Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (100%)

بعد عطلة الرابع من يوليو ١) عام ١٩٧٨م، هو أول يوم لي بوظيفة طبيب نفسي ب ((عيادة بوسطن لشئون المحاربين القدامى)) (٢)، وبينما كنت أعلق علىٰ جدار مكتبي الجديد صورةً مستنسخة من لوحتي المفضلة، إذ سمعت ضجة في منطقة الاستقبال بنهاية الرواق، وبعدها بلحظات اقتحم باب مكتبي رجلٌ ضخم أشعث يرتدي بدلة رسمية ملونة، ويحمل تحت إبطه نسخة من مجلة (سولجر أُف فورشن)(٤)، كما كان هائجًا وثملًا لدرجة أنني ظللت أتساءل أنَّى لي مساعدة هذا العملاق؛ فطلبت منه أن يجلس ويخبرني كيف يمكنني أن أخدمه. وأخبرني أنه كان قبل عشر سنوات أحد جنود مشاة البحرية (المارينز) وأنه أدى خدمته في فيتنام؛ ثم قال إنه جاء إليّ لأنه كان قد أمضى عطلة نهاية الأسبوع السابقة مختبئًا في مكتب المحاماة الخاص به بمدينة بوسطن، يشرب الكحول ويشاهد الصور القديمة، بدلًا من قضاء هذه العطلة مع أسرته؛ والتنزه في فناء أخته الخلفي مع مشاهدة الخضرة الكثيفة في بداية الصيف، كل ذلك كان يذكره بفيتنام، وأنه حين يتوعك يخشى التواجد برفقة أسرته لأنه حينئذ يتصرف بوحشية مع زوجته وولديه؛ كما أن ضجيج طفليه كان يصيبه باهتياج شديد لدرجة أنه يندفع خارجًا من المنزل منعًا لنفسه من إيذائهما، ولم يكن يساعده علىٰ الهدوء إلا مواصلة شرب الكحول للغرق في غياهب النسيان أو قيادة دراجته النارية بسرعات عالية خطيرة. فقد كان نومه كثير التقطع بسبب كوابيس حول كمين حقل الأرز في فيتنام الذي لم يترك أحدًا من أفراد فصيلته العسكرية(١) إلا وقتله أو أصابه بجروح بالغة؛ كما كان يعاني من ارتدادات ذكْرَوِيَّة (٢) مرعبة يرى فيها أطفالًا فيتناميين قتلى؛ بل كانت الكوابيس مروعة لدرجة أنه كان يخشى النوم، لذا كان يظل مستيقظًا معظم الليل في كثير من الأحيان، وفي الصباح كانت زوجته تجده فاقدًا الوعي علىٰ أريكة غرفة المعيشة، وكان يتحتم عليها هي والولدين التزام الهدوء التام والحذر الشديد حوله أثناء إعدادها الإفطار لهما قبل اصطحابهما إلى المدرسة. قال توم إنه تخرج في المدرسة الثانوية عام حاصلًا علىٰ لقب الطالب المثالي؛ واتساقًا مع التقليد العائلي للخدمة العسكرية، التحق بسلاح المارينز بعد التخرج مباشرة؛ فلقد خدم والده في الحرب العالمية الثانية في جيش باتون(Patton (٣، ولم يكن توم يناقش قط توقعات والده. وجلاء علامات القيادة، فقد شعر بالقوة والكفاءة بعد إنهائه التدريب الأساسي، بأنه عضو في فريق تم إعداده لمواجهة أي شيء تقريبًا؛ مسؤولًا عن ثمانية جنود آخرين من مشاة البحرية؛ ولا شك أن اجتياز مستنقع من الوحل تحت نيران المدافع الرشاشة يمكن أن يمنج المرء شعورًا برضًا كبير عن نفسه؛ لم يكن توم راغبًا في شيء سوى نبذ فيتنام وراء ظهره؛ وظاهريًا