Online English Summarizer tool, free and accurate!
يعد القانون الدستوري أحد فروع القانون العام الذي يتناول دراسة كيان ومؤسسات الدولة من الداخل ولذا يطلق عليه تحديداً القانون العام الداخلي. وفي هذا الفصل المكون من ثلاثة مباحث سيتم التطرق في المبحث الأول لنشأة وتطور القانون الدستوري، أما الثاني فسيتولى تناول المقصود بمفهوم القانون الدستوري وإشكالية التعريف، أما المبحث الثالث فسيتناول مصادره المتعددة التي أسهمت في بلورته وإثرائه حتى أصبح في شكله الحالي. المبحث الأول: نشأة وتطور القانون الدستوري لكل فرع من فروع المعرفة أصوله ومرجعياته التي تؤثر - بشكل كبير - في نشأته ومساره حتى يكتسب صفة الاعتراف ومن ثم الاستقلالية، وهذا ما ينطبق على القانون الدستوري. وفي هذا المبحث سيتم تتبع نشأة القانون الدستوري من خلال الاجتهادات الفكرية والتطبيقات العملية على شكل دول ونظم سياسية التي أسهمت - بشكل كبير - في بروزه كعلم مستقل داخل منظومة القانون العام. فقد ارتبطت نشأة وتطور القانون الدستوري بالأحداث والتطورات الفكرية والصراعات والحروب التي شهدتها القارة الأوروبية منذ عهد الإغريق. مرورا بالعصور الوسطى حتى بزوغ فجر الدولة الوطنية (القومية) وما صاحبها من تطورات أسهمت في بلورته ونشأته. لكن المؤرخون وفقهاء القانون والسياسية يولون أهمية خاصة لتلك الأحداث والتطورات التي جرت ما بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر الميلادي أو ما بات يعرف بعصري النهضة والتنوير. وإستناداً على هذا الإرث الحضاري والفكري ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر (١٧٩٧م) بوادر علم جديد عندما بدأت معاهد في بعض مدن وإمارات شمال إيطاليا مثل فراره (Ferrara) وبافيا (Pavie) ، تقديم دروس ومحاضرات عن نظام الحكم والدولة ومؤسساتها في تلك الحقبة تحت مسمى (Diritto Constituzonale) ، الشمال الإيطالي في تدريسه قرابة أربعة عقود، ثم انتقل بعدها إلى فرنسا متأثراً بالتطورات المتلاحقة التي أفرزتها تبعات الثورة الفرنسية. وفي فرنسا بدء هذا العلم يكتسب أهمية وشهرة عندما عهد في عام (١٨٣٠م) لأستاذ إيطالي تلقى تعليمه في معاهد بولونا بإيطاليا يدعي بلقرينوروسي (-Pel وقد تم تطوير هذا الفرع الجديدة تن (i ni an) القانون العام بالتزامن مع المتغيرات الدستورية التي شهدتها فرنسا بعد الثورة. ففي شهر يوليو (١٨٣٠م) - على وجه الخصوص - قامت ثورة في فرنسا أطاحت بالملك شارل العاشر ونصبت ابن عمه دوق أورليان ملكاً باسم لويس فيليب الأول، وأدخلت بناء على هذه التطورات تعديلات دستورية جذرية على النظام السياسي والدستوري الفرنسي من أهمها صياغة دستور جديد سمي بدستور عام ( ١٨٣٠م)، ونظام سياسي اتسم بالليبرالية الذي طرح مبادئ جديدة من أهمها التأكيد على مبدأ الحريات الفردية التي لم تكن مألوفه قبل ذلك. وتضمن الدستور - كذلك - إصلاحات في بنية النظام السياسي والدستوري الفرنسي من بينها أن الملك لا يتولى العرش بناء على أنه منحة ألهية كما كان الملك سائداً منذ القرون الوسطى ولكن بناء على الإرادة الشعبية. وقد شكلت هذه الاصلاحات الدستورية مادة خصبة ودافعاً لإحداث أول كرسي لمادة القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة باريس في عام (١٨٣٤م)، بأمر من وزير المعارف الفرنسي - أنذاك - جيزو (Guizot) الذي كان من أشد