لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (44%)
ويتذكر مدى حبه عند خروجه من البيت بعد غروب الشمس ليستمع إلى الشاعر بأناشيد شيله العذبة الجميلة وأخباره الغريبة والتي كانت أخته تقطع عليه استمتاعه بها عندما تأخذه بقوة وتدخله البيت لينام بعد أن تضع له أمه سائلا في عينيه يؤذيه. وهو يتألم ولكنه لا يشكو ولا يبكي لأنه كان يكره أن يكون لك أخته الصغيرة بكاء شتاء. ثم ينقل إلى زاوية في حجرة صغيرة فتاة نايمه أخته على حصير وتلقي عليه لحاف وهو لا يستطيع النوم خوفا من الأوهام والتخيلات التي كان يتصورها من الأشباح والعفن التي لا يقدر على إبعادها عنه إلا إذا لف جسمه ورأسه بلحاف. وكثيرا ما كان يستيقظ من نومه المضطرب في السحر ويظل في أوهامه حتى يسمع أصوات النساء يعدن وقد ملأنا جرار لهن بالماء، وكانت حاجة الصبي شديدة إلى خاتم الملك لأنه كان يطمع على أقل تقدير أن يحمله أحد خادم الخاتم إلى ما وراء هذه القناة، لأن شاطئ هذه القناة كان محفوفا بالمخاطر، وعن شماله سعيد الأعرابي وامرأته كوابيس المعروفين بالشر. ثم يمحى منها بعضها الأخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد. وأكل من شجرات التوت كما أكل التفاح وقطف له النعناع والريحان، كان الصبي طه حسين يعيش في أسرة كبيرة العدد، حيث كان السابعة من ثلاثة عشر من أبناء أبيه وكان يشعر بأن له مكانا خاصا يمتاز به عن إخوته وأخواته، ومن أبيه باللين والرفق وأحيانا أخرى يرى منهما الإهمال والغلظة، بينما كان يشعر من إخوته بشيء من الاحتياط في المعاملة معه، وما لبث أن تبين سبب هذا كله عندما أحس أن لغيره من الناس عليه فضلا، وحينها عرف أنه كفيف عندما سمع إخوته يصفون ما لا علم له به ويرون ما لا يراه هو. وكان أبواه يلقبونه بهذا اللقب إعجابا به. كما تعود سيدنا أن يدعوه شيخا أمام أبويه أو حين يرضى عنه، فيما عدا ذلك كان يدعوه باسمه وربما دعاه به الوالد. الحقيقة أن الصبي لم يكن جديرا بأن يدعى شيخا لأن حفظه للقرءان لم يدم طويلا حيث أهمل مراجعته فنسي حتى جاء اليوم المشؤوم حين دعاه أبوه وامتحان له في سورة الشعراء أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ولكن مضى الصبي لا يدري أين يلوم نفسه لأنه نسي القران. أم يلوم سيدنا لأنه أهمل شأنه؟ أم يلوم أباه لأنه امتحن. أقبل سيدنا إلى الكتاب فرحا بالصبي. واضطر أبوك إلى أن يعطيني هذه الجبة حيث كنت تتلو القرءان أمس بسلاسل الذهب. وكنت أحصي سنك بالحي القيوم الذي لا ينام حتى انتهى هذا الامتحان، ولكن أريد أن أخذ عليك عهدا فاتني بأن تكون وفيا لك علي الوفاء، انقطع الصبي عن الكتاب لأن فقيها أخر يختلف إلى البيت في كل يوم يتلو فيه سورة من القرءان ما كان سيدنا ويقرأ الصبي يطأها ساعة أو ساعتين ويظل بعدها حرا يعبث ويلعب، فهو لا يذهب إلى الكتاب كما يذهبون، وحيث سيدنا الحسين والسيدة زينب وغيرهما من الأولياء. ولكن لم تدم هذه السعادة طويلا بانقطاع له عن الكتاب لأن سيدنا أخذ يتوسل إلى والد طاهر حتى رضي عنه، ووافق على أن يذهب ولده طاهر مرة أخرى إلى الكتاب ليحفظ القرءان للمرة الثالثة. وأنه من الحمق الاطمئنان إلى وعيد الرجال وما يأخذون على أنفسهم من عهد، كما تعلم التحمل والصبر على شماتة إخوته على أمل أنه سيفاقم هذه البيئة كلها بعد شهر أو بعض شهر. وتغيرت حياة طه قليلا في هذه السنة للاستعداد للأزهر، حيث دفع إليه أخوه الأزهري كتابين ألفية ابن مالك ليحفظ به جملة، وكانت هذه الأسماء تقع من نفس الصبي مواقع تيه وإعجاب حيث كان لا يفهم معناها ولكنها تدل على العلم، وأن أخاه الأزهري قد حفظها وفهمها فأصبح عالما وظفر بمكانة ممتازة في نفس أبويه وإخوته وأهل القرية جميعا، وإذا رجال يحيطون به من كل جانب يحملونه، الأيام العلم بين مكانين للعلم في القرى ومدن الأقاليم. أما شيوخ القرى ومدن الأقاليم فلهم جلال ومهابة، وكان الصبي متأثرا بنفسية الريف يكبر العلماء ويكاد يؤمن بأنهم فطر من طينة نقية ممتازة غير الطينة التي فطر منها الناس جميعا. وكانت المنافسة قوية بينه وبين الفتى وخاصة في الخطبة والصلاة بالناس يوم الجمعة. وقد حال بين الشاب الأزهري وصعود المنبر لأنه حديث السن وما ينبغي له أن يصلي بالناس. فلم يكن منقطعا للعلم ولا يتخذه حرفة، وكان يجلس إلى الناس يفقهه في الدين. كان هناك علماء غير رسميين مندسين في المدينة وقراها، وكان يزدري العلماء لأنهم يأخذون علمهم من الكتب لأنه كان يرى أن العلم الصحيح هو العلم اللدني الذي يهبط على قلبك من الله وكان الصبي يأخذ عن هؤلاء العلماء جميعا لما لهم من تأثير كبير على تكوينه العقلي الذي لم يخل من اضطراب واختلاف وتناقض. الأيام سهام القدر مضت أيام الصبي بين مجالس العلم المختلفة. وإذا موتها يحول بينهم وبين الفرحة بعيد الأضحى، فما هي إلا أشهر حتى فقد الشيخ أباه وفقدت أم الصبي أمها وأخذ ينتشر. وباء الكوليرا في مصر يفتك بأهلها حتى قضى على ابن الأسرة الشاب الذي كان ينتسب إلى مدرسة الطب، فاستقر الحزن العميق في هذه الدار وتغير كل شيء أبيض شعر الأبوين، ولبست الأم السواد إلى أخر أيامها وتعودت الأسرة على زيارة القبور، فقد كان أخوه مقصرا في أداء واجباته الدينية ألزم نفسه بأن يصلي الفرض مرتين، ويقرأ القرءان ويهب ثوابه لأخيه إلى أن أصبحت تتمثل له من حين لأخر الأيام بشرى صادقة، وانطلق القطار ووصل الصبي إلى القاهرة ليجد نفسه في الأزهر يسمع الخطبة لصلاة الجمعة، فلم يجد فرقا بين الصلاة في الأزهر عن المدينة، لا هي بالأقوال ولا هي بالأقصر. وعاد الصبي إلى بيته والتي هي حجرة أخيه متخذا قرارا بدراسة الفقه والنحو والمنطق والتوحيد، ولكن أخاه نصحه بأن يدرس الفقه والنحو هذه السنة، وأخذ طالبا يحضر مع أخيه أول