون الأعيان، فيجب أن يذكر على الإطلاق، حتى يصح هذا التحديد بالاتفاق، فيقال: المحرم هو الممنوع شرعًا حتى يدخل تحته الأفعال والأعيان جميعاً.
وقد اختلف المشايخ في أن تحريم الأعيان هل يكون على سبيل الحقيقة أو يضاف إليها الحرمة مجازاً على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
وأما حد المكروه:
[فـ] قيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله.
وقيل: ما الأولى أن لا يفعل.
وأما حد الحلال:
[فـ] هو المطاق بالإذن شرعًا.
وقيل: التحليل إطلاق الفعل، لمن يجوز عليه المنع والحجر والتقييد، بالإذن.
وزيادة معنى على كونه مطلقاً احترازاً عن فعل المجانين والبهائم، فإنه لا يوصف بالحل والحرمة, لأنه لا إذن في حقهم ولا حجر. فأما أفعال الصبي العاقل-[فـ] هل يوصف بالحل والحرمة والإباحة والندب؟
فأصحاب الحديث قالوا: لا يوصف به؛ لأنه لا خطاب عليهم. ونحن نقول: يوصف فعل الصبي العاقل بالحل والإباحة والندب، لوجود الإذن من الله تعالى في حقه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً"، لكن لا يوصف فعله بالحرمة، لانعدام خطاب النهي في حقه.
وأما حد المباح:
[فـ] قيل: ما استوى فعله وتركه في الشريعة. وهذا يبطل بفعل البهائم والمجانين.
وقيل: ما لا يتعلق بفعله ثواب ولا عقاب (١). وهذا يبطل أيضاً بما قلنا.
وقيل: ما يتخير العاقل فيه بين الترك والتحصيل شرعًا.
وأما حد المشروع:
[فـ] قيل: ما بين الله تعالى فعله من من غير إنكار.
وقيل: ما جعله الله تعالى شريعة لعباده؛ أي طريقاً ومذهباً يسلكونه اعتقاداً وعملاً على وفق ما شرع.
ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل:
حسنًا، ومرضياً، وحقاً، وصواباً، وعدلاً، وحكمة
وقد يوصف الفعل على ضد هذه الأوصاف - فيقال:
فعل قبيح، وباطل، وخطأ، وظلم، وجور، وسفه.
أما الحسن:
في اللغة: فهو كون الشيء على وجه تقبله النفس، ويميل إليه الطبع، من حيث الاستمتاع به. والحسن هو الكائن على هذا الوجه.
ولهذا يوصف الوجه بالحسن والقبح: يقال وجه حسن ووجه قبيح.
وأما في عرف الشرع: فعندنا الحسن هو القبول للشيء والرضا به، والحسن هو المقبول والمرضي.
ثم هو اسم إضافي باعتبار غير يقبله ويرضى به: وذلك الغير إما الطبع أو العقل أو الشرع: - فكل ما يميل إليه الطبع لا غير، يكون حسناً طبعاً، لا عقلاً وشرعاً، كمباشرة المحرمات الشرعية.
- وكل ما يدعو إليه العقل والشرع، دون الطبع - فهو حسن عقلاً، وشرعاً، لا طبعاً، كالإيمان بالله تعالى وأصل العبادات.
- وكل ما جاء الشرع به، ودعانا إليه، ورغبنا في فعله، من غير أن يعقل فيه وجه الحسن ويميل إليه الطبع - فهو حسن شرعًا، لا عقلاً وطبعاً، كصور العبادات ومقاديرها وأوقاتها وهيئاتها.
وأما القبح:
فهو على ضد هذه الوجوه أيضاً ، على مقابلة الحسن
وأما العدل:
-[فـ] قيل: مأخوذ في اللغة من العدول، وهو الميل - يقال: عدل عن الطريق إذا مال عنه.
وأما في عرف الشرع فقد استعمل في وجه مخصوص، وهو العدول عن الباطل إلى الحق. - وقيل: هو مصدر بمعنى العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة.
وفي عرف الشرع: يستعمل في فعل مستقيم في العقل بحيث يقبله ولا يرده.
وأما الجور:
فهو مأخوذ من الميل أيضاً لغة - يقال "جار السهم" إذا زال عن سننه.
إلا أنه في الشرع استعمل في الميل الخاص وهو أن يكون عن الحق إلى الباطل.