مناصري الملك الفرنسي الجديد وإصلاحاته الدستورية. وقد كان الهدف الأساسي من إنشاء هذا الكرسي هو شرح الأحكام الواردة في الدستور الجديد، وبالتالي الترويج للملك الفرنسي (لويس فيليب الأول) وإصلاحاته الدستورية. لكن مفردات هذا العلم الجديد لم يكتب لها الاستقرار وذلك بسبب التقلبات المستمرة على الساحة السياسية والدستورية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر. فنظام حكم الملك فيليب لويس - على سبيل المثال - كان نظاماً نيابياً حراً مما جعل الفقهاء يعرفون القانون الدستوري بأنه عبارة عن مجموعة من القواعد والمبادئ القانونية التي تقوم بتحديد ووصف السلطات العامة وحقوق الأفراد في ظل نظام نيابي حر، ولكن القانون الدستوري أصيب بانتكاسة في عام ١٨٥٢م عندما الغي الكرسي المقرر له في جامعة باريس تزامنا مع قيام إمبراطورية (لويس نابليون) ، غير أن المصطلح عاد في الظهور مرة أخرى مع قيام الجمهورية الثالثة في عام ١٨٧٥م، ولهذا، وتزامناً مع ما سبق، هناك أحداث وتطورات - بجانب إفرازات الثورة الفرنسية - قد ساهمت بشكل إيجابي في تطور القانون الدستوري، من أهمها قيام الثورة الأمريكية (١٧٧٦م)، وجون لوك، ومنتسكيو وغيرهم في تطور مفرداته وتسليط الضوء عليها، وهكذا، فقد واكب القانون الدستوري التغيرات والإصلاحات السياسية والدستورية التي حدثت جراء قيام ونجاح الثورتين الأمريكية والفرنسية مما أسهم - بدرجة كبيرة - في إحداث نقلة نوعية في شكل أنظمة وممارسات الحكم في القارتين الأوروبية وأمريكا الشمالية أولاً، وكنتيجة لما حدث، دخلت مفردات وتم تبني ممارسات تركا بصمات بارزة على مسماه ومضمونه وبالتالي مستقبله والاعتراف به على نطاق واسع كأحد فروع القانون العام " ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، بدئت موضوعات القانون الدستوري تحظى بالأهمية والاهتمام على نطاق عالمي، مما انعكس بصورة إيجابية على مسيرته وتطوره. وإنما تخطي حدود الدولة، وبدء يشارك القانون الدولي العام في توجهاته وموضوعاته التي يتناولها. ويعزي هذا التحول إلى النظام الدولي الجديد الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ففي ظل هذا العالم الجديد برز توجه عالمي نحو الاهتمام بحقوق الفرد ودفع الدول لتبني مجموعة من الحقوق والضمانات ومن ثم النص عليها في دساتيرها الوطنية حتى تكتسب صفة الالتزام. كما أن موجة الاستقلال التي ازدادت وتيرتها في أعقاب تلك الحرب، وبالتالي ظهور دول جديدة على المسرح الدولي، قد شكل تحدياً أمام فقهاء القانون الدستوري بهدف إعادة النظر في الأسس التي قام عليها. فمفهوم ووظيفة الدولة - كما سيتضح فيما بعد - في تطور مستمر وقد تولت أدبيات القانون الدستوري رصد ومتابعة هذه التطورات المتلاحقة. فهذه التطورات تشير إلى أن هناك توجها يدفع نحو تدويل مصادر القواعد الدستورية، وبالتالي السعي نحو إضافة فرع جديد إلى القانون العام بمسمى القانون الدستوري الدولي مما يستدعي فقهاء القانون الدستوري العرب إلى متابعة ومواكبة هذا الحراك العلمي والعملي، من أجل إثراء الفقه الدستوري العربي وتجديده(١). المبحث الثاني القانون الدستوري: مفهوماً وتعريفاً. يقوم القانون الدستوري بعملية تنظيم المؤسسات السياسية للدولة أو ما يعرف بالسلطة السياسية. كما يتناول - كذلك - علاقة هذه السلطة بالمواطنين، ومسألة تنظيم الحقوق