Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

كنت مع عائلتي البسيطة المكونة من خمسة أشخاص. أنا وأخوتي الاثنين وأمي وأبي كنا عائلة سعيدة إلى حدٍ ما. كانت أمي في المطبخ تحضر الفطور لأن علينا الذهاب إلى المدرسة. كان أبي جالسًا بجانبي أنا وأخوتي، يحدق بي ويقول: "كيف حال واجباتك؟" أجيبِه جوابًا اعتياديًا: "إنها بخير". نهضتُ لعند أمي وأخبرتها بأن تُعد لي بيضًا على شكل عيون لأني أحبه، وعدتُ إلى جانب أبي واصلنا حديثنا عن المدرسة والواجبات. يقطع حديثنا صوتٌ مرعب، كأنه صوت صفير قوي إلى درجة هائلة. كان ذلك صاروخًا في مدينة إدلب. وجدتُ نفسي تحت والدي وهو يضمنا أنا وأخوتي ويحاول حمايتنا. كان الغبار والدمار في كل مكان. أصرخ بصوت عالٍ: "أمي، أمي لا تجيب. نهض والدي بعد عدة دقائق ليرى أمي أين هي وماذا حصل معها. ردي علي يا حنان!". نعم، أمي ملقاة على الأرض ودمها يغرقها. انهرتُ من البكاء على أمي: "أين ذهبتِ يا أمي وتركتِ طفلًا لم يتجاوز عمره ثلاثة عشر عامًا؟" يصارع هذه الحياة من بعد رحيل أمي. بعد سنة، لم أكن أدري ماذا أصابه. كرهته إلى درجة مرعبة. كنتُ أبغضه. كان والدي من الناس الميسورين الحال. في يوم من الأيام، كنا أنا وأصدقائي نلعب في ساحة المدينة، ويمر حينها شاب لم يتجاوز السابعة عشر عامًا يركب سيارة فارهة باهظة الثمن. سمعتُ أصدقائي يقولون: "لولا أبوه لما امتلك هذه السيارة". ظلت هذه الجملة البسيطة على بالي، لكنني كنتُ أراها بمنظور آخر. أنا لا أريد أن أكون تحت اسم والدي القاسي، ويقولون: "لولا أبوه لما كان ضياء يملك شيئًا". بعد أسبوع من تلك الجملة التي كانت لا تفارق ذهني، لكنه وافق. بدأتُ رحلتي في هذه الحياة القاسية لتكوين ذاتي المستقلة عن أي أحد. مضت الأيام وأنا أتعلم بسرعة كبيرة، وفي خلال ثلاثة أشهر أصبحتُ متقنًا عملي. مع أن زملائي في العمل الذين يعملون في نفس المكان منذ سنتين لا يعرفون بقدري، فأنا كنتُ سريع التعلم. طلبتُ أجرًا إضافيًا فرفض أن يعطيني بحجة أنني لم أتقن العمل بعد، على عكس رأي زملائي الذين كانوا يروني متقن العمل جيدًا. استقلتُ فورًا ورفضتُ أن أكمل. سألني والدي بقسوة وصراخ لماذا فعلتُ هذا. كان ينهال عليّ بالضرب المبرح. أنا أصبحتُ رجلًا. لم أكن أنا الأكبر، فقد كان أخي خالد هو الأكبر. إلا أنا لم أكن خاضعًا. وهذا ما كان يزيدُ الحال سوءًا. أتي الأسبوع التالي وأنا بدأتُ بعمل جديد في ميكانيك السيارات. كانت صعبة جدًا على شاب صغير. وهذا ما كان يميزني عن غيري. في يوم من الأيام، ذهبتُ إلى العمل بعد أن انتهتْ مدرستي، وكنتُ أدرس وأعمل في نفس الوقت. فقال لي: "ما هذه الحلاقة الشنيعة؟" صرختُ في وجهه قائلاً: "وأنْتَ ما شأنك في حلاقتي؟" قال: "أنا هنا أتدخل في كل شيء لا يعجبني". أنا لم أكن أحبه، ولكن أنا كان يجب عليّ أن أكون رجلًا يصرف على نفسه ولا يحتاج أحدًا. وبدأ بشتم البنطال وشتمني. لأني اعتدتُ أن من يعتدي عليّ أعتدي عليه. ونقول في سوريا: "ما برميها واطية لحدا"، أي بمعنى لا أجعل أحدًا يعتدي عليّ ولا أفعل شيئًا. وفور دخولي، هذه المرة في كهرباء المنزل. وبعد فترة قصيرة أصبحتُ ماهرًا في مجالي. وبعد عدة سنوات من المجالات والخبرات، قررتُ أن أفتح مشروعي الصغير: مكان لتصليح الأدوات الكهربائية. ظننتُ حينها أنني قد جمعتُ خبرات كافية تؤهلني لكي أفتح مشروعي. لم أكن أدرك أن المرء يبقى جاهلاً كل ما ظن أنه يعلم. فشل. كان الناس يقولون لي: "لماذا لا تطلب من والدك أن يساعدك؟". وإن كانت جبالًا فوقي". فشل المشروع وأغلقتُ المحل الصغير. مع أن هذا الأمر لا يرضيني. إلى تاريخ 1/12/2018 كان في ذلك اليوم أخبرني والدي أن المنزل بحاجة إلى صيانة كهربائية. فقال: "لم لا؟". إلى الساعة الواحدة ظهرًا، إذ يرده اتصال مفاجئ لأبي من عمي قائلاً بأن أخي الكبير خالد في المستشفى. ذهب أبي مسرعًا ليجهز نفسه للذهاب إلى مدينة (سرمدا). ذهب أبي وجلسنا قليلاً لكي نرتاح من العمل. لم أكن متفاجئًا أن أخي في المستشفى لأنه كان كثير الذهاب إليه وكان أمرًا اعتياديًا بالنسبة لي. مضت ساعة وحان وقت أن أعود إلى العمل. لا الرجل الذي يعمل معي ولا الصبي الذي يساعدنا. خرجت إلى الشارع وإذ بي بين حشد من الناس. رأيت أبي قادمًا من بعيد في السيارة مسرعًا. حينها أدركت أنه حصل شيء لأخي. لا أحد يجيبني وأنا أسأل الناس. انهرت بالبكاء وأقدامي لم تعد تحملني. دموعي تذرف. تركني وحيدًا أصارع هذه الحياة. أدركت حينها أن كل أخ كبير يتمنى أن يكون له أخ كبير. حينها قررت أن أسافر بعد ثلاثة أشهر من وفاة أخي وأترك كل الألم الذي أعيشه. لم يكن والدي مكترثًا إلى سفري من قساوته وقال: "اذهبوا حيثما شئتم". نمت في ذلك اليوم ورأيت منامًا غريبًا. أرى فيه أفاعي في المنزل وأشكالًا غريبة ولم أكن خائفًا في الحلم. استيقظت في الصباح وكان تفكيري مشغولًا. أريد أن أعرف ما معنى هذا الحلم الغريب. ذهبت إليه وأخبرته ما رأيت في المنام. وجلس يسألني ماذا حصل في عائلتي. وأخبرته بأن والدتي توفت وأصبح والدي قاسًا بعد أن تزوج بأخرى. فقال لي: "أتعلم ما معنى الحلم؟". أجبتُه قائلاً: "لا". وهنا كانت الصدمة. ثم أخبرتُ الشيخ أنه يجب أن يأتي معي فورًا. فذهب معي إلى عند عمي الكبير وأخبرناه بالقصة كاملة. بعد ذلك، طلق والدي زوجته وعاد طبيعيًا حنونًا. كنتُ فرحًا لدرجة كبيرة جدًا. أخذت مني قصة والدي أكثر من شهر وهذا ما جعلني أن أؤجل سفري. وحزمتُ أمتعتي لاني سوف أسافر بعد بضعة أيام. وكان في ذلك الحين يحاول والدي أن يطلب مني أن أسامحه، وعدك أني سوف أعوضك عن كل ما عشته. أعطيك بيتًا وسيارة وزوجك وأرى أطفالك". رفضتُ بشدة وأخبرته: "إن كان السحر موجودًا أو لا، فأنا سوف أذهب لاني لا أريد أن أكون تحت اسمك. الجمعة. ذهبت إلى المنزل ونظر إلي والدي نظرة الندم والألم الذي عاشه. فليس له ذنب فيما عشته". ذهبت إليه وحضنته وقبلت يده وقلت: "إني أسامحك يا أبي". حينها أدمعت. ابقَ بجانبي". لكني كنتُ مصراً على السفر في صباح اليوم التالي. ودعت إخوتي وأبي وذهبت إلى حدود تركيا مع المهرب الذي سيهرّبني إلى هناك. كانت سوريا في حرب وجواز السفر الذي أملكه لا ينفعني بشيء سوى أنه يثبت أنني سوري. بدأنا في المشي أنا والناس الذين كانوا برفقتي في الساعة العاشرة ليلاً إلى الساعة الواحدة. كنا على وشك الوصول إلى المكان الذي ستأتينا سيارة لِتأخذنا. كنت خائفاً من هول المظهر، لم يكن يؤثر فيّ. اجتمع الكثير من الجنود وبدأوا بضربنا، وكان الضرب أكثر قسوة من الذي تعرضنا له في البداية عندما كنا في الغابة. كنت أنا طويلاً، مما جعلني ملفتاً للنظر بين الناس الذين معي، وكنت أنا أكثر الأشخاص الذين تعرضوا للضرب. كان الدم ينزل من كل مكان في جسمي. أنزلت رأسي وجلست على الأرض. يأتي ضابط ويقول لي باللغة التركية "انظر إلي". كنت أفهمه لأنني كنت أتعلم القليل من اللغة قبل أن أسافر. رفعت رأسي وضربني على وجهي بقدمه بقوة. أصبحت عيني منفوخة وتنزف الدماء. أدخلونا على الصالة التي كانوا يجمعون الناس فيها. كان هناك بعض البطانيات والخشب الذي يجب أن ننام عليه. كنا نحن الناس الجدد، وكان هناك أشخاص قبلنا. ويضربهم الجندي بقوة. كنت أحاول أن أتماسك نفسي لكي لا أضرب مجدداً. أغمي عليّ من شدة الألم والنعس. كنت نائماً على الأرض وكان الجو بارداً جداً. استيقظت بعد عدة ساعات على صراخ الشباب الذين كانوا معي. ويضرب الناس به. لم أرى طوال حياتي أسوأ من هذا التعذيب. وصل إلى عندي وضربني. كانت الضربة قوية لدرجة أنها حفرت مكاناً في بدني. وضرب كل ساعة، إلى أن أخرجونا ووضعونا خلف الحدود. لكن رغم كل الذي مررت فيه، وأنني لن أستسلم أبداً. فأنا ضياء الذي لا يخشى أي ألم. كنت أعاني في كل مرة، في المحاولة العشرين، بعد أن خرجت من الحدود وذهبت إلى والدي الذي كان ينتظرني بفارغ الصبر، أخبرته بكل ما حدث انتقلت إلى مدينة أخرى بسبب القصف على مدينتنا. ابق هنا معي ونعيش معاً. قلت له: "إنني إما أذهب إلى مدينتي وأموت فيها أو أسافر. ولكن عليك أن ترتاح قليلاً. أجبته: "سوف أرتاح وبعدها أعود