وأما الظلم:
فهو في اللغة عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه. يقال في المثل السائر: "من أشبه أباه فما ظلم" أي هذا الشبه ليس في غير موضعه. ويقال: "ظلم الشعر" إذا ابيض في غير حينه.
وأما السفه:
في اللغة: [فـ] عبارة عن التحفة والاضطراب. يقال "سفهت أحلام القوم" أي عقولهم إذا خفت. ومنه سمي الرجل سفيهاً إذا كان به خفة وفي عقله نوع اضطراب فيحمله على فعل مخلف للعقل بقلة التأمل.
وأما الحكمة:
في اللغة: فقد قال ابن الأعرابي: الحكمة العلم، والحكيم هو العالم. وقيل: الحكمة هي الإتقان والإحكام والحكيم هو المحكم للشيء: فعيل بمعنى مفعل كما يقال: عذاب أليم أي مؤلم، وسميع بمعنى مسمع.
وأما حدود هذه الأفعال عند المتكلمين:
[فقد] اتفقوا على أن كل ما هو حكمة وعدل فهو حسن في العقل، وأن كل ما هو سفه وظلم فهو قبيح.
و اختلفوا في تحديدها:
قال بعض أهل الحديث:
القبيح والظلم والسفه ما نهي عنه. والحسن ما أمر به.
فأبطل عليهم: - بأفعال الله تعالى عندهم، وهي المفعولات عندنا: فإن كثيراً منها يوصف بالحسن، والله تعالى لم يكن يدخل تحت أمر آمر.
- وكذا أبطل عليهم بفعل العاقل البالغ قبل بلوغ الدعوة من الإيمان بالله تعالى والإحسان في حق ذوي الحاجة، فإنه فعل حسن ولم يؤمر به قبل بلوغ الدعوة عندكم. وكذا ما أتى به من الكفر والكفران والكذب والظلم: فإنه قبيح يقر به كل عاقل، وليس هو، بمنهي عن هذه الأفعال.
فلما عرفوا هذا الإلزام قالوا: إن القبيح ما نهي عنه، والحسن ما لم ينه عنه.
فأبطل عليهم: - بفعل الصبيان والمجانين، من اللواطة والوطء في ملك الغير، وقذف المحصنات، والقتل بغير حق ونحو ذلك - فإنها أفعال قبيحة ولم توصف بالحسن، وإنهم لم ينهوا عنها.
- وكذا العاقل البالغ إذا آمن بالله تعالى وأقر بوحدانيته وبجميع صفات الكمال قبل بلوغ الدعوة وظهور الشريعة، وكذا إذا أطعم جائعاً وسقى عطشان: فإن فعله لا يوصف بالحسن عندهما، والإيمان والإحسان مما لم ينه عنهما.
فتركوا هذا الحد ونقلوا إلى حد آخر، وهو قولهم: الحسن والعدل والحكمة ما لفاعله فعله، والقبيح والظلم والسفه ما ليس لفاعله فعله.
فيقال لهم: - بم عرفتم أن لفاعله فعل هذا النوع دون النوع الآخر: أبالعقل عرفتم ذلك أم بالشرع؟ إن قلتم: بالعقل، فقد تركتم مذهبكم في أن العقل لا يعرف به الحسن والقبح والعدل والظلم. وإن قلتم: بالشرع فقد عدتم إلى الحد الأول وقد أبطلناه.
- ثم هو باطل بفعل البالغ العاقل الذي لم يبلغه الشرع - فما قولكم: هل له أن يؤمن أم لا؟ فإن قلتم: لا، فهو قبيح شنيع. وإن قلتم: له أن يؤمن، فقد فعل ما له فعله، وفعله لا يوصف بالحسن عندكم، فيبطل هذا الحد في جانب الحسن.
- ثم نقول لهم: هل له أن يكفر؟ فإن قلتم: نعم، فهذا كفر. وإن قلتم: ليس له أن يفعله، فقد وجد حد فعل القبيح، وفعله لا يوصف بالقبح عندكم.
- وكذا عندكم فاعل الكفر والمعاصي، هو الله تعالى، وله فعله، والعبد كانت و ليس بفاعل، وإنه لا يوصف بالحسن بل بالقبح.
وقال بعض المعتزلة:
الحسن ما إذا فعله القادر عليه لم يستحق الذم بوجه ما.