درس في دروس الفقه على يد الشيخ ابن عابدين علي الدر الذي كان يعمل قاضيا في الإقليم الذي تربى فيه الصبي، وعند عودة الصبي لأبيه كان يحدثه عن هذا الشيخ ومكانته في المحكمة العليا وعلاقاته، وكان الأب يقص كل ما سمعه من ابنه على أصحابه في شيء من التيه والفخار عن الأيام بين أب وابنته. إنك يا ابنتي الساذجة سليمة القلب، يعتدون بهم ويفخرون بأعمالهم مستكملا الكاتب حديثه مع ابنته عن الجهد الذي تحمله في طفولته، ولكنه يخفي عنها بعضا من مراحل حياته حتى لا يخيب أملها ولا يفتح إلى قلبها الساذج ونفسها الحلوة بابا من أبواب الحزن يذكرها جلوسها على حجره وسماعها لقصة أوديب ملكا وبكائه بعد أن فقد بصره كأبيه مكفوف لا يبصر ولا يستطيع أن يهتدي وحده إلى الطريق، مستكملا وصفا هيئته وشكله عندما أرسل إلى القاهرة في الثالثة عشرة من عمره، أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، تقتحم أمه العين في عباءته القذرة وقميصه متعدد الألوان بسبب سقوط الطعام عليه. ينظم الأكاذيب لوالديه حتى يعود إلى القرية يحدثهم بحياة كلها رغد ونعيم رفقا بهما. ويكره أن يعلم أبواه أن أخاه الأزهري يستأثر دونه بقليل من اللبن معترفا بفضل زوجته عليه، الأيام من البيت إلى الأزهر يشعر الصبي بالغربة في بداية حياته بالقاهرة، فهو يسكن بيتا غريبا يسلك إليه طريقا غريبا، ويمضي الصبي بين هذا كله مشرد النفس قد غفل أو كاد يغفل عن كل أمره ليصعد في السلم الذي سينتهي به إلى حيث يقيم. وكان الصبي على علم بأن الطبقة الأولى يسكنها أخلاط من العمال والباعة، ثم يدخل الصبي بيته فيدخل إلى غرفة أشبه ب الدهليز تجمعت فيها المرافق المادية للبيت وتنتهي إلى غرفة واسعة تجمعت فيها المرافق العقلية، مر الصبي بثلاثة أطوار أثناء مرحلة دراسته الأزهرية. فهو لم يأخذ هذا الكلام على أنه تشبيه أو مبالغة. وإلى الأزهر يريد أن يلقي نفسه في هذا البحر. وهنالك أيضا كان يقبل عليه صاحبه فيأخذه بيده من غير كلام، ويمضي به إلى مجلس أخر سيضعه فيه كما يضع المتاع وينصرف عنه، ويمضي به حتى يخرجه من الأزهر، والأخر صوت إنساني يقتربان من غرفة الصبي ثم يبتعدون، ويستيقظ الصبي كل يوم على هذين الصوتين ولكنه لم يجرؤ على أن يسأل أحدا عنهما وفي صباح يوم الجمعة سمع طرقا عنيفا على الباب. حيث كانوا يلتقون به كل يوم جمعة. وكان الصبي يشعر بالخجل والاضطراب أثناء تناوله الطعام معهم، فقد كان يخيل إليه أن عيون هؤلاء الشباب والشيخ تلحظ به. وذات يوم وصل إلى مسامع الصبي نبأ وفاة الحاج علي، ورغم ذلك كان واسع الثقة بنفسه بعيد الطمع في مستقبله. يشارك هؤلاء الطلاب في دروس الفقه والبلاغة ودرس الأستاذ الإمام محمد عبده، وكان هؤلاء الشباب يضيقون بكتب الأزهر ومناهجه متأثرين برأي أستاذهم الإمام محمد عبده الذي كان يدلهم على كتب قيمة في النحو والبلاغة والتوحيد. وكان الطلاب لا يكادون يسمعون اسم كتاب حتى يسرعوا إلى شرائه، وكان يتقرب إليهم ضعاف الطلاب أوساطهم ليعرف الناس أنهم من أصدقائهم، فإذا ما تعرضوا لبيت من الشعر نسبه هذا الشاب إلى بحر البسيط فهو لا يعرف سواه فيضحك. ولكنه أحس أخر الأمر أنه لا يستطيع مسيرتهم فأخذ يتخلف عن الدروس مكتفيا بالمشاركة معهم في الشاي والطعام والزيارات. وهو أنه كان يتجسس عليهم وعلى أستاذهم الإمام وينقل أسرارهم إلى خصومهم وإلى المحافظة. وعندما سمع هؤلاء الشباب خبر وفاته لم يحزن عليه فكل ما فعلوه أنهم رددوا قوله تعالى إنا لله وإنا إليه راجعون. فقد أقبل الأستاذ لأول مرة على مكان درسه مهرولا فعثر بيد الصبي فكاد يقطعها. كما انتهج هذا النهج في درس النحو، وساعد الصبي بأستاذه وبطريقة شرحه. وظل الصبي يستمع إلى هذين المدرسين استماعا منظم هما محتوما، ولكن كان يسأل نفسه متى أنتسب إلى الأزهر؟ وأصبح طالبا مقيدا في سجلاته؟ حتى أقبل اليوم المشهود وأنبه الصبي بأنه سيذهب إلى الامتحان في حفظ القران توطئة انتسابه إلى الأزهر. ودهش الصبي للامتحان فهو لا يدل على أي قدرة في الحفظ، فهذا دليل على أنه مرشح للانتساب للأزهر. وبهذا أصبح الصبي طالبا منتسبا إلى الأزهر. الأيام قسوة الوحدة كانت الحياة شاقة على الصبي، كما كانت وحدته في الغرفة بعد درس النحو قد ثقلت عليه حتى لم يكن يستطيع لها احتمالا، كما ثقل على أخيه الفتى اضطراره إلى أن يقود الصبي إلى الأزهر وإلى البيت مسبحا. ولكن المشكلة بلغت أقصاها عندما خرج شقيقه ذات ليلة ليظهر عند صديق سوري يسكن بعيدا، فلم يتمالك الصبي نفسه لدرجة أنه أجهش بالبكاء. وصل إلى أذن أخيه ولكن الشيخ الفتى حاول أن يدخل السرور على شقيقه بشرائه ألوانا من الحلوى. ومضى يومان حتى وصلت رسالة تفيد بأن ابن خالة الصبي سيحضر إلى القاهرة طالبا للعلم، ولن يبقى الصبي وحيدا بعد ذلك. كان الصبي يحب ابن خالته رفيق صباه، فإن ابن خالته كان يزوره ويقضي معه الشهر أو الأشهر يلعبان معا ويذهب إلى الكتاب ويقرأ من القصص، وكثيرا ما دار بينهما ألوان من الأماني والأحلام. وكثيرا ما كان يأتي ابن خالته ومعه الزاد على أنه سيذهب معه إلى القاهرة ليطلب فيها العلم معا، فلا غرابة أن يقع خبر قدوم ابن خالته موقعا حسنا من نفس الصبي، وظل الصبي ينتظر قدوم ابن خالته في قلق إلى أن سمع قدمين يضربان أرض الربع لأول مرة، فهذا ابن خالته يلقي عليه سلاما ضاحكا ثم يتعانقان ضاحكين. إلا أنه عرف هو وصديقه كيف يقتصد ويمتع أنفسهما ببعض ما كانت تتوق نفوسهم إليه من أطيب الطعام والشراب. وحرص الصبي على المواظبة على حضور دروس الفقه والنحو، ولكنه كان يطمع أن يسمع لغيره من الشيوخ فحضر شرح الكفراوي على يد شيخ جديد في الدرجة قديم في الصلة بالأزهر، يعامل طلابه بقسوة، ومن هنا ابتعد الطلاب عن سؤاله وخلوا بينه وبين شرح الدرس فقط. ثم