والحريات العامة. فوظيفة القانون الدستوري هي - إذن- وباختصار «تنظيم التعايش السلمي بين السلطة والحرية في إطار الدولة»(١). فالمفهوم يقوم - من حيث المبدأ - على تسليط الضوء على السلطة السياسية في الدولة وكيفية تنظيمها وممارساتها لوظائفها، ومن ثم علاقة هذه السلطة بالمواطنين. كما يولي اهتماماً متزايداً بمسألة الحقوق والحريات العامة في إطار مقنن ومنظم تستمد مفهومها وقوتها من الدستور. وقد أخذ الفقهاء عند تعريفهم القانون الدستوري هذه المفاهيم بعين الاعتبار بعد أن استقرت وتم القبول بها بعد فترة طويلة من التردد والغموض حول مضامينه، التي صاحبته طيلة القرن التاسع عشر كما أسلفنا. فمفهوم القانون الدستوري كغيره من العلوم الإنسانية يزداد صعوبة عند محاولة تقنينه أو بصورة أدق تعريفه بصورة واضحة ومتفق عليها. ومن هنا أختلف الفقهاء حول تعريفه، ولكن قبل الخوض في أسباب الخلاف وكذلك التعريف، لابد من التنويه بأن هناك ثلاثة مصطلحات يدور النقاش حولها في أدبيات القانون الدستوري، والقانون الدستوري. وتتفرق أحياناً أخرى. فالمقصود بالدستور هو الوثيقة أو مجموعة الوثائق التي تبين نظام الحكم والمؤسسات السياسية، وبناء على ذلك، والدستور المصري، والدستور الأمريكي وهكذا (٢). أما النظام الدستوري فيعني النظام السياسي الذي يتصرف طبقا لأحكام الدستور الذي يحكم تصرفاته وعلاقته بمحيطة الداخلي، ولهذا يمكننا القول بالنظام الدستوري السعودي، والنظام الدستوري الألماني وهكذا. أما عند الحديث عن القانون الدستوري فهو تلك القواعد القانونية التي توضح نظام الحكم وكيفية ممارسته للسلطة والعلاقة بين هذه السلطة والفرد في الدولة وغيرها من المواضيع ذات الطابع الدستوري. أوجه الشبه بين هذه المصطلحات الآنفة الذكر أنهم يبحثون مواضيع مشتركة إما ذات طابع دستوري كالقواعد القانونية التي يقوم عليها نظام الحكم وسلطات، والبيئية وغيرها. أما أوجه الفرق بينهم فمد يضيق أحياناً ويتسع أحياناً أخرى وذلك حسب فلسفة النظام السياسي السائد في البلاد. وبناء على ذلك، فقد يكون الدستور أكثر شمولية من القانون الدستوري عندما يتم النص على مواضيع ليست في الأصل دستورية الطابع، وقد يتجاهل الدستور - كما أسلفنا - النص على شأن ذو صبغة دستورية، ويكون - في هذه الحالة - أضيق من القانون الدستوري. أما بخصوص أوجه الفرق بين المصطلحين النظام الدستوري والقانون الدستوري فقد تلاشت تدريجيا عندما أصبح لكل دولة دستورها الخاص بها، وهكذا، فقد أصبح هذين المصطلحين مترادفين في المعنى في العصر الحالي. مصطلح القانون الدستوري حديث النشأة (١٨٣٤م)، حيث كان يعرف قبل "القانون الأساسي"، ليستقر في نهاية المطاف اصطلاح القانون الدستوري الذي أصبح شائعاً - فيما بعد - وله أدبياته التي تحمل هذا الاسم. فبخصوص التعريف، اختلف الفقهاء - في بداية الأمر - حول مضمونه ومدلوله، ولكن - في نهاية الأمر - تم الاتفاق على تعريف يحظى بالقبول والذي ينص على أنه مجموعة من القواعد القانونية المتعلقة بنظام الحكم في الدولة من الناحية السياسية، والتي تنظم التعايش السلمي بين السلطة والحرية. فالمقصود بالسلطة هنا هي السلطة السياسية، ويستدل من هذا التعريف أن هناك أساسا ومبادئ عامة يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، كما يتناول أداء السلطات. فكل ما له صلة بالدولة من حيث الشكل والتكوين