وهذا باطل: - بالصبي العاقل إذا فعل شيئًا من الفواحش: فإنه لا يوصف ذلك الفعل بالحسن مع وجود ما ذكرتم من الحد.
- وكذا باطل بالمباح: فإنه ليس بحسن، مع وجود هذا الحد.
فإن وصفوا المباح بالحسن: فهو فاسد، لأن الحسن لابد أن يكون فيه وصف يترجح به جانب وجوده على جانب عدمه، والمباح ما استوى طرفاه في الوجود والعدم.
وذكر أبو إسحاق الاسفرايني من الأشعرية وقال:
الظلم والقبيح ما يعود به على فاعله ضرر محض. والحسن على عكسه (١). والحكمة في الفعل وقوعه على قصد فاعله. والسفه وقوع الفعل (٢) على خلاف قصد فاعله. فمن وقع فعله على موافقة قصده فهو حكيم، ومن وقع فعله على خلاف قصده فهو سفيه.
وعامة المعتزلة قالوا:
إن الحكمة كل فعل فيه نفع إما للفاعل أو لغير الفاعل. وهو عدل. وهو حسن. وكل فعل خلا عن المنفعة إما للفاعل وإما لغيره، فهو سفه.
وقالوا: كل فعل فيه إلحاق الضرر بالغير من غير أن يكون فيه نفع أعظم مما فيه من الضرر - فهو ظلم.
وقال بعضهم:
الظلم هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه، ولا هو مستحق؛ ولا يدفع به ضرر أعظم منه، ولا يظن به أحد هذه الوجوه.
وقال أصحابنا رحمهم الله:
السفه ما خلا عن العاقبة الحميدة.
وهو قبيح لخلوه عن العاقبة الحميدة، لا لمكان الضرر. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. والحكمة ما تعلقت به عاقبة حميدة.
والكلام في هذه الفصول لتصحيح ما ذكرنا من الحدود، وإبطال ما ذكروه يستقصى في أصول الكلام. وقد ذكرنا طرفاً منه لاتصاله بما قلنا. وفي الشرح يذكر بأبلغ من هذا إن شاء الله تعالى.
ومن أنواع الأحكام كون الفعل:
عزيمة، ورخصة
أما العزيمة:
في اللغة: [فـ] عبارة عن النية المؤكدة - فإن من خطر بباله شيء من الأفعال التي يحتاج إلى تحصيله، فإنه ينوي مباشرته بقلبه. فإذا أكد النيَّة يقال: "عزم عليه". وإذا أكد العزم يقال: "أجمع عليه رأيه"
فأما الإرادة والقصد [فـ] قرينة الفعل، بها يصير الفعل اختيارياً، ويخرج عن حد الاضطرار. غير أن لفظة الإرادة مطلقة يجوز إطلاقها في الشاهد والغائب. فأما القصد فيطلق في الإرادة الحادثة، ولا يجوز إطلاقه في صفة الله تعالى مكان الإرادة.
وقال بعض مشايخنا رحهمم الله:
يجوز أن تكون الإرادة سابقة على الفعل، بخلاف القدرة الحقيقية: فإنَّها مقارنة للفعل لا محالة، لا يجوز سبقها عليه ألبتة.
وأما الرخصة:
في اللغة: فعبارة عن السهولة واليسر - يقال: رخص السعر إذا كثرت الأعيان وتيسرت إصابتها.
وأما في عرف الفقهاء:
فالعزيمة اسم للحكم الأصلي في الشرع لا لعارض أمر. وهو ما ذكرنا من الفرض والواجب والسنة ونحوها. وما ذكرنا من الحلال والحرام ونحوهما.
و [أما] الرخصة فهي اسم لما تغير عن الأمر الأصلي لعارض، إلى تخفيف وتيسير، ترفيهاً وتوسعة على أصحاب الأعذار، سواء كان التغيير في وصفه أو في حكمه. وذلك نوعان: حقيقة ومجاز.
أما الحقيقة فقد تكلموا فيها:
قال بعض مشايخنا رحمهم الله: هي نوعان:
أحدهما ما تغير حكمه مع بقاء الوصف الذي كان عليه من قبل، وهو أن يكون الفعل محرمًا في نفسه مع سقوط حكمه، وهو المؤاخذة في الدار الآخرة. وذلك نحو إجراء كلمة الكفر على لسانه حالة الإكراه، مع قيام التصديق بالقلب، وإتلاف المال المعصوم لغيره بغير إذنه، وسبب الإكراه أو المخمصة، حتى لو امتنع فقتل أو مات جوعاً فإنه يثاب على ذلك، لامتناعه، ببذل نفسه لوجه الله تعالى، وتعظيم نهيه، لأن حرمة الكفر والتكلم به لا تحتمل الإباحة بحال، وكذا إباحة تناول مال الغير بغير إذنه لم يرد الشرع به، لكن لا يؤاخذه في الآخرة، لأن العذاب ليس من الأحكام اللازمة لمباشرة المحظور. وإنما عرف جزاء له بوعيد الله تعالى، والله تعالى ما أوعد الجزاء بمباشرة المحظور عند العذر.
وكذا إفطار صوم رمضان بالإكراه من هذا القبيل.
والنوع الثاني - أن يسقط الحظر والمؤاخذة جميعاً. وذلك نحو حرمة الميتة والخمر عند الإكراه والمخمصة، حتى لو امتنع فمات، فإنه يؤاخذ (أي يأثم) بدمه.
وأما الصوم في حق المسافر في رمضان:
فعند عامة مشايخنا رحمهم الله من القسم الأول، فإن العزيمة في حق المسافر، إذا كان لا يخاف الهلاك، هو الصوم، فيكون الصوم واجبًا في حقه، لكن المؤاخذة ساقطة مع قيام الوجوب.
وعند بعض المشايخ من القسم الثاني، لأن الوجوب ساقط إلا أنه إذا ترك الترخص واشتغل بالعزيمة، يعود حكم العزيمة كما كان.
وكلا القسمين رخصة، بطريق الحقيقة، لوجود التغير عن الأمر الأصلي إلى تخفيف وتيسير، إلا أن القسم الثاني أكمل في الرخصة، لأن التيسير والتغير فيه عن الأمر الأصلي أكثر، وهو سقوط وصف الفعل وسقوط الحكم جميعاً.
فأما قصر الصلاة في حق المسافر فليس برخصة عندنا، بل هو عزيمة.
وعند الشافعي رحمه الله رخصة، لأن المشروع الأصلي في الصلاة من حيث القدر ركعتان، على ما روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصلاة في الأصل ركعتان زيدت في الحضر، وأقرت في السفر" وقال عمر رضي الله عنه: "صلاة المسافر ركعت أن [تمام] عن غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - " ثم في حق المقيم تغيرت عن الأصل وصارت أربعة لكنه تغير إلى الغلظ والشدة لا إلى التيسير والسهولة، فلا يسمى رخصة.
وقال بعض مشايخنا رحمهم الله:
الرخصة الحقيقية نوعان:
أحدهما - ما تسقط المؤاخذة فيه مع قيام الحرمة والوجوب على ما ذكرنا.
والثاني - ما تسقط المؤاخذة فيه والحرمة والوجوب مع قيام السبب المحرم والسبب الموجب. وهذا إنما يصح على قول من يقول بتخصيص العلة، ويجوز قيام السبب المحرم والموجب بلا حرمة ولا وجوب.
وقال بعض أصحاب الحديث:
إن حقيقة الرخصة ما وسع على المكلف فعله، لعذر، مع كونه حراماً في حق من لا عذر له، أو وسع على المكلف تركه، مع قيام الوجوب، في الجملة في حق غير المعذور. وسوى بين الرخص كلها وقال: لا يجوز أن تكون الرخصة حرام التحصيل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه" وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -، لعمار بن ياسر رضي الله عنه، حين أكرهه الكفار على إجراء كلمة الكفر فأجرى،: "فإن عادوا فعد"، كيف وإن بعض الرخص يجب تحصيله، كما في تناول الميتة والدم عند الإكراه والمخمصة، وكما في الإفطار إذا خاف الهلاك.
وهذا صحيح ويجب أن يكون قول أصحابنا رحمهم الله هذا، فإن معنى الرخصة السهولة واليسر، وذلك في سقوط الحظر والعقوبة جميعاً.
وأما الرخصة بطريق المجاز: فهو كل حكم شرع، في الأصل، تيسيراً، لا أنه تغير عن الأصل إلى التخفيف بعارض، لكن كان على التضييق والعسر في شريعة من قبلنا من الأمم السالفة، وذلك نحو وضع الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السالفة وصارت منسوخة، ولم يشرع مثلها في شريعتنا، بل على اليسر والسهولة. فعلى اعتبار الإضافة إلى الشريعة الماضية يشبه الرخصة فسميت بها مجازاً. فأما ما شرع في شريعتنا بطريق السهولة و اليسر كما هو في شريعة من قبلنا، كإباحة أكل الطيبات ولبس الزينة، فلا يسمى رخصة لا حقيقة ولا مجازاً.
ثم ما قيل في حد الرخصة، و هو استباحة المحظور مع قيام المحرم عبارة مشكلة: إن أريد بها إباحة المحظور مع قيام المحرم بلا حرمة، فهو قول بتخصيص العلة. وإن أريد بها إباحة المحظور مع قيام الحرمة نفسها، فهو قول بالجمع بين المتضادين، وكلاهما فاسدان.
والصحيح ما ذكرنا من العبارة، وممكن تصحيح ما ذكرنا من عبارة بعض أصحاب الحديث.
وإن ذكر حداً مقسماً بأن يقال: حد الرخصة ما وسع على المكلف بعذر. ثم ما وسع عليه نوعان: ما وسع فعله، أو ما وسع تركه - حتى يصير حداً شاملاً للقسمين [جاز].
وبعضهم صحح هذه العبارة فقال: ما رخص فيه مع كونه حراماً. وهذا لا ينفع لأن الترخيص إباحة أيضاً وإن لم يكن إباحة مطلقة- كيف وقد أمر به النَّبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال لعمار رضي الله عنه: "فإن عادوا فعد"، وأدنى درجات الأمر هو الإباحة - والله تعالى أعلم.
ومن أنواع الأحكام كون الفعل:
أداء، وقضاء، وإعادة
فنذكر تفسير هذه الجملة من حيث اللغة، وعرف الشرع.
أما الأداء والقضاء:
فلفظان يستعملان في اللغة أحدهما مكان الآخر - قال الله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض". والمراد منه الأداء، لأن صلاة الجمعة لا تقضى. وقال الله تعالى: "فإذا قضيتم مناسككم". ويقال: "قضي الدين"-. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدين مقضي" أي مؤدى.
إلا أن الأداء في اللغة ينبئ عن شدة الرعاية والمبادرة إلى تسليم عين الواجب، فيستعمل في تسليم عين الواجب على طريق المسارعة. ولهذا يقال في الثلاثي منه: "الذئب يأدو للغزال فيختله" أي يراعي حضوره شدة الرعاية، وينتهز الفرصة بالحيلة حتى يأخذه.
وأما القضاء فعبارة عن الإحكام والإتقان - قال قائلهم.
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع أي أحكم صنعتهما. ويراد به إتيان الفعل الواجب محكماً تاماً، من غير قصور من حيث المعنى. فيستعمل في تسليم مثل الواجب، كما يستعمل في تسليم عينه، لاستوائهما من حيث المعنى.
وأما في عرف الشرع:
فالأداء عبارة عن تسليم عين الواجب، في وقته المعين شرعًا أو مطلقًا.
والقضاء عبارة عن تسليم مثل الواجب في غير وقته المعين شرعًا. ثم هو أنواع: - نوع منها هو مثل الواجب من كل وجه، صورة ومعنى، بأن عقل معناه، كتسليم المثل في المثليات لعد الاستهلاك حقيقة أو تقديراً بالغصب.
- ونوع هو مثل الأول معنى لا صورة، كتسليم القيمة فيما لا مثل له من الأعيان.
- ونوع جعل مثلًا شرعًا، وإن لم يكن بينهما مشابهة من حيث الصورة والمعنى، من كل وجه، كالدية في باب القتل، والفدية في حق الشيخ الفاني، ونفقة الإحجاج مقام أداء الحج في حق المعذور على ما عرف في كتب الفقه.
وأما الإعادة:
فهي رد عين الفائت إلى يد صاحبه حال قيامه - هو موجبه في اللغة: مأخوذ من العود. وفي إعادة الأجسام والأعراض، بعد الفناء والعدم، كلام دون العقلاء يعرف في مسائل الكلام.
ولكن الإعادة المستعملة في العبادات، في عرف الشرع، هي إتيان مثل الفعل الأول على صفة الكمال، بأن وجب على المكلف فعل موصوف بصفة، فأداه على وجه النقصان، وهو نقصان فاحش -[فـ] يجب عليه الإعادة، وهي إتيان مثل الأول، ذاتاً، مع صفة الكمال على ما نذكر كيفية ذلك في مسألة: الأمر بالفعل هل يقتضي الإجزاء - إن شاء الله تعالى.
ثم عندنا ما يؤدى في خارج الوقت المعين، بعد فواته عن الوقت المعين، يكون قضاء، سواء كان وجوب الفعل ثابتًا في الوقت بأن كان أهلا للتكليف أو لم يكن الوجوب ثابتًا، لكن ليس في القضاء حرج، كالحائض والنفساء والنائم والمغمى عليه والمجنون غير المطبق ونحو ذلك.
ويعتبر وجوب الأداء في الجملة لا في حقه، ولكن يعتبر في حقه أهلية ثواب الأداء فيجب القضاء نظرًا له.
وقال بعض أصحاب الحديث: إن من وجب عليه الفعل في الوقت، ففاته، عمدًا أو سهوًا، يكون المثل في الوقت الآخر قضاء. وإن لم يكن الوجوب ثابتًا يكون أداء حقيقة، وهو فرض ثان لكن سمي قضاء مجازًا إلا أن من شرط هذا الفرض الثاني فوات الأول.
ولكن الصحيح ما ذكرنا، فإنه بالإجماع يجب عليه أن ينوي قضاء الفائت.
وبين الأداء والقضاء اختلاف في الأحكام، ولكن ليس من شرط القضاء وجوب الأداء في حق من وجب عليه. ولكن الشرط وجوب الأداء في الجملة لعموم دليله وفواته عن الوقت في حقه، مع إدراك وقت القضاء، وانتفاء الحرج عنه، على ما عرف في مسألة المجنون على الاستقصاء. والله أعلم.
ومن أنواع الأحكام كثرة من: - كون الشيء مالًا مملوكًا متقومًا - فيحتاج إلى تفسير المالية والملك والتقوم، وقد عرف ذلك في كتب الفقه ومسائل الخلاف.
- وكذا تفسير الحرية والرق، والقيد والإطلاق، ونحوها -[فـ] يذكر في كتب الفقه ومسائل الخلاف.
وإنما ذكرنا بعض ما يختص بأصول الفقه. والله الموفق.
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
أعلنت القوات المسلحة، اليوم الأحد، تنفيذ 756 عملية استهداف نوعية ودقيقة ضد مواقع وعناصر وقدرات عسكري...
دخل تركي ناظره ...دخل تركي ناظره فهد : خذه للتوقيف لين نخلص تحقيق ، ولف ع سلطان وبـ ابتسامه ساخره : إذا طلعت من هنا فك...
تهدف الندوة إلى...تهدف الندوة إلى تحويل "صدمة الحرب" إلى "فرصة استراتيجية" لإعادة بناء مفهوم الأمن الخليجي. فبعد أن أث...
تخيل أنك تعيش ف...تخيل أنك تعيش في العالم القديم، قبل أكثر من ألفي عام، وتسمع أن جيشًا غريبًا قادم من بعيد، يقوده قائد...
يمثل الذكاء الا...يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة متقدمة في مسار التحول الرقمي، لأنه لا يقتصر على رقمنة الإجراءات، بل يسمح...
ا ليتك صدقتني ....ا ليتك صدقتني .. يا طارق صالح المستشار محمد المسوري ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م في ديسمبر ٢٠٢٤م في الرياض كان...
أكدت عدد من منظ...أكدت عدد من منظمات المجتمع المدني، أن التصعيد المتواصل والانتهاكات الجسيمة لمليشيا الحوثي، أدى إلى ت...
يتناول النص سير...يتناول النص سيرة وجهود العالمة المغربية مارسيليا ألفرنسيس (التي أُشير إليها في بعض المواضع باسم سارة...
أكد مدير عام مك...أكد مدير عام مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن، المستشار أرسلان أحمد السقاف، أن توح...
مسك فهد ببرود ا...مسك فهد ببرود الملف للي فيه قضيه سلطان وفتحته وبدأ يقرأ بصوت عالي : سلطان بن سعود بن فهد متهم بحياز ...
[ إِنَّهُمْ يَر...[ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ] لايك قبل م تقرين 🤍 { Part : 2 } امر فهد تركي...
الطبيعة هي الحي...الطبيعة هي الحياة و الحياة هي الطبيعة علينا الحفاض عليها من حرائق بالتشجير واغرس النباتات واحافض علا...