للمحاولة، أما الآن فأنا ذاهب إلى مدينتي إدلب. لكنني كنت مصراً. ذهبت إلى المدينة وكان الوضع خطيراً جداً. كان يوم الجمعة. اتصل بي والدي يوم الأربعاء عند الساعة السابعة والنصف مساءً وقال لي: "بأنه لم يأخذ معه جهاز الإنترنت، أجبته: "حسناً" وأغلقت الخط. كان بجانبي اثنان من أصدقائي، كنا جالسين في الغرفة ونتبادل الأحاديث العامة. فقال لي صديقي غيث: "لماذا لا ننزل إلى القبو، فأجبته: "غيث، فستموت في أي مكان. ونهض. سمعت أصواتًا مرعبة وفجأة اصبح ماهر فوقي والحطام والدمار في كل مكان نرى أجسامنا، إنْ حصل بها شيء، فأتى إلينا وأخرجنا من تحت الحطام قال لي: "يا بني، إن كنت مصابًا أو ميتًا، بيوت الدنيا ومالها لن ينفعوني بشيء. فحاولت مرارًا وتكرارًا، لربما البعض منكم قال: "لماذا ضياء لم يقع في غرام أي فتاة أو حبها؟" ببساطة، كان فراغًا هائلًا، وكنت دائمًا ما أكرر جملة: "أنني لن أحب إلا فتاة تحبني أكثر ما أحب نفسي. إلى أن أتى ذلك اليوم. كنت أعمل مع خالي الذي كان لديه مكتبة يبيع الدفاتر ومستلزمات المدارس. كنت أعمل معه وأحاول السفر. إلى أن أتى يوم أخبرني فيه خالي أنه اشترى سلعًا من مدينة أخرى ويريدني أن أذهب لإحضارها لأنه ليس متفرغًا. جهزت نفسي وذهبت إلى مدينة الدانا. دخلت إلى المكان وكان هناك فتاة هادئة بجانب والديها. لم أستطع أن أنزل عيني عنها فقد فتنتني برائتها وعفويتها الجميلة. أخذت الأغراض بعد أن قال لها والدها: "فرح، هيا لنذهب. العفوية، لا يتوقف. مضت الأيام وأنا قررت أن أذهب إلى نفس المكان. "آه يا فرح، نعم، وقفت مذهولًا، سمعت الصوت الذي بداخلي وتتبعتهم إلى المكان الذي يعيشون فيه. نعم، أخيرًا عرفت المنزل. مضت الأيام بشكل عادي، وبدأت أسأل الناس عن صاحب ذلك البيت. أخبروني بأنه يملك محلًا للصرافة، بدأت في البحث على ذلك المحل إلى أن وجدته. وأنا لست أدري لماذا. مضت الأيام وأنا لا زلت أفكر في فرح، التي كنت أقول في نفسي نعم، هذه فرح التي ستجعل أيامك كلها فرح. وحان الوقت على أن أعيد المحاولة وأسافر. حزمت أمتعتي وذهبت إلى الحدود. بدأنا المشي بعد المغرب بقليل، " جلسنا، واتت السيارة. أكاد أموت من الفرحة، وأخيرًا سأسافر. دخلت إلى تركيا وأنا لم أكن أتوقع ذلك، أخبرني بأنه يعرف شخصًا يأخذ الناس إلى أوروبا بمبلغ أقل من غيره، أعطني رقمك وسوف أتواصل معه. ما يهمني هو الوصول نفسه. جهزت نفسي لأذهب في تاريخ 2020/2/3. بعد ثلاثة أيام من المشي، تحملتُ وصمدتُ، وأخيراً أتى اليوم الخامس. وصلنا إلى المكان الذي ستأتي سيارة لأخذنا. ثم قال المهرب: "سنستقر هنا وفي اليوم التالي ستأتي السيارة". حلقتُ في السماء من الفرحة لأني سوف أرتاح أخيراً. صوت العصافير التي تزقزق بداخلي يختفي مع صوت الرصاص. هاجمنا البلغاريون وضربونا وسرقوا كل ما نملك. لم يتركوا لنا سوى ملابسنا الداخلية، ثم رمونا في غابات تركيا بعد أن مشينا ست ساعات عراة تمامًا في البرد القارس. عدت إلى منزل صديقي الذي كنت أعيش معه، تساءلتُ في نفسي، لماذا كل هذا العذاب؟ ماذا فعلتُ لأستحق كل هذا؟". وهكذا استمرت حالتي حتى المرة الثامنة. عشتُ مغامرات صعبة في الغابة. في آخر محاولة، وكالعادة، قال المهرب: "سنبيت هنا حتى اليوم التالي"كنتُ أنتظرُ قدومَ السيارةِ تلكَ الليلةَ وأنا أفكرُ في أنَّ الجيشَ سيأتي ويقبضُ علينا. لأنَّني لم أعدْ أستطيعُ البقاءَ في تركيا. فقد تعرّضتُ للكثيرِ من الضربِ والسرقةِ خلالَ رحلتي. وانطلقنا بها إلى العاصمةِ البلغاريةِ صوفيا. لم أصدقْ عينيّ في البدايةِ، كان عليَّ بعد ذلكَ التوجّهُ إلى الوجهةِ التاليةِ، حاولتُ الدخولَ ثلاثَ مراتٍ، ونجحتُ في المرةِ الثالثةِ. وبالفعلِ حققتُ ذلكَ سلّمتُ نفسي للشرطةِ، وقاموا بإجراءاتِ اللجوءِ. تمّ الأمرُ بنجاحٍ، قالوا لي بعض الاصدقاء : "تعالَ لنلعبَ البلياردو". قلتُ لهم: "لا أعرفُ كيف ألعبها". وأنتَ ما زلتَ شابًا". ثمّ قالوا لي: "حسنًا، تعالَ لنلعبْ كرةَ القدم". قلتُ أيضًا: "لا أعرف". كان يجبُ عليَّ أن أستمتعَ بحياتي وأن أتعلمَ وألعبَ في الأيامِ التي مضتْ. لكنّه كان محزنًا في نفسِ الوقتِ. وبالفعلِ، ففتحتُ الحسابَ وبدأتُ أبحثُ عن حسابِها في أصدقائهِ. وبعدَ عدّةِ أيامٍ من البحثِ والتنقيبِ، أرسلتُ طلبَ صداقةٍ، لأنَّني رأيتُ أنَّهُ لا يوجدُ أيُّ شابٍ في حسابِها. مضى يومانِ، وقبلَ طلبِ الصداقةِ، ولدي منزلي الخاص الذي يقع في مدينة أوريبرو في السويد. بدأت حياتي تتحسن رويدًا رويدًا. اكتشفتُ شغفًا بالقراءة، وأصبحتُ أقرأ الكثير من كتب التنمية البشرية. في يومٍ من الأيام، أتتني رسالة على حسابي على إحدى منصات التواصل الاجتماعي. كانت ردًا على حالةٍ نشرتُها، تضمنت أبيات شعرٍ لنزار قباني اخترتها بعنايةٍ. كانت الأبياتُ تقول: ما زلتِ في فنِّ المحبةِ طفلةً بيني وبينَكَ أبحرٌ وجبالُ لم تستطيعي بعدَ أن تتفهمي سرًّا يمزقُني وليسَ يقالُ نظرتُ إلى الهاتف فوجدتُ رسالةً من فرح تقول فيها: "فتاة لم أستطع أن أصل إليها، فقالت: أجبتُها: فهي على الأغلب نسيتني ولم تعد تتذكر شيئًا عني. فأجابت: كأنَّكَ لم تغبْ، لمْ تَسافرْ في خيوطِ الشمسِ أنتَ مُشرقٌ كأنَّكَ لم ترحلْ، لمْ تُفارقْ أكاد لا أصدق عينيّ أنَّها تذكرني وتحبّني كما أحببتُها. ثمّ سألتُها: "فعلاً لم تنسيني؟" قالت: "تذكرين حين التقيتُ بكِ أول مرة؟" وسارت الأمور على ما يرام، وبعد عدّة أشهر من كلامنا، وأقولُ لها: "هل تشعرين بالنعاس؟" ولكن هذهِ المرة كانت مختلفةً، حيثُ إنّها لم تتصلْ في الصباحِ وتخبرني كم هي آسفةٌ لأنّها نامتْ رغمًا عنها. لم تجبْ. اتصلتُ مرارًا وتكرارًا، سهرتُ طوالَ الليلِ، وأنا لستُ أدري ماذا أفعلُ. في الصباحِ، أنا ضياء. قالتْ: "لا، ذهبتْ بالفعل، فأبرحها ضربًا. لا أعرفُ ماذا أفعلُ. أجابتْ: "حسنًا. مضى أسبوعٌ، لا أستطيعُ النومَ ولا أن أعملَ، إنّها فرحٌ، كنتُ غاضبًا منها، وسرعان ما تقولُ لي: "عليّ أن أغلقَ الهاتفَ، فقالتْ: "يبدو أنّك اشتقتَ لي. فأجبتُ: "أنا لم أشتقْ لكِ، أنا عطشانُكِ، حزنتُ كثيرًا، تُحادثني نصف ساعةٍ أو ساعةً من هاتفِ أخيها في وقتٍ متأخرٍ من الليلِ، لأنّ والدها حرمها من كلّ شيء، يا فرح. قالتْ لي: "كيف؟ والدي يعرفُ شكلك وصورتك. قلتُ لها: "الآن أم بعد وقت؟ لن يتغيّر شيء. وافقتْ. وقالتْ لي: "متى سوف تخبرُ أهلك؟" لكنتُ تحدّثتُ مع أهلي أولًا. ولكنّ هذا سيكونُ موقفًا صعبًا لوالدي، وافقتْ، وكان عليّ أن أُحادثَ والدها في أقربِ وقتٍ. بعد عشراتِ المحاولاتِ، لأنّي لم أتقدّم لخطبةِ فتاةٍ من قبل. بدأتُ أسأله عن حاله وعمله، "ضياء؟ من ضياء؟" وأتمنّى أن تفكرَ قبلَ أن تجيبني. وأنا لا أزوّجُ ابنتي لشخصٍ مثلكَ، وأغلقَ الهاتفَ في وجهي. وانتظرتُ فرحَ لكي تأتي لكي تخبرني إذا حصلَ معها شيءٌ. أتتْ فرحُ وسألتُها: "ماذا قالَ لكِ والدكِ؟"فقالتْ: "هل تحدّثتَ معه؟" تحدّثتُ. "ماذا قالَ لكَ؟" فقالتْ: "ماذا جرى؟ لم يحدثني أبدًا. فقلتُ: "لقد رفضَ رفضًا قاطعًا. وانهارتْ من البكاءِ، فقلتُ لها: "لا تقلقي، سوف أجدُ حلًا، ارتاحتْ وهدأتْ قليلاً، وأريدُ منكَ أن تخطبَ لي إيّاها. وما هذا الهراءُ الذي تتحدّثُ عنه؟ حبّ ومشاعر؟"أرجعَ إلى وعيي وأغلقَ الهاتفَ في وجهي. لم أستطعْ أن أجدَ حلًا، فأخبرتها بأنّني فعلتُ ما بوسعي، وليس لديّ ما أفعله. فقالتْ لي: "هل تريدُ أن تذهبَ يا كُلي ومُكمّلي؟" فقلتُ: "يا مهجتي، وفي النهايةِ افترقنا. لم يكنْ سهلاً عليّ فراقُها، اكتشفتُ أنّني أحبّ القراءةَ والكتابةَ. أتتْني فكرةٌ: "لماذا لا تنزلُ إلى سوريا وتخطبُها بنفسكَ؟ لربّما والدُها عندما يراكَ يوافقُ. لكنّ هذا الخيارَ كانَ يهدّدُ مستقبلي، لأنّ الحكومةَ السويديةَ تمنعُكَ من أن تذهبَ إلى سوريا، عدتُ وقابلتُ والدي وإخوتي. وطلبتُ يدَها منهُ مجدّدًا، فرفضَ وطردني. لكنّني لا يهمني الطريقُ الذي سأسلكهُ، ما يهمني الوصولُ. فأنا أريدُ سلاحًا. وبالفعلِ، وجدنا مسدسًا مرخصًا عند صديقٍ قديمٍ، وأخذتهُ منهُ. وقلتُ لهُ: "إنْ رفضتَ، فقد كنتُ أخيفهُ فقط، جلسنا، ودخلتْ فرحُ، وبالفعل، وذهبنا. وتزوجنا. وبدأتُ بإجراءات لمّ الشمل.

Original text

في صباح 2013 الثالث عشر من تشرين الأول
كنت مع عائلتي البسيطة المكونة من خمسة أشخاص. أنا وأخوتي الاثنين وأمي وأبي كنا عائلة سعيدة إلى حدٍ ما. كانت أمي في المطبخ تحضر الفطور لأن علينا الذهاب إلى المدرسة. في ذلك الوقت، كان أبي جالسًا بجانبي أنا وأخوتي، يحدق بي ويقول: "كيف حال واجباتك؟"
أجيبِه جوابًا اعتياديًا: "إنها بخير".
نهضتُ لعند أمي وأخبرتها بأن تُعد لي بيضًا على شكل عيون لأني أحبه، وعدتُ إلى جانب أبي واصلنا حديثنا عن المدرسة والواجبات. فجأة، يقطع حديثنا صوتٌ مرعب، كأنه صوت صفير قوي إلى درجة هائلة. وحصل الانفجار. كان ذلك صاروخًا في مدينة إدلب.
وجدتُ نفسي تحت والدي وهو يضمنا أنا وأخوتي ويحاول حمايتنا. كان الغبار والدمار في كل مكان. أخذتُ أنفاسي بصعوبة.
ثم بعدها، أصرخ بصوت عالٍ: "أمي، أمي، أين أنت؟"
أمي لا تجيب. نهض والدي بعد عدة دقائق ليرى أمي أين هي وماذا حصل معها. ذهب إلى المطبخ وانهار على الأرض: "حنان، حنان، ردي علي يا حنان!".
ذهبتُ إلى المطبخ مرعوبًا، وحصلت الفاجعة. نعم، أمي ملقاة على الأرض ودمها يغرقها. انهرتُ من البكاء على أمي: "أين ذهبتِ يا أمي وتركتِ طفلًا لم يتجاوز عمره ثلاثة عشر عامًا؟"
يصارع هذه الحياة من بعد رحيل أمي. أصبحت الحياة فارغة من دون مشاعر ولا حنان. بعد سنة، تغير والدي كثيرًا وأصبح يضربنا بشكل هستيري، مع أنه كان حنونًا
جدًا بوجود أمي، لم أكن أدري ماذا أصابه. كرهته إلى درجة مرعبة.
تزوج أبي من امرأة أخرى بعد سنة من وفاة أمي. كنتُ أبغضه. كيف تتزوج بهذه السرعة؟ أليس لديك قلب؟
كان والدي من الناس الميسورين الحال. لم نكن فقراء ولا أثرياء، كنا متوسطي الحال.
في يوم من الأيام، كنا أنا وأصدقائي نلعب في ساحة المدينة، ويمر حينها شاب لم يتجاوز السابعة عشر عامًا يركب سيارة فارهة باهظة الثمن. سمعتُ أصدقائي يقولون: "لولا أبوه لما امتلك هذه السيارة".
ظلت هذه الجملة البسيطة على بالي، لكنني كنتُ أراها بمنظور آخر. أنا لا أريد أن أكون تحت اسم والدي القاسي، ويقولون: "لولا أبوه لما كان ضياء يملك شيئًا".
بعد أسبوع من تلك الجملة التي كانت لا تفارق ذهني، أخبرتُ أبي أنني أريد أن أبدأ بالعمل. عارضني في البداية، لكنه وافق.
بدأتُ رحلتي في هذه الحياة القاسية لتكوين ذاتي المستقلة عن أي أحد. كنتُ أعمل جزارًا عند أحد أصدقاء والدي بأجر بسيط ولكنه سوف يعلمّني كيف أصبح جزارًا ماهرًا. مضت الأيام وأنا أتعلم بسرعة كبيرة، وفي خلال ثلاثة أشهر أصبحتُ متقنًا عملي. مع أن زملائي في العمل الذين يعملون في نفس المكان منذ سنتين لا يعرفون بقدري، فأنا كنتُ سريع التعلم. طلبتُ أجرًا إضافيًا فرفض أن يعطيني بحجة أنني لم أتقن العمل بعد، على عكس رأي زملائي الذين كانوا يروني متقن العمل جيدًا. استقلتُ فورًا ورفضتُ أن أكمل.
سألني والدي بقسوة وصراخ لماذا فعلتُ هذا. كنتُ أجيبُه: "أنا لا أريد منك شيئًا، ولا تتدخل فيّ". كلما قلتُ هذه الكلمات، كان ينهال عليّ بالضرب المبرح. اعتدتُ على هذه الأفعال منه ولم أعد أبالي ولا حتى أبكي.
أنا أصبحتُ رجلًا. كانت زوجة أبي تحرضه علينا جميعًا. لم أكن أنا الأكبر، فقد كان أخي خالد هو الأكبر. لا يبالي واعتاد على ظلمه هو وزوجته وأخوتي أيضًا، إلا أنا لم أكن خاضعًا. كنتُ دائمًا لا أسكت عند إهانتي أو ضربي، وهذا ما كان يزيدُ الحال سوءًا.
أتي الأسبوع التالي وأنا بدأتُ بعمل جديد في ميكانيك السيارات. كانت صعبة جدًا على شاب صغير. بدأتُ العمل حيث أني كنتُ أتعلم بسرعة كبيرة، وهذا ما كان يميزني عن غيري. وكان صاحب العمل يتدخل في كل شيء لا يخصه، وهذا كان يزعجني جدًّا.
في يوم من الأيام، ذهبتُ إلى العمل بعد أن انتهتْ مدرستي، وكنتُ أدرس وأعمل في نفس الوقت. فقال لي: "ما هذه الحلاقة الشنيعة؟"
صرختُ في وجهه قائلاً: "وأنْتَ ما شأنك في حلاقتي؟"
قال: "أنا هنا أتدخل في كل شيء لا يعجبني". وتجادلنا كثيرًا حتى ذهبتُ إلى المنزل وعدتُ في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يكن.
مضت الأيام وأنا أعمل وكل يوم أزداد خبرة في المجال. أنا لم أكن أحبه، ولكن أنا كان يجب عليّ أن أكون رجلًا يصرف على نفسه ولا يحتاج أحدًا.
أتى يوم وقد كنتُ مرتديًا بنطلون جينز شبابيًا، وبدأ بشتم البنطال وشتمني. فصرختُ في وجهه ووقعت مشكلة طويلة إلى أن ضربني. وقد جن جنوني، فانهلتُ عليه بالضرب المبرح، لأني اعتدتُ أن من يعتدي عليّ أعتدي عليه. ونقول في سوريا: "ما برميها واطية لحدا"، أي بمعنى لا أجعل أحدًا يعتدي عليّ ولا أفعل شيئًا.
ذهبتُ إلى المنزل وكان والدي قد علم بِالمشكلة التي حصلت. وفور دخولي، انهال عليّ بالضرب هو وزوجته كالعادة
مضت الأيام وبدأتُ بعمل جديد، هذه المرة في كهرباء المنزل. وبعد فترة قصيرة أصبحتُ ماهرًا في مجالي. حينها أدركتُ موهبتي: موهبة التعلم بسرعة هائلة.
وبعد عدة سنوات من المجالات والخبرات، قررتُ أن أفتح مشروعي الصغير: مكان لتصليح الأدوات الكهربائية. ظننتُ حينها أنني قد جمعتُ خبرات كافية تؤهلني لكي أفتح مشروعي. لم أكن أدرك أن المرء يبقى جاهلاً كل ما ظن أنه يعلم.
بعد عدة محاولات لإنقاذ المشروع الصغير الذي صنعته، فشل. كان الناس يقولون لي: "لماذا لا تطلب من والدك أن يساعدك؟". كنتُ رافضًا هذه الفكرة تمامًا. لا أريد مساعدة أحد. "أنا عندما أقع، أنهض، وإن كانت جبالًا فوقي". فشل المشروع وأغلقتُ المحل الصغير.
عدتُ إلى كوني عاملًا عاديًا، مع أن هذا الأمر لا يرضيني. فأنا دائمًا ما كنتُ أريد أن أكون مدير نفسي وأن أفتح عشرات المشاريع البسيطة التي كانت دائمًا ما تفشل.
إلى تاريخ 1/12/2018
كان في ذلك اليوم أخبرني والدي أن المنزل بحاجة إلى صيانة كهربائية. اتصلتُ في الرجل الذي علمني وقلتُ له: "ما رأيك أن تأتي معي؟". فقال: "لم لا؟".
ذهبتُ في الصباح الباكر لكي أحضر الرجل ليأتي معي. أتينا وبدأنا في الثامنة صباحًا.
إلى الساعة الواحدة ظهرًا، إذ يرده اتصال مفاجئ لأبي من عمي قائلاً بأن أخي الكبير خالد في المستشفى. ذهب أبي مسرعًا ليجهز نفسه للذهاب إلى مدينة (سرمدا).
ذهب أبي وجلسنا قليلاً لكي نرتاح من العمل. لم أكن متفاجئًا أن أخي في المستشفى لأنه كان كثير الذهاب إليه وكان أمرًا اعتياديًا بالنسبة لي.
مضت ساعة وحان وقت أن أعود إلى العمل. نظرت حولي لا أجد أحدًا، لا الرجل الذي يعمل معي ولا الصبي الذي يساعدنا. خرجت إلى الشارع وإذ بي بين حشد من الناس. رأيت أبي قادمًا من بعيد في السيارة مسرعًا. حينها أدركت أنه حصل شيء لأخي.
ذهبت أسأل الناس بهستيرية: "ماذا حدث لبشير؟". لا أحد يجيبني وأنا أسأل الناس. سمعت أحدهم يقول: "رحمة الله عليه". انهرت بالبكاء وأقدامي لم تعد تحملني.
نهضت بعد عدة دقائق لأرى أبي ينزل من سيارته حاملًا على عاتقيه جبال الدنيا من الهم والألم. حاولت أن أطبطب عليه وأنا أتماسك، دموعي تذرف.
ذهب خالد وذهب معه السند الوحيد لي في هذه الدنيا. تركني وحيدًا أصارع هذه الحياة.
أدركت حينها أن كل أخ كبير يتمنى أن يكون له أخ كبير.
حينها قررت أن أسافر بعد ثلاثة أشهر من وفاة أخي وأترك كل الألم الذي أعيشه. لم يكن والدي مكترثًا إلى سفري من قساوته وقال: "اذهبوا حيثما شئتم".
حينها أثبت لي أن قراري لم يكن خاطئًا. نعم، أنا سوف أسافر بعد أسبوع. نمت في ذلك اليوم ورأيت منامًا غريبًا.
أرى فيه أفاعي في المنزل وأشكالًا غريبة ولم أكن خائفًا في الحلم. استيقظت في الصباح وكان تفكيري مشغولًا. أريد أن أعرف ما معنى هذا الحلم الغريب.
كان هناك شيخًا حكيمًا في المدينة. ذهبت إليه وأخبرته ما رأيت في المنام. فسألني إن كان أبي متزوجًا بأخرى. استغربت كثيرًا من السؤال وأجبته: "بنعم، ولكن لماذا؟".
وجلس يسألني ماذا حصل في عائلتي. وأخبرته بأن والدتي توفت وأصبح والدي قاسًا بعد أن تزوج بأخرى.
فقال لي: "أتعلم ما معنى الحلم؟". أجبتُه قائلاً: "لا".
وما معناه؟ قال لي: "زوجة والدك صنعت سحرًا بعد وفاة والدك". وهنا كانت الصدمة. كان هناك سحر في المنزل ووالدي أصبح قاسًا وكل المشاكل التي كانت تحصل بسبب السحر.
ثم أخبرتُ الشيخ أنه يجب أن يأتي معي فورًا. فذهب معي إلى عند عمي الكبير وأخبرناه بالقصة كاملة. وبدأنا في استجواب زوجة أبي بعد أن اعترفت ماذا فعلت. ووجدنا السحر بعد ذلك.
بعد ذلك، طلق والدي زوجته وعاد طبيعيًا حنونًا. كنتُ فرحًا لدرجة كبيرة جدًا. أخذت مني قصة والدي أكثر من شهر وهذا ما جعلني أن أؤجل سفري.
وحزمتُ أمتعتي لاني سوف أسافر بعد بضعة أيام. وكان في ذلك الحين يحاول والدي أن يطلب مني أن أسامحه، ولكن لم يكن الذي عشته بسببه سهلاً.
وكان يقول: "ابقى ولا تذهب، وعدك أني سوف أعوضك عن كل ما عشته. أعطيك بيتًا وسيارة وزوجك وأرى أطفالك". رفضتُ بشدة وأخبرته: "إن كان السحر موجودًا أو لا، فأنا سوف أذهب لاني لا أريد أن أكون تحت اسمك. لا أريد أن يقال عني ليس رجلًا ولولا والده لما ملك شيئًا".
كان علي أن أسافر في اليوم التالي، الجمعة.
ذهبت إلى المنزل ونظر إلي والدي نظرة الندم والألم الذي عاشه. وكان هناك شيء في قلبي يقول: "عليك أن تسامحه، فليس له ذنب فيما عشته".
ذهبت إليه وحضنته وقبلت يده وقلت: "إني أسامحك يا أبي".
نظر إلي الرجل الذي لم أرى عينه تدمع في حياتي. حينها أدمعت. حاول أن يتملك دموعه قائلاً: "اذن لا تذهب. ابقَ بجانبي".
لكني كنتُ مصراً على السفر في صباح اليوم التالي. ودعت إخوتي وأبي وذهبت إلى حدود تركيا مع المهرب الذي سيهرّبني إلى هناك. كانت سوريا في حرب وجواز السفر الذي أملكه لا ينفعني بشيء سوى أنه يثبت أنني سوري.
بدأنا في المشي أنا والناس الذين كانوا برفقتي في الساعة العاشرة ليلاً إلى الساعة الواحدة. كنا على وشك الوصول إلى المكان الذي ستأتينا سيارة لِتأخذنا. كنت متحمساً والأدرينالين مرتفع عندي. فجأة، تأتي الشرطة التركية وحراس الحدود وانهال الحراس علينا بالضرب المبرح. كنت خائفاً من هول المظهر، لكنني معتاد على الضرب، لم يكن يؤثر فيّ.
أخذونا إلى السجن الذي على الحدود. اجتمع الكثير من الجنود وبدأوا بضربنا، وكان الضرب أكثر قسوة من الذي تعرضنا له في البداية عندما كنا في الغابة. كان ذلك الضرب مجرد تسليه بالنسبة لهم. كنت أنا طويلاً، مما جعلني ملفتاً للنظر بين الناس الذين معي، وكنت أنا أكثر الأشخاص الذين تعرضوا للضرب.
كانوا يضربونني بالأسلحة والسلاسل والعصيان. كان الدم ينزل من كل مكان في جسمي. أنزلت رأسي وجلست على الأرض.
يأتي ضابط ويقول لي باللغة التركية "انظر إلي". كنت أفهمه لأنني كنت أتعلم القليل من اللغة قبل أن أسافر.


رفعت رأسي وضربني على وجهي بقدمه بقوة. أصبحت عيني منفوخة وتنزف الدماء. أدخلونا على الصالة التي كانوا يجمعون الناس فيها. كان هناك بعض البطانيات والخشب الذي يجب أن ننام عليه. وقف جندي معنا وأخبرنا "لا تجلسوا إلا عندما أقول لكم". كنا نحن الناس الجدد، وكان هناك أشخاص قبلنا.
جعلونا نقف على أرجلنا التي تؤلمنا من الضرب. كان بعض الشباب يُغمى عليهم من الألم، ويضربهم الجندي بقوة. كنت أحاول أن أتماسك نفسي لكي لا أضرب مجدداً.
وقفنا من الساعة الثالثة فجراً إلى الساعة السابعة صباحاً. حينها، أذن لنا بالجلوس. أنا لم أستطع النوم بسبب الألم الهائل في جسدي. أغمي عليّ من شدة الألم والنعس.
كنت نائماً على الأرض وكان الجو بارداً جداً. استيقظت بعد عدة ساعات على صراخ الشباب الذين كانوا معي.
فتحت عيني لأرى مشهداً مرعباً. يدخل الجندي ومعه سلسلة وفي آخرها قفل كبير، ويضرب الناس به. لم أرى طوال حياتي أسوأ من هذا التعذيب.
وصل إلى عندي وضربني. كانت الضربة قوية لدرجة أنها حفرت مكاناً في بدني. مضى يومان على هذا الحال دون أكل ولا شرب، وضرب كل ساعة، إلى أن أخرجونا ووضعونا خلف الحدود.
عدت إلى المنزل منهكاً من التعب والألم ومكسور الخاطر. لكن رغم كل الذي مررت فيه، لم تذهب من بالي فكرة السفر. كانت عالقة في ذهني، وأنني لن أستسلم أبداً. فأنا ضياء الذي لا يخشى أي ألم.
مضىّت الأيام وحاولت عشرين مرة في خلال أربعة أشهر. كنت أعاني في كل مرة، لكن كانت المرة الأولى هي الأقسى عليّ.
في المحاولة العشرين، بعد أن خرجت من الحدود وذهبت إلى والدي الذي كان ينتظرني بفارغ الصبر، أخبرته بكل ما حدث انتقلت إلى مدينة أخرى بسبب القصف على مدينتنا. جلست مع والدي وبدأ يقول لي: "توقف يا بني، أنت تهلك نفسك. ابق هنا معي ونعيش معاً."
قلت له: "إنني إما أذهب إلى مدينتي وأموت فيها أو أسافر. فأنا لا أستطيع أن أعيش عيشة الذل هنا وأنا نازح."
قال لي: "حسناً سافر، ولكن عليك أن ترتاح قليلاً."
أجبته: "سوف أرتاح وبعدها أعود للمحاولة، أما الآن فأنا ذاهب إلى مدينتي إدلب."
قال: "هل أنت مجنون؟ ألا ترى القصف والدمار الذي يحصل؟"
قلت له: "إني لا أهتم، أنا ذاهب لبضعة أيام وبعدها سوف أعود للمحاولة."
حاول كثيراً أن يبقيني بجانبه، لكنني كنت مصراً.
ذهبت إلى المدينة وكان الوضع خطيراً جداً. حيث كانت الصواريخ والرصاص تهطل على المدينة مثل المطر.
كان موعد محاولتي في تاريخ 2019/18/7.
كان يوم الجمعة. اتصل بي والدي يوم الأربعاء عند الساعة السابعة والنصف مساءً وقال لي: "بأنه لم يأخذ معه جهاز الإنترنت، وأحضره معك حين تأتي غداً."
أجبته: "حسناً" وأغلقت الخط.
تكاسلت أن أنهض وأحضره لأنه كان على سطح المنزل ويأخذ وقتاً.
كان بجانبي اثنان من أصدقائي، كنا جالسين في الغرفة ونتبادل الأحاديث العامة.
فقال لي صديقي غيث: "لماذا لا ننزل إلى القبو، يكون أمن أكثر من هذا السقف الخشبي فوقنا؟"
فأجبته: "غيث، كم مرة يجب أن أخبرك بأنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ وأن كنت سوف تموت، فستموت في أي مكان." نظرت إلى ماهر وقلت له: "ما رأيك أن تنهض وتجلب لنا بعض الطعام من عند والدتك؟ فأنا أتضور جوعًا."
أجابني: "حسنًا."
ونهض. وعندما نهض، سمعت أصواتًا مرعبة وفجأة اصبح ماهر فوقي والحطام والدمار في كل مكان نرى أجسامنا، إنْ حصل بها شيء، ونحمد الله أنّه لم يُصب أحد منّا. نسمع صوت أمّ ماهر تصرخ بأعلى ما لديها وتقول: "ماهر، أين أنت يا ماهر؟". نحاول أن نخبرها أنّه هو، وهو بخير، لكنّنا بالكاد نلتقط أنفاسنا، فكيف ستسمعنا؟
سمع أحد إخوته صوتنا، فأتى إلينا وأخرجنا من تحت


الحطام
في صباح اليوم التالي، اتصلت بوالدي وأخبرته بما حدث. قال لي: "يا بني، إن كنت مصابًا أو ميتًا، بيوت الدنيا ومالها لن ينفعوني بشيء."
لم أعد أستطيع السفر في اليوم التالي لأنني كنت مصابًا ببعض الجروح ومتعبًا جسديًا ونفسيًا. مضت الأيام وعادت المياه إلى مجراها، وعاد أبي إلى المدينة.
أما أنا، فحاولت مرارًا وتكرارًا، دون ملل، أن أدخل إلى تركيا. لربما البعض منكم قال: "لماذا ضياء لم يقع في غرام أي فتاة أو حبها؟" ببساطة، لأن ما عشته من ألم ونقص عاطفة جعل بداخلي رغبة في أن أجد فتاة تملأ الفراغ الذي بداخلي. كان فراغًا هائلًا، وكنت دائمًا ما أكرر جملة: "أنني لن أحب إلا فتاة تحبني أكثر ما أحب نفسي.
إلى أن أتى ذلك اليوم. كنت أعمل مع خالي الذي كان لديه مكتبة يبيع الدفاتر ومستلزمات المدارس. كنت أعمل معه وأحاول السفر.
إلى أن أتى يوم أخبرني فيه خالي أنه اشترى سلعًا من مدينة أخرى ويريدني أن أذهب لإحضارها لأنه ليس متفرغًا. جهزت نفسي وذهبت إلى مدينة الدانا.
دخلت إلى المكان وكان هناك فتاة هادئة بجانب والديها. لم أستطع أن أنزل عيني عنها فقد فتنتني برائتها وعفويتها الجميلة. كان هناك شيء بداخلي يقول: "إنها هي يا ضياء، لا تفلتها!" لم أُكترث لذلك الصوت لأني كنت على يقين أنني لن أجد الفتاة التي أتمناها.
أخذت الأغراض بعد أن قال لها والدها: "فرح، هيا لنذهب." وذهبوا، وذهبت إلى مدينتي. أعطيتُه الأغراض لخالي ورجعتُ في المساء إلى المنزل. لا أعرف ما أصابني، كان تفكيري في تلك الفتاة، فرح، العفوية، البريئة، لا يتوقف.
مضت الأيام وأنا قررت أن أذهب إلى نفس المكان. "آه يا فرح، يا ليتني ألقاكِ وتجعلين أيامِي كلها فرح!"


لست أدري لماذا كان هناك شيء بداخلي يقول "عليك أن تلقاها مرة أخرى". ذهبت إلى هناك بعد أن أخبرت خالي أنني ذاهب إلى نفس المكان إن كان يحتاج شيئًا.
دخلت إلى المكان وحاولت أن أطيل الوقت هناك. ولم تأتِ الفتاة. نعم، لم ألقاها. لقد كسر خاطري.
عدت في المساء، ومضت الأيام وأنا أحاول كل أسبوع أن أذهب إلى ذلك المكان لعلي وعسى أن ألقاها. إلى أن أتى يوم الخميس، والتقيت بها.
وقفت مذهولًا، لا أتحرك، أنظر إليها بطرف عيني. لكن هذه المرة، سمعت الصوت الذي بداخلي وتتبعتهم إلى المكان الذي يعيشون فيه. نعم، أخيرًا عرفت المنزل.
مضت الأيام بشكل عادي، وأنا لا أعرف ماذا أفعل أو كيف أصل إلى تلك الفتاة. ذهبت ذات يوم إلى ذلك الحي الذي تعيش فيه، وبدأت أسأل الناس عن صاحب ذلك البيت.
أخبروني بأنه يملك محلًا للصرافة، وسألتهم عن عنوانه. لم أكن أدري لماذا.
بدأت في البحث على ذلك المحل إلى أن وجدته. كان مكتوبًا في لائحة المحل اسم صفحة صاحب المحل.
أخذت الاسم وتابعته، وأنا لست أدري لماذا. مضت الأيام وأنا لا زلت أفكر في فرح، التي كنت أقول في نفسي نعم، هذه فرح التي ستجعل أيامك كلها فرح.
وحان الوقت على أن أعيد المحاولة وأسافر.
حزمت أمتعتي وذهبت إلى الحدود. بدأنا المشي بعد المغرب بقليل، وبصراحة لم أكن أتوقع أن أدخل، فمن كثرة المحاولة أصبح الدخول عندي أمرًا شبه مستحيل.
مضت ربع ساعة ووصلنا. قال لنا المهرب: "اجلسوا هنا، سوف تأتي السيارة بعد عدة دقائق." جلسنا، واتت السيارة.
أكاد أموت من الفرحة، وأخيرًا سأسافر. دخلت إلى تركيا وأنا لم أكن أتوقع ذلك، وليس لدي مال يكفي أن أذهب إلى أوروبا.
ذهبت إلى مدينة إسطنبول وبدأت العمل في محل ملابس. عملت هناك لمدة شهرين قبل أن ألتقي بذلك الشاب في الطريق.
أخبرني بأنه يعرف شخصًا يأخذ الناس إلى أوروبا بمبلغ أقل من غيره، ولكن الطريق خطيرة.
أجبته: "نعم، أعطني رقمك وسوف أتواصل معه." لاني لم أكن أُكترث إن كانت خطيرة أم لا، فأنا لا يهمني الطريقة للوصول، ما يهمني هو الوصول نفسه.
تواصلت معه واتفقنا على اليوم الذي سأبدأ فيه رحلاتي في غابات بلغاريا.
جهزت نفسي لأذهب في تاريخ 2020/2/3. فعلاً، ذهبتُ في ذلك اليوم ومشيتُ في الغابات. بعد ثلاثة أيام من المشي، نفذ منّا الطعام وكان يجب علينا أن نستمر دون طعام أو شراب.
تحملتُ وصمدتُ، وأخيراً أتى اليوم الخامس. بعد لدغات الحشرات والخنازير والأفاعي في الغابة، كان الجو باردًا للغاية. وصلنا إلى المكان الذي ستأتي سيارة لأخذنا.
ثم قال المهرب: "سنستقر هنا وفي اليوم التالي ستأتي السيارة". حلقتُ في السماء من الفرحة لأني سوف أرتاح أخيراً. وفجأة، صوت العصافير التي تزقزق بداخلي يختفي مع صوت الرصاص. داهمنا الجيش بينما كنا نائمين، هاجمنا البلغاريون وضربونا وسرقوا كل ما نملك. لم يتركوا لنا سوى ملابسنا الداخلية، ثم رمونا في غابات تركيا بعد أن مشينا ست ساعات عراة تمامًا في البرد القارس. بعد ذلك، وجدنا سيارات أخذتنا إلى إسطنبول.
عدت إلى منزل صديقي الذي كنت أعيش معه، شعرتُ بالانهيار واليأس. تساءلتُ في نفسي، "يا الله، لماذا كل هذا العذاب؟ ماذا فعلتُ لأستحق كل هذا؟".
بعد بضعة أيام، تعافيتُ من تجربتي المؤلمة وقررتُ المحاولة مرة أخرى. فشلتُ مرة وثانية وثالثة، وهكذا استمرت حالتي حتى المرة الثامنة. خلال تلك الأشهر، عشتُ مغامرات صعبة في الغابة.
في آخر محاولة، وصلنا إلى المكان الذي ستأتي سيارة لأخذنا. وكالعادة، قال المهرب: "سنبيت هنا حتى اليوم التالي"كنتُ أنتظرُ قدومَ السيارةِ تلكَ الليلةَ وأنا أفكرُ في أنَّ الجيشَ سيأتي ويقبضُ علينا. قررتُ هذهِ المرةَ أنْ أستسلمَ وأعودَ إلى سوريا، لأنَّني لم أعدْ أستطيعُ البقاءَ في تركيا.
كنتُ منزعجًا جدًا من الحالِ الذي وصلتُ إليهِ، فقد تعرّضتُ للكثيرِ من الضربِ والسرقةِ خلالَ رحلتي. استيقظتُ في الصباحِ التالي ولمْ أجدْ الجيشَ قد قبضَ علينا، فشعرتُ بالاستغرابِ الشديدِ.
وصلتْ السيارةُ أخيرًا، وانطلقنا بها إلى العاصمةِ البلغاريةِ صوفيا. لم أصدقْ عينيّ في البدايةِ، وظننتُ أنَّني أحلمُ. لكنَّ الحلمَ كان حقيقةً، لقد وصلتُ إلى صوفيا بنجاحٍ.
كان عليَّ بعد ذلكَ التوجّهُ إلى الوجهةِ التاليةِ، وهي صربيا. حاولتُ الدخولَ ثلاثَ مراتٍ، ونجحتُ في المرةِ الثالثةِ. لم أتعرضْ هذهِ المرةِ للضربِ، ممّا جعلني أشعرُ بالأملِ والتفاؤلِ.
كنتُ على يقينٍ من أنَّني سأتمكنُ من دخولِ صربيا، وبالفعلِ حققتُ ذلكَ


مضتْ الأيامُ حتى وصلتُ إلى السويدِ. سلّمتُ نفسي للشرطةِ، وقاموا بإجراءاتِ اللجوءِ. تمّ الأمرُ بنجاحٍ، وكنتُ في ذلكَ الوقتِ مع أصدقاءَ تعرّفتُ عليهم في المكانِ الذي يضعونَ فيهِ اللاجئين.
في يومٍ من الأيام، قالوا لي بعض الاصدقاء : "تعالَ لنلعبَ البلياردو". قلتُ لهم: "لا أعرفُ كيف ألعبها". فنظروا إليّ باستغرابٍ وقالوا: "كيف لا تعرفُ؟ إنها لعبةٌ شبابيةٌ، وأنتَ ما زلتَ شابًا". ثمّ قالوا لي: "حسنًا، تعالَ لنلعبْ كرةَ القدم". قلتُ أيضًا: "لا أعرف".
تفاجأوا مني، ولكن في ذلكَ الوقتِ أتتني لحظةُ إدراكٍ. سألتُ نفسي: "أين كنتُ يا ضياء؟ أين كنتَ في الأيامِ التي كان يجبُ عليكَ أن تتعلمَ فيها وتلعبَ وتستمتعَ بحياتكَ؟".


حينها أدركتُ أنَّني كبرتُ كثيرًا أكثرَ من اللازمِ. كان يجبُ عليَّ أن أستمتعَ بحياتي وأن أتعلمَ وألعبَ في الأيامِ التي مضتْ.
لا أخفيكم أنّ هذا كان شيئًا إيجابيًا، لكنّه كان محزنًا في نفسِ الوقتِ.
مضتْ الأيامُ، وكان الفرحُ لا يفارقُ بالي. إلى أنْ أتى يومٌ من الأيامِ وقلتُ: "يجبُ عليَّ أن أبحثَ عنها".
وبالفعلِ، تذكرتُ أنَّني أملكُ حسابَ والدها، ففتحتُ الحسابَ وبدأتُ أبحثُ عن حسابِها في أصدقائهِ.
وبعدَ عدّةِ أيامٍ من البحثِ والتنقيبِ، وجدتُ حسابَها أخيرًا. ولكن ماذا سأقولُ لها؟ أكيدٌ نسيتْ شكلي ولا تفكرُ فيّ.
أرسلتُ طلبَ صداقةٍ، وكنتُ متأكدًا من أنَّها لن تقبلهُ، لأنَّني رأيتُ أنَّهُ لا يوجدُ أيُّ شابٍ في حسابِها.
مضى يومانِ، وقبلَ طلبِ الصداقةِ، كنتُ مذهولًا ولم أصدقْ عينيّ.
في ذلكَ الوقتِ، أخذتُ الإقامةَ وبدأتُ أعملُ إلى جانبِ دراستي. ولدي منزلي الخاص الذي يقع في مدينة أوريبرو في السويد. بدأت حياتي تتحسن رويدًا رويدًا. اكتشفتُ شغفًا بالقراءة، وأصبحتُ أقرأ الكثير من كتب التنمية البشرية.
في يومٍ من الأيام، أتتني رسالة على حسابي على إحدى منصات التواصل الاجتماعي. كانت ردًا على حالةٍ نشرتُها، تضمنت أبيات شعرٍ لنزار قباني اخترتها بعنايةٍ.
كانت الأبياتُ تقول:


ما زلتِ في فنِّ المحبةِ طفلةً
بيني وبينَكَ أبحرٌ وجبالُ


لم تستطيعي بعدَ أن تتفهمي
أنَّ الرجالَ جميعَهم أطفالُ


فإذا وقفتَ أمامَ حسنِكَ صامتًا
فالصمتُ في حرمِ الجمالِ جمالُ


حسبي وحسبُكِ أن تظلّي دائمًا
سرًّا يمزقُني وليسَ يقالُ


بينما كنت غارقًا في التفكير في فرح وكيف سأتواصل معها، تذكرت أنني لم أرسل رسالة لفتاةٍ طوال حياتي.
نظرتُ إلى الهاتف فوجدتُ رسالةً من فرح تقول فيها:
"ويا ترى من تلك الفتاة التي تستحق أن تهديها قصيدة كهذه؟"
أجبتُها وابتسامتي على وجهي:
"فتاة لم أستطع أن أصل إليها، فسافرت وبقيت في ذهني، ولا أستطيع البوح لها بمشاعري."
فقالت:
"لربما هي أيضًا تكن لك نفس المشاعر."
أجبتُها:
"لا أدري، فهي على الأغلب نسيتني ولم تعد تتذكر شيئًا عني."
فقلتُ لها:
"هل تعرفينني أنت؟"
فأجابت:


على شرفةِ الروحِ أنتَ حاضرٌ
كأنَّكَ لم تغبْ، لمْ تَسافرْ


في خيوطِ الشمسِ أنتَ مُشرقٌ
وفي قطراتِ الندى أنتَ حاضرْ


في كلِّ زاويةٍ منَ الوجودِ أنتَ
كأنَّكَ لم ترحلْ، لمْ تُفارقْ


أكاد لا أصدق عينيّ أنَّها تذكرني وتحبّني كما أحببتُها.
ثمّ سألتُها: "فعلاً لم تنسيني؟"
قالت: "تذكرين حين التقيتُ بكِ أول مرة؟"
أجبتُها: "نعم، وكأنّه البارحة."
قالت: "منذ ذلك اليوم إلى الآن لم تفارق ذِهني."
وسارت الأمور على ما يرام، وبعد عدّة أشهر من كلامنا، اعترفنا بحبّنا لبعضٍ رغم المسافات.
أيقنتُ أنَّها بالفعل هي الفتاة التي لطالما حلمتُ بها.
أتت فرح، وجاء الفرح لحياتي معها.
كانت دائمًا تذكرّني بأمّي بحنانها، وكنتُ دائمًا ما أخبرها بأنّني أرى فيها أمّي


بعد سنة من حبنا، كنتُ أُكلّمها في وقتٍ متأخرٍ من الليلِ، وأقولُ لها: "هل تشعرين بالنعاس؟"
تُجيبني بصوتٍ غالبٍ عليه النعاس: "لا أريدُ مُحادثتك، فأنا مُشتاقةٌ لك."
ولا أجدها إلا غافيةً في نفسِ الدقيقة.
ولكن هذهِ المرة كانت مختلفةً، حيثُ إنّها لم تتصلْ في الصباحِ وتخبرني كم هي آسفةٌ لأنّها نامتْ رغمًا عنها.
أرسلتُ لها رسالةً: "أين أنتِ؟ ما بكِ؟"
لم تجبْ. اتصلتُ مرارًا وتكرارًا، لكنْ لا جدوى.
حلّ المساءُ، وفرحُ لا أعرفُ ماذا حدثَ لها. سهرتُ طوالَ الليلِ، وأنا لستُ أدري ماذا أفعلُ.
في الصباحِ، تذكرتُ أنَّ لديها صديقةً مقرّبةً تدعى سارة.
بحثتُ عن حسابِها، وأرسلتُ لها: "مرحبا، أنا ضياء. بالي مشغولٌ على فرح. هل تعرفين لماذا أغلقتْ هاتفها؟"
قالتْ: "لا، فأنا لم أقابِلها منذُ ثلاثةِ أيام."
فقلتُ لها: "هل تستطيعين أن تذهبي إليها وتخبريني ماذا حدث؟"
قالتْ: "نعم."
ذهبتْ بالفعل، وأنا أعصابي تكادُ تتلفُ.
أرسلتْ لي سارةُ وقالتْ: "فرحُ ليست بخير."


أجبتُها: "كيف ليست بخير؟ ماذا جرى؟"
قالتْ: "والدها أمسك هاتفها ورأى صورك، فأبرحها ضربًا."
أصبتُ بالجنونِ، لا أعرفُ ماذا أفعلُ.
قلتُ لها: "أخبرها بأنّ ضياء ينتظركِ على جمر."
أجابتْ: "حسنًا."
مضى أسبوعٌ، وأنا أنتظرُ بفارغِ الصبرِ أن تأتي رسالةٌ منْها. لا أستطيعُ النومَ ولا أن أعملَ، غارقٌ في التفكيرِ.
في منتصفِ الليلِ، يقطعُ تفكيري صوتُ رسالةٍ من هاتفي.
نعم، إنّها فرحٌ، أخيرًا أرسلتْ لي.
تحادثنا، وأخبرتني بما حدثَ وكم هي متأسفةٌ لأنّها نامتْ وهي تُحادثني، ولهذا السببِ دخلَ والدها ووجدَ الهاتفَ مفتوحًا على محادثتنا.
كنتُ غاضبًا منها، ولكنّها رفيقةُ روحي، كيف لي أن أقسو عليها؟
وسرعان ما تقولُ لي: "عليّ أن أغلقَ الهاتفَ، لأنّه هاتفُ أخي الصغير."
فقلتُ لها: "أرسلي لي صورتكِ."
فقالتْ: "يبدو أنّك اشتقتَ لي."
فأجبتُ: "أنا لم أشتقْ لكِ، أنا عطشانُكِ، فأسقيني."
أرسلتْ صورتها، وكان وجهها مشوّهًا من الضرب.
حزنتُ كثيرًا، لأنّ ما حدثَ كان بسببِي. كان عليّ أن أجعلها تنام.
بقينا على هذه الحالِ أشهرًا، تُحادثني نصف ساعةٍ أو ساعةً من هاتفِ أخيها في وقتٍ متأخرٍ من الليلِ، لأنّ والدها حرمها من كلّ شيء، حتى من الهاتفِ والخروجِ من المنزلِ.
أخبرتها ذاتَ يومٍ: "إلى هنا يكفي، يا فرح. عليّ أن أخطبكِ، فأنا لم أعد أطيقُ البعدَ عنكِ."
قالتْ لي: "كيف؟ والدي يعرفُ شكلك وصورتك."
قلتُ لها: "الآن أم بعد وقت؟ لن يتغيّر شيء."
بعد جدالٍ طويلٍ، وافقتْ.
وقالتْ لي: "متى سوف تخبرُ أهلك؟"
فأجبتُها: "سوف أُكلّمُ والدها أولًا، لأنّه يعلمُ ماذا بيني وبينكِ. لو أنّه لا يعلمُ، لكنتُ تحدّثتُ مع أهلي أولًا. ولكنّ هذا سيكونُ موقفًا صعبًا لوالدي، لأنّي إذا أخبرتهُ أنّي أحبّ فتاةً ويرفضُ والدها، فسوف يُوبّخني ولن يعود لخطبتكِ."
وافقتْ، وكان عليّ أن أُحادثَ والدها في أقربِ وقتٍ.
وبالفعل، بعد عشراتِ المحاولاتِ، حاولتُ أن أحيكَ الحديثَ معه، لأنّي لم أتقدّم لخطبةِ فتاةٍ من قبل.
وبالفعلِ، اتصلتُ به: "السلامُ عليكم، كيف حالك يا عمّي؟"


فأجاب: "أهلاً وسهلاً، الحمد لله."
بدأتُ أسأله عن حاله وعمله، وهو يجيبني، ثمّ يقولُ لي: "من أنتَ؟ ولماذا تتصلُ بي؟"
فقلتُ بعد تنهيدة: "أنا ضياء."
"ضياء؟ من ضياء؟"
فقلتُ: "ضياء الذي كان يُحادثُ ابنتكَ.
"وأنا أتصلُ بكَ الآن لكي أقولَ لكَ إنّني أريدُ أن أتقدّم لخطبةِ ابنتكِ. أعرفُ أنّ ما حدثَ ليس جيّدًا بالنسبةِ لكَ، ولكنّني الآن أحاولُ أن أُصحّحَ خطأي، وأتمنّى أن تفكرَ قبلَ أن تجيبني."
فقالَ: "لا طبعًا، وأنا لا أزوّجُ ابنتي لشخصٍ مثلكَ، ولا تتصلْ بي مرةً أخرى، وهذا الموضوعُ انتهى."
فقلتُ له: "أيّ أنّه لا يوجدُ أمل؟"
فقالَ: "لا أمل ولا غيره، هذا الموضوعُ انتهى."
وأغلقَ الهاتفَ في وجهي.
جلستُ وأنا أكادُ أنفجرَ من الحزنِ.
وانتظرتُ فرحَ لكي تأتي لكي تخبرني إذا حصلَ معها شيءٌ.
طوالَ الليلِ وأنا أفكرُ كيف سأقنعهُ.
أتتْ فرحُ وسألتُها: "ماذا قالَ لكِ والدكِ؟"فقالتْ: "هل تحدّثتَ معه؟"
فقلتُ: "نعم، تحدّثتُ."
"ماذا قالَ لكَ؟"
فقالتْ: "ماذا جرى؟ لم يحدثني أبدًا."
فقلتُ: "لقد رفضَ رفضًا قاطعًا."
وانهارتْ من البكاءِ، فقلتُ لها: "لا تقلقي، سوف أجدُ حلًا، أعدكَ. أنا لن أترككِ بهذه السهولة."
ارتاحتْ وهدأتْ قليلاً، أما أنا فلم أهدأْ ولم أرتاحْ. يُجبِعُني أن أجدَ حلًا.
حاولتُ مرارًا وتكرارًا معه، وقلتُ له: "أعطني سببًا مقنعًا يجعلكَ ترفضني."
كانَ دائمًا ما يحظرني ولا يجيبُ.
لم يتبقّى لديّ حلولٌ سوى أن أتصلَ بوالدي وأخبرهُ أن يذهبَ لخطبتها.
وبالفعلِ، اتصلتُ وقلتُ له: "أنا أحبّ فتاةً، وأريدُ منكَ أن تخطبَ لي إيّاها."
فأجابَ: "لا أزوّجكَ فتاةً من غيرِ مدينة، وما هذا الهراءُ الذي تتحدّثُ عنه؟ حبّ ومشاعر؟"أرجعَ إلى وعيي وأغلقَ الهاتفَ في وجهي.
لم أستطعْ أن أجدَ حلًا، وبعدَ فترةٍ طويلةٍ من المحاولاتِ، كان يجبُ عليّ أن أنهيَ علاقتي مع الفتاةِ لكي لا أتعبَها أكثر.
فأخبرتها بأنّني فعلتُ ما بوسعي، وليس لديّ ما أفعله.
فقالتْ لي: "هل تريدُ أن تذهبَ يا كُلي ومُكمّلي؟"
فقلتُ: "يا مهجتي، ليس لديّ حلولٌ."
تحدثنا طوالَ الليلِ، وكانتْ تبكي، وفي النهايةِ افترقنا.
لم يكنْ سهلاً عليّ فراقُها، ولكنّ الواقعَ أجبرني.
وبعدَ فترةٍ، اكتشفتُ أنّني أحبّ القراءةَ والكتابةَ.
وبدأتْ حياتي تتحسنُ بشكلٍ كبيرٍ، حيثُ أنّني أصبحتُ لديّ شركةٌ للأدواتِ الكهربائيةِ، وأصبحتُ رجلَ أعمالٍ.
وأحيانًا أنشرُ بعضَ النصوصِ عن شوقي وعدمِ تخطّيّها.
كانتْ دائمًا في ذهني، ولا تفارقني بعدَ عامٍ من فراقنا.
أتتْني فكرةٌ: "لماذا لا تنزلُ إلى سوريا وتخطبُها بنفسكَ؟ لربّما والدُها عندما يراكَ يوافقُ."
لكنّ هذا الخيارَ كانَ يهدّدُ مستقبلي، لأنّ الحكومةَ السويديةَ تمنعُكَ من أن تذهبَ إلى سوريا، وأن ذهبتَ تسقطُ عنكَ الإقامةُ. كان يجب عليّ أن أذهبَ دون علمِ الدولةِ.
وبالفعلِ، حجزتُ طائرةً إلى تركيا، واتفقتُ مع مهربٍ لكي يُدخلني إلى سوريا ويُعيدني.
وبالفعلِ، عدتُ وقابلتُ والدي وإخوتي.
ثمّ أخذتُ صديقي وذهبنا إلى عندِ والدِ فرحِ.
وطلبتُ يدَها منهُ مجدّدًا، فرفضَ وطردني.
كنتُ متوقعًا ذلكَ، لكنّني لا يهمني الطريقُ الذي سأسلكهُ، ما يهمني الوصولُ.
وبالفعلِ، اتفقتُ مع صديقي غيثٍ وقلتُ لهُ: "أريدُ سلاحًا."
أجابني مذهولًا: "ماذا؟ هل أنتَ مجنون؟"
قلتُ لهُ: "لا يهمّ إن كنتَ ستراني مجنونًا، فأنا أريدُ سلاحًا."
فقالَ: "حسنًا، ولماذا قلتَ لي أن أخطبَ فرح؟"
وبدأنا نبحثُ عن سلاحٍ، مسدسٍ. وبالفعلِ، وجدنا مسدسًا مرخصًا عند صديقٍ قديمٍ، وأخذتهُ منهُ.
ركبنا أنا وصديقي غيث في سيارتي وذهبنا إلى عندِ والدِ فرحِ.
دخلتُ عليهِ بمفردي وقلتُ لهُ: "يومَ الخميسِ المقبلِ، سوفَ آتي أنا ووالدي لخطبةِ فرحِ."
أخرجتُ المسدسَ وأطلقتُ رصاصةً في السقفِ، وقلتُ لهُ: "إنْ رفضتَ، سوفَ تكونُ الرصاصةُ التاليةُ في رأسِكَ."
هزّ رأسهُ من شدّةِ الخوفِ، وذهبتُ.
وبالفعلِ، جلستُ طوالَ الأسبوعِ أقنعُ والدي وأخبرهُ أنّ هذا قراري، وأنّ هذه حياتي، وأنّني حرٌّ فيهما.
وبعدَ عشراتِ المحاولاتِ، وافقَ.
ذهبنا يومَ الخميسِ إلى بيتهمْ بالفعلِ.
أنا لم أكنْ جادًا في أنّني سأضعُ الرصاصةَ التاليةَ في رأسهِ، فقد كنتُ أخيفهُ فقط، فأنا لستُ قاتلًا.
جلسنا، ودخلتْ فرحُ، وكانتْ في قمّةِ الجمالِ، تحملُ في يديها القهوةَ وهي ترتجفُ. ابتسامتها تكاد تمزق وجهها من الفرح.
وبالفعل، بدأ والدي بالحديث، وذهبنا.
وبعد ثلاثة أيام، يتصل بنا ويوافق.
تم كل شيء على ما يرام، وتزوجنا.
عدتُ أنا إلى السويد، لأنّني لم أستطع أن آخذَها معي، وبدأتُ بإجراءات لمّ الشمل.
وبعد عدة أشهر، وصلتْ وعشتُ معها أجمل أيام حياتي.
رزقنا بطفلٍ اسميتهُ خالد، وعشتُ سعيدًا أرى حنانَ في زوجتي فرح، وأرى أخي خالد في طفلي.
وها أنا اليوم بجانب زوجتي فرحة عمري، أكتب لكم رواية جبر.
عزيزي القارئ، العبرة من الرواية هي أنّه طالما كنتَ تريدُ شيئًا، تستطيعُ الحصولَ عليه.
يجبُ عليكَ أن تكونَ على يقينٍ، مهما مررتَ بأيّامٍ قاسيةٍ، سوفَ تعوضُ كأنّكَ لم تخسرْ شيئًا.
مثلُ ضياء، عاشَ الكثيرَ من السنواتِ في الظلمِ والقهرِ والعذابِ، ولكنْ في النهايةِ، اللهُ عوضهُ عن كلّ شيءٍ.
أتمنى لكَ أيضًا أن تعوضَ عن كلّ شيءٍ سيءٍ عشتهُ في حياتك.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

ولما يتمتع به ا...

ولما يتمتع به القانون الجنائي من خصوصية ، تتمثل في بناء القواعد الجنائية على أساس مبدأ الشرعية الجنا...

موتمر انعقد في ...

موتمر انعقد في باريس سنة1919تحت اشراف 4الكبار فرنسا و ايطالياو بريطانيا و الولايات المتحدة الامريكية...

مرحلة التحويل م...

مرحلة التحويل من الفكرة إلى المشروع (واقع عملي) * قيمة الريادة والإبداع تولد فكرة والريادة تحولها ل...

الجزيرة تصفح في...

الجزيرة تصفح في التطبيق معاينة داخل التطبيق تخطي الروابط انتقل الى المحتوى البث الحي تسجيل Navigati...

وعلى الرغم من ه...

وعلى الرغم من هذه الإمكانات الواعدة، فإن هذا المسار يواجه تحديات بنيوية وتشغيلية جوهرية تتطلب معاجلة...

Objectifs du co...

Objectifs du cours : 1. Présenter les concepts fondamentaux des principales méthodes de caractérisa...

من نحن مجلة رو...

من نحن مجلة رواد الأعمال ، مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة ا...

Since ancient t...

Since ancient times, man has sought to record the stages of his life orally and by writing down. The...

يعد غاز النيترو...

يعد غاز النيتروجين أكثر العناصر وفرة في الغلاف الجوي للأرض، ومن مصادره المواد المتحللة، والأسمدة الب...

Le football est...

Le football est un sport collectif plus populaire au monde depuis des années. C'est l'un des jeux le...

العلاقة بين ال...

العلاقة بين التراث الوطني الوطني العالمي والهوية الوطنية ان التراث هو الموروث الثقافي للامة يجدد م...

ومن إيجابيات اس...

ومن إيجابيات استخدام التكنولوجيا في تحسين الرعاية الطبية وبأقل تكلفة فمثلا نجد أن الذكاء الاصطناعي ب...

Tech news