و نوع وطريقة ممارسة السلطة السياسية والحقوق الأساسية ينظوي تحت مفردات القانون الدستوري. وأخيراً فإن مرد الجدل بين الفقهاء حول التعريف الأقرب إلى الصواب، يعود إلى عدم استقرار مفرداته أثناء فترة نشأته وتطوره خلال القرن التاسع عشر في فرنسا الثورية، التي ساهمت - بشكل أساسي - في مولده وتأثرت به وتأثر بها خلال تلك الفترة (١). وسيظل الجدل والنقاش دائراً حول مفهومه وتعريفه لأن ذلك أحد سمات العلوم الإنسانية لكونها في الأساس علوم ظنية واجتهادية وجدلية مما يترك للفقهاء والمجتهدين مساحة من الاختلاف في الرأي والرأي الآخر والتي تعد مصدر ثراء وغناء لأدبيات القانون الدستوري. المبحث الثالث: مصادر القانون الدستوري. تنقسم مصادر القانون الدستوري التقليدية إلى مصدرين رئيسيين هما: مصادر مباشرة والتي تتمثل في التشريع والعرف الدستوري ومصادر غير مباشرة وهما الفقه والقضاء. لكن أهمية كل مصدر من هذه المصادر يختلف باختلاف المكان والزمان. فقد تزداد أهمية مصدر غير مباشر (تفسيري) ليصبح مصدراً مباشراً وبالعكس، وذلك بسبب عدة مؤثرات وتحولات معينة داخل مجتمع أو نظام سياسي معين. وفي الآونة الأخيرة تم إضافة مصدر آخر من محيط القانون الدولي العام إلى قائمة مصادره، ليشكل هذا الحدث تطوراً مهماً في مسيرته ومستقبله. فالتشريع يقصد به الوثيقة الدستورية وما تتضمنه من نصوص دستورية صادرة من المشرع الدستوري، أو السلطة التأسيسية الأصيلة، أو السلطة التأسيسية المنشأة وفق إجراءات معينه أثناء إعدادها أو تعديلاتها". كما يعني - كذلك - القوانين الأساسية التي تصدر بواسطة المشرع العادي، ولكنها تتضمن مواضيع ذات طابع دستوري كتنظيم الانتخابات أو إحدى السلطات العامة. أما العرف الدستوري فيعني القواعد العرفية المتوارثة عبر الزمن. وبخصوص الفقه فالمقصود به أراء واجتهادات الفقهاء الدستوريين حول موضوع مطروح للنقاش. وقد لعب الفقه دوراً حيوياً في تكوين مبادئ وقواعد القانون الدستوري عند نشأته. أما ما يتعلق بالقضاء فيعني أحكام المحاكم المختصة حول مسألة دستورية معينة، ويقصد بها مجموعة القواعد القانونية التي يتم اللجوء إليها في ظل نقص قواعد التشريع والعرف. وبناء على ما تقدم، تنقسم الدول من حيث مصادر قواعدها الدستورية إلى عرفية ومكتوبة (مقننه) ، ويقصد بالنوع الأول تلك التي تستند قواعدها الدستورية
القانون الدستوري: النشأة، المفهوم، المصادر
يعد القانون الدستوري أحد فروع القانون العام الذي يتناول دراسة كيان ومؤسسات الدولة من الداخل ولذا يطلق عليه تحديداً القانون العام الداخلي. وفي هذا الفصل المكون من ثلاثة مباحث سيتم التطرق في المبحث الأول لنشأة وتطور القانون الدستوري، أما الثاني فسيتولى تناول المقصود بمفهوم القانون الدستوري وإشكالية التعريف، أما المبحث الثالث فسيتناول مصادره المتعددة التي أسهمت في بلورته وإثرائه حتى أصبح في شكله الحالي.
المبحث الأول: نشأة وتطور القانون الدستوري
لكل فرع من فروع المعرفة أصوله ومرجعياته التي تؤثر - بشكل كبير - في نشأته ومساره حتى يكتسب صفة الاعتراف ومن ثم الاستقلالية، وهذا ما ينطبق على القانون الدستوري. وفي هذا المبحث سيتم تتبع نشأة القانون الدستوري من خلال الاجتهادات الفكرية والتطبيقات العملية على شكل دول ونظم سياسية التي أسهمت - بشكل كبير - في بروزه كعلم مستقل داخل منظومة القانون العام.
فقد ارتبطت نشأة وتطور القانون الدستوري بالأحداث والتطورات الفكرية والصراعات والحروب التي شهدتها القارة الأوروبية منذ عهد الإغريق.
فالإمبراطورية الرومانية، مرورا بالعصور الوسطى حتى بزوغ فجر الدولة الوطنية (القومية) وما صاحبها من تطورات أسهمت في بلورته ونشأته. لكن المؤرخون وفقهاء القانون والسياسية يولون أهمية خاصة لتلك الأحداث والتطورات التي جرت ما بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر الميلادي أو ما بات يعرف بعصري النهضة والتنوير. وإستناداً على هذا الإرث الحضاري والفكري ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر (١٧٩٧م) بوادر علم جديد عندما بدأت معاهد في بعض مدن
وإمارات شمال إيطاليا مثل فراره (Ferrara) وبافيا (Pavie) ، وبولونا (Bologna)، تقديم دروس ومحاضرات عن نظام الحكم والدولة ومؤسساتها في تلك الحقبة تحت مسمى (Diritto Constituzonale) ، وقد استمرت هذه المؤسسات الأكاديمية ي
الشمال الإيطالي في تدريسه قرابة أربعة عقود، ثم انتقل بعدها إلى فرنسا متأثراً بالتطورات المتلاحقة التي أفرزتها تبعات الثورة الفرنسية.
وفي فرنسا بدء هذا العلم يكتسب أهمية وشهرة عندما عهد في عام (١٨٣٠م)
لأستاذ إيطالي تلقى تعليمه في معاهد بولونا بإيطاليا يدعي بلقرينوروسي (-Pel
تدريسة لأول مرة. وقد تم تطوير هذا الفرع الجديدة تن (i ni an)
القانون العام بالتزامن مع المتغيرات الدستورية التي شهدتها فرنسا بعد الثورة.
ففي شهر يوليو (١٨٣٠م) - على وجه الخصوص - قامت ثورة في فرنسا أطاحت بالملك شارل العاشر ونصبت ابن عمه دوق أورليان ملكاً باسم لويس فيليب الأول، وأدخلت بناء على هذه التطورات تعديلات دستورية جذرية على النظام السياسي والدستوري الفرنسي من أهمها صياغة دستور جديد سمي بدستور عام ( ١٨٣٠م)، ونظام سياسي اتسم بالليبرالية الذي طرح مبادئ جديدة من أهمها التأكيد على مبدأ الحريات الفردية التي لم تكن مألوفه قبل ذلك. وتضمن الدستور - كذلك - إصلاحات في بنية النظام السياسي والدستوري الفرنسي من بينها أن الملك لا يتولى العرش بناء على أنه منحة ألهية كما كان الملك سائداً منذ القرون الوسطى ولكن بناء على الإرادة الشعبية.
وقد شكلت هذه الاصلاحات الدستورية مادة خصبة ودافعاً لإحداث أول كرسي لمادة القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة باريس في عام (١٨٣٤م)، بأمر من وزير المعارف الفرنسي - أنذاك - جيزو (Guizot) الذي كان من أشد مناصري الملك الفرنسي الجديد وإصلاحاته الدستورية. وقد كان الهدف الأساسي من إنشاء هذا الكرسي هو شرح الأحكام الواردة في الدستور الجديد، وبالتالي الترويج للملك الفرنسي (لويس فيليب الأول) وإصلاحاته الدستورية. لكن مفردات
هذا العلم الجديد لم يكتب لها الاستقرار وذلك بسبب التقلبات المستمرة على الساحة السياسية والدستورية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر. فنظام حكم الملك فيليب لويس - على سبيل المثال - كان نظاماً نيابياً حراً مما جعل الفقهاء يعرفون القانون الدستوري بأنه عبارة عن مجموعة من القواعد والمبادئ القانونية التي تقوم بتحديد ووصف السلطات العامة وحقوق الأفراد في ظل نظام نيابي حر، ولكن القانون الدستوري أصيب بانتكاسة في عام ١٨٥٢م عندما الغي الكرسي المقرر له في جامعة باريس تزامنا مع قيام إمبراطورية (لويس نابليون) ، غير أن المصطلح عاد في الظهور مرة أخرى مع قيام الجمهورية الثالثة في عام ١٨٧٥م، ليستقر في نهاية المطاف هذا المصطلح في فرنسا. ولهذا، تعرضت مفرداته لمد وجزر مما ألقت بظلالها على مسماه ومضمونه فيما بعد.