القراءة والاطلاع على الكتب المختلفة حتى تغرب الشمس فيذهب لدرس المغرب في المنطق مع الكبار على يد شيخ لم يأخذ شهادة العالمية، وترى ذلك دلالة على الجد والاجتهاد، ولكنه وجد نفسه في القطار إلى قريته أخيه في الريف. استقبل الصبي في البلدة استقبالا فاترا، وتمرد الصبي على أراء والديه وأهل قريته ومعتقداتهم لتوسع رسلهم بالأنبياء والأولياء والتي قد توارثوها عن الأباء والأجداد وبأنها لا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي. ولكن الصبي أصر على أرائه بينما قال بعض من أهل القرية لبعضهم إن هذا الصبي ضال مضل قد ذهب إلى القاهرة فسمع مقالات الشيخ محمد عبده الضارة وراءه الفاسدة المفسدة ثم عاد بها إلى المدينة ليضل الناس وعلى الرغم من رفض الأب لأراء ابنه إلا أنه كان فرحا به، ورأى الصبي نفسه يعود إلى القاهرة مع صاحبه وأخوه يتلقاه مبتسما في محطة القطار ليعود إلى الربع. الأيام وحدة الصبي في غرفته كانت الوحدة المتصلة مصدر عذاب الصبي بعد عودته من الأزهر، حيث قبل العصر كان أخوه يتركه وحيدا ويذهب ليلقى أصحابه في غرفة أخرى من غرفة الربع وينفقون وقتا طويلا أو قصيرا في شيء من الراحة والدعابة والتندر بالشيوخ والطلاب. ويمتلئ قلبه بالأسى والحزن لأنه لا يستطيع أن يتحرك من مجلسه، وكان الحنين يأخذه إلى منزله في قريته. وكيف كان سعيدا بحياته بعد عودته من الكتاب مازحا مع اخوته ومتعة محدثا مع أهل قريته. وكان السكون يطول على الصبي فيجده. وعندما يدعو مؤذن المغرب إلى الصلاة يعرف الصبي أن الليل قد أقبل ويقدر في نفسه الظلمة التي كان لها صوت يشبه طنين البعوض. وعندما يؤذن المؤذن لصلاة العشاء يشعر الصبي بأمل قصير يتبعه يأس طويل لأن أخاه قد انتهى من درس الأستاذ الإمام محمد عبده وسيقبل عليه بعد قليل ليضيء المصباح فيشرع في الغرفة شيئا من الأنس. ولكن بعد أن يلقي له أخوه الوسادة ليضع رأسه عليها و اللحاف الذي سيلف فيه لينام يطفئ المصباح ثم ينصرف فيعود الصبي إلى عرقه ويأتيه مرة أخرى حتى يرجع أخوه من إعداده لدرس الغد مع أصحابه، وإنما كان ينتظر عودة أخيه حتى يحس بالأمن. الأيام إقبال الصبي على الأدب. واتصل الصبي بالأدب بشكل مضطرب مختلط بسبب أخيه الذي كان يحفظ بعضا من معلقات الشعر، وبعدها بقليل عدل عنها ليحفظ خطبا من كتاب نهج البلاغة ويحفظ الصبي معه، فكان لا يسمع من الشيخ كلمة إلا حفظها، فأحبه الشيخ المصفي وأخذ يصحبه إلى باب الأزهر بعد الدرس وأحيانا يبعد معه في السير، ويقرأون كل دواوين الشعر بما فيها من شعر المجون، وكلف المصفي بقراءة المغني لابن هشام، والثاني جعل أباه يسعى له في إصلاح أمره، أما الفتى فقد كتب مقالا وذهب به إلى جريدة تدعو إلى حرية الرأي ولكن مدير الجريدة بعد قراءته للمقال وعده بحل المشكلة حتى تبين للفتاة أن شيخ الجامع لم يعاقبهم بمحو أسمائهم وإنما أراد تخويفهم.
النص الأصلي
بدأ الكاتب يتذكر يوما من أيام طفولته لا يستطيع تحديد وقته، ولكنه يرجح أنه كان في فجر ذلك اليوم أو في عشائه لأن نوره كان هادئا خفيفا، وهوائها كان باردا، وحركة الناس فيه قليلة، حيث بدأ يتذكر السياج وأسوار القصب التي لم يكن يقدر أن يتخطاها ويحصد الأرانب التي كانت تقدر على ذلك في سهولة. ويتذكر مدى حبه عند خروجه من البيت بعد غروب الشمس ليستمع إلى الشاعر بأناشيد شيله العذبة الجميلة وأخباره الغريبة والتي كانت أخته تقطع عليه استمتاعه بها عندما تأخذه بقوة وتدخله البيت لينام بعد أن تضع له أمه سائلا في عينيه يؤذيه. وهو يتألم ولكنه لا يشكو ولا يبكي لأنه كان يكره أن يكون لك أخته الصغيرة بكاء شتاء. ثم ينقل إلى زاوية في حجرة صغيرة فتاة نايمه أخته على حصير وتلقي عليه لحاف وهو لا يستطيع النوم خوفا من الأوهام والتخيلات التي كان يتصورها من الأشباح والعفن التي لا يقدر على إبعادها عنه إلا إذا لف جسمه ورأسه بلحاف. وكثيرا ما كان يستيقظ من نومه المضطرب في السحر ويظل في أوهامه حتى يسمع أصوات النساء يعدن وقد ملأنا جرار لهن بالماء، فيعرف أنه قد . بزغ الفجر فيصبح هو عفريت أشد حركة ونشاطا مع اخوته.وتعود الضوضاء إلى المنزل. ولكن تهدأ الحركة عندما يستيقظ والده من النوم ويدعو الإبريق، يتوضأ ويصلي ويقرأ ورده ويشرب قهوته ويمضي إلى عمله الأيام ذاكرة صبي كان عرض القناة في القرية التي يقطنها الصبي ضئيلا يمكن أن يجتازها الشباب النشيط قفزا أو يعبرها الرجال وهي ممتلئة دون أن يبلغ الماء فيهم. وحين ينقطع عنها الماء تصبح حفرة مستطيلة يبحث فيها الصبيان عن صغار الأسماك. ولكن الصبية كان يظنها بالشيء المختلف عالما أخر مستقلا عن العالم الذي يعيشه، تعبرها كائنات غريبة كا التماسيح التي تبتلع الناس والمسحوقين الذين يعيشون تحت مائها، والأسماك الطوال التي تبتلع الأطفال، والتي قد يتاح لبعضهم أن يظفروا في بطونهم بخاتم سليمان. وكانت حاجة الصبي شديدة إلى خاتم الملك لأنه كان يطمع على أقل تقدير أن يحمله أحد خادم الخاتم إلى ما وراء هذه القناة، لأن شاطئ هذه القناة كان محفوفا بالمخاطر، فعن يمينه يوجد العلويون وكلامهم، وعن شماله سعيد الأعرابي وامرأته كوابيس المعروفين بالشر. ذكر الكاتب أن ذاكرة الإنسان غريبة حين تحاول استعراض حوادث الطفولة، فهي تتمثل بعض هذه الحوادث واضحة جلية، ثم يمحى منها بعضها الأخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد. ثم أخذ يتذكر أحداث طفولته عندما عبر القناة على كتف أحد إخوته، وأكل من شجرات التوت كما أكل التفاح وقطف له النعناع والريحان، ولكنه عجز أن يتذكر كيف استحالت حالة الأرض وتغير وجهها من طوره الأول إلى هذا الطور الجديد. كان الصبي طه حسين يعيش في أسرة كبيرة العدد، حيث كان السابعة من ثلاثة عشر من أبناء أبيه وكان يشعر بأن له مكانا خاصا يمتاز به عن إخوته وأخواته، ولكنه ليس على يقين إن كان هذا المكان يرضيه أم كان يؤذيه. فأحيانا كان يشعر من أمه بالرحمة والرأفة، ومن أبيه باللين والرفق وأحيانا أخرى يرى منهما الإهمال والغلظة، بينما كان يشعر من إخوته بشيء من الاحتياط في المعاملة معه، وكان هذا يضايقه. وما لبث أن تبين سبب هذا كله عندما أحس أن لغيره من الناس عليه فضلا، وأن إخوته وأخواته يستطيعون ما لا يستطيع، وأن أمه تأذن لإخوته في أشياء تحظرها عليه، وحينها عرف أنه كفيف عندما سمع إخوته يصفون ما لا علم له به ويرون ما لا يراه هو. في. الأيام مرارة الفشل. أطلق لفظ الشيخ على الصبي وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره لأنه حفظ القرءان الكريم. وكان أبواه يلقبونه بهذا اللقب إعجابا به. وكان الصبي ينتظر شيئا أخر من مظاهر المكافأة وهو أن يرتدي الجبة والقفطان. كما تعود سيدنا أن يدعوه شيخا أمام أبويه أو حين يرضى عنه، أو حين يريد أن يترك رضاه لأمر من الأمور. فيما عدا ذلك كان يدعوه باسمه وربما دعاه به الوالد. الحقيقة أن الصبي لم يكن جديرا بأن يدعى شيخا لأن حفظه للقرءان لم يدم طويلا حيث أهمل مراجعته فنسي حتى جاء اليوم المشؤوم حين دعاه أبوه وامتحان له في سورة الشعراء أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم طه ياسين ميم طه ياسين ميم طه ياسين ميم. فقرأ سورة النمل طه ياسين طه سنين فقرأ سورة القصص توسيع ميم طه حسين، ميم قم. فقد كنت أحسب أنك حفظت القرءان. قام الفتى خجلا يتصبب عرقا. وأخذ صديق الشيخ يبرر موقف الصبي بالخجل وصغار السن. ولكن مضى الصبي لا يدري أين يلوم نفسه لأنه نسي القران. أم يلوم سيدنا لأنه أهمل شأنه؟ أم يلوم أباه لأنه امتحن. الأيام. الشيخ الكبير. أقبل سيدنا إلى الكتاب فرحا بالصبي. يا شيخ طاهر. اليوم أنت تستحق أن تدعى شيخا. فقد رفعت رأسي وبيض وجهي وشرفت لحيتي أمس. واضطر أبوك إلى أن يعطيني هذه الجبة حيث كنت تتلو القرءان أمس بسلاسل الذهب. وكنت على النار مخافة أن تزل أو تنحرف، وكنت أحصي سنك بالحي القيوم الذي لا ينام حتى انتهى هذا الامتحان، واليوم أنا أعفيت من القراءة، ولكن أريد أن أخذ عليك عهدا فاتني بأن تكون وفيا لك علي الوفاء، أعطني يدك هذه لحيتي أسلمه إياها، وأريدك أن لا تبينها، فقل والله العظيم ثلاثا وحق. وحق القرءان المجيد لقاؤه نها. إذن كم في القرءان من جزء. ثلاثون. وكم نشتغل في الكتاب من يوم خمسة أيام فإذا أردت أن تقرأ القرءان مرة في كل أسبوع فكم تقرأ من جزء كل يوم ستة أجزاء. ودعا سيدنا العريف وأخذ عليه عهدا مثله لا يسمي عندنا للصبي في كل يوم ستة أجزاء من القرءان وأودعه شرفه وكرامة لحيته ومكانة الكتاب في البلد. الأيام سعادة لا تدوم. انقطع الصبي عن الكتاب لأن فقيها أخر يختلف إلى البيت في كل يوم يتلو فيه سورة من القرءان ما كان سيدنا ويقرأ الصبي يطأها ساعة أو ساعتين ويظل بعدها حرا يعبث ويلعب، وكان أصحابه يقبلون عليه عصرا بعد انصرافهم من الكتاب فيقصد عليه يومهم، وكان طه يلهو بذلك ويظهر لهم عيوب وسيئات سيدنا والعريف معتقدا أنه لن يلقاه ما بعد ذلك. وكان طاهر لا يشعر بشيء من التفوق على أترابه، فهو لا يذهب إلى الكتاب كما يذهبون، وإنما يسعى إليه الفقيه سعيا، وسيسافر إلى القاهرة حيث الأزهر، وحيث سيدنا الحسين والسيدة زينب وغيرهما من الأولياء. ولكن لم تدم هذه السعادة طويلا بانقطاع له عن الكتاب لأن سيدنا أخذ يتوسل إلى والد طاهر حتى رضي عنه، ووافق على أن يذهب ولده طاهر مرة أخرى إلى الكتاب ليحفظ القرءان للمرة الثالثة. وعاد طه كارها ونال تأنيب من أخطاء أمام زملائه الذين كانوا ينقلون ذلك إليهما. كانت هذه المحنة كفيلة أن تعلم منها طاهر درسا وهو الاحتياط في اللفظ، وأنه من الحمق الاطمئنان إلى وعيد الرجال وما يأخذون على أنفسهم من عهد، كما تعلم التحمل والصبر على شماتة إخوته على أمل أنه سيفاقم هذه البيئة كلها بعد شهر أو بعض شهر. الأيام الاستعداد للأزهر! تأجل سفر طه إلى الأزهر سنة أخرى، حيث كان لا يزال صغيرا، ولم يكن أخوه يحب أن يحتمله. وتغيرت حياة طه قليلا في هذه السنة للاستعداد للأزهر، حيث دفع إليه أخوه الأزهري كتابين ألفية ابن مالك ليحفظ به جملة، ومجموع المتون ليس لتظهر منه صفحات مختلفة. وكانت هذه الأسماء تقع من نفس الصبي مواقع تيه وإعجاب حيث كان لا يفهم معناها ولكنها تدل على العلم، وأن أخاه الأزهري قد حفظها وفهمها فأصبح عالما وظفر بمكانة ممتازة في نفس أبويه وإخوته وأهل القرية جميعا، فكانوا يتحدثون بعودته قبل أن يعود بشهر، حتى إذا جاء أقبلوا إليه فرحين متوسلين إليه أن يقرأ لهم درسا في التوحيد أو الفقه، جاعلين منه خليفة يوما المولد النبوي مرتديا ثيابه الجديدة من قفطان وجبة، وشال من الكشمير على كتفيه، وعمامة خضراء، وإذا رجال يحيطون به من كل جانب يحملونه، ويضعونه على السرج المجهز على ظهر الفرس، وإذا البنادق تطلق في الفضاء، والنساء تزغرد من كل ناحية، والجو مليء برائحة البخور كل ذلك لأن الفتى الأزهري قد اتخذ في هذا اليوم خليفة من دون غيره من الشبان. الأيام العلم بين مكانين للعلم في القرى ومدن الأقاليم. جلال ليس له مثله في العاصمة تبعا لقانون العرض والطلب، فالعلماء في القاهرة يروحون ويغدو من لا يحفل بهم أحد غير تلاميذهم، أما شيوخ القرى ومدن الأقاليم فلهم جلال ومهابة، ويستمع لهم الناس مع شيء من الإكبار. وكان الصبي متأثرا بنفسية الريف يكبر العلماء ويكاد يؤمن بأنهم فطر من طينة نقية ممتازة غير الطينة التي فطر منها الناس جميعا. وكان علماء المدينة ثلاثة أو أربعة منهم كاتب المحكمة الشرعية كان قصيرا ضخما غليظ الصوت، لم يفلح في أخذ المؤهل العالي من الأزهر كثير الفخر بأخيه القاضي، وكان حنفي المذهب، وكانت المنافسة قوية بينه وبين الفتى وخاصة في الخطبة والصلاة بالناس يوم الجمعة. وقد حال بين الشاب الأزهري وصعود المنبر لأنه حديث السن وما ينبغي له أن يصلي بالناس. إمام المسجد الشافعي المذهب، وكان معروفا بالتقوى والورع، يقدسه الناس، يتبركون به، يلتمسون عنده شفاء مرضاهم، وقضاء حاجاتهم. الشيخ الثالث كان مالكي المذهب، فلم يكن منقطعا للعلم ولا يتخذه حرفة، وإنما كان يعمل بالتجارة والزراعة، وكان يجلس إلى الناس يفقهه في الدين. كان هناك علماء غير رسميين مندسين في المدينة وقراها، منهم الخياط الذي عرف بالبخل، وكان يزدري العلماء لأنهم يأخذون علمهم من الكتب لأنه كان يرى أن العلم الصحيح هو العلم اللدني الذي يهبط على قلبك من الله وكان الصبي يأخذ عن هؤلاء العلماء جميعا لما لهم من تأثير كبير على تكوينه العقلي الذي لم يخل من اضطراب واختلاف وتناقض. الأيام سهام القدر مضت أيام الصبي بين مجالس العلم المختلفة. لا هي بالخلوة ولا هي بالمرة. حتى جاء اليوم الذي ذاق فيه طه الصبي الألم، وهو يوم موت أخته الصغرى التي كانت تدخل على الأسرة البهجة والسرور، وإذا موتها يحول بينهم وبين الفرحة بعيد الأضحى، وخاصة أنه كان بسبب الإهمال وعدم العناية بها ومتابعة مرضها ووقايتهم وسرعة علاجها منذ ذلك اليوم اتصلت أواصر الحزن بأسرة طه، فما هي إلا أشهر حتى فقد الشيخ أباه وفقدت أم الصبي أمها وأخذ ينتشر. وباء الكوليرا في مصر يفتك بأهلها حتى قضى على ابن الأسرة الشاب الذي كان ينتسب إلى مدرسة الطب، فاستقر الحزن العميق في هذه الدار وتغير كل شيء أبيض شعر الأبوين، ولبست الأم السواد إلى أخر أيامها وتعودت الأسرة على زيارة القبور، وتغيرت نفسية طه حزنا وكمدا، وبدأ يتقرب إلى الله ويقضي حق الوفاء لأخيه، فقد كان أخوه مقصرا في أداء واجباته الدينية ألزم نفسه بأن يصلي الفرض مرتين، ويصوم في العام شهرين، ويقرأ القرءان ويهب ثوابه لأخيه إلى أن أصبحت تتمثل له من حين لأخر الأيام بشرى صادقة، أما في هذه المرة ستذهب إلى القاهرة مع أخيك وستصبح مجاورا ستجدد في طلب العلم، وأنا أرجو أن أعيش حتى أرى أخاك قاضيا. وأراك من علماء الأزهر قد جلست إلى أحد أعمدته ومن حولك حلقة واسعة بعيدة المدى. هذا ما كان يتمناه الشيخ لابنه. وجاء اليوم الذي انتظر فيه الصبي تحقيق هذه الأمنية وجلس في المحطة، ولكنه كان حزينا كئيبا منكسر الرأس، يتذكر أخاه الفقيد وأنه كان سيصير معهما في القاهرة تلميذا في مدرسة الطب. وانطلق القطار ووصل الصبي إلى القاهرة ليجد نفسه في الأزهر يسمع الخطبة لصلاة الجمعة، فلم يجد فرقا بين الصلاة في الأزهر عن المدينة، لا هي بالأقوال ولا هي بالأقصر. وعاد الصبي إلى بيته والتي هي حجرة أخيه متخذا قرارا بدراسة الفقه والنحو والمنطق والتوحيد، ولكن أخاه نصحه بأن يدرس الفقه والنحو هذه السنة، وأخذ طالبا يحضر مع أخيه أول درس في دروس الفقه على يد الشيخ ابن عابدين علي الدر الذي كان يعمل قاضيا في الإقليم الذي تربى فيه الصبي، وعند عودة الصبي لأبيه كان يحدثه عن هذا الشيخ ومكانته في المحكمة العليا وعلاقاته، وأنه هو ورفاقه من أخص تلاميذه، كما كان يصف له بيت الشيخ وحجرة استقباله ودار كتبه، وكان الأب يقص كل ما سمعه من ابنه على أصحابه في شيء من التيه والفخار عن الأيام بين أب وابنته. إنك يا ابنتي الساذجة سليمة القلب، طيبة النفس في سن التاسعة السن التي يعجب فيها الأطفال بأبنائهم وأمهاتهم، ويتخذون لهم مثلا أعلى في الحياة، يعتدون بهم ويفخرون بأعمالهم مستكملا الكاتب حديثه مع ابنته عن الجهد الذي تحمله في طفولته، ولكنه يخفي عنها بعضا من مراحل حياته حتى لا يخيب أملها ولا يفتح إلى قلبها الساذج ونفسها الحلوة بابا من أبواب الحزن يذكرها جلوسها على حجره وسماعها لقصة أوديب ملكا وبكائه بعد أن فقد بصره كأبيه مكفوف لا يبصر ولا يستطيع أن يهتدي وحده إلى الطريق، مستكملا وصفا هيئته وشكله عندما أرسل إلى القاهرة في الثالثة عشرة من عمره، نحيفا شاحب اللون، مهمل الزي، أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، تقتحم أمه العين في عباءته القذرة وقميصه متعدد الألوان بسبب سقوط الطعام عليه. نعله البالية مرقعة لا يأكل إلا لونا واحدا من الطعام، ومع ذلك كان مبتسما للحياة، محروما لا يكاد يشعر بالحرمان، ينظم الأكاذيب لوالديه حتى يعود إلى القرية يحدثهم بحياة كلها رغد ونعيم رفقا بهما. ويكره أن يعلم أبواه أن أخاه الأزهري يستأثر دونه بقليل من اللبن معترفا بفضل زوجته عليه، فهي التي حولت حياته من البؤس واليأس والفقر والشقاء إلى النعيم والأمل والغنى والسعادة والصفوة. الأيام من البيت إلى الأزهر يشعر الصبي بالغربة في بداية حياته بالقاهرة، فهو يسكن بيتا غريبا يسلك إليه طريقا غريبا، فإذا عاد من الأزهر يدخل من باب يفتح بالنهار ويغلق في الليل، وعندما كان يتجاوز مكان القهوة يخرج إلى طريق مكشوف ولكنه ضيق قذر تأخذ أنفه تلك الروائح الغريبة المنكرة بينما تأخذ أذنيه أصوات مختلطة تلتقي في الجو كأنها سحاب الرقيق من فوق رأس الصبي. ويمضي الصبي بين هذا كله مشرد النفس قد غفل أو كاد يغفل عن كل أمره ليصعد في السلم الذي سينتهي به إلى حيث يقيم. وكان هذا السلم متوسطا ليس بجديد السعة ولا شديد الضيق قد اتخذ درجه من الحجر، ولكن مع تراكم التراب الكثيف عليه خيل إلي الصاعد والهابطة فيه أنه من الطين. وكان الصبي على علم بأن الطبقة الأولى يسكنها أخلاط من العمال والباعة، ولكنه كان يمضي مصعدا حتى يبلغ الطبقة الثانية، ويستقبل الهواء النقي كما يسمع الببغاء التي تئن ثم ينحرف نحو اليمين فيمر بطريق ضيق أمام بيتين يسكنه هما رجلان من فارس. ثم يدخل الصبي بيته فيدخل إلى غرفة أشبه ب الدهليز تجمعت فيها المرافق المادية للبيت وتنتهي إلى غرفة واسعة تجمعت فيها المرافق العقلية، وهي أيضا غرفة النوم والطعام والحديث والسمر والقراءة والدرس، وفيها الكتب وأدوات الشاي ورقائق الطعام. وكان مجلس الصبي معروفا، فإذا دخل الغرفة يمضي خطوة أو خطوتين فيجد حصير قد بسط على الأرض ألقي عليه بساط قديم هنالك يجلس أثناء النهار وينام فيه أثناء الليل. الأيام حب الصبي للأزهر. مر الصبي بثلاثة أطوار أثناء مرحلة دراسته الأزهرية. الطور الأول حياته في غرفته التي أحس فيها بالغربة، لوحدته فيها ولأهله، بأحداثها وتفاصيلها وضيقه بها هوائها الثقيل. أما الطور الثاني فطريق أمه من مسكنه إلى الأزهر، وكان فيه مشرد النفس حائرا مضطربا مشغولا باختلاط الأصوات والحركات من حوله. أما الطور الثالث فهو في أروقة الأزهر والتي كان يجد فيها الراحة والأمن والطمأنينة والاستقرار وكان الصبي يريد أن ينفق حياته كلها في العلم، وأن يبلغ منه أكثر ما يستطيع أن يبلغ، فقد سمع من أبيه الشيخ. إن العلم بحر لا ساحل له. فهو لم يأخذ هذا الكلام على أنه تشبيه أو مبالغة. وإنما على أنها حقيقة. وأقبل إلى القاهرة. وإلى الأزهر يريد أن يلقي نفسه في هذا البحر. ويشرب منه ما شاء الله له أن يشرب. ثم يموت فيه غرقا. وحين كان ينتهي من صلاة الفجر يشده صاحبه ويجلس بجانب عمود من الأعمدة المباركة. وبعد أن ينتهي درس الفجر يبدأ درس الصبح. وهنالك أيضا كان يقبل عليه صاحبه فيأخذه بيده من غير كلام، يجذبه في غير رفق، ويمضي به إلى مجلس أخر سيضعه فيه كما يضع المتاع وينصرف عنه، ثم يبقى هو في مكانه لا يتحول عنه حتى يعود إليه صاحبه من سيدنا الحسين حيث كان يسمع درس الفقه فيأخذه بيده من غير كلام يجذبه في غير رفق، ويمضي به حتى يخرجه من الأزهر، ويرده إلى طوره الثاني، ثم إلى طوره الأول. الأيام الحاج علي وشباب الأزهر. يستيقظ الصبي مفزوعا على صوتين أحدهما صوت عصا غليظة، والأخر صوت إنساني يقتربان من غرفة الصبي ثم يبتعدون، ويظل الصبي يفكر فيهما ويبحث عن مصدرهما ولكنه ولكنه لم يظفر به طائل. ويستيقظ الصبي كل يوم على هذين الصوتين ولكنه لم يجرؤ على أن يسأل أحدا عنهما وفي صباح يوم الجمعة سمع طرقا عنيفا على الباب. كان هذا الطرق لصاحب الصوتين. حينها عرف أن مصدر هذين الصوتين الحاج علي وعصا الحاج علي قد جاوز السبعين من عمره، ولكنه محتفظ بقوته. وقد كان فيما مضى تاجرا للأرز، لذلك كان يطلق عليه الحاج علي الرزاز، ولما تقدمت به السن ترك التجارة. وقد كان الشيخ علي أسرع الناس مخاطرا وظروفهم نكتة، وأطولها لسانا وأخف دعابة متكلفا التقوى والورع يصلي الفجر وجميع الصلوات ويذكر الله كثيرا، ورغم ذلك فقد كان يتتبع عيوب الناس وكانوا طلاب الربع يجدون عنده الراحة من عناء العلم وثقله ويمرحون ويلعبون، حيث كانوا يلتقون به كل يوم جمعة. والمعروف لديهم أن يوم الجمعة هو يوم البطون، حيث كانوا يصنعون فيه الطعام الشهي الذي تثير رائحته العمال والفقراء ويشعرهم بالحرمان ويكتفون بالاستمتاع بالرائحة. وكان الصبي يشعر بالخجل والاضطراب أثناء تناوله الطعام معهم، فقد كان يخيل إليه أن عيون هؤلاء الشباب والشيخ تلحظ به. وتمضي الأيام والشهور وتتفرق الجماعة وينسى الشيخ. وذات يوم وصل إلى مسامع الصبي نبأ وفاة الحاج علي، فحزن لذلك حزنا شديدا ودعا له بالرحمة الأيام الإمام محمد عبده والأزهر. كانت هناك غرفة أخرى من غرفة الربع مصدر سعادة. والفكاهة لهؤلاء الشباب كان يسكنها شاب أكبر وأقدم منهم عهدا بالأزهر. كان نحيف الصوت عقله محدود، ورغم ذلك كان واسع الثقة بنفسه بعيد الطمع في مستقبله. يشارك هؤلاء الطلاب في دروس الفقه والبلاغة ودرس الأستاذ الإمام محمد عبده، وكان هؤلاء الشباب يضيقون بكتب الأزهر ومناهجه متأثرين برأي أستاذهم الإمام محمد عبده الذي كان يدلهم على كتب قيمة في النحو والبلاغة والتوحيد. لا تدرس في الأزهر، وكان الطلاب لا يكادون يسمعون اسم كتاب حتى يسرعوا إلى شرائه، وإن تعذر استعاره من مكتبة الأزهر، وكان يدفعهم إلى ذلك حبهم الصادق للإمام ورغبتهم في العلم والاطلاع وكانوا يفخرون بكونهم من تلاميذه حتى عرفوا في الأزهر كله بامتيازات لهم وتفوقهم، وكان يتقرب إليهم ضعاف الطلاب أوساطهم ليعرف الناس أنهم من أصدقائهم، ومنهم الشاب الذي كان يسكن الغرفة وأخذ يتصل هذا الشاب بهؤلاء الشباب، ولكنه كان مثار ضحكهم بسبب جهله والادعاء أنه علم العروض، فإذا ما تعرضوا لبيت من الشعر نسبه هذا الشاب إلى بحر البسيط فهو لا يعرف سواه فيضحك. هو يستهزئون وهو مبتسم راض، ولكنه أحس أخر الأمر أنه لا يستطيع مسيرتهم فأخذ يتخلف عن الدروس مكتفيا بالمشاركة معهم في الشاي والطعام والزيارات. وارتقت حياة هؤلاء الشباب بفضل تفوقهم، فهم يتصلون بأبناء الأسر الغنية الثرية الذين كانوا يطلبون العلم في الأزهر. والشاب يشاركهم اتصالهم بأبناء الأثرياء. وتمضي الأيام يتفرق هؤلاء الشباب ولكن الشاب لا ينساهم حيث كان يزورهم من حين لأخر إلى أن حدثت محنة سياسية معروفة في ذاك الوقت جعلته يخسر فيها أصدقاءه، وهو أنه كان يتجسس عليهم وعلى أستاذهم الإمام وينقل أسرارهم إلى خصومهم وإلى المحافظة. وعندما سمع هؤلاء الشباب خبر وفاته لم يحزن عليه فكل ما فعلوه أنهم رددوا قوله تعالى إنا لله وإنا إليه راجعون. الأيام انتساب الصبي للأزهر. ما كاد الصبي يستقر في ربعه حتى أسلمه أخوه إلى أستاذ جديد قد ظفر بالدرجة حديثا، بارعا في العلوم الأزهرية، مشهورا بالذكاء، ولكن كان ذكاؤه مقصورا على العلم. وقد عرف الصبي أستاذه من طريقة مشيه ومن قدميه، فقد أقبل الأستاذ لأول مرة على مكان درسه مهرولا فعثر بيد الصبي فكاد يقطعها. ولم يبدأ الأستاذ الجديد درسه الأول في الفقه بالقراءة من كتاب كما تعود الشيوخ، ولكنه انتهج طريقة جديدة في التدريس وهو أنه سيعلم فهم الفقه في غير كتاب، كما انتهج هذا النهج في درس النحو، وساعد الصبي بأستاذه وبطريقة شرحه. وظل الصبي يستمع إلى هذين المدرسين استماعا منظم هما محتوما، ولكن كان يسأل نفسه متى أنتسب إلى الأزهر؟ وأصبح طالبا مقيدا في سجلاته؟ حتى أقبل اليوم المشهود وأنبه الصبي بأنه سيذهب إلى الامتحان في حفظ القران توطئة انتسابه إلى الأزهر. ولم يكن الصبي قد تهيأ لذلك فقد خفق قلبه واضطربت نفسه حتى دعاه أحد الممتحنين بقوله أقبل يا أعمى وقد وقعت هذه الجملة من أذنه ومن قلبه ووقع. ودهش الصبي للامتحان فهو لا يدل على أي قدرة في الحفظ، ولكنه انصرف راضيا عن نجاحه كارها الممتحنين محتقرا لامتحان لهما، ولكنه سعيد بالسؤال الذي دار حول معصمه. فهذا دليل على أنه مرشح للانتساب للأزهر. حتى جاء يوم الكشف الطبي وأخذ الطبيب ذراع الصبي وخط فيها خطوطا. وبهذا أصبح الصبي طالبا منتسبا إلى الأزهر. الأيام قسوة الوحدة كانت الحياة شاقة على الصبي، حيث كان يرى أن ما يقدم إليه من العلم قليل، وهو يتشوق إلى أن يشهد أكثر مما كان يشهد من الدروس، كما كانت وحدته في الغرفة بعد درس النحو قد ثقلت عليه حتى لم يكن يستطيع لها احتمالا، كما ثقل على أخيه الفتى اضطراره إلى أن يقود الصبي إلى الأزهر وإلى البيت مسبحا. ومما نسيا وثقل عليه أيضا أن يترك الصبي وحده أكثر الوقت، ولم يكن يستطيع أن يفعل غير هذا، فلم يكن من الممكن ولا من الملائم أن يهجر أصدقاءه ويتخلف عن دروسه، ويقيم في تلك الغرفة ملازما الصبي مؤنس له، ولكن المشكلة بلغت أقصاها عندما خرج شقيقه ذات ليلة ليظهر عند صديق سوري يسكن بعيدا، فلم يتمالك الصبي نفسه لدرجة أنه أجهش بالبكاء. وصل إلى أذن أخيه ولكن الشيخ الفتى حاول أن يدخل السرور على شقيقه بشرائه ألوانا من الحلوى. ومضى يومان حتى وصلت رسالة تفيد بأن ابن خالة الصبي سيحضر إلى القاهرة طالبا للعلم، وسيكون مؤنس ورفيقا له، ولن يبقى الصبي وحيدا بعد ذلك. الأيام فرحة الصبي. كان الصبي يحب ابن خالته رفيق صباه، رغم أنه كان يسكن بعيدا عنه، فإن ابن خالته كان يزوره ويقضي معه الشهر أو الأشهر يلعبان معا ويذهب إلى الكتاب ويقرأ من القصص، وكثيرا ما دار بينهما ألوان من الأماني والأحلام. وكثيرا ما كان يأتي ابن خالته ومعه الزاد على أنه سيذهب معه إلى القاهرة ليطلب فيها العلم معا، إلا أن الشيخ الفتى كان يرى أن الوقت لم يحن، فهو أحزنني كثيرا، فلا غرابة أن يقع خبر قدوم ابن خالته موقعا حسنا من نفس الصبي، وبات الصبي ليلته أرقا أمنا مطمئنا لا يرهب شيئا فرحا مبتهجا. وظل الصبي ينتظر قدوم ابن خالته في قلق إلى أن سمع قدمين يضربان أرض الربع لأول مرة، فلا يتردد الصبي في معرفتهما. فهذا ابن خالته يلقي عليه سلاما ضاحكا ثم يتعانقان ضاحكين. وهذا سائق العربة قد حمل ما أرسلته الأسرة من زاد. ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياة الصبي كلها ولم يعد يشعر بالعزلة. الأيام تغير حياة الصبي. تغيرت الحياة المادية للصبي. فقد هجر مجلسه من الغرفة التي كان ينام فيها فأصبح يقضي يومه أو أكثره في الأزهر وما حوله من مساجد لحضور دروسه. وأصبح يجلس مع صديقه أمام الغرفة يلهون بالحديث قليلا وبقراءة كثيرا، وتعرف الصبي على الرابع وشؤون أهله. وبالرغم من أن أخاه الشيخ خصص له مقدارا بسيطا من النقد لا يتجاوز القرش الواحد إلى جانب درايته من الأزهر، إلا أنه عرف هو وصديقه كيف يقتصد ويمتع أنفسهما ببعض ما كانت تتوق نفوسهم إليه من أطيب الطعام والشراب. وحرص الصبي على المواظبة على حضور دروس الفقه والنحو، ولكنه كان يطمع أن يسمع لغيره من الشيوخ فحضر شرح الكفراوي على يد شيخ جديد في الدرجة قديم في الصلة بالأزهر، ولكن هذا الشيخ كان غليظ الطبع عنيفا سريع الغضب، يعامل طلابه بقسوة، ومن هنا ابتعد الطلاب عن سؤاله وخلوا بينه وبين شرح الدرس فقط. وكان الصبي يرى أنه يتعلم في درسه القديم ويلهو في درسه الجديد، وكان لهذا كله أثره في حياة الصبي النحوية، فكان يوم الصبي مليئا بحضور الدروس، فدرس الضحى، ثم درس الظهر، ثم القراءة والاطلاع على الكتب المختلفة حتى تغرب الشمس فيذهب لدرس المغرب في المنطق مع الكبار على يد شيخ لم يأخذ شهادة العالمية، ولم يكن بارعا في العلم، ولا ماهرا في التعليم، سريع الغضب، حادا في طبعه، ولكنه لم يكن يشتم الطلبة ولا يعاملهم بقسوة. ما أسرع ما انقضت السنة الأولى، وأقبلت إجازة الصيف، وأخذ الصبي يفكر في البقاء في القاهرة كما كان يفعل أخوه الذي كانت أسرته معظمه، وترى ذلك دلالة على الجد والاجتهاد، ولكنه وجد نفسه في القطار إلى قريته أخيه في الريف. الأيام. تمرد الصبي. استقبل الصبي في البلدة استقبالا فاترا، فلم يجد من يستقبله في المحطة، فشعر بخيبة الأمل الكبيرة، ولم تعد له الأسرة عشاء خاصا كما كانوا يفعلون مع أخيه. ونام الصبي في مضجعه القديم وهو يكتم في صدره كثيرا من الغيظ. وتمرد الصبي على أراء والديه وأهل قريته ومعتقداتهم لتوسع رسلهم بالأنبياء والأولياء والتي قد توارثوها عن الأباء والأجداد وبأنها لا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي. فغضب الأب غضبا شديدا ولكنه كظم غضبه واحتفظ بابتسامته، ولكن الصبي أصر على أرائه بينما قال بعض من أهل القرية لبعضهم إن هذا الصبي ضال مضل قد ذهب إلى القاهرة فسمع مقالات الشيخ محمد عبده الضارة وراءه الفاسدة المفسدة ثم عاد بها إلى المدينة ليضل الناس وعلى الرغم من رفض الأب لأراء ابنه إلا أنه كان فرحا به، فهو يحب أن يرى ابنه محاورا مخاطبا ظاهرا على محاوريه ومخافة عليه، وكان يتعصب لابنه تعصبا شديدا، ورأى الصبي نفسه يعود إلى القاهرة مع صاحبه وأخوه يتلقاه مبتسما في محطة القطار ليعود إلى الربع. الأيام وحدة الصبي في غرفته كانت الوحدة المتصلة مصدر عذاب الصبي بعد عودته من الأزهر، حيث قبل العصر كان أخوه يتركه وحيدا ويذهب ليلقى أصحابه في غرفة أخرى من غرفة الربع وينفقون وقتا طويلا أو قصيرا في شيء من الراحة والدعابة والتندر بالشيوخ والطلاب. وكان الصبي يتتبع حركاتهم وضحكاتهم، ويمتلئ قلبه بالأسى والحزن لأنه لا يستطيع أن يتحرك من مجلسه، حيث كان يرى أنه من الأفضل أن يبقى مكانه. وكان الحنين يأخذه إلى منزله في قريته. وكيف كان سعيدا بحياته بعد عودته من الكتاب مازحا مع اخوته ومتعة محدثا مع أهل قريته. وكان السكون يطول على الصبي فيجده. وربما أخذته إغفاءة ولكن يهب مذعورا لأن أخاه أقبل عليه حاملا له عشاءه أمام الله. وعندما يدعو مؤذن المغرب إلى الصلاة يعرف الصبي أن الليل قد أقبل ويقدر في نفسه الظلمة التي كان لها صوت يشبه طنين البعوض. وما كان مصدر هذا الصوت إلا حس الصبي المضطرب. وعندما كان يألف صوت الظلمة ويطمئن إليها يسمع أصواتا أخرى، ولكنها هذه المرة من الحشرات وصغار الحيوانات التي تخرج من شقوق الجدران فزعه وتروح معه. الله أكبر. الله أكبر. وعندما يؤذن المؤذن لصلاة العشاء يشعر الصبي بأمل قصير يتبعه يأس طويل لأن أخاه قد انتهى من درس الأستاذ الإمام محمد عبده وسيقبل عليه بعد قليل ليضيء المصباح فيشرع في الغرفة شيئا من الأنس. ولكن بعد أن يلقي له أخوه الوسادة ليضع رأسه عليها و اللحاف الذي سيلف فيه لينام يطفئ المصباح ثم ينصرف فيعود الصبي إلى عرقه ويأتيه مرة أخرى حتى يرجع أخوه من إعداده لدرس الغد مع أصحابه، وهو يظن أن الصبي غارق في نوم عميق، وما ذاق من النوم شيئا، وإنما كان ينتظر عودة أخيه حتى يحس بالأمن. وهنا تتصل يقظته الكامنة. في نومه اللذيذ. الأيام إقبال الصبي على الأدب. لم يكد الصبي يبلغ القاهرة ويستقر فيها حتى سمع ذكر الأدب والأدباء، فسمع عن الشيخ الشنقيطي الذي ليس له نظير في حفظ اللغة ورواية الحديث، وكان له مكتبة مليئة بالمخطوطات والمطبوع في مصر وأوروبا. وسمع الصبي قصته الكبرى في صرف كلمة عمر والتي هي ممنوعة من الصرف. واتصل الصبي بالأدب بشكل مضطرب مختلط بسبب أخيه الذي كان يحفظ بعضا من معلقات الشعر، ثم سرعان ما انصرف عنها ليحضر دروسا في الإنشاء، وبعدها بقليل عدل عنها ليحفظ خطبا من كتاب نهج البلاغة ويحفظ الصبي معه، ثم أعرض عن الكتاب كما أعرض عن غيره، حتى جمع الصبي في نفسه خليطا من الشعر والنثر. وأشيع ذات يوم أن الشيخ المصفي سيخصص درسا جديدا في الأدب، فسعى صاحبنا إلى هذا الدرس، وكان الصبي قوي الذاكرة، فكان لا يسمع من الشيخ كلمة إلا حفظها، فأحبه الشيخ المصفي وأخذ يصحبه إلى باب الأزهر بعد الدرس وأحيانا يبعد معه في السير، ولازم الفتى درسه. ولم يكن للشيخ حديث غير الأدب ونقده للأزهر وشيوخه وسوء مناهج التعليم فيه، وكان ذلك يؤثر في نفس الفتى أعمق تأثير. واتهم الفتى وصاحبه أنهم يعيبون بالشيوخ ويفضلون الكتب القديمة على الكتب الأزهرية، ويقرأون كل دواوين الشعر بما فيها من شعر المجون، ويقلبون هذا الشعر وشهد عليهم طلاب بذلك. وسئل الفتية فلم ينكر، فقرر شيخ الأزهر محو أسمائهم من سجلات الأزهر وإلغاء درس الكامل، وكلف المصفي بقراءة المغني لابن هشام، وبدأ الفتى وصاحبه يفكرون ماذا يفعلون وهم ناقمين على الأزهر وشيوخه، فأحدهم انصرف عنهم وأخذ لنفسه مجلسا في جامع المؤيد، والثاني جعل أباه يسعى له في إصلاح أمره، أما الفتى فقد كتب مقالا وذهب به إلى جريدة تدعو إلى حرية الرأي ولكن مدير الجريدة بعد قراءته للمقال وعده بحل المشكلة حتى تبين للفتاة أن شيخ الجامع لم يعاقبهم بمحو أسمائهم وإنما أراد تخويفهم. ومنذ ذلك الوقت أخذ الفتى يتردد على مدير الجريدة ونال شيئا طالما تمناه، وهو اتصاله ببيئة الطرابيش بعد أن سئم بيئة العمائم، فذلك جعله يفكر فيما يكون من فروق بين الأغنياء المترفين والفقراء البائسين
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
تُمثّل التجارة الدولية ركيزة أساسية في بناء اقتصاد قوي وتعزيز قدرة الصناعات المحلية على المنافسة. وم...
أفْرزَ التّطوّر...أفْرزَ التّطوّر العَديدَ مِنَ الأساليبِ الّتي تتَعاملُ مَعَ الصّورَةِ وُصولاً إلى عَصْر الكَاميرا وا...
- دور هذه المبا...- دور هذه المبادئ في الحد من المحاباة واستغلال النفوذ تتجلى القيمة الوقائية للمادة 9 بصورة واضحة في ...
بارك المكتب الس...بارك المكتب السياسي للمقاومة الوطنية القرار الذي اتخذه مجلس النواب المصري بالموافقة على تفويض الرئيس...
مقدمة تُعدّ الل...مقدمة تُعدّ اللغة ظاهرة إنسانية مركبة تجمع بين السلوك والعقل والثقافة؛ فهي سلوك يُكتسب بالتعلم، وقدر...
The superficial...The superficial epidermis has several layers of cells. Cells move toward the surface from the deepes...
يُعد التوسع الد...يُعد التوسع الديموغرافي وتغير أنماط الحياة الحديثة, وسرعة إيقاعها, وتقدّم وازدهار الصناعات والسلوك ا...
مقدمة يُعدّ ال...مقدمة يُعدّ الفساد من أخطر الظواهر التي تهدد استقرار الدول، إذ لا تقتصر آثاره على تبديد الأموال الع...
أولًا: أزمة الم...أولًا: أزمة المرفق العام وأسباب قصور المبادئ التقليدية: 1. مفهوم أزمة المرفق العام والتحول في معياره...
نتائج هذه الدرا...نتائج هذه الدراسة مع خاتمة لها : ( دراسة مقارنة في المنهج ، في كيفية تفسير كل من الإمامين الجليلين ل...
فال تستق ر الحق...فال تستق ر الحقائق من الحدس وااللهام ، قوم فكرة الفلسفة الواقعية عىل ان مصدر كل الحقائق هو هذا العا...
أفادت مصادر عسك...أفادت مصادر عسكرية وميدانية بإستشهاد أربعة قياديين بارزين في القوات المسلحة اليمنية، إلى جانب عدد من...