خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
عالم السدود والقيود الآن — عندي وعند كل عابر بسبيله — هو ذلك البناء املعزول في ناحية منزوية إلى طرف من الأطراف في بعض أحياء القاهرة الواسعة الكثرية، واسمه في سجلات الحكومة سجن مصر العمومي، واسمه الشائع على الألسنة «قره ميدان». أما يوم كنت آوي إليه ولا أرى غريه ولا أسمع بالدنيا إلا من وراء جدرانه فلم يكن ً بناءً معزولا ولا كانت الناحية التي هو فيها ناحية منزوية إلى طرف من الأطراف، كان هو العالم بأسره وبأرضه وسمائه، وكان العالم الخارجي جزءًا لاحقً ا به مضافً إليه، فالسجن الاستقرار فيه، آخر يتقابلان ويتناظران، فلو ظهرت في السجن صحيفة كبرية لكان لأخباره فيها مكان ولكانت أخبار العالم فيه كأخبار وإذا ارتقى بعضها إلى محل عقره وحجراته وخباياه. وهذه الصفحات هي خلاصة ما رأيته وأحسسته وفكرت فيه يوم كنت أنزل «عالم السدود والقيود» وأشعر به ذلك الشعور، وأنظر إلى العالم من ورائه ذلك النظر: لست ولست وجوه ذلك الإصلاح، ولست أعني بها أن تكون رحلة وإن كانت كالرحلة في كل شيء إل أنها مشاهدات في مكان واحد، ولا أن أستقصي كل ما رأيت وأحسست وإن كنت أقول وإنه لا فرق بينه وبني الخلاصة إلا في التفصيل والتكرير، للقارئ بأن يستعرض عالم السجن كما استعرضته دون أن يقيم هناك تسعة شهور كما فإن كانت الصفحات التالية عند دعواها فذاك وحده هو حقها من القراءة وشفاعتها ً عند القراء، ً القارئ بني دفتي هذا الكتاب الصغري وهو يتفكه ولا يضيق ذرعا بالسدود والقيود، وحسبها ذلك من نجاح. عباس محمود العقاد فتحت الكوة الصغرية، ميدان»؛ امت ِ راءٍ وكل الشك في الخروج أما الدخول فها هو ذا يقني لا شك فيه، متى يكون وإلى أين يكون؟ أإلى رجعة قريبة، من السجن وإليه؟ أم إلى عالم الحياة مرة أخرى؟ أم إلى عالم الأموات؟ في تلك اللحظة عاهدت نفسي لئن خرجت إلى عالم الحياة لتكونن زيارتي الأولى إلى عالم الأموات، أو إلى ساحة الخلد كما سميتها بعد ذلك؛ ولم تقع مني هذه الرحلة بني الدار والسجن موقع املفاجأة؛ طويل ولو على سبيل الحجز الذي ينتهي بإفراج سريع، ولكني كنت لا أرى فرقًا بني أيام أو أسابيع أقضيها على ذمة التحقيق وبني مدة أقضيها في الحبس بحكم القضاء، قَ لأنني كنت أ يخشاه الناس من الس وعلى توقعي الاتهام والحبس كانت الأنباء تتوالى عَليَّ ِبَما يؤكد ذلك التوقع من وسمعت النبأ اليقني في هذا الأمر من صديقنا املغفور له سينوت حنا بك، ً وقد لقيني مرة فاستوقفني وقال لي: «حذار يا أستاذ!» فقلت له باسما: «لا يغني الحذر ً مراجعة خاصة، وإنهم ينتظرون يوما معينًا ربما كتبت فيه ما يساعد على تأييد التهمة، ِ ثم يقدمونك إلى املحاكمة بَما استجمعوا من أدلة قديمة وحديثة!» مصر في مؤتمر املجالس النيابية الذي عقد تلك السنة في العاصمة الإنجليزية، استخرجت جواز السفر السياسي، كنت أنوي زيارتها، سبقونا إلى باريس ليشهدوا فيها الاحتفال بعيد الحرية، ثم بدا لي أنني إذا سافرت فقد ولا قدرة على البقاء في ذلك الجو القارس أيام الشتاء، وربما كان منع عودتي أسهل على الوزارة من محاكمة قد تنتهي بالبراءة أو بعقوبة لا ترضيها، وقلت: إن السجن ففتحت الباب فإذا ضابط في رتبة «اليوزباشي» على ما أذكر يبادرني بالسؤال: هل حضرتك فلان؟ قلت: نعم. ثم دخل وجلس، فتناولت الورقة وقرأت فيها دعوة من صاحب السعادة النائب العمومي للحضور إلى مكتبه في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، ووقعت على الدفتر — كما طلب الضابط — بأنني تسلمت الورقة، وأخذت في إعداد الكتب التي سأقرؤها في السجن، والأدوية التي أتعاطاها، هناك، لأنني كنت حتى إلى قره َميَْدان تلك الساعة أجهل «تقاليد السجون»، الخاصة أثناء التحقيق وفي الفترة التي تسبق املحاكمة. فظهر لي أنه لم يفهم، وأنه ينوي أن يقصد بها سجن الأجانب الذي كان أخي ً معتقلا فيه. ً فقلت له: «بل هي لي أنا في السجن الذي سيخبرونك عنه غدا بدار النيابة!» ووصفت له الدار واجتهدت أن أفهمه جهد املستطاع، أنه ليس باليسري! وذهبت في املوعد املحدود إلى دار النيابة، املحامني يوجهون نظر رجال النيابة الحاضرين إلى «الحيطة الصحية» الواجبة في هذه ومنها اختيار السجن الذي يوافقني أثناء الحبس «الاحتياطي» أكثر من سواه. وكان الأساتذة املحامون لحسن الحظ من الخبريين بمزايا سجون القاهرة التي تردد عليها في سنوات الثورة السياسية معظم املشتغلني بالقانون والسياسة، خبرتهم بالسجن إلى خبرتهم باملحكمة وقدرتهم على النصح السديد للمتهمني واملوكلني، لأن الجو فيه أوفق لي من سجن الاستئناف، وقد كان. فذهبت مع الضابط والجند في سيارة خاصة إلى «قره ميدان» وتخطيت الباب فإذا هدوء غري مألوف؛ وتوجه بي الضابط نحو جديد، وما هي إلا لحظة حتى توافد املوظفون وكثر دخول السجانني ينظرون إلى القادم ً الذي سرى بينهم نبأ قدومه، فيقول لأحدهم: «اطمئن . ويقول له: «ألا تصدق؟ آه يا ابن الحلال. ً أو يقول لغريه: «تعال هنا . ثم يناديه بصوت يسمعه َ كل م ْن في املكان: «افرح . نقلوك إلى أسوان، لا تقل لأحد يا ولد!» فاستعدت في ذهني موقف هملت وحفاري القبور إذ يغنون وهم في ذمار املوت! ْجن ْلة الأولى في ِّ َّ اللي لم يكن مكتب املوظفني إلا بمثابة «الأعراف» التي تفصل بني نعيم الحرية وجحيم الاعتقال، ولكنها «أعراف» تنقل من النعيم إلى الجحيم كما تنقل من الجحيم إلى النعيم، للإفراج كما يسمونه في لغة السجون! فاتجه الضابط إلى عنبر «ب» وفتح الباب الحديدي ودخلنا العنبر فكان أول ما صمت لا يلتفت أحدهم يمنة ولا يسرة، — لا بكلام — يقولون فيه: «هيه هيه» . أما املغني فالذي أذكره من أنشودته الآن فقلت: فأل جميل وايم الله! وللفأل شأن كبري في «نفسيات» املسجونني كما سريى القراء في بعض هذه الذكريات. َم ْن هؤلاء الجالسون القرفصاء؟ ليدله على أنواع العذاب ودرجات املعذبني، َوَم ْن هؤلاء املكبون على أربع؟ أهذا ضرب من العقاب في مكان العقوبات؟ وما بال أناس ولا يلبسون كأهل السجون؟ ً على أنني لم ألبث طويلا حتى عثرت على الدليل الذي ينوب في جحيمنا عن فرجيل! وكان محبوسا رهن املحاكمة في قضية مقالات ورسوم قذف بها بعض وكان واقفً ا عند باب حجرته ينتظرني بعد أن سبقت البشائر إلى العنبر بقدومي! فلقيني مرحبًا، وعلى الجالسني القرفصاء، وعلمت بعد ذلك بهنيهة أن هؤلاء الجالسني القرفصاء هم املحبوسون على ذمة ِ التحقيق مَّم ْن آثروا البقاء بملابسهم العادية، وأنهم جلسوا تلك الساعة في انتظار الخروج «للطابور» الذي هو موعد الرياضة املصطلح عليه مساء كل يوم، وللمحبوسني شوق أما املكبون على أربع فهم أصحاب النوبة املنوط بهم تنظيف بلاط العنبر وتلميعه، ويؤثرونه على أعمال السجن الأخرى؛ ولا يحبسون في قال دليلي أو «فرجيلي» بعد الشرح املتقدم: «وإن هؤلاء املساكني يعانون هذا العناء من أثر دعوة النبي يوسف عليه السلام. قال: «لقد دعا يوسف ربه في السجن أن يغزر ترابه ويحلي طعامه ويقصر أيامه. فالتراب لا ينقطع لحظة عن أمثال هذا املكان. لأن السجعة تقضي بذلك!» الدعاء، سفا على املكان الذي تركوه. وإلى هنا لم أكن قد تناولت طعام الغداء مع اهتمامي برعاية املواعيد في تناول الوجبات. فأين الطعام؟ هل أحضره الطاهي أو نسي إحضاره وفهم غري ما تعبت بالأمس في إفهامه إياه؟ فليس من املستطاع أن أعرف هذا الخبر الصغري إلا بعد أن أسأل السجان، وبعد أن يسأل الضابط البواب، وبعد أن ينقضي في ولم يكن الذنب في هذه املرة على ذكاء «الشيخ أحمد» كما توهمت لأول وهلة، قد أحضر الطعام بعد انصرافي من دار النيابة، ً أمرا بقبوله وانتظام حضوره، وحتى يتم ثم قبلوا الطعام والدواء وردوا الغطاء والفراش؛ لأن السجن كما قالوا فيه الكفاية من غطاء وفراش! العنبر وسقوفه، ثم فرغ السجان وصاحب النوبة املوكل بحجرتي من إعداد سريرها وأدواتها ولوازمها، فألقيت نظرة على الغطاء الذي سيغنيني عن غطائي فلم أطمئن إليه كثريً ً ا، املفتوحة على رأسي يندفع منها الهواء طول ليل الخريف، فما العمل فيها؟ قال دليلي أو «فرجيلي» علي أفندي شاهني: «لا عليك من هذه النافذة! فسترى كيف نعالج خطبها. ٍّ أرض الحجرة كما يصنع في حجرته هو، وضحك شاهني أفندي ضحك العلم واملعرفة وهو يقول لي: «احمد الله على فهناك النافذة أربعة أضعاف النافذة هنا ولا أمل فضلا عن الظلام املطبق من الصباح إلى املساء. 15 عالم السدود والقيود وعاد املسجونون قبل ذلك أفواجا إلى الحجرات، وتعالت بينهم ضجة كضجة السوق في يوم زحام، ثم توالى إغلاق الأبواب وإدارة املفاتيح ولن يبرح السجان دوره حتى يستوثق من مطابقة العدد املوجود للعدد املكتوب في سجله املعلق بها أفواه رجال ونساء، وشرع اثنان وكأنهما علما بمقدم ً الصحفي الطارئ على السجن في تلك الليلة فجعلا للصحافة قسما من هذه املساجلات املحفوظة: الأولاد تنادي وراك وتقول: إيش معنى؟ – املؤيد! املؤيد . وهو يعني «املقيد». – فوق رأسك يا معلم علي. – إيش معنى؟ وهذه حقيقة واقعة وليست بمجاز! لأن بناء السجن واقع في حضن جبل املقطم. – إيش معنى؟ – كوكب!
كلمُة ْتقديم
عالم السدود والقيود الآن — عندي وعند كل عابر بسبيله — هو ذلك البناء املعزول في
ناحية منزوية إلى طرف من الأطراف في بعض أحياء القاهرة الواسعة الكثرية، كأنه يحس
نفرة الناس منه ونفرته من الناس، واسمه في سجلات الحكومة سجن مصر العمومي،
واسمه الشائع على الألسنة «قره ميدان».
أما يوم كنت آوي إليه ولا أرى غريه ولا أسمع بالدنيا إلا من وراء جدرانه فلم يكن
ً بناءً معزولا ولا كانت الناحية التي هو فيها ناحية منزوية إلى طرف من الأطراف، ولكنه
ا
كان هو العالم بأسره وبأرضه وسمائه، وكان العالم الخارجي جزءًا لاحقً ا به مضافً
إليه، وتلك شيمة في النفس الإنسانية أن تنقل مركز الكون كله إلى حيث تكون، فالسجن
ً وإن كان عند السجناء منزلا ً بغيضا يصبحون ويمسون على أمل الخلاص منه وكراهة
الاستقرار فيه، هو مع ذلك محور العالم ما داموا بني جدرانه، وهو شط والدنيا كلها شط
آخر يتقابلان ويتناظران، فلو ظهرت في السجن صحيفة كبرية لكان لأخباره فيها مكان
«الحوادث املحلية» الظاهر في صدور الصحف السيارة، ولكانت أخبار العالم فيه كأخبار
الحوادث الخارجية ورسائل الأقاليم ومنقولات البرق والبريد، وإذا ارتقى بعضها إلى محل
الرعاية والتنويه فإنما يرتقي إليه بالإضافة إلى سجني من السجناء أو حادث يدور حول
عقره وحجراته وخباياه.
وهذه الصفحات هي خلاصة ما رأيته وأحسسته وفكرت فيه يوم كنت أنزل «عالم
السدود والقيود» وأشعر به ذلك الشعور، وأنظر إلى العالم من ورائه ذلك النظر: لست
أعني بها أن تكون قصة وإن كانت تشبه القصة في سرد حوادث ووصف شخوص، ولست
أعني بها أن تكون بحثًا في الإصلاح الاجتماعي وإن جاءت فيها إشارات ملا عرض لي من
وجوه ذلك الإصلاح، ولست أعني بها أن تكون رحلة وإن كانت كالرحلة في كل شيء إل
أنها مشاهدات في مكان واحد، ولا أن أستقصي كل ما رأيت وأحسست وإن كنت أقول
ً بعد هذا إن الاستقصاء لا يزيد القارئ شعورا بما هناك، وإنه لا فرق بينه وبني الخلاصة
إلا في التفصيل والتكرير، وإنما دعوى هذه الصفحات — بل خري دعواها — أنها تتكفل
للقارئ بأن يستعرض عالم السجن كما استعرضته دون أن يقيم هناك تسعة شهور كما
أقمت فيه.
فإن كانت الصفحات التالية عند دعواها فذاك وحده هو حقها من القراءة وشفاعتها
ً عند القراء، وهي إذن قد اختصرت تسعة شهور طوالا في مدى ساعات معدودات يطويها
ً القارئ بني دفتي هذا الكتاب الصغري وهو يتفكه ولا يضيق ذرعا بالسدود والقيود،
وحسبها ذلك من نجاح.
عباس محمود العقاد
فتحت الكوة الصغرية، ثم فتح باب الرتاج الكبري، ثم احتوانا البناء املخفور الذي يعرف
في مصلحة السجون باسم «سجن مصر العمومي» ويعرف على ألسنة الناس باسم «قره
ميدان»؛ أي امليدان الأسود، باللغة التركية!
وخطر لي — وأنا أخطو الخطوة الأولى في أرض السجن — قول الفيلسوف ابن سينا
وهو يخطو مثل هذه الخطوة:
و
دخلي
باليقن
ي
بلا
امت
ِ راءٍ
وكل
الشك
في
أمر
الخروج
فهو تقرير فلسفي صحيح للواقع! ...
أما الدخول فها هو ذا يقني لا شك فيه، وأما الشك كل الشك فهو في أمر الخروج
متى يكون وإلى أين يكون؟ أإلى رجعة قريبة، من السجن وإليه؟ أم إلى عالم الحياة مرة
أخرى؟ أم إلى عالم الأموات؟
في تلك اللحظة عاهدت نفسي لئن خرجت إلى عالم الحياة لتكونن زيارتي الأولى إلى
عالم الأموات، أو إلى ساحة الخلد كما سميتها بعد ذلك؛ أي ضريح سعد زغلول.
ولم تقع مني هذه الرحلة بني الدار والسجن موقع املفاجأة؛ لأنني كنت أنتظرها منذ زمن
طويل ولو على سبيل الحجز الذي ينتهي بإفراج سريع، ولكني كنت لا أرى فرقًا بني
أيام أو أسابيع أقضيها على ذمة التحقيق وبني مدة أقضيها في الحبس بحكم القضاء،
ِّدر أن حبس التحقيق — وإن قصر — كاف لأن يصيبني بأكبر الضرر الذي
قَ
ُ
لأنني كنت أ
يخشاه الناس من الس
وعلى توقعي الاتهام والحبس كانت الأنباء تتوالى عَليَّ ِبَما يؤكد ذلك التوقع من
جهات عدة، وسمعت النبأ اليقني في هذا الأمر من صديقنا املغفور له سينوت حنا بك،
ً وقد لقيني مرة فاستوقفني وقال لي: «حذار يا أستاذ!» فقلت له باسما: «لا يغني الحذر
من القدر!» قال لي: «إني أروي لك ما أعلم لا ما أظن: إن مقالاتك تراجع في بعض الدوائر
ً مراجعة خاصة، وإنهم ينتظرون يوما معينًا ربما كتبت فيه ما يساعد على تأييد التهمة،
ِ ثم يقدمونك إلى املحاكمة بَما استجمعوا من أدلة قديمة وحديثة!»
وكان في نيتي أن أسافر صيف سنة ١٩٣٠ إلى لندن مع وفد مجلس النواب لتمثيل
مصر في مؤتمر املجالس النيابية الذي عقد تلك السنة في العاصمة الإنجليزية، وقد
استخرجت جواز السفر السياسي، واشتريت دليل لندن ودليل العواصم الأوروبية التي
كنت أنوي زيارتها، ولم يبق إلا تذكرة السفر والاتفاق على املوعد واللحاق بإخواننا الذين
سبقونا إلى باريس ليشهدوا فيها الاحتفال بعيد الحرية، ثم بدا لي أنني إذا سافرت فقد
أمهد بيدي وسيلة لنفيي في أوروبا سنوات بلا عمل، ولا قدرة على البقاء في ذلك الجو
القارس أيام الشتاء، وربما كان منع عودتي أسهل على الوزارة من محاكمة قد تنتهي
بالبراءة أو بعقوبة لا ترضيها، فعدلت عن السفر في اللحظة الأخرية، وقلت: إن السجن
أحب من النفي الذي لا عمل فيه ولا ضمان للصحة ولا الحياة!
ً وفي اليوم الثاني عشر من شهر أكتوبر دق الجرس أصيلا وأنا وحدي باملنزل؛ لأن
ً أخي كان معتقلا ً في قضية «البلطة» املشهورة متهما بالتآمر على حياة رئيس الوزارة،
ولأن الخادم لم يعد من راحته الظهرية وصلاته العصرية، ففتحت الباب فإذا ضابط في
رتبة «اليوزباشي» على ما أذكر يبادرني بالسؤال: هل حضرتك فلان؟
قلت: نعم.
َليَّ ورقة من دفتر في يده على هيئة ذكرتني الكونت نيمور وهو يلقي القفاز في
فمد إِ
محضر لويس الحادي عشر.
ً قلت: «تفضل أولا فاجلس.»
فتردد في الدخول، ثم دخل وجلس، فتناولت الورقة وقرأت فيها دعوة من صاحب
السعادة النائب العمومي للحضور إلى مكتبه في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي،
ووقعت على الدفتر — كما طلب الضابط — بأنني تسلمت الورقة، وأخذت في إعداد الكتب
التي سأقرؤها في السجن، والأدوية التي أتعاطاها، وامللابس البيتية التي أحتاج إليها
هناك، وزدت فأعددت الأغطية الصوفية التي تلزمني للفراش والغطاء؛ لأنني كنت حتى
إلى قره َميَْدان
تلك الساعة أجهل «تقاليد السجون»، وأظن أن الأغطية الخاصة مسموح بها كامللابس
الخاصة أثناء التحقيق وفي الفترة التي تسبق املحاكمة. ثم حضر الطاهي فأريته هذه
ً الأشياء كلها وقلت له: إنه سيحضرها لي في السجن غدا عند اللزوم.
فظهر لي أنه لم يفهم، وأنه ينوي أن يقصد بها سجن الأجانب الذي كان أخي
ً معتقلا فيه.
ً فقلت له: «بل هي لي أنا في السجن الذي سيخبرونك عنه غدا بدار النيابة!» ووصفت
له الدار واجتهدت أن أفهمه جهد املستطاع، وذلك جهد يعرف العارفون بالشيخ «أحمد»
أنه ليس باليسري!
وذهبت في املوعد املحدود إلى دار النيابة، واستغرق التحقيق ساعات، ثم قال لي
ً حضرة املحقق: «إنني آسف لأننا سنضطر إلى إبقائك عندنا قليلا يا أستاذ!» وبدأ حضرات
املحامني يوجهون نظر رجال النيابة الحاضرين إلى «الحيطة الصحية» الواجبة في هذه
الحالة، ومنها اختيار السجن الذي يوافقني أثناء الحبس «الاحتياطي» أكثر من سواه.
وكان الأساتذة املحامون لحسن الحظ من الخبريين بمزايا سجون القاهرة التي
تردد عليها في سنوات الثورة السياسية معظم املشتغلني بالقانون والسياسة، فأضافوا
خبرتهم بالسجن إلى خبرتهم باملحكمة وقدرتهم على النصح السديد للمتهمني واملوكلني،
واستحسنوا أن يكون الحبس في «سجن مصر»؛ لأن الجو فيه أوفق لي من سجن
الاستئناف، وقد كان.
فذهبت مع الضابط والجند في سيارة خاصة إلى «قره ميدان» وتخطيت الباب فإذا
هدوء غري مألوف؛ لأن الوقت كان وقت الراحة عقب الغداء، وتوجه بي الضابط نحو
حجرة الكتاب لتسليم ما عندي من الودائع وكتابة الأوراق التي لا بد منها لكل مسجون
جديد، وما هي إلا لحظة حتى توافد املوظفون وكثر دخول السجانني ينظرون إلى القادم
ً الذي سرى بينهم نبأ قدومه، وأخذ كاتب هناك مرح ثرثارة يداعبهم واحدا بعد واحد
كلما مروا به وتصنعوا سؤاله عما يضمره لهم بريد اليوم. فيقول لأحدهم: «اطمئن ...
ً فقد عينوك مدير َ ا ملصلحة السجون ...» ثم يحدج ببصره كَم ْن يستغرب سكوته، ويقول
له: «ألا تصدق؟ آه يا ابن الحلال. معذور، فإنك في السجن ولست في البيمارستان ...»
ً أو يقول لغريه: «تعال هنا ... قرب أذنك! قرب أيضا» ... ثم يناديه بصوت يسمعه
َ كل م ْن في املكان: «افرح ... نقلوك إلى أسوان، لا تقل لأحد يا ولد!»
وهكذا في أثناء التسليم والتدوين، فاستعدت في ذهني موقف هملت وحفاري القبور
إذ يغنون وهم في ذمار املوت!
11
ْجن
ْلة الأولى في ِّ
َّ اللي
لم يكن مكتب املوظفني إلا بمثابة «الأعراف» التي تفصل بني نعيم الحرية وجحيم
الاعتقال، ولكنها «أعراف» تنقل من النعيم إلى الجحيم كما تنقل من الجحيم إلى النعيم،
وقد كانت في اليوم الذي سجلت فيه اسمي بني الداخلني تسجل أسماء شتى للخروج أو
للإفراج كما يسمونه في لغة السجون!
وعبرنا مكتب املوظفني ومكتب املأمور مع ضابط العنبر في هذه املرة لا مع ضابط
الشرطة الذي انتهى مقامه عند الباب.
فاتجه الضابط إلى عنبر «ب» وفتح الباب الحديدي ودخلنا العنبر فكان أول ما
ً صادفنا فيه منظرا عجيبً ً ا لا تألفه العني: أناسا بملابسهم العادية جالسني القرفصاء في
صمت لا يلتفت أحدهم يمنة ولا يسرة، ومن ورائهم نفر مكبون على الأرجل والأيدي كما
تمشي الدواب يزحفون زحفً ا ويتغنى أحدهم بصوت خفيض والباقون يجيبونه بصدى
— لا بكلام — يقولون فيه: «هيه هيه» ... أما املغني فالذي أذكره من أنشودته الآن
عبارة واحدة: «رايحه له فني! ده عليه سنتني!»
فقلت: فأل جميل وايم الله! وللفأل شأن كبري في «نفسيات» املسجونني كما سريى
القراء في بعض هذه الذكريات.
وكان لا بد لي من «فرجيل» يصاحبني كما صاحب الشاعر الإيطالي «دانتي» في طبقات
َم ْن هؤلاء الجالسون القرفصاء؟
الجحيم؛ ليدله على أنواع العذاب ودرجات املعذبني، فَ
َوَم ْن هؤلاء املكبون على أربع؟ أهذا ضرب من العقاب في مكان العقوبات؟ وما بال أناس
منهم يلبسون ثيابهم العادية على اختلافهم بني املعمم واملطربش ولابس «الطاقية»، ولا
يلبسون كأهل السجون؟
ً على أنني لم ألبث طويلا حتى عثرت على الدليل الذي ينوب في جحيمنا عن فرجيل!
فقد كان على يسار الحجرة التي خصصت لي حجرة للصحفي الظريف علي أفندي
ً شاهني رحمه الله، وكان محبوسا رهن املحاكمة في قضية مقالات ورسوم قذف بها بعض
الوزراء وعلى رأسهم إسماعيل صدقي باشا كبري الوزراء في تلك الأيام، وكان واقفً ا عند
باب حجرته ينتظرني بعد أن سبقت البشائر إلى العنبر بقدومي! فلقيني مرحبًا، وعلى
مقربة منه اثنان أو ثلاثة من أهل بولاق «دائرتي الانتخابية» كانوا في مؤخرة صفوف
الجالسني القرفصاء، فنهضوا يحيونني ويهمون بالصياح لولا أن شاهدوا الضباط
والسجانني فعادوا جالسني.
وعلمت بعد ذلك بهنيهة أن هؤلاء الجالسني القرفصاء هم املحبوسون على ذمة
ِ التحقيق مَّم ْن آثروا البقاء بملابسهم العادية، وأنهم جلسوا تلك الساعة في انتظار الخروج
«للطابور» الذي هو موعد الرياضة املصطلح عليه مساء كل يوم، وللمحبوسني شوق
إلى موعده يفرحون به أشد من فرح الطلقاء بنزهة الأصيل على شاطئ النيل وطريق
الأهرام!
أما املكبون على أربع فهم أصحاب النوبة املنوط بهم تنظيف بلاط العنبر وتلميعه،
وهم يتغريون كل شهر مرة ويقومون بهذا العمل طول النهار، ويؤثرونه على أعمال
السجن الأخرى؛ لأنهم ينطلقون فيه على مدى واسع بعض السعة، ولا يحبسون في
الحجرات.
قال دليلي أو «فرجيلي» بعد الشرح املتقدم: «وإن هؤلاء املساكني يعانون هذا العناء من
أثر دعوة النبي يوسف عليه السلام.»
قلت: «وما ذاك أفادك الله!»
قال: «لقد دعا يوسف ربه في السجن أن يغزر ترابه ويحلي طعامه ويقصر أيامه.»
فالتراب لا ينقطع لحظة عن أمثال هذا املكان.
ْل: غزر ترابه
ْم يَقُ
َليَّ َ أن يوسف عليه السلام قال: اللهم غزر رغامه ولَ
قلت: «يخيل إِ
... لأن السجعة تقضي بذلك!»
اللَّ
وما لبثت في السجن نصف ساعة حتى رأيت بعيني حرص الأقدار على إجابة ذلك
الدعاء، فما هو إلا أن يزحف املاسحون من طرف العنبر إلى طرفه حتى يكون التراب قد
سفا على املكان الذي تركوه.
وإلى هنا لم أكن قد تناولت طعام الغداء مع اهتمامي برعاية املواعيد في تناول الوجبات.
فأين الطعام؟ هل أحضره الطاهي أو نسي إحضاره وفهم غري ما تعبت بالأمس في
إفهامه إياه؟
هنا ظهرت لي قيود السجن دفعة واحدة، فليس من املستطاع أن أعرف هذا الخبر
الصغري إلا بعد أن أسأل السجان، وبعد أن يسأل السجان الضابط، وبعد أن يسأل
الضابط البواب، وبعد أن يحال البواب إلى املأمور وأطباء املستشفى، وبعد أن ينقضي في
ذلك كله وقت غري قصري.
ولم يكن الذنب في هذه املرة على ذكاء «الشيخ أحمد» كما توهمت لأول وهلة، فإنه
قد أحضر الطعام بعد انصرافي من دار النيابة، ولكنهم حجزوه على الباب حتى يتلقوا
ً أمرا بقبوله وانتظام حضوره، وحتى يراه الطبيب ويرى الأدوية التي معه، وحتى يتم
الفحص عن حالتي الصحية وما يصلح لي من الدواء، ثم قبلوا الطعام والدواء وردوا
الغطاء والفراش؛ لأن السجن كما قالوا فيه الكفاية من غطاء وفراش!
وفي هذه الأثناء بدأت أشعر بقشعريرة الرطوبة التي ينضح بها الأسفلت في أرض
العنبر وسقوفه، ثم فرغ السجان وصاحب النوبة املوكل بحجرتي من إعداد سريرها
وأدواتها ولوازمها، فألقيت نظرة على الغطاء الذي سيغنيني عن غطائي فلم أطمئن
إليه كثريً ً ا، ولكني قلت: لا بأس بالتجربة هذه الليلة، وبقيت متوجسا من هذه النافذة
املفتوحة على رأسي يندفع منها الهواء طول ليل الخريف، فما العمل فيها؟
قال دليلي أو «فرجيلي» علي أفندي شاهني: «لا عليك من هذه النافذة! فسترى كيف
نعالج خطبها.» والتفت إلى صاحب النوبة فأوصاه أن يسدها بالحصرية املفروشة على
ٍّ أرض الحجرة كما يصنع في حجرته هو، ففعل صاحب النوبة توا لرييني كيف يحكم
هذه الصناعة، وضحك شاهني أفندي ضحك العلم واملعرفة وهو يقول لي: «احمد الله على
أنهم لم يختاروا لك سجن الاستئناف، فهناك النافذة أربعة أضعاف النافذة هنا ولا أمل
ٍ في سدها بحال ً من الأحوال، فضلا عن الظلام املطبق من الصباح إلى املساء.»