فقد كان هذا ما يفعله بالضبط: إذ التحق بالجامعة علىٰ نفقة (فاتورة المحاربين))(١)، كما تزوج حبيبة المدرسة الثانوية، لكنه رغم كل ذلك كان متوعكًا من الصعوبة الشديدة التي يلاقيها في الشعور بأي مودة حقيقية تجاه زوجته، على الرغم من أن رسائلها هي ما قد أبقته حيًّا في خضم الصراعات المجنونة التي خاضها في أدغال فيتنام. آملًا أنه عن طريق تَصَنُّع ذلك سيتعلم استرداد ذاته القديمة مرة أخرىٰ؛ ثم صار يمتلك مكتب محاماة مزدهر وعائلة مثالية المظهر، ورغم ذلك فقد كان يحس بأن به خطبًا ما : كان يشعر بأنه ميت من الداخل. ورغم أن توم كان أول محارب قديم ألتقي به بصورة مهنية إلا أنني وجدت جوانب كثيرة من قصته مألوفة لي، حيث أنني كنت قد ترعرعت في هولندا ما بعد الحرب، حيث كنت ألعب في المباني المقصوفة، كما كنت ابنا لرجل معارض صريح جدًّا للنازية لدرجة أنه زُجَّ به في أحد معسكرات الاعتقال؛ ورغم أن أبي لم يتحدث قط عن خبراته الحربية، متفجرة كانت تضيبني بالذهول في صغري؛ وينزل السلم في هدوء لئلا يوقظ أفراد الأسرة، كي يصلي ويقرأ الكتاب . أنَّى له أن يكون بمثل هذا المزاج المرعب؟ كيف يمكن لشخص كرس حياته لتحقيق العدالة الاجتماعية أن يكون ممتلئًا بكل هذا الغضب؟ كما. أنني قد شهدت نفس هذا السلوك المحير لدى عمي -الذي اعتقله اليابانيون في جزر الهند الشرقية الهولندية (إندونيسيا الآن) وأُرسل كعامل رقيق إلى بورما، للعمل في بناء ذلك الجسر المشهور فوق نهر كواي(١)-، فهو الآخر نادرًا ما كان يذكر الحرب، وهو -أيضًا - غالبًا ما كانت تنتابه ثورات حنقية جامحة. عندما استمعت إلىٰ توم تساءلت هل كان عمي وأبي يعانيان من كوابيس وارتدادات ذكروية؛ هل كانا -هما أيضًا- يشعران بالانفصال عن أحبابهما وعاجزين عن العثور على أي لذة حقيقية في حياتهما؛ ثم في أعماق ذهني ظهرت لي ذكريات عن أمي المرهَبة -والمرهِبة في كثير من الأحيان أيضًا- التي كانت تُلمِّح أحيانًا إلى صدمات طفولتها والتي أؤمن الآن أنها كانت تعيد تمثيلها مرارًا وتكرارًا؛ كما كانت لديها عادة مقلقة تتمثل في فقدانها الوعي حين كنت أسألها عن حال حياتها في صغرها، ثم لومها لي علىٰ إصابتها باستياء شديد. لما وجد توم اهتمامًا واضحًا من ناحيتي اطمأن واستقر إلى إخباري بمدى الخوف والارتباك الذي يشعر به؛ الذي كان غاضبًا طيلة الوقت ونادرًا ما يتحدث مع أطفاله -باستثناء مقارنته السلبية لهم برفاقه الذين لقوا حتفهم في عيد الكريسماس عام ١٩٤٤م، أثناء معركة الثغرة (٢) . عند اقتراب الجلسة من نهايتها فعلت ما يفعله الأطباء عادة: ركزت علىٰ الجزء الوحيد من قصة توم الذي ارتأيت أنني فهمته: كوابيسه؛ إذ حين كنت طالبًا بكلية الطب عملت في مختبر نوم (٣)، حيث كنت أراقب دورات النوم/ الحلم الخاصة بالناس، كما كنت قد