وتزامناً مع ما سبق، هناك أحداث وتطورات - بجانب إفرازات الثورة الفرنسية - قد ساهمت بشكل إيجابي في تطور القانون الدستوري، من أهمها قيام الثورة الأمريكية (١٧٧٦م)، وإسهامات العديد من المفكرين والفلاسفة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أمثال جان جاك روسو، وتوماس هوبز، وجون لوك، ومنتسكيو وغيرهم في تطور مفرداته وتسليط الضوء عليها، والاهتمام بها والمطالبة بتطبيقها على أرض الواقع. وهكذا، فقد واكب القانون الدستوري التغيرات والإصلاحات السياسية والدستورية التي حدثت جراء قيام ونجاح الثورتين الأمريكية والفرنسية مما أسهم - بدرجة كبيرة - في إحداث نقلة نوعية في شكل أنظمة وممارسات الحكم في القارتين الأوروبية وأمريكا الشمالية أولاً، ثم إلى بقية القارات في مراحل وحقب تاريخية لاحقه. وكنتيجة لما حدث، دخلت مفردات وتم تبني ممارسات تركا بصمات بارزة على مسماه ومضمونه وبالتالي مستقبله والاعتراف به على نطاق واسع كأحد فروع القانون العام "
ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، بدئت موضوعات القانون الدستوري تحظى بالأهمية والاهتمام على نطاق عالمي، مما انعكس بصورة إيجابية على مسيرته وتطوره. فلم يعد القانون الدستوري مرتبطا بما يحدث داخل الدولة عبر مؤسساتها الدستورية، وإنما تخطي حدود الدولة، وبدء يشارك القانون الدولي العام في توجهاته وموضوعاته التي يتناولها. ويعزي هذا التحول إلى النظام الدولي الجديد الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ففي ظل هذا العالم الجديد برز توجه عالمي نحو الاهتمام بحقوق الفرد ودفع الدول لتبني مجموعة من الحقوق والضمانات ومن ثم النص عليها في دساتيرها الوطنية حتى تكتسب صفة الالتزام.
كما أن موجة الاستقلال التي ازدادت وتيرتها في أعقاب تلك الحرب، وبالتالي ظهور دول جديدة على المسرح الدولي، قد شكل تحدياً أمام فقهاء القانون الدستوري بهدف إعادة النظر في الأسس التي قام عليها. فمفهوم ووظيفة الدولة - كما سيتضح فيما بعد - في تطور مستمر وقد تولت أدبيات القانون الدستوري رصد ومتابعة هذه التطورات المتلاحقة. فهذه التطورات تشير إلى أن هناك توجها يدفع نحو تدويل مصادر القواعد الدستورية، وبالتالي السعي نحو إضافة فرع جديد إلى القانون العام بمسمى القانون الدستوري الدولي مما يستدعي فقهاء القانون الدستوري العرب إلى متابعة ومواكبة هذا الحراك العلمي والعملي، من أجل إثراء الفقه الدستوري العربي وتجديده(١).
المبحث الثاني القانون الدستوري: مفهوماً وتعريفاً.
يقوم القانون الدستوري بعملية تنظيم المؤسسات السياسية للدولة أو ما يعرف بالسلطة السياسية. كما يتناول - كذلك - علاقة هذه السلطة بالمواطنين، ومسألة تنظيم الحقوق والحريات العامة. فوظيفة القانون الدستوري هي - إذن-
وباختصار «تنظيم التعايش السلمي بين السلطة والحرية في إطار الدولة»(١).
فالمفهوم يقوم - من حيث المبدأ - على تسليط الضوء على السلطة السياسية في الدولة وكيفية تنظيمها وممارساتها لوظائفها، ومن ثم علاقة هذه السلطة بالمواطنين. كما يولي اهتماماً متزايداً بمسألة الحقوق والحريات العامة في إطار مقنن ومنظم تستمد مفهومها وقوتها من الدستور. وقد أخذ الفقهاء عند تعريفهم القانون الدستوري هذه المفاهيم بعين الاعتبار بعد أن استقرت وتم القبول بها بعد فترة طويلة من التردد والغموض حول مضامينه، التي صاحبته طيلة القرن التاسع عشر كما أسلفنا.
فمفهوم القانون الدستوري كغيره من العلوم الإنسانية يزداد صعوبة عند محاولة تقنينه أو بصورة أدق تعريفه بصورة واضحة ومتفق عليها. ومن هنا أختلف الفقهاء حول تعريفه، ولكن قبل الخوض في أسباب الخلاف وكذلك التعريف، لابد من التنويه بأن هناك ثلاثة مصطلحات يدور النقاش حولها في أدبيات القانون الدستوري، وهم على التوالي / الدستور، النظام الدستوري، والقانون الدستوري. فهذه المصطلحات الثلاثة قد تتقارب أحياناً في المعنى، وتتفرق أحياناً أخرى. فالمقصود بالدستور هو الوثيقة أو مجموعة الوثائق التي تبين نظام الحكم والمؤسسات السياسية، والعلاقة بين الفرد والدولة والحقوق والواجبات وأمور أخرى في دولة معينة وفي وقت معين.
وبناء على ذلك، يمكننا الحديث عن الدستور السعودي، والدستور المصري، والدستور الأمريكي وهكذا (٢). أما النظام الدستوري فيعني النظام السياسي الذي يتصرف طبقا لأحكام الدستور الذي يحكم تصرفاته وعلاقته بمحيطة الداخلي، ولهذا يمكننا القول بالنظام الدستوري السعودي، والنظام الدستوري الألماني وهكذا.
أما عند الحديث عن القانون الدستوري فهو تلك القواعد القانونية التي توضح نظام الحكم وكيفية ممارسته للسلطة والعلاقة بين هذه السلطة والفرد في الدولة وغيرها
من المواضيع ذات الطابع الدستوري.
أوجه الشبه بين هذه المصطلحات الآنفة الذكر أنهم يبحثون مواضيع مشتركة إما ذات طابع دستوري كالقواعد القانونية التي يقوم عليها نظام الحكم وسلطات، أو مواضيع اكتسبت الصبغة الدستورية بمجرد النص عليها في دستور الدولة كالأمور المتعلقة بالنواحي الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، والبيئية وغيرها. أما أوجه الفرق بينهم فمد يضيق أحياناً ويتسع أحياناً أخرى وذلك حسب فلسفة النظام السياسي السائد في البلاد. فقد تتجنب الدساتير - في بعض الأحوال - مواضيم ذات طابع دستوري كتنظيم الانتخابات وغيرها تاركة أمرها إما لقانون أساسي أو عادي. وبناء على ذلك، فقد يكون الدستور أكثر شمولية من القانون الدستوري عندما يتم النص على مواضيع ليست في الأصل دستورية الطابع، وقد يتجاهل الدستور - كما أسلفنا - النص على شأن ذو صبغة دستورية، ويكون - في هذه الحالة - أضيق من القانون الدستوري. أما بخصوص أوجه الفرق بين المصطلحين النظام الدستوري والقانون الدستوري فقد تلاشت تدريجيا عندما أصبح لكل دولة دستورها الخاص بها، وذلك بعض النظر عن شكل الحكومة والنظام السياسي أو كيفية ممارسة السلطة. وهكذا، فقد أصبح هذين المصطلحين مترادفين في المعنى في العصر الحالي.
مصطلح القانون الدستوري حديث النشأة (١٨٣٤م)، حيث كان يعرف قبل
هذا التاريخ بمسميات مختلفة "نظام السلطات العمومية"،
"القانون النظامي"،
"القانون الأساسي"، ليستقر في نهاية المطاف اصطلاح القانون الدستوري الذي أصبح شائعاً - فيما بعد - وله أدبياته التي تحمل هذا الاسم. أما في منطقتنا العربية فلم يكون متداولاً على نطاق واسع إلا في العقد الثالث من القرن العشرين.
فبخصوص التعريف، اختلف الفقهاء - في بداية الأمر - حول مضمونه ومدلوله، ولكن - في نهاية الأمر - تم الاتفاق على تعريف يحظى بالقبول والذي ينص على أنه مجموعة من القواعد القانونية المتعلقة بنظام الحكم في الدولة من الناحية
السياسية، والتي تنظم التعايش السلمي بين السلطة والحرية. فالمقصود بالسلطة هنا هي السلطة السياسية، أما الحرية فتعني الحقوق التي يكفلها الدستور للمواطن والتي يتوجب احترامها وعدم المساس بها. ويستدل من هذا التعريف أن هناك أساسا ومبادئ عامة يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، كما يتناول أداء السلطات.
فكل ما له صلة بالدولة من حيث الشكل والتكوين و نوع وطريقة ممارسة السلطة السياسية والحقوق الأساسية ينظوي تحت مفردات القانون الدستوري. وأخيراً فإن مرد الجدل بين الفقهاء حول التعريف الأقرب إلى الصواب، يعود إلى عدم استقرار مفرداته أثناء فترة نشأته وتطوره خلال القرن التاسع عشر في فرنسا الثورية، التي ساهمت - بشكل أساسي - في مولده وتأثرت به وتأثر بها خلال تلك الفترة (١).
وسيظل الجدل والنقاش دائراً حول مفهومه وتعريفه لأن ذلك أحد سمات العلوم الإنسانية لكونها في الأساس علوم ظنية واجتهادية وجدلية مما يترك للفقهاء والمجتهدين مساحة من الاختلاف في الرأي والرأي الآخر والتي تعد مصدر ثراء وغناء لأدبيات القانون الدستوري.
المبحث الثالث: مصادر القانون الدستوري.
تنقسم مصادر القانون الدستوري التقليدية إلى مصدرين رئيسيين هما:
مصادر مباشرة والتي تتمثل في التشريع والعرف الدستوري ومصادر غير مباشرة وهما الفقه والقضاء. لكن أهمية كل مصدر من هذه المصادر يختلف باختلاف المكان والزمان. فقد تزداد أهمية مصدر غير مباشر (تفسيري) ليصبح مصدراً مباشراً وبالعكس، وذلك بسبب عدة مؤثرات وتحولات معينة داخل مجتمع أو نظام سياسي معين. وفي الآونة الأخيرة تم إضافة مصدر آخر من محيط القانون الدولي العام إلى قائمة مصادره، ليشكل هذا الحدث تطوراً مهماً في مسيرته ومستقبله.
وسيتم في هذا المبحث تسليط الضوء على هذه المصادر لمعرفة ماضيها وحاضرها ومستقبلها في ظل التحولات التي شهدها ولازال يشهدها القانون الدستوري.
فالتشريع يقصد به الوثيقة الدستورية وما تتضمنه من نصوص دستورية صادرة من المشرع الدستوري، أو السلطة التأسيسية الأصيلة، أو السلطة التأسيسية المنشأة وفق إجراءات معينه أثناء إعدادها أو تعديلاتها". كما يعني - كذلك - القوانين الأساسية التي تصدر بواسطة المشرع العادي، ولكنها تتضمن مواضيع ذات طابع دستوري كتنظيم الانتخابات أو إحدى السلطات العامة. أما العرف الدستوري فيعني القواعد العرفية المتوارثة عبر الزمن. وبخصوص الفقه فالمقصود به أراء واجتهادات الفقهاء الدستوريين حول موضوع مطروح للنقاش. وقد لعب الفقه دوراً حيوياً في تكوين مبادئ وقواعد القانون الدستوري عند نشأته. أما ما يتعلق بالقضاء فيعني أحكام المحاكم المختصة حول مسألة دستورية معينة، وهو ما يطلق عليه بالسوابق القضائية. ويقصد بها مجموعة القواعد القانونية التي يتم اللجوء إليها في ظل نقص قواعد التشريع والعرف.
وبناء على ما تقدم، تنقسم الدول من حيث مصادر قواعدها الدستورية إلى عرفية ومكتوبة (مقننه) ، ويقصد بالنوع الأول تلك التي تستند قواعدها الدستورية
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...
لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...
د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...
و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...
تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...
السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...
يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...
Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...
لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...
لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...
يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...