قلت: «الحمد هلل!»
15
عالم السدود والقيود
ً ا، وعاد املسجونون قبل ذلك أفواجا إلى الحجرات،
وهبط ظلام الليل شيئًا فشيئً
وتعالت بينهم ضجة كضجة السوق في يوم زحام، ثم توالى إغلاق الأبواب وإدارة املفاتيح
في الأقفال، ثم بدأ «التتميم» أو املراجعة حجرة حجرة: كم يا ولد؟ عشرة!
كم يا ولد؟ أربعة ... وهكذا إلى نهاية الدور، وفي كل عنبر أربعة أدوار، ولن يبرح
السجان دوره حتى يستوثق من مطابقة العدد املوجود للعدد املكتوب في سجله املعلق
عند الباب.
وازدادت الضجة بعد انتهاء املراجعة فلم يكن للسامع أن يسمع إلا أسماء تتقاذف
بها أفواه رجال ونساء، وصرخات وأهازيج وشتائم هي عندهم في منزلة التحيات
املباركات! ثم سكنت الضجة بعض الشيء وتبني من هنا وهناك نداء مفهوم، وشرع اثنان
في قافية من القوافي املعروفة في محافل الأعراس واملوالد املصرية، وكأنهما علما بمقدم
ً الصحفي الطارئ على السجن في تلك الليلة فجعلا للصحافة قسما من هذه املساجلات
املحفوظة: الأولاد تنادي وراك وتقول: إيش معنى؟
– املؤيد! املؤيد ... وهو يعني «املقيد».
– فوق رأسك يا معلم علي.
– إيش معنى؟
– املقطم!
وهذه حقيقة واقعة وليست بمجاز! لأن بناء السجن واقع في حضن جبل املقطم.
– الرغيف في سقف بيتكم.
– إيش معنى؟
– كوكب!
– تطلع من هنا تقابلك في البيت.
– إيش معنى؟
– الحمارة!
ً وقس على ذلك ما يقال، وما يسمع كرها ولا يقال.
أما أنا فقد أظلمت الحجرة عندي ظلامني؛ لأن النافذة املغلقة حجبت كل ضياء
يتسلل إلى الحجرات من فناء السجن املنار بنوره الضئيل، فلم أستطع أن أعرف مكان
16
الكوب ولا سلة الطعام في ذلك الظلام، ولبثت أسمع الأصوات تخفت وتخفت حتى
انقطعت أو كادت في نحو الساعة التاسعة كما أنبأتني الساعة العربية التي تدق في
مسجد القلعة، ولم يبق من مسموع إلا وقع أقدام الحراس على البلاط، وإلا صيحاتهم كل
نصف ساعة يطيلونها ويتنافسون في إطالتها، فذكرتني مبيت ليلة على حدود الصحراء،
أسمع فيها صياح الذئاب
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
لما كانت الفكرة النظامية تتخطى الأركان الموضوعية للشركة وتنظر اليها كمجموعة أجهزة متعددة تتكامل وظائ...
شنّ الصحفي وائل البدري هجومًا لاذعًا على الرئيس السابق لجهاز الأمن القومي، علي حسن الأحمدي، متهمًا إ...
استقبل رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني، اليوم الخميس، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ا...
المبحث الأول: مفهوم القيادة والقيادة النسوية تمهيد: تعد القيادة الركيزة الأساسية التي تستند إليها ال...
Statistics will be essential for my future career in medicine because they help doctors make decisio...
تساهم المنصات الرقمية المدعمة بالذكاء الاصطناعي في رفع مستوى طموح الطالبات من خلال التفاعل المستمر، ...
أثار تأخر صرف مرتبات منتسبي اللواء الثاني مشاة بحري بمنطقة بالحاف موجة استياء وغضب واسعة في أوساط ال...
أكد رئيس حلف قبائل دهم في محافظة الجوف "الشيخ عبد الرحمن مرعي"، (الخميس)، أن قضية "الشيخ حمد بن فدغم...
إليكم أبرز الأعمال بإدارة المشاريع بالقطاع الجنوبي للنصف الثاني من شهر يونيو 2026، حيث تم تنفيذ أطوا...
في مجال يقوم على الحزم والرحمة معاً، وتتشابك فيه القوانين مع قصص الناس وأوجاعهم، اخترت أن أكون حاضرة...
برزت مزايا الفصول الافتراضية مع توافر العديد من الأدوات المرونة هي الميزة الأبرز في باقة مزايا الفصو...
اعادة كتابة هدا التقرير بصيغة اخرىالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة سوس ماسة المديرية الإقليمي...