ساعدت في كتابة بعض المقالات عن الكوابيس؛ وكنت قد شاركت أيضًا في بعض الأبحاث المبكرة عن الآثار المفيدة للعقاقير نفسانية التأثير التي كان استخدامها قد بدأ للتو في السبعينيات؛ لذا فبالرغم من أنني لم يكن لدي إدراك دقيق لنطاق مشاكل توم إلا أن الكوابيس كانت شيئًا أستطيع الترابط معه، ولكوني مؤمنًا متحمسًا ل (حياة أفضل من خلال الكيمياء)»(١) وصفت له عقارًا كنا قد وجدناه ناجعًا في تقليل جدوث الكوابيس والتخفيف من شدتها، ثم جدولت لتوم موعدًا لزيارة متابعة بعد أسبوعين . سألته بلهفة عن أثر الأدوية معه، فحاولت إخفاء غيظي بسؤالي له عن السبب، وإذ به يرد قائلًا: (أدركت أنني إن تناولت الحبوب وتلاشت الكوابيس فحينئذ سأكون قد هجرت أصدقائي، أنا بحاجة إلى أن أكون نصبًا تذكاريًّا حيَّا لأصدقائي الذين ماتوا في فيتنام)). فلقد كان ولاء توم للموتى يمنعه من عيش حياته، تمامًا مثلما كان يمنع والدَه من العيش تمسكُه بأصدقائه؛ إن خبرات كلِّ من الأب والابن في ساحات المعارك جعلت بقية حياتيهما منعدمة الصلة بهما؛ وما الذي يمكننا فعله حياله؟ في ذلك الصباح أدركت أنني علىٰ الأرجح سأقضي بقية حياتي المهنية في محاولة حل ألغاز الصدمة النفسية؛ كيف تؤثر الخبرات المروعة في الناس فتتركهم عالقين في الماضي دون أمل؟ ماذا يحدث في عقول الناس وأدمغتهم فيبقيهم مُجَمَّدين ومحاصرين في بقعة يتوقون إلىٰ الهروب منها؟ لماذا لم تنتهِ حرب هذا الرجل في فبراير ١٩٦٩م، حين اجتضنه والداه بمطار لوجان الدولي ببوسطن بعد رحلة عودته الطويلة من مدينة دا نانغ (٢)؟. لقد علمني احتياج توم إلىٰ عيش حياته كنصب تذكاري لرفاقه أنه كان يعاني من حالة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد وجود ذكريات سيئة أو تلف في كيمياء الدماغ، أو دوائر خوف دماغية محرَّفة؛ إذ قبل حدوث كمين حقل الأرز، خلال فترة عملي ب «شئون المحاربين)) تعرفت على العديد من الرجال الذين كانوا يستجيبون استجابة مماثلة: فحين كان يواجه المحاربون القدامى إحباطات طفيفة، غالبًا ما كانوا يتحولون فورًا إلى حالة الحنق الشديد؛ ولقد كانت المناطق العامة في العيادة مليئة بآثار قبضات أيديهم على الحوائط الجافة(١) كما كان أفراد الأمن مشغولين طيلة الوقت بحماية عملاء المطالبة المالية(٢) وموظفي الاستقبال من هؤلاء المحاربين الغاضبين؛ في تلك الأثناء كنت أنا وزوجتي نتكيف مع مشاكل مشابهة لدى طفلينا الصغيرين، اللذين كانت تنتابهما ثورات مزاجية متكررة حين يُطلب منهما تناول طبق السبانخ الخاص بهما أو ارتداء الجوارب الدافئة؛ ما السبب -إذن- في عدم اكترائي بتاتًا بسلوكيات طفلَيّ غير الناضجة لكن قلقي الشديد مما كان يجري مع المحاربين القدامى (طبعًا باستثناء حجمهم الذي يمنحهم إمكانية إلحاق أضرار أكبر بكثير مقارنة بالطفلين)؟ لقد كان السبب هو شعوري بالثقة التامة في أنني إذا قدمت الرعاية المناسبة لطفلي فسيتعلمان تدريجيًّا كيفية التعامل مع الإحباطات وخيبات الأمل، لكنني في الناحية الأخرى كنت متشككًا في أنني سأستطيع مساعدة المحاربين القدامى علىٰ استرداد مهارات ضبط النفس والتنظيم الذاتي التي خسروها في الحروب. فلم يجهزني أي شيء في التدريب النفساني الذي تلقيته للتعامل مع أي من التحديات التي أظهرها توم وزملاؤه من المحاربين القدامى، لذا ذهبت إلى المكتبة الطبية للبحث عن كتب حول عصاب الحرب، أو أي مصطلح أو تشخيص آخر يخطر ببالي يمكن أن يسلط الضوء على مرضاي، لكنني فوجئت بأن مكتبة ((شئون المحاربين)) لم يكن بها كتاب واحد حتى عن أي من هذه الحالات؛ وذلك لأنه بعد خمس سنوات فقط من مغادرة آخر جندي أمريكي لفيتنام، لم تكن قضية صدمات الحروب موجودة بعد في أجندة أحد؛ في ((مكتبة كونتواي) (١) ب ((كلية طب جامعة هارفارد))(٢)، اكتشفت كتاب (العُصَابَات الصَدْمِيَّة للحرب))(٣)، والذي نشره طبيب نفسي يُدعى أبرام كاردينر Abram Kardiner? عام ١٩٤١م؛ وقد وصف فيه ملاحظاته عن المجاربين العائدين من الحرب العالمية الأولى، وكان صدور الكتاب ترقبًا منه لفيضان الجنود الذين سيصابون بصدمة القصف وسيكونون من ضمن خسائر الحرب العالمية الثانية ١ . لقد أبلغ كاردينر عن نفس الظواهر التي كنت أراها: بعد الحرب باغت مرضاه حسُّ اللاجَدوَىٰ وانسحقوا تحت وطأته؛ فأصبحوا منسحبين ومنفصلين، رغم أنهم كانوا قبل الحرب متسمين بسلامة الوظيفية في الحياة؛ إن ما أسماه كاردينر ((العصابات الصدمية)) نسميه اليوم اضطراب الكرب التالي للصدمة؛ وقد أشار إلى أن من يعانون من العصابات الصدمية تنشأ لديهم يقظة وحساسية مزمنتين تجاه التهديد؛ كما استحوذ تلخيصه علىٰ انتباهي: ((نواة العصاب هي عُصاب جُسْمَانِيّ(٢، إن الكرب التالي للصدمة ليس ((مجرد أوهام في ذهن المرء all in one's head)، بل إن كاردينر آنذاك كان قد انتبه إلى أن الأعراض ترجع في أصلها إلى استجابة الجسد بأكمله للصدمة الأصلية. لقد أكد وصف كاردينر ملاحظاتي الشخصية - مما طمأنني- لكنه لم يقدم لي إلا قدرًا قليلًا من الإرشاد حول كيفية مساعدة المحاربين القدامى، كما كان نقص الأدبيات حول هذا الموضوع يشكل عائقًا، إلقِن سيمراد Elvin? Semrad، فكان يقول: (لدينا كتاب مرجعي واقعي وحيد: ألا وهو مرضانا ؛ فينبغي ألا نثق إلا فيما نتعلمه منهم، ولكن رغم أن سيمراد كان يدفعنا إلى الاعتماد علىٰ معرفة الذات(1)، إلا أنه قد حذرنا أيضًا من مدى صعوبة هذه العملية في واقع الأمر، إذ أن البشر خبراء في التمني وتعتيم الحقيقة، كما أتذكره وهو يقول: (إن أكبر مصادر معاناتنا هي تلك الأكاذيب التي نقولها لأنفسنا». وأثناء عملي في شئون المحاربين، سرعان ما اكتشفت مدى الألم الممكن حدوثه حين مواجهة الواقع، ولقد كان هذا ينطبق علىٰ مرضاي وعليّ أيضًا . نحن لا نرغب حقًّا في معرفة ما يمر به الجنود في الحروب؛ ولا نرغب حقًّا في معرفة عدد الأطفال الذين يتعرضون للتحرش الجنسي وإساءة المعاملة في مجتمعنا ؛ أو عدد الأزواج الذين ينخرطون في العنف في مرحلة ما أثناء علاقتهم (ثلثهم تقريبًا كما أظهرت الدراسات)؛ وإنما نرغب في رؤية أن العائلة هي الملاذ الآمن في هذا العالم ذي القلب المتحجر، وأن بلدنا يسكنه أناس مستنيرون ومتحضرون؛ ولهذا نفضِّل الإيمان بأن القسوة والوحشية تحدث فقط في الأماكن البعيدة عنا، والسبب وراء كل ذلك هو أن المراقب الخارجي يلاقي صعوبة في تحمل شهود الألم، فهل من المستغرب -إذن- أن المصابين بصدمات نفسية لا يطيقون تذكر ما أصابهم، وأنهم يلجؤون في كثير من الأحيان إلى معاقرة المخدرات، أو تشويه الذات في سبيل حجب درايتهم التي لا يطيقونها؟ وهكذا أصبح توم وزملاؤه من المحاربين القدامى أساتذتي الأوائل في سعيي إلى فهم كيف تتهشم الحياة. وإلىٰ اكتشاف كيفية تمكينهم من الشعور بالمحيا التام مجددًا . إن أول دراسة أجريتها في «شئون المحاربين) بدأت بطرحي أسئلة علىٰ المحاربين بخصوص ما حدث لهم في فيتنام، إذ كنت راغبًا في معرفة ما الذي دفعهم من حافة الهاوية، ولماذا انهار البعض نتيجة لتلك الخبرة في حين تمكن البعض الآخر من المضي قدمًا في حياتهم ٣؛ فوجدت أن معظم الرجال الذين أجريت معهم المقابلات كانوا قد ذهبوا إلى الحرب شاعرين بالتأهب المطلوب والتقارب من رفاقهم نظرًا لقسوة التدريب الأساسي الذي خضعوا له والخطر المشترك المحدق بهم؛ ولقد كانوا يتبادلون صور عائلاتهم وحبيباتهم؛ كما كانوا مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل أصدقائهم، بل أسرّ معظمهم بأسراره الظلامية إلى رفيقه، وذهب البعض إلىٰ حد مشاركة القمصان والجوارب مع بعضهم بعضًا . ووجدت أن العديد من الرجال كانت لديهم صداقات ممائلة للتي كانت بين توم وأليكس Alex: لقد التقى توم بأليكس -وهو رجل إيطالي من مدينة مالدن، فكانا يركبان سيارتهما العسكرية معًا، كما كانا يقرآن رسائل بعضهما القادمة من البيت، وبعد حوالي ثلاثة أشهر داخل البلد، قاد توم فرقته في دورية راجلة عبر حقل أرز قبيل غروب الشمس بقليل؛ وفجأة انطلق وابل من الرصاص من حدود الدغل المحيط، مصيبًا مَن حوله مِن الرجال واحدًا تلو الآخر؛ جميعَ أفراد فصيلته يُقتلون أو يجرحون في ظرف ثوانٍ. إلا أن هناك صورة بعينها لم يستطع إخراجها أبدًا من ذهنه: قذال(1) أليكس وهو ملقى على وجهه في حقل الأرز، كما بكىٰ توم وهو يتذكر ذلك وقال: ((لقد كان الصديق الحقيقي الوحيد الذي حظيت به منذ ولدت)؛ فبعد ذلك الكمين -أثناء الليل - ظل توم يسمع صