خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
في كل لحظة من حياتنا الواعية يستمر تفكيرنا ، أو تخفيفا لمجهود قمنا به، ولكن إذا كان العلم تنظيما لطريقة تفكيرنا أو لأسلوب ممارستنا العقلية فانه في الوقت ذاته تنظيم للعالم الخارجي. بل إن مهمتنا في العلم هي أن نقوم بهذا التنظيم الذي يمكننا من أن ننتقي من ذلك الكل منظم أصلا وتلك هي مهمة العلم. بل أن الأساطير ذاتها تحاول أن توجد نظاما معينا من وراء الفوضى الظاهرية في الكون، والذي يؤدي كل شيء فيه وظيفة لها معناها داخل الكل المنظم، وهكذا لا يمكن القول بوجود منهج واحد ثابت للمعرفة العلمية على إطلاقها . أصبحت اقل اعتمادا على اليد أو سماعة الأذن، لكي يضعها كلها في نظرية عامة هي نظرية الجاذبية أو قانون الجاذبية، بعد الوصول إلى النظرية العامة إلى الاستنباط العقلي: إذ يتخذ من النظرية نقطة ارتكاز أو مقدمة أولى أما إذا كذبتها ، بل هو تلخيص للطريقة التي يتبعها العلماء في العصر الحديث في أهم ميادين بحثهم. وإذا كنا حتى الآن قد اقتصرنا على الكلام عن المنهج العلمي بوصفه المظهر الرئيسي لسمة التنظيم في العلم، هو الترابط الذي تتصف به القضايا العلمية.
في كل لحظة من حياتنا الواعية يستمر تفكيرنا ، ويعمل عقلنا بلا انقطاع. ولكن نوع التفكير الذي نسميه علميا » لا يمثل إلا قدرا ضئيلا من هذا التفكير الذي يظل يعمل دون توقف. ذلك لان عقولنا في جزء كبير من نشاطها لا تعمل بطريقة منهجية منظمة، وإنما تسير بطريقة اقرب إلى التلقائية والعفوية، وكثيرا ما يكون نشاطها مجرد رد فعل على المواقف التي تواجهها، دون أي تخطيط أو تدبر . بل إننا حين ننفرد بأنفسنا ونتصور أننا نفكر»، كثيرا ما ننتقل من موضوع إلى موضوع بطريقة عشوائية، وتتداعى الأفكار في ذهننا حرة طليقة من أي تنظيم فنسمي هذا شرودا أو حلم يقظة، ولكنه يظل مع ذلك شكلا من أشكال التفكير. ومثل هذا التفكير الطليق غير المنظم، سهل ومريح، ولذلك فإننا كثيرا ما نستسلم له هربا من ضغط الحياة، أو تخفيفا لمجهود قمنا به، أو نجعل منه «فاصلا مريحا بين مراحل العمل العقلي الشاق.
أما التفكير العلمي فمن أهم صفاته التنظيم، أي أننا لا لا نترك أفكارنا تسير حرة طليقة، وإنما نرتبها بطريقة محددة، وتنظمها عن وعي، ونبذل جهدا مقصودا من أجل تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفكر بها . ولكي نصل إلى هذا التنظيم ينبغي أن نتغلب على كثير من عاداتنا اليومية الشائعة، ويجب أن نتعود إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية، وتركيز عقولنا في الموضوع الذي نبحثه، وكلها أمور شاقة تحتاج إلى مران خاص وتصقلها الممارسة المستمرة.
ولكن إذا كان العلم تنظيما لطريقة تفكيرنا أو لأسلوب ممارستنا العقلية فانه في الوقت ذاته تنظيم للعالم الخارجي. أي أننا في العلم لا نقتصر على تنظيم حياتنا الداخلية فحسب، بل تنظم العالم المحيط بنا أيضا . ذلك لان هذا العالم مليء بالحوادث المتشابكة والمتداخلة، وعلينا في العلم أن نستخلص من هذا التشابك والتعقيد مجموعة الوقائع التي تهمنا في ميداننا الخاص. وهذه الوقائع لا تأتي إلينا جاهزة، ولا تحتل جزءا منفصلا من العالم الصقت عليه بطاقة اسمها «الكيمياء» أو «الفيزياء». بل إن مهمتنا في العلم هي أن نقوم بهذا التنظيم الذي يمكننا من أن ننتقي من ذلك الكل
المعقد، ما يهمنا في ميداننا الخاص.وينطبق ذلك على ميدان العلوم الإنسانية مثلما ينطبق على ميدان العلوم الطبيعية. فحين يؤلف المؤرخ كتابا في التاريخ، وليكن مثلا كتابا عن تاريخ العالم العربي في القرن العشرين تكون أمامه مهمة شاقه هي أن يختار من بين الواقع شديد التعقيد ما يهمه في مجال بحثه. ذلك لان مهمة المؤرخ هي إعادة الحياة إلى فترة ماضية، ولكنه لا يستطيع أن يعيد الماضي كاملا وبكل ما فيه من تعقيدات. فحين يعود بذهنه إلى وقائع حياة العالم العربي في الفترة التي يتناولها بحثه، يجد ألوفا من الظواهر المعقدة المتشابكة حياة الناس اليومية، طريقة ملبسهم وماكلهم وترفيههم، عاداتهم، أخلاقهم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، علاقاتهم السياسية، الخ... وعليه أن ينتقي من هذا الخضم الهائل من الظواهر المختلفة ما يهمه في موضوع بحثه، ويترك ما عداه جانبا، أي أن عليه أن يدخل التنظيم في واقع غير
منظم أصلا وتلك هي مهمة العلم. على أن التنظيم سمه لا تبدو مقتصرة على العلم وحده. فكل نوع من أنواع التفكير الواعي، الذي يهدف إلى تقديم تفسير للعلم، يتصف بنوع من التنظيم . بل أن الأساطير ذاتها تحاول أن توجد نظاما معينا من وراء الفوضى الظاهرية في الكون، وحين تفترض وجود آلهة أو أرواح خفية وراء كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة، فإنها تسعى عن طريق ابتداع هذه الكائنات الشخصية إلى إيجاد شكل من أشكال التنظيم في الظواهر. وحين ظهر الفكر الفلسفي بعد ذلك ليحل محل التفكير الأسطوري كانت فكرة وجود نظام في الكون من أهم الأفكار التي دارت حولها الفلسفة اليونانية. بل أن نظرة اليونانيين إلى الكون، التي عبر عنها استخدامهم للفظ cosmos للتعبير عن الكون، كانت مبنية أساسا على فكرة التوافق والانسجام والنظام الذي يمكن فهمه بالعقل، والذي يؤدي كل شيء فيه وظيفة لها معناها داخل الكل المنظم، ويسير بأكمله نحو تحقيق غايات محدودة. ومن هنا كان الاختلاف هائلا بين ذلك الكون المنسق الذي تصوره اليونانيون، وبين تصور العلم الحديث للكون، الذي كان في صميمه تصورا آليا مضادا للغائية، أما في الفكر الديني، فان فكرة النظام أساسية، بل إن كثيرا من علماء الكلام واللاهوتيين يتخذون من وجود النظام في الكون دليلا من أدلة وجود الله ومظهرا من مظاهر قدرته. وهكذا يستحيل تصور العالم بطريقة عشوائيةأو غير منظمة ما دام الخالق قادرا على كل شيء. وإذن ففكرة وجود «نظام» في العالم هي فكرة تتردد في كل محاولة لإيجاد تفسير للعالم. فما هو الجديد الذي يأتي به العلم في هذا الصدد؟ أو على الأصح، فيم يختلف التنظيم الذي يقتضيه التفكير العلمي عن ذلك
التنظيم الذي يظهر في أنماط التفكير المغايرة للعلم؟ أن الاختلاف الأساسي يكمن في أن التنظيم، كما يقول به العلم، يخلقه العقل البشري ويبعثه في العالم بفضل جهده المتواصل الدءوب، في اكتساب المعرفة، على حين أن العالم، وفقا لأنماط التفكير الأخرى، منظم بذاته. ففي التفكير الأسطوري، وفي التفكير الفلسفي، نجد النظام موجودا بالفعل في العالم وما على العقل البشري إلا أن يتأمله كما هو، أما في التفكير العلمي، فأن هذا العقل البشري هو الذي يبحث النظام في عالم هو في ذاته غير منظم. فالكون في نظر العلم لا يسير وفقا لغايات، وإنما تسود مساره الآلية، وكلما تقدمت المعرفة استطعنا أن نبتدع مزيدا من النظام في مسار الحوادث العشوائي في العالم. أي أن الكون المنظم، بالاختصار، هو نقطة النهاية التي يسعى العلم من أجل بلوغها، وليس نقطة بدايته.
ولكن كيف يحقق العلم هذا النظام في ظواهر الطبيعة المتشابكة والمعقدة والمفتقرة بذاتها إلى التنظيم؟ إن وسيلته إلى ذلك هي اتباع منهج» method أي طريق محدد يعتمد على خطة واعية. وصفة «المنهجية» هذه صفة أساسية في العلم، حتى أن في وسعنا أن نعرف العلم عن طريقها ، فنقول أن العلم في صميمه معرفة منهجية، وبذلك نميزه بوضوح عن أنواع المعرفة الأخرى التي تفتقر إلى التخطيط والتنظيم. ونستطيع أن نقول أن المنهج هو العنصر الثابت في كل معرفة علمية، أما مضمون هذه المعرفة والنتائج التي تصل إليها، ففي تغير مستمر. فإذا عرفنا العلم من خلال نتائجه وإنجازاته، كنا في هذه الحالة نقف على أرض غير ثابتة، أما إذا عرفنا العلم من خلال منهجه، فإنا نرتكز حينئذ على ارض صلبة، لأن المنهج هو
الذي يظل باقيا مهما تغيرت النتائج.
غير أن القول بأن المنهج هو العنصر الثابت في العلم قد يفهم بمعنى أن للعلم مناهج ثابتة لا تتغير . وهذا فهم لا يعبر عن حقيقة العلم، إذ أن مناهج العلم متغيرة بالفعل فهي أولا تتغير حسب العصور، لأن كثيرا من العلومغيرت مناهجها بتقدم العلم. فالكيمياء مثلا تزداد اعتمادا على الأساليب الرياضية بعد أن كانت في بدايتها علما تجريبيا خالصا لا شأن له بالرياضيات. كذلك فان المناهج تتغير تبعا لنوع العلم ذاته، إذ أن المنهج المتبع في علم يدرس الإنسان لا بد أن يكون مختلفا عن ذلك الذي يتبع في علم طبيعي . وهكذا لا يمكن القول بوجود منهج واحد ثابت للمعرفة العلمية على إطلاقها . ومع ذلك يظل من الصحيح أن منهج العلم، لا النظريات أو النتائج التي يصل إليها، هو العنصر الملازم للعلم على الدوام، بمعنى أن وجود منهج معين أيا كان هذا المنهج سمة أساسية في كل تفكير علمي. فالبحث العلمي هو بحث يخضع لقواعد معينة، وليس بحثا عشوائيا متخبطا . ومع اعترافنا بأن هذه القواعد قابلة للتغيير باستمرار، فان مبدأ الخضوع القواعد منهجية هو صفة أساسية تميز المعرفة العلمية.
وعلى أية حال فقد استطاع العلم الحديث، بفضل جهود رواده الأوائل وإضافات العلماء اللاحقين، أن يطور لنفسه منهجا اصبح يرتبط إلى حد بعيد بالدراسة العلمية. ولعله من المفيد، ونحن في معرض الكلام عن صفة التنظيم المنهجي في العلم، أن نقول كلمة موجزة عن هذا المنهج، لا بوصفه المنهج الوحيد الذي يمكن تصوره للعلم، ولكن بوصفه المنهج الذي أصبح غالبا على الدراسة العلمية في ميادين العلم الطبيعي، دون استبعاد أية
تطورات أخرى ممكنة في المستقبل. 1- فالمنهج العلمي يبدأ بمرحلة ملاحظة منظمة للظواهر الطبيعية التي يراد بحثها . ولا شك أن هذه الملاحظة تفترض، كما قلنا من قبل عملية اختيار وانتقاء وعزل للوقائع التي تهم الباحث في ميدان عمله، من بين ألوف الوقائع الأخرى التي تتشابك معها في الطبيعة. بل إن الواقعة أو الظاهرة الواحدة يمكن تناولها من زوايا متعددة، وفقا لنوع اهتمام العالم. فقطعة الحجر يمكن أن تدرس بوصفها ظاهرة فيزيائية، إذا ركزنا اهتمامنا على حركتها أو طريقة سقوطها أو ثقلها . ويمكن أن تدرس كيمائيا، بتحليل المعادن أو الأملاح التي يمكن أن تكون موجودة فيها، كما تدرس جيولوجيا بتحديد الطبقة الصخرية التي تنتمي إليها، وعصرها الجيولوجي .... الخ. 2 ومن الجدير بالذكر أن الملاحظة الحسية المباشرة نادرا ما تستخدم
في العلم المعاصر . صحيح أنها في أوائل العصر الحديث كانت هي الوسيلةالتي يلجأ إليها العلماء، والتي يدعو إليها فلاسفة العلم مثل بيكن، من اجل جمع معلومات عن الواقع، ولكن ذلك كان هو الوضع السائد قبل أن تكتشف أجهزة الملاحظة والرصد الحديثة. وأبسط مثال على ذلك أن ملاحظة الطبيب للمريض، في البلاد التقدمة طبيا، أصبحت اقل اعتمادا على اليد أو سماعة الأذن، وازداد اعتمادها على الأجهزة الدقيقة في تسجيل ضربات القلب، أو على التصوير بكاميرات داخلية، أو على الأنواع الجديدة من الأشعة. كذلك فان ملاحظات عالم الفيزياء لم تعد تعتمد على العينين، بل تتم عن طريق قراءة مؤشرات أو ومضات داخل أجهزة إلكترونية شديدة التعقيد . وبالمثل فان العالم الفلكي أو الجيولوجي لم يعد يعتمد على ما يراه، بل على الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية . أي أن مفهوم الملاحظة ذاته قد تغير، فلم تعد هي تلك المادة الحسية الخام التي عرفها العلم في المراحل الأولى من تطوره الحديث، وإنما أصبحت عملية شديدة التعقيد تحتاج إلى جهود سابقة ضخمة، والى معلومات واسعة من أجل تفسير القراءات» أو «الصور» التي تنقلها الأجهزة المعقدة. أي أن الخطوة الأولى في العلم متداخلة مع خطواته المتأخرة، وهي ليست حسية خالصة، بل فيها جوانب عقلية هامة.
-3 وتأتي بعد الملاحظة مرحلة التجريب، حيث توضع الظواهر في ظروف يمكن التحكم فيها، مع تنويع هذه الظروف كلما أمكن. وقد أصبحت التجارب العلمية بدورها أمرا شديد التعقيد في عصرنا هذا ، ولكنها مع ذلك لا تمثل المرحلة النهائية في العلم، بل تظل مرحلة أولية . ذلك لان القوانين النهائية التي نتوصل إليها في هذه المرحلة قوانين جزئية، تربط بين ظاهرة وأخرى وتقدم إلينا معرفة بجانب محدود من جوانب الموضوع الذي نريد بحثه. ومن مجموع التجارب يتكون لدينا عدد كبير من القوانين الجزئية التي يبدو كل منها مستقلا عن الآخر، والتي نظل في هذه المرحلة عاجزين عن الربط
بينها، لأن التجربة وحدها لا تتيح لنا أن نصل إلى أية نظرية» لها طابع عام.
4 وفي المرحلة التالية يستعين العلم بتلك القوانين الجزئية المتعددة التي تم الوصول إليها في المرحلة التجريبية، فيضمها كلها في نظرية واحدة. وهكذا فان نيوتن قد استعان بكل القوانين التي تم كشفها عن طريق تجاربجاليليو وباسكال وهيجنز وغيرهم من العلماء السابقين عليه، لكي يضعها كلها في نظرية عامة هي نظرية الجاذبية أو قانون الجاذبية، بالمعنى العام
لهذا اللفظ) .
5 وفي كثير من الحالات يلجأ العلم، بعد الوصول إلى النظرية العامة إلى الاستنباط العقلي: إذ يتخذ من النظرية نقطة ارتكاز أو مقدمة أولى
ويستخلص منها، بأساليب منطقية ورياضية، ما يمكن أن يترتب عليها من نتائج. وبعد ذلك قد يقوم مرة أخرى بإجراء تجارب من نوع جديد لكي يتحقق من أن هذه النتائج التي استخلصها بالعقل والاستنباط صحيحة. فإذا أثبتت التجارب صحة تلك النتائج، كانت المقدمات التي ارتكز عليها صحيحة، أما إذا كذبتها ، فانه يعيد النظر في مقدماته، وقد يرفضها كليا أو يصححها عن طريق إدماجها في مبدأ أعم. ومن أمثلة ذلك أن أينشتين عندما وضع نظرية النسبية بناء على ملاحظات وتجارب جزئية سابقة قام بها هو وغيره من العلماء، استخلص النتائج المترتبة عليها بطريقة «الاستنباط العقلي»، وكان لا بد من تجربة لكي يثبت أن هذه النتائج تتحقق في الواقع. وبالفعل أجريت هذه التجربة في حالة الكسوف الشمسي التي حدثت في عام 1916 ، وأثبتت صحة النظرية التي اتخذ منها أينشتين مقدمة
لاستنتاجاته .
وهكذا يسير المنهج العلمي المعترف به في ضوء التطور الحاضر للعلم.
من الملاحظات إلى التجارب ثم إلى الاستنتاج العقلي والى التجارب مرة أخرى، أي أن العنصر التجريبي والعنصر العقلي متداخلان ومتبادلان، كما أن الاستقراء، الذي نتقيد فيه بالظواهر الملاحظة، والاستنباط، الذي نستخدم فيه عقولنا متخطين هذه الظواهر الملاحظة، يتداخلان بدورهما ولا يمكن أن يعد أحدهما بديلا عن الآخر. فالتجريبية والعقلية ليسا، في العلم، منهجين مستقلين، بل هما مرحلتان في طريق واحد. وفي أغلب الأحيان يكون العلم في بداية تطوره تجريبيا، وعندما ينضج يكتسب التي جانب ذلك الصيغة العقلية الاستنباطية. ففي المرحلة الأولى يجمع أكبر عدد ممكن من المعارف بطريقة منظمة، وفي المرحلة الثانية يتوصل التي المبادئ العامة التي تفسر هذه المعارف وتضعها في إطار موحد . وقد بدأت الفيزياء مرحلتها التجريبية الأولى منذ القرن السادس عشر، وانتقلت بعدقرنين التي المرحلة الثانية. أما العلوم الإنسانية فربما كانت في معظم حالاتها ، تمر حتى الآن بالمرحلة التجريبية التي تكدس فيها المعارف، انتظارا
للمرحلة التي تنضج فيها التي حد اكتشاف القوانين أو المبادئ العامة. تلك لمحة موجزة عن هذا الموضوع الذي يعد أهم مظاهر التنظيم العلمي وأعني به البحث المنهجي. ولا بد أن نؤكد مرة أخرى أن هذا المنهج الذي أشرنا إليه ليس ثابتا، وإنما هو يمثل حالة العلم في المرحلة الراهنة، كما انه لا ينطبق بالضرورة على جميع مجالات البحث العلمي، بل هو تلخيص للطريقة التي يتبعها العلماء في العصر الحديث في أهم ميادين بحثهم. فهل يعني ذلك أن المرء، إذا أراد أن يكون عالما، فما عليه إلا أن يتقن هذه القواعد ؟ وهل يكفي لتكوين العالم في عصرنا هذا أن نلقنه الخطوط العامة للطرق التي اتبعها العلماء السابقون عليه لكي يصلوا إلى كشوفهم؟ الواقع أن هذا خطأ يقع فيه كثير من غير المتخصصين في العلم ذلك لان معرفة أية مجموعة من القواعد مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تجعل من المرء عالما، بل أن هناك شروطا أخرى لا بد من توافرها لتحقيق هذا الهدف. والمسألة ليست مسألة تطبيق آلي لمجموعة من القواعد التي ثبتت فائدتها في أي علم من العلوم، بل أن العلم أوسع وأعقد من ذلك بكثير. ونستطيع أن نقول أن فيلسوفا ذا عقلية علمية جبارة، مثل ديكارت». قد وقع في هذا الخطأ . فنظر التي إيمانه بأهمية المنهج في الحلم وهو على حق في ذلك فقد استنتج أن العلم ليس إلا منهجا، وأكد أن الناس لا يتفاوتون في استعداداتهم العقلية، وإنما يتفاوتون في كيفية استخدامهم لهذه العقلية بالطريقة الصحيحة، ولذا ركز ديكارت اهتمامه على وضع مجموعة من القواعد التي يستطيع العقل، إذا ما التزمها بدقة، أن يهتدي بواسطتها إلى حل أية مشكلة في أي ميدان من ميادين العلم.
ولكن التجارب أثبتت أن المرء قد يتبع أدق القواعد المنهجية دون أن يصبح لهذا السبب عالما . ذلك لان العلم يحتاج إلى أمور منها التحصيل وحدة الذكاء وهو استعداد طبيعي وتلك الموهبة التي تجعل العالم أشبه بالفنان بل تجعله قادرا على تجاوز القواعد المنهجية المتعارف عليها في ميدانه ووضع قواعده الخاصة به إذا اقتضى الأمر ذلك. ومع ذلك فقد كان الديكارت كل العذر في إلحاحه على أهمية معرفة القواعد المنهجية فيالبحث العلمي، وفي تأكيده أن أية مشكلة لن تستعصي على العقل الذي يهتدي بهذه القواعد : إذ أنه ظهر في مطلع العصر الحديث، وفي الوقت الذي كان لا بد فيه للمفكر من أن يقدم للباحثين صورة للعمل العلمي تعطى الجميع أملا في بلوغ الحقيقة ولا شك أن تأكيد القواعد المنهجية، ورفض الرأي القائل بأن الاستعدادات والقدرات العقلية تختلف من شخص لآخر، يفسح أمام الجميع مجال البحث، ويقضي على أرستقراطية الفكر التي كانت سائدة في العصور الوسطى، لتحل محلها ديمقراطية فكرية كانت ضرورية في المرحلة التاريخية التي ظهر فيها ديكارت.
وإذا كنا حتى الآن قد اقتصرنا على الكلام عن المنهج العلمي بوصفه المظهر الرئيسي لسمة التنظيم في العلم، فمن الواجب أن نشير، قبل أن ننتقل إلى سمة أخرى، إلى مظهر آخر للتنظيم العلمي، هو الترابط الذي تتصف به القضايا العلمية. فالعلم لا يكتفي بحقائق مفككة، وإنما يحرص على أن يكون من قضاياه نسقا محكما يؤدي فهم كل قضية فيه إلى فهم الأخريات. وكل حقيقة علمية جديدة لا تضاف إلى الحقائق الموجودة إضافة خارجية، بل تدمج فيها بحيث تكون معها كلا موحدا . وربما اقتضت عملية الإدماج هذه التخلي عن بعض العناصر القديمة التي تتنافر مع الحقيقة الجديدة. أما إذا ظهرت حقيقة جديدة ولم نعرف كيف ندمجها في نسق الحقائق الموجودة بالفعل، فان ذلك يقتضي إعادة النظر في النسق بأكمله من اجل تكوين نسق جديد قادر على استيعاب الحقيقة الجديدة. وهذا بالفعل ما حدث عندما أعاد أينشتين النظر في نسق الفيزياء الذي كونه نيوتن، والذي ظل يعد حقيقة نهائية طوال مائتي عام، نتيجة لتجارب ميكلسون ومورلى في الضوء، وهي التجارب التي لم يكن من الممكن إدماجها في النسق القديم. وقد أسفرت إعادة النظر هذه عن تكوين نسق جديد ارحب، يستوعب النسق القديم في داخله بوصفه حالة من حالاته ويتجاوزه بحيث يقدم تفسيرا أوسع منه بكثير، وهذا النسق الجديد هو
نظرية النسبية.
وهكذا يمكن القول أن صفة التنظيم تحتل مكانها عند نقطة بداية البحث العلمي، حيث تتمثل في اتباع العالم لمنهج منظم، وكذلك عند نقطة نهاية هذا البحث، عندما يكون العالم من النتائج التي يتوصل إليها نسقا
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
في مجال يقوم على الحزم والرحمة معاً، وتتشابك فيه القوانين مع قصص الناس وأوجاعهم، اخترت أن أكون حاضرة...
برزت مزايا الفصول الافتراضية مع توافر العديد من الأدوات المرونة هي الميزة الأبرز في باقة مزايا الفصو...
اعادة كتابة هدا التقرير بصيغة اخرىالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة سوس ماسة المديرية الإقليمي...
ترأس وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، عبد الرحمن شيخ، اليوم الأربعاء، اجتماعًا موسعًا للمكتب التنفيذي...
مع تصدّر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قائمة الأدوات التي بدأت تُغيّر ممارسات التواصل وإنتاج المح...
Summarize to the lawyer, اود ان الفت نظرك لنقطة خطيرة جدا و هي سبب لمخاوفي و قلقي و هي ان من السه...
أفادت منصة "شيبا إنتلجنس" المتخصصة في الشؤون الاستخباراتية، أن ميليشا الحوثي قامت بنقل شحنة صواريخ إ...
الاحتيال عبر رموز الاستجابة السريعة QR Code Fraud أو Quishing) ) . مصطلح مُركّب من كلمتي QR code وP...
لعل التقويم التربوي يعد وضروريا للإدارة والقيادات التربوية، فهو عملية مقصودة مهما ومطلوبة يقوم من خل...
تاريخ وفلسفة المالية مدخل نظري في تطور الفكر المالي ووظائف المالية العمومية مقدمة لا يمكن فهم قانون ...
استوطن البشرُ المغربَ منذ العصر الحجري القديم، أيْ من قبل 500-700 ألف سنة، وقد بدأ اهتمام البشر بالز...
فرمان الامتياز الأول ([3]) : صدر فرمان الامتياز الأول الذى منح فرديناند ديلسبس حق إنشاء شركة لشق قن...