Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (50%)

ما كاد يدخل عتبة باب البيت حتى احتضنته أمه، يصيخون السمع إلى أن أقبل الليل. عنه، حتى تندفع إليه برغبة الحب، ما يبدو أنها تخفيه عنه. -بالطبع أقبل. آه. أيكون هذا هو السبب؟ أتهتم مهد حقا ً بهذا الذي يدور في المخيم؟ ولم لا؟ أيهتمون هم أيضا ً بهذا الاشتعال؟ ما كاد يسلم أمره للنوم، حتى يصحو، ثم يسحبه من وفى به الري صحا من نومه. تطلع إلى الجدار، لكن هاتفا ً بداخله ثم دسها في صدره، كان أقرب إلى الذهول. واصل مهما كانت النتيجة. بعض المنازل، تشابكت أزقة المخيم من علا الصياح فجأة و تردد "الصفير" من على أسط وجه صاحبها، تعطيه مقلاعاً، بطشت الحجارة تبين وجه صاحبتها، ابتسامة اغنته عن الحوار الذي عزم عليه، إلى أن المخيم، ونام تحت شجيراتها، لا يعرف للنوم مهجعاً، حتى كان يوم جاءته فيه مهد، معاً، حين أعلنت النبأ على أمه وجده، أطلقت الأم زغرودتها التي حبستها في صدرها أكثر من لسوق الصباح، ثم اقترب من عروس ابنه، ة إلى بيت أهلها، فاختلى بنفسه، ثمأخرج منه الساعة التي رافقته منذ هجرته الأولى، تأمل عقاربها التي تسير ببطء كعادتها، تذكر رف عصفور قلبه، فقد اعتقد أن اللحظة قد ثم أضاء سراج الزيت الذي رافق عمره، اندس في فراشه يراقب وجه القمر الذي لم يره طوال عمره مشرقا كمثل هذه الليلة، وما كاد ان حتى صحا على صوت دقات خفيفة، حتى علم ان الدق إنما كان على شب لكنه ما أن فتاك نافذته، ثم سأل بصوت خفيض مرتعش: -من؟ حتى كان الفتى يقفز من فوق السور، قبل أن يتم كلامه، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. كأنهما تنتظران منه الإجابة، فتدارك الأمر خوف أن يرتابا به، لحظة، أراك كلما تلفت حولي، من الذي يخفي أمرك عن الآخر؟ أتراهما قد أخفيا أمرك تعيش في مكان ما؟ أم أنك مجرد وهم؟ اخترعتك لأسد حاجتي إليك؟ أأنت رجل؟ اقصد كأي رجل؟ لا. فيملأ رئتيه بالرضا و ثم مزقها نتفا. وألقى بها وقال برفق: قال له وبدون -أريد ان أتزوج . ما ان سمع الشيخ هذه الكلمات حتى فاض وجهه بالبشر ثم قال: -ومن تكون غيرها؟ إنهاسميرة بالطبع. الشيخ يفهم الفتى، وطوالحياته كان في حضنه، حتى يفرج عنه همه، لكنه كان دائما يتمنى لو يظل يل لم يكن جده، -لا عليك يا بني، المهم أنتعد نفسك لليوم الذي انتظرته طوال حياتي، حيث سأرقص كما نذرت لله ، وبعد ذلك لن أتمنى سوى شيء واحد. لكن صوت جده صاح: مداها، وان تحسن مثواي، وان تتذكرني بالخير وتنقل سيرتي لابنائك وأحفادك من بعدك. ويسعد الملأ، لحظة تكون ما بين المغرب والعشاء، في ليلة من ليالي الربيع، يرتدون ثيابهم البيضاء، أهلهم، ويتركون وراءهم سربا من الحمام، يعود في الوقت إياه كل ليلة، وانهمرت دمعتاه من عينيه وصاح: -أطال الله في عمرك يا جدي حتى ترى أبنائي وأحفادي، وحتى ترىرايات الحرية تعلو فوق ثم أسدل الصمت عباءة الراحة على نفسيهما، يتهدده ما يتهدد كل الشباب، حيث ملاحق من سط ولن تراه أسابيع أو شهورا، وقد. ذهنها، طالما حلمت به، ذلك من إعداد ومن مصاريف، وعشرته ونظرته الراغبة, وما زلت أنت-وتطلعت إلى الجدار-تغوص في غياهب المجهول، تبتعد عنا، قبل أن يكمل الصمت ينيم هانيءالبال، طول الانتظار، -أي بني، سنوات طويلة وأنا أكتم همي، وأملنا وكل ما تبقى لنا, حتى بات يظن أنه وحده الذي يفكر فيك ، ولا كبدي الذي أنجبته ليأويعجزي ويعيل كهولتي، فيتشتت شملنا ويلقى بنا خارج وطننا ، فأية نفس يمكنها أن تحتمل ولكنت زوجا جحودا، وأبا قاسيا. نحتمل مشيئة الله في صبر ونواصل خط العائلة بأناة، ثم نستمر في الحياة ما استطعنا إليها سبيلا. وغاب؟؟ أم أنك إنسان مثلنا تحس وتشقى؟ أي بني، أأصلي عليك؟ أم أدعو الله لأجلك؟ أأزوًج الفتى دونك؟ فينجب لي حفيدا أم تجيء فتزفه بيديك؟ ويهدأ لحظة، فيخر فتطبق الظلمة من حوله، كل ما تتأكد منه نفسه، -أيها الشيخ وهون عليك. كما أردت، ثم أخذ يحدثه عن تلك السنين التي عاشها في الغربة، يحدثه عن رفاق الغربة، حتى كأن صوت ارتطام انتهى بفتحه، وبدخول مجموعة من الجنود، الذين انقضوا على الرجل وكبلوه بالحديد، ثم خرجوا به إلى حيث سيبقى الشيخ بعد ذلك يحمل كل ما اضافته الأيام الأخيرة من أعباء تنوء عن حملها الجبال، على كاهليه فيسير بقدمينلا تكادان تثبتان على الأرض، يسعى إلى رؤيته والحديث إليه من وراء القضبان ما تبقى له من أيام قبل أن يحتضنه الثرى الذي اغترب إليه، *** خيم الهدوء فجأة، وسكن الضجيج، وهمدت أهداب الفتية بعد أن أرقها السهر، ثم وصلت الازقة ما تقطع من أنفاسها، وتلاشت دوائر الدخان التي تحلقت في السماء، قدبسط كفه في لحظة نادرة، وضعت ذراعها في ذراعه والتصقت به إلى أبعد الحدود الممكنة، السماء، الأرض، كلكم واحد يا خالد. صدر السماء، يبقى شيء منا، أما نمضي نحن ويبقى هذا الخط الذي يحملنا، بل حتى مشاعرنا، أترين: بل حتى السماء لن تكون هي السماء، وبشر تفاجئهم اللحظة التي لا ترد، ولا يبقى سوى ذلك الوميض الذي يلمع فجأة، وأراني أسعى إليك برغبة متقدة وأكيدة، وكل ما أسعى إليه، لقد أرعبتني، -ما أود فعله، بل من أجل هذا الاشتعال. حين تكون دماؤنا أشبه بزيت لهذا والدم/ الزيت، وهكذا يستمر الحريق. وحفل تملأه ترى فيها جميع الناس يرقصون من أجلها. احتضنت وسادتها، بصدرها، حركة الانفعال تثير فيها الرغبة، فتمد يدها خلف رأسه وتغلق عينيها، فتذوب في حلاوة القبلة. تغطي رأسها، ثم تهوي في نوم أشبه بالموت. لم يفاجئهالاقتحام صباح يوم كان الاهم في حياته، على الرغم من قسوته، الغريب بهذه الفوهة، تواجه نبض هذا القلب الذي يرف كعصفور طالما تطلع إلى الأفق راغبابمستحيل الحياة، وحلم يقابله العبث، بحر وسماء تطبق على السماء. مجالا ً فسيحا ً أمام المخيم، وما زالت مهد بأنوثتها الطازجة تثير في نفسه ذكرى اللحظة التي مضت كومضة، تمنيه أن يعيش قرنا ً ولا يشبع منها، والبحر ممتد القدرة، لكنه عاجز عن أن يكون عشا ً صغيرا ً لعصفور يرتجف، عليه فجأة كف غليظة، لم تستطع كل رغبته العارمة بالحياة، أن توقف قسوتها ولاأن تمنعها من أن وأن تفرض السكون على جناحيه الصغيرين، ولا يحطان به على حافة الغدير، الحقول. تضيق الدنيا على رحابتها ولا تكون سوى قبضة كف غليظة تنطبق على صدره المجهري، وقد أخذت تركض وراء سيارة الجيب. في حضنها، تدير الندبة اتجاهها وتصوب الفوهة، فتحضن يترن وتتطلع بعينين مذعورتين إلى الأفق. حتى غامت الدنيا، وامتدت الدائرة السوداء تحت الأنف فملأتها، وطبعتا لون الدم الحار، في اندفاعته الأولى، حين تواجه صدور العصافير ندب المطاط، بعد أن يقذف بها فعل الانفجار. لكن أعقاب البنادق ردته إلى مكانه مصحوبا ً بآلامها التي خلفتها في زواياه المختلفة. دم حار ينفرج عن ابتسامةمقتضبة، يلوح كقرص الشمس الأزرق، يهرول نحوها. وهي ثابتة في مكانها، يمد يده، فتصرعه الأمواج التي يغالبها، فيتصبب عرقاً، تطوقه أذرعتها وتشل حركته اغلالها، فيمزق ثوبه الذي نسجته يد الآلهة من خيوط الضوء. الذي ما رأته عين ُ قط، ثم تثبت بأطرافه المسامير وتبدأ تدقها بمطرقة، على اللحم الطري، وحين يعلو الصوت، وتختفي في لحظة. اللحم المغتصب، فمنحتها الطراوة ورائحة الزنخ، حين يصحو، يستعيذ بالله من هذا الكابوس، الإسراع بتحديد يوم الزفاف. يتجمع أهل المخيم في ساحة الملعب، ترقص الصبايا ويلوح الشباب بنقافاتهم، ثم يطلقون واحدا ً وعشرين حجرا ً تحية لعروسي الانتفاضة. مع تتحرك الآليات من الثكنة الرابضة ككلب لتفرض حظر التجوال، فتصير ساحة الملعب في لحظة خاطفة ساحة قتال. خالد يجلس بفرح إلى جوار ملاك هبط قبل لحظة من السماء، يفر الملثمون وتنطلق البنادق بندباتها التي تحط كطيور الموت على الصدر المنتشي بالفرح، وبحرا ً من الدماء، صحا على عرسه، وجم البحر، بقس عابثة، واثقلت أعضاءه خدرة بدأت تطيوتها على الرغبة العارمة بالحياة. في حضرة الموت كانت فتملأ رائحة الدم الفائر تقبله، تتحسس جسده، وكأنها لم تنسكب على التراب، تتوتر أعصابها، تنتشي، كأنها الروح التي تحررت من كل القيود، وقد تشكلت تتحسس جسده، فيلتحمان يرتفع برغبتها إلى الذرى، فتشعر براحة لم تشعر بمثلها من قبل. كانت ليلة من نور، مدايات البحار، وكأن الوطن قد صار بقعة من زيت، وتتجول فيه مع رجلها ثم يعودون إلى بيت تغمره السعادة، تماما ً كومضة الضوء حتى تذوب في جبروتها، هكذا كانت ليلة مهد الوحيدة التي قضتها كزوجة. ومعهما المشيعون، ما زالت عروسا ً مخضبة أكفها ترتدي ثوبها الأبيض المزين بالبقع الحمراء، الحنون البري، وليس سواه يسير وإياها . ثمكان التراب يطوي فتى كان مغرما ً بالحياة. والمعلقة كطيف يباغتك فجأة، أو كحزمة من نور، بدت لها ملام يفتر الثغر عن ابتسامة،


Original text

كانوا يطلقونها في ذعر، فتوزع نيرانها في كل اتجاه، ما كاد يدخل عتبة باب البيت حتى احتضنته أمه،
هرع إليه جده، ثم جلس ثلاثتهم، يلفهم الصمت والوجوم، يصيخون السمع إلى أن أقبل الليل.
يتقلب الفتى في منامه، يفكر بأمر مهد، تلك الحبيبة التي ما كاد أن يقترب منها، حتى ابتعدت
عنه، لا يفهم من أمرها سبباً. ما الذي يجمع هؤلاء في بيت الأستاذ، وبينهم مهد، التي كانت ما أن
تلمحه في مكان ما، حتى تندفع إليه برغبة الحب،الذي ما زال يجده عندها، لكنه يكاد ينفطر قلقا على
ما يبدو أنها تخفيه عنه... يستعرض حوارهما معاً:
-أتقبلينني زوجاً؟
-بالطبع أقبل... خالد ألا تلحظ كل هذا الاشتعال الذي حولنا؟
آه...يالي من غبي، أيكون هذا هو السبب؟ أتهتم مهد حقا ً بهذا الذي يدور في المخيم؟ ولم لا؟
واستعرضهم واحدا ً واحداً، أيهتمون هم أيضا ً بهذا الاشتعال؟ ما كاد يسلم أمره للنوم، حتى رأى في
المنام طائرا ضخما ً يحط بجناحيه في باحة بيتهم، ثم ينقر باب غرفته، حتى يصحو، ثم يسحبه من
قميصه ويلقي به على مدخل المخيم. بعد لحظات تأتي من البعيد آليةملأى بالجنود.يصوبون
بنادقهم نحوه، ثم يطلقون النار، ينفر الدم من كل أنحاء جسده، يطلق صرخة تملأ الأفاق، وفى
لحظته الأخيرة من الحياة، ينشق صدر المدى عن رجل تلقيعلى صهوة جواد أبيض، به الري
ينطلق إليه فيأخذه في حضنه، يتطلع إلى وجهه يهتف :
-أبى؟ أخيرا عدت.
ثم يسلم الروح.
صحا من نومه. تحسس جسده، كانت الدماء تسعى حارة فيه، ولم تكن به أية ثقوب، تطلع إلى
الجدار، كانت الصورة على حالها. قرر أن يذهب إلى مهد ليقف على حقيقة أمرها، لكن هاتفا ً بداخله
الصندوق، فيجد رسالة غريبة بلا عنوان ولا يدفعه إلى ان يذهب إلى مكتب البريد. يفتتوقيع، تحمل
خبرا مقتضبا يقول:
-سأحضر قريبا.
قرأها عشر مرات، ثم دسها في صدره، وشعور غريب ينتابه، كان أقرب إلى الذهول. واصل
سيره إلى حيث قرر ان يذهب في الصباح. حين غادره الفرح الطفولي، فكر في الأمر، فوجمت نفسه،
واغتمت، ثم أطرق وردد في داخله:
-على أي حالهذا أفضل، مهما كانت النتيجة.
بعض المنازل، تشابكت أزقة المخيم من علا الصياح فجأة و تردد "الصفير" من على أسط
ُ
حوله فما وجد نفسه إلا وسط جمع من الفتية يشدونه إلى شارع فرعى، يسرعون إلى أكوام الحجارة،
حيث توجد النسوة، ولم ير إلا يدا,وجه صاحبها، تعطيه مقلاعاً، ويدا ً أخرى تتقدم إليه لم يتبين ملام
بطشت الحجارة تبين وجه صاحبتها، الذي ابتسم له، ابتسامة اغنته عن الحوار الذي عزم عليه، وأنهت
حالة القلق التي رافقته طوال ليله، وفهم منها كل شيء.
ما ان غابت الشمس، حتى كان مطارداً، كواحد من فتيةلسط ، إلى أن المخيم، يتنقل من سط
انتهى واياهم إلى بيارة تقع على كتف الوادي، خارج المخيم، كان قد جاءها يوماً، ونام تحت شجيراتها،
يؤنسه ضوء القمر، فيرى على صفحته وجها ً مشرقـاً، ما غاب عن خياله لحظة.
وهكذاتواصلت أيامه بعد ذلك، من بيت إلى بيت، ومن بيارة لأخرى، لا يعرف للنوم مهجعاً،
ولا للنهار قيلولة، لكنه يشعر برضا ما شعر بمثله من قبل. حتى كان يوم جاءته فيه مهد،فقرآ الفاتحة
معاً، ثم صارا زوجا ً و زوجة أمام الله.
حين أعلنت النبأ على أمه وجده، أطلقت الأم زغرودتها التي حبستها في صدرها أكثر من
عشرين عاماً، وضمتالصبية إلى صدرها,أما الشيخ فقد تأمل صناديق الثمار المنداة، التي أعدها
لسوق الصباح، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ثم اقترب من عروس ابنه، فقبلها في جبينها ودعا لها
بالخير، ثم دلف إلى حجرته بعد أن ودعت الصبية آيبصندوقه، ة إلى بيت أهلها، فاختلى بنفسه، و فت
ثمأخرج منه الساعة التي رافقته منذ هجرته الأولى، تأمل عقاربها التي تسير ببطء كعادتها، تذكر
جرسها الذي لابد أن يدق في ليلة ظل يرقبها أربعين سنة، رف عصفور قلبه، فقد اعتقد أن اللحظة قد
باتت وشيكة، ثم أضاء سراج الزيت الذي رافق عمره، فلا يسهر ليلة ولا يأوي إلى فراشه إلا على
ضوئه.
اندس في فراشه يراقب وجه القمر الذي لم يره طوال عمره مشرقا كمثل هذه الليلة، وما كاد ان
يغفو، حتى صحا على صوت دقات خفيفة، ظن للوهلة الأولى أن ساعته التي وعدته قد دقت أخيراً،
عينيه وقد ملك وعيه، حتى علم ان الدق إنما كان على شب لكنه ما أن فتاك نافذته، نهض متثاقلاً، ثم
سأل بصوت خفيض مرتعش:
-من؟
حتى كان الفتى يقفز من فوق السور، و ينتصب أمامهثمينكب على يديه يقبلهما و يقول:
-لم أشأ أن أزعجكما فآثرت أن أعلن عن مجيئي، فقمت بالدق ولو قفزت من دون ذلك لربما
أفزعتكما...
قبل أن يتم كلامه، كانت أمه قدانضمت إليهما، واندفعت إليه تحتضنه وتبكى.
-ولكن يا بنى ما الذي دفعك إلى المخاطرة والمجيء؟ ألا تعلم...
ارتمت يده على صدره، وهم بأخبارهما، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. تطلعا إليه بنظرتين
كأنهما تنتظران منه الإجابة، فتدارك الأمر خوف أن يرتابا به، وصاح في دعابة:
-يا أم خالد اين شايك؟ لقد اشتقت إليه، ثم دخل إلى غرفته وتطلع إلى الجدار:
-أبى يا منلم تراني ولم أراك،يا منأعرفك، وربما أيضا ً إنني لا أعرفك ،لكنك لا تبتعد عني
لحظة، أراك كلما تلفت حولي، وأينما ذهبت، من الذي يخفي أمرك عن الآخر؟ أتراهما قد أخفيا أمرك
عنى؟! أم تراني أنا الذي أخفي أمرك عنهما؟ ما هي حقيقتك؟ أتراك موجوداً، تعيش في مكان ما؟ أم
أنك مجرد وهم؟ اخترعتك لأسد حاجتي إليك؟ أأنت رجل؟ اقصد كأي رجل؟ لا... لا يمكن ان يكون
الأب مجرد رجل أنه كتلة من الحنان، وحين يكون كذلك فإنه لا يمكن ان يترك عائلته عشرين عاماً،
دون ان يمد إليهم أعصابه، أنفاسه، شرايينه ،دون ان يتنفس في وجه ابنه، فيملأ رئتيه بالرضا و
السعادة.
ثم بعصبية جامحة، دس يده في جيب قميصه، واخرج الورقة، ثم مزقها نتفا... نتفا، وألقى بها
في وجه الصورة على الجدار، وغادر غرفته، متوجها إلى حيث جده، وقال برفق:
-أبي سأنام عندك هذه الليلة، فلي معك حديث.
بعد أن حدثه عن كل ما مر به خلال أيامه ولياليه التي قضاها خارج البيت، قال له وبدون
مقدمات:
-أريد ان أتزوج .
ما ان سمع الشيخ هذه الكلمات حتى فاض وجهه بالبشر ثم قال:
-ومن تكون سعيدة الحظ؟
-ومن تكون غيرها؟ إنهاسميرة بالطبع.
هم الشيخ بالنداء على كنته، ليزف لها الخبر، لكن الفتى طلب منه إرجاء ذلك إلى الصباح،
فالمرأة لو علمت بالأمر، لأقلقت الحي بزغاريدها، ولما استطاعت النوم من شدة الفرح.
-لكنك مهموم يا بنى، فما الذي تخفيه عنا؟
الشيخ يفهم الفتى، ويعرفه جيداً، وطوالحياته كان في حضنه، يحنو عليه وحين يكون مهموما،
عليه، حتى يفرج عنه همه، لذلك ظل الفتى يشعر به جزءا ً من كيانه، لكنه كان دائما يتمنى لو يظل يل
لم يكن جده، ويتمناه لو كان أصغر عمرا ً وأقوى همة وأن يظل جدا ً وليس ابا ً وجدا ً في آن معا.
-لا عليك يا بني، المهم أنتعد نفسك لليوم الذي انتظرته طوال حياتي، حيث سأرقص كما
نذرت لله ، وسأفرغ ما في صدري من عتابا وميجنا، وبعد ذلك لن أتمنى سوى شيء واحد...
وكبا الشيخ في غلالة من الحزن المفاجيء، فاعتقد الفتى ان الشيخ ينتظر مثله، لكن صوت جده
الذي انساب مترافقا بالأسى، وكأنما عرف ما يدور في نفس الفتى، صاح:
-كنت أتمنى أن أعيش طويلا ً وان أرى أحداثا ً سعيدة تفرحني، لكن دورة الحياة لابد أن تأخذ
مداها، اترك هذه الأحداث لك ولأبنائك وربما لأحفادك، أما أنا فكل أمليالآن ان تحمل يابنينعشي
وان تحسن مثواي، وان تتذكرني بالخير وتنقل سيرتي لابنائك وأحفادك من بعدك. وهكذا إلى أن يعتدل
حال الدنيا، ويجيء يوم يقضي الله فيه أمرا ً كان مفعولاً، ينبلج فيه النور من القبة المقدسة، فيعم بأرجائه
فيه صدور الناس، ويسعد الملأ، وتمتليء فيه الأزقة الأرض، وتنفتبهمهمات الشهداء، الذين يظهرون
لحظة تكون ما بين المغرب والعشاء، في ليلة من ليالي الربيع، يرتدون ثيابهم البيضاء، فيعم لونها
شاطيء البحر وشطرا من صدر السماء، ندفا ً من الثلج الأبيض الدافيء، الذي يهطل كقطع القطن التي
تمتص ما في هذه السهول من عذابات، ويبقى العرسالسماوي، حتى ينتصف الليل، فيودع الشهداء
أهلهم، ويتركون وراءهم سربا من الحمام، يعود في الوقت إياه كل ليلة، إلى ما شاء الله من الوقت.
احتضن الفتى جده برفق وبحنو بالغ، وانهمرت دمعتاه من عينيه وصاح:
-أطال الله في عمرك يا جدي حتى ترى أبنائي وأحفادي، وحتى ترىرايات الحرية تعلو فوق
سهولنا وروابينا، لتشارك في حلقات الدبكة وأعراس الدلعونا وحلقات الربابة واليرغول.
ثم أسدل الصمت عباءة الراحة على نفسيهما، فغاص الفتى في نوم هانيء عميق.




كانت تتقلب في فراشها، تدور في ذهنها أمور شتى، فهذا خالد أمل حياتها، وذخرهافي الدنيا،
إلى سط ، ومن حارة إلى حارة، يتهدده ما يتهدد كل الشباب، وقد يعتقل مثلهم، حيث ملاحق من سط
سيضربوه وسيعذبوه، ولن تراه أسابيع أو شهورا، وقد...ارتجفت و شهقت أعماقها لورود الخاطر إلى
ذهنها، لم تقو على التفكير بمثل هذا الاحتمال. ثم ها هو في هذه الظروفبالذات يفكر بالأمر الذي
طالما حلمت به، يفكر بالزواج من العروس التي طالما رأتها بثوبها الأبيض إلى جواره، وما يتطلبه
ذلك من إعداد ومن مصاريف، وهي في وحدتها ومعها الشيخ الذي لا يقوى على فعل الكثير، تواجه
هذا الأمر، ثم هذا الذي يشعل نيرانا طالما نجحت في إخمادها بوده وكرمه، وعشرته ونظرته الراغبة,
يوما عن رغبتها. المحبة، التي لا بد ان تفص
وما زلت أنت-وتطلعت إلى الجدار-تغوص في غياهب المجهول، تبتعد عنا، وكأن الغربة قد
راقت لك، ولا تعلم ان البعيد عن العين بعيد عن القلب، ثم جاهدت المرأة أفكارها، قبل أن يكمل
الصمت إسدال عبائته على كل من في الدار.




الصمت ينيم هانيءالبال، و يعجز عن فعل ذلك مع رجل طعن في السن، وما عاد يقوى على
طول الانتظار، فتدور الأفكار في رأسه و يقلب أمره فيحدث نفسه في لوعة وأسى:
-أي بني، سنوات طويلة وأنا أكتم همي،مخافة أن أصيب روح هذا الفتى الذي هو نور عيوننا
وأملنا وكل ما تبقى لنا,حتى بات يظن أنه وحده الذي يفكر فيك ، ويفتقدك ولا يعلم حقيقة آلامي، ولا
يدرك أن قلبي ينفطر شوقا لك ورغبة في رؤيتك، وفي إلقاء كاهل شيخوختي بين يديك، وأنت فلذة
كبدي الذي أنجبته ليأويعجزي ويعيل كهولتي، و يحمل نعشيإلى مثواهالأخير. حتى وجدت خط
العائلة يتوقف عندي، فيتشتت شملنا ويلقى بنا خارج وطننا ، وتضيع أنت,فأية نفس يمكنها أن تحتمل
مثل هذا، وأية روح يمكنها أن تقوى بإيمانها على مواجهة كرب كهذا؟ أي بنيوأنت تعلم عذابي إن
كنت حيا، و عذاب زوجك وتوق نطفتك التي ألقيتبها في رحم تلك الصابرة ثم اختفيت,لو كنت حيا
لكنت ابنا عاقا، ولكنت زوجا جحودا، وأبا قاسيا. وإن كنت ميتا فلا عليك ولا علينا، نحتمل مشيئة الله
في صبر ونواصل خط العائلة بأناة، ثم نستمر في الحياة ما استطعنا إليها سبيلا. أي بني فأنبئني أأنت
حي تسعى في الأرض أم أنك إلى جوار ربك ترقد بسلام في السماء؟ أي بني أأنت طيف مر بنا
وغاب؟؟ أم أنك إنسان مثلنا تحس وتشقى؟ أي بني، ألا يمكنك أن تجيب بكلمة، أن تجيءللحظة؟ فإما
في المنام وإما في عز النهار. أأصلي عليك؟ أم أدعو الله لأجلك؟ أأزوًج الفتى دونك؟ فينجب لي حفيدا
ويكونلي أبنا ً عوضا ً عنك، أم تجيء فتزفه بيديك؟
يغمج منديله ويمسحه، ثمض الشيخ عينيه، ويهدأ لحظة، ولا يقوى على رد الدمع الحار الذي ينسل من مقلتيه، فيخر
يندس في الفراش، بعد أن يطفيء ضوء القنديل، فتطبق الظلمة من حوله، ولا يرى إلا الخيالات تطوف بذهنه، يجفوه النوم،
فيدخلفيحالة من الأرق، لا يقطع فيها إن كان ما يراه هو ما يتخيله ذهنه المرهق، أم هي المنامات وأطياف الحلم، كل ما
تتأكد منه نفسه، أنه رأى إبنه، وقد جاء في لباس عسكري، يمتطي صهوة جواد أبيض، يتمنطق سلاحه وعتاده كما رآه آخر مرة
أيام الحرب، حليق الذقن، مبتسم المحيا، شائب الرأس، حتى إذا ما التقاه، ارتمى في أحضانه، وقبل رأسه، ثم فتح فمه وقال:
-أيها الشيخ وهون عليك. هذا أنا يا أبي قد جئت، كما أردت، فارت
ثم أخذ يحدثه عن تلك السنين التي عاشها في الغربة، يسعى إليهم، تصده الأشواك والفيافي
والجنود، وتقف في طريقه الحدودوالاسلاك الشائكة والمكهربة وحقول الألغام. يحدثه عن قسوة المنفى
وعن مرارة الانتظار، وعن رهبة المحاولة،يحدثه عن رفاق الغربة، وعن رفقة الجبال والنباتات البرية
وعن فاشية الاعداء وعن...وعن...والشيخ ينصت كأنه في حلم جميل، حتى كأن صوت ارتطام
مفاجيءبالباب، انتهى بفتحه، وبدخول مجموعة من الجنود، الذين انقضوا على الرجل وكبلوه بالحديد،
بعد أن أشبعوه ضرباً، غير عابئين بارتعاشات الشيخ وتوسلاته. ثم خرجوا به إلى حيث سيبقى الشيخ
بعد ذلك يحمل كل ما اضافته الأيام الأخيرة من أعباء تنوء عن حملها الجبال، على كاهليه فيسير
بقدمينلا تكادان تثبتان على الأرض، يسعى إلى رؤيته والحديث إليه من وراء القضبان ما تبقى له من
أيام قبل أن يحتضنه الثرى الذي اغترب إليه، واحتمل غربته على أمل أن يعود يوما ً ويلقي بعظامه إلى
جوار زوجه وأبيهوجده تحت التينة العجوز في باحة دار العائلة، فتحلق روحه بعدأن تنضم إلى أهلها
فيجيء من يسلم من الأحفاد ويقرأ عليهم جميعا ً الفاتحة...




خيم الهدوء فجأة، وسكن الضجيج، فارتخت أعصاب الناس، وهمدت أهداب الفتية بعد أن أرقها
السهر، ثم وصلت الازقة ما تقطع من أنفاسها، وتلاشت دوائر الدخان التي تحلقت في السماء، وكأن الله
قدبسط كفه في لحظة نادرة، فسار العاشقان إلى شاطيءالبحر، وقد خلفا من ورائهما علب الصفي
التي انتثرت على صدر المخيم كمربعات الشطرنج بعد أن تأملا طاباتها واحصنتها تأخذ أماكنها في
انتظار الجولة التالية.
وضعت ذراعها في ذراعه والتصقت به إلى أبعد الحدود الممكنة،تهفو بأنفاسها على وجنته،
فتوزع النشوة في أوصاله، ثم تبادره بهمسها:
-أنت يا بحر، كم كنت أخشى أن أغرق فيك، فصرت أموت رغبة بذلك.
-يتوثب غيرة، ويقول:
-تقصدين البحر؟
فتجيب:
-أنت البحر، السماء، الأرض، والناس، كلكم واحد يا خالد.
-أرجوك كفي عن الحلم.
-ماذا؟وهل يتبقى لنا شيء إذا؟
-أنت. أنت وأنا وما يمكن أن يكون بيننا، ذاك هو الحلم يا مهد، أراه كومض من نور يشق
صدر السماء، ثم ينزع في الأرض,لا يتزحزح، يبقى شيء منا، يستمر في هذه البقعة من الدنيا، أما
نحن فكأننا مجرد خيالات، أو ظلال، بل كأننا أشبه بالذكرى، شيء كأنه خيط من الضوء يمر في
لحظة، نمضي نحن ويبقى هذا الخط الذي يحملنا، يبقى فعلنا، تبقى أنفاسنا، أرواحنا، بل حتى مشاعرنا،
يبقى كل شيء منا، أما نحن فسائرون على طريق تمضي. حتى البحر سيكون غير البحر، والأرض
ستكون غير الأرض، أترين: بل حتى السماء لن تكون هي السماء،حركة دائبة، وفعل مستمر، وبشر
ماضون، تفاجئهم اللحظة التي لا ترد، ولا يبقى سوى ذلك الوميض الذي يلمع فجأة، فنعتقد أنه قد
اختفى، وفي حقيقة الأمر هو أبقى منا.
-ماذا تقول لست أفهم شيئاً؟
-إنني رجل أمامك بشحم ولحم ودم. لكن الأهم من ذلك أنني كتلة من الأحاسيس والمشاعر، ولا
أراني سوى قبضة من الشعور، ينقبض في لحظة لينتهي بومضة، فاختفي أنا، وتبقى هي. وأراني
أسعى إليك برغبة متقدة وأكيدة، لنبرق معاً، بعد أن نتوحد، وكل ما أسعى إليه، أن أوفق في التوقيت،
بحيث لا تلتمع ومضتي قبل أن يثبت بريقها، أود أن أسرع إليك في اللحظة المناسبة، فحين تومض
لحظتي تخبئينها في صدرك، تحفظين خط وميضها، كنجمة ثابتة في السماء.
-أنت، لقد أرعبتني، ماذا تود أن تقول؟
-ما أود فعله، هو أن نتزوج في أقرب فرصة.
-وهذا الاشتعال؟
-بالرغم من هذا الاشتعال، بل من أجل هذا الاشتعال. حين تكون دماؤنا أشبه بزيت لهذا
الحريق، فإن كل شيء يصير مفهوما ً تماماً. الومضة/ الشعلة، والدم/ الزيت، وهكذا يستمر الحريق.
كانت تشاركه الرغبة بالزواج في أقرب وقت ممكن، لكنها كانت ترغب أيضا ً في بيت خاص
بهما، تلفه السكينة، ويملأه الهدوء، يكون أشبه بعش لعصفورين.
وكانتتحلمأيضا ً بزينة خاصةوبعرس يظل عالقا ً بالذاكرة، وبثوب أبيض، وحفل تملأه
الزغاريد والأغاني، ويحضره كل أهل المخيم، ترقص فيه الصبايا، ويدبك الشباب، وتلوح النساء
أمامها، وهي تجلس إلى جانب عريسها، على منصة الزفاف. كانت تحلم بليلة واحدة من العمر، ترى
فيها جميع الناس يرقصون من أجلها.
أقفلت عليه جوانحها، وتكورت في فراشها،احتضنت وسادتها، وراحت تتابع أنفاسها التي تعلو
بصدرها، ثم تنخفض به في حركة واضحة، حركة الانفعال تثير فيها الرغبة، فتمد يدها خلف رأسه
وتشده إليها، ثم تضع فمها على فمه، وتغلق عينيها، فتذوب في حلاوة القبلة.
-خذني إليك ياحبيبي.
هالة تشبه الاغماء تلك التي تنتابها، تأخذها لحظات إلى ما وراء السحاب، وحين تصحو تجد
العرق قد أغرق جسدها، تلفظ آهة عميقة من صدرها، ثم تشد غطاءها حتى تغمر جسدها كله، الذي
صار مشبعا ً بالخصوبة، تغطي رأسها، ثم تهوي في نوم أشبه بالموت.




لم يفاجئهالاقتحام صباح يوم كان الاهم في حياته، على الرغم من قسوته، لكن نظره توقف أمام
تلك الندبة تحت الأنف، وتحتها فوهة البندقية مصوبة إلى صدره.
ها أنت قد جئت من أعماق البحر البعيد، الغريب بهذه الفوهة، تواجه نبض هذا القلب الذي يرف
ً
كعصفور طالما تطلع إلى الأفق راغبابمستحيل الحياة، نبض يواجه الانفجار، وحلم يقابله العبث، بحر
يلطم البحر، وسماء تطبق على السماء.
ما زالت حلاوة ليلته تبث في كيانه رغبة عارمة بالحياة، وما زال البحر يمتد في أفق الذاكرة،
مجالا ً فسيحا ً أمام المخيم، الذي انسد ظهره بحاملات الجنود، حقلا ً للأفق المليء بالقوارب والأصداف
وعرائس البحر، وما زالت مهد بأنوثتها الطازجة تثير في نفسه ذكرى اللحظة التي مضت كومضة،
كلحظة بالعمر، سعادة ممكنة وحياة متخيلة ومرغوبة، تمنيه أن يعيش قرنا ً ولا يشبع منها، والبحر
صديق واسع الصدر، ممتد القدرة، لكنه عاجز عن أن يكون عشا ً صغيرا ً لعصفور يرتجف، انقضت
عليه فجأة كف غليظة، لم تستطع كل رغبته العارمة بالحياة، أن توقف قسوتها ولاأن تمنعها من أن
تحط بالموت على صدره، وأن تفرض السكون على جناحيه الصغيرين، فلا يحلقان به في السماء، ولا
يحطان به على حافة الغدير، وأن تفرض الصمت على فمه الصغير، فلا يبث التموج العذب في فضاء
الحقول.
تضيق الدنيا على رحابتها ولا تكون سوى قبضة كف غليظة تنطبق على صدره المجهري،
وتخلو من الحياة.
انشقت الأرض في لحظة نادرة عن غريبة، وقد أخذت تركض وراء سيارة الجيب. تود لو تأخذه
في حضنها، تدير الندبة اتجاهها وتصوب الفوهة،الهيكل المكدود ويتكور على نفسه، فتحضن يترن
الغريبة ذاتها، وتتطلع بعينين مذعورتين إلى الأفق. تمد يديها، كأنها تسعى لانتزاع الندبة من صدر
الأفق الذي انحسر وضاق من أمامها، حتى غامت الدنيا، وامتدت الدائرة السوداء تحت الأنف فملأتها،
فما عادت ترى شيئا ً سواها،حتى أغلقت عينين شهدتا كل التفاصيل، وطبعتا لون الدم الحار، في
اندفاعته الأولى، حين تواجه صدور العصافير ندب المطاط، بعد أن يقذف بها فعل الانفجار.
توترت أعصابه للمشهد، وفارت دماؤه، فهم بأن ينهض من مكانه، ليسحق ندبة الموت بأغلاله،
لكن أعقاب البنادق ردته إلى مكانه مصحوبا ً بآلامها التي خلفتها في زواياه المختلفة.
مشاهد وكوابيس تتراءى له في صحوه وفي نومه، فلا يكاد أن يتبين الحقيقة من الوهم. دم حار
وغبار يلف الأفق، دخان أسود يملأ الفضاء، هموم تثقل الصدر، ولا من أفق سوى ذاك الذي ينبعث من
ثغر مهد، ينفرج عن ابتسامةمقتضبة، يلوح كقرص الشمس الأزرق، يهرول نحوها...ثم يركض،
وهي ثابتة في مكانها، فلا يطالها، يمد يده، فتصرعه الأمواج التي يغالبها، ويبقى ثغرها عصيا ً عليه...
لايكف عن المحاولة حتى يكاد أن يبلغه التعب، فيتصبب عرقاً، وحين يشرف على الوصول...تقف
أشباح ذات ندب تحت أنوفها بينه وبين قرص الشمس، تطوقه أذرعتها وتشل حركته اغلالها، ثم يهجم
بعضها على الملاك الأبيض، فيمزق ثوبه الذي نسجته يد الآلهة من خيوط الضوء. ينبلج اللحم الطري
الذي ما رأته عين ُ قط، وتطرحه أرضاً، ثم تثبت بأطرافه المسامير وتبدأ تدقها بمطرقة، ترتفع اليد
الهائلةثم تهوي، فينغرس في صدره الألم، وينفر الدم الحار من صدره. ثم ينطبق جسد وحشي ضخم
على اللحم الطري، فيشعر كأن خازوقا ً قد دق في مؤخرته، يتلوى ثم يصرخ...وحين يعلو الصوت،
ترتعب الاشباح، وتختفي في لحظة. يتحرر من اغلاله، ويهمد في ذات اللحظة زبد الموج، فيهرع إلى
اللحم المغتصب، فلا يجد سوى رمال بيضاء، مرت عليها مياه البحر، فمنحتها الطراوة ورائحة الزنخ،
ثم تركت عليها بعضا ً من الأصداف وبيوض السمك.
حين يصحو، يستعيذ بالله من هذا الكابوس، ويصر بعزم لا يلين في حواره مع مهد على
الإسراع بتحديد يوم الزفاف...
بعد الصلاة في يوم الجمعة، يتجمع أهل المخيم في ساحة الملعب، فيعقدون حلقات الدبكة،
ترقص الصبايا ويلوح الشباب بنقافاتهم، ثم يطلقون واحدا ً وعشرين حجرا ً تحية لعروسي الانتفاضة. مع
مغيب الشمس تبدأ الزفة حاملة العروسين على أكف من الحنان إلى عشهما.
مع دقة الساعة معلنة السادسة من مساء العرس، تتحرك الآليات من الثكنة الرابضة ككلب
الحراسة على باب المخيم، لتفرض حظر التجوال، فتصير ساحة الملعب في لحظة خاطفة ساحة قتال.
خالد يجلس بفرح إلى جوار ملاك هبط قبل لحظة من السماء، يلبس ثوبه الأبيض، وتشع من
جبينه أشعة الشمس قبل أن تغيب. يكر الجند، يفر الملثمون وتنطلق البنادق بندباتها التي تحط كطيور
الموت على الصدر المنتشي بالفرح، انفجر المخيم وصار كتلة من اللهب، وبحرا ً من الدماء، وحين
صحا على عرسه، وجم البحر، فإذا الملاك يرف بجناحيه، يحتضن الفتى الذي اثقلت جفونه رعشة
بقس عابثة، واثقلت أعضاءه خدرة بدأت تطيوتها على الرغبة العارمة بالحياة. في حضرة الموت كانت
مهد عروسا ً لم تشهد الدنيا مثيلا ً لها، تلة من ثلج تكومت على بقع الدم الساخنة، ثم تكورت حتى صارت
كقبضة صارمة، تنبت فيها الأصابع التي تبدأ حركة لولبية دائبة، تشم شهيدها، فتملأ رائحة الدم الفائر
كيانها بنشوةالحياة، تقبله، فتدب فيها الرغبة فيه، تتحسس جسده، فتنتقل إليها الحياة المندلقة من عروقه،
وكأنها لم تنسكب على التراب، بل انتقلت بومضتها إلى عروقها، تتوتر أعصابها، فتلوح أطرافها
وتدندن بأغنية البعث.
تنتشي، وتشعر كأن طيرا ً يخرج من أحشائها، وحين تزفر آهتها، يخرج الدخان من جوفها
وتتلاقى خيوطه، تحلق دوائرها في فضاء البيت، كأنها الروح التي تحررت من كل القيود، وقد تشكلت
على هيئة طائر الفينيق الذي انبعث من رماد جوارحها الثكلى. تتحسس جسده، ثم تلتصق به، فيلتحمان
معاً.
إنه زوج مكتمل الرجولة، يرتفع برغبتها إلى الذرى، وكأنه يحلق بها إلى السماوات العلا،
ترتخي بعد لحظة، فتشعر براحة لم تشعر بمثلها من قبل. كانت ليلة من نور، فلم تقض عروس من قبل
ليلتها الأولى، كما حدث مع مهد، التي حلقت بها الرؤى وطافت بها الفراشات آفاق السماء، وجابت بها
مدايات البحار، وساحت بها أطراف الدنيا، حتىشبعت نفسها من رؤية التلال والكروم والسهول
والصحاري، وكأن الوطن قد صار بقعة من زيت، ترى فيها كل الأحبة، وتتجول فيه مع رجلها
وأولادها بحرية واطمئنان، ثم يعودون إلى بيت تغمره السعادة، امتدت الليلة الواحدة، حتى غدت كدهر
من السنين، أو كلحظة خاطفة لا تكاد تستقرفي النفس حلاوتها حتى تنطفيء، تماما ً كومضة الضوء
التي ما تكاد تبدد حلكة العتمة الموحشة، حتى تذوب في جبروتها، هكذا كانت ليلة مهد الوحيدة التي
قضتها كزوجة.
وفي الصباح ترافق زوجها، ومعهما المشيعون، أهل المخيم، ما زالت عروسا ً مخضبة أكفها
بالحناء، ترتدي ثوبها الأبيض المزين بالبقع الحمراء، فيبدو كواحة الثلج، نبتت في ثناياها أزهار
الحنون البري، تسير كروح لا كنه لمشاعرها العاجزة عن أخذ ملامحها المحددة، لا تدرك الجلبة ولا
ترى سوى الأفق الذي امتد ضبابيا ً أمامها، وليس سواه يسير وإياها . . إلى أن تظهر حمامة حدًثها يوما
عنها، وكأنها قد خرجت من النعش، ثم حلقت فوق الرؤوس برهة من الوقت, ثمكان التراب يطوي
فتى كان مغرما ً بالحياة.
الصورة المؤطرة بالسواد، والمعلقة كطيف يباغتك فجأة، أو كحزمة من نور، بدت لها ملام
لتوها على الجدار. يفتر الثغر عن ابتسامة، قابلها بها صباح يوم فاتحها فيه بحبه، يحرك يدا ً باعتذار، ثم
تسكن حركة الاطار التي مرت كومضة، تشعر بحركة عابرة في أحشائها، تتحسس بطنها يمر بذهنها
خاطر ما، تدور الأرض بها، ثم يغلبها القيء


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

حذرت مؤسسة "عرا...

حذرت مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية، اليوم الجمعة، من تداعيات خفض قيمة الدينا...

وتتناول الاسترا...

وتتناول الاستراتيجية كافة أسس نظام الصحّة النفسية بهدف تحسين صحّة الأفراد النفسية بشكل عام والوقاية ...

As a core compo...

As a core component of the combustor, the gas turbine swirler’s thermomechanical behavior directly i...

لاستراتيجية الو...

لاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024-2030 ملخّّص تنفيذي يمكننا القيام بالكثير ولكلّّ منا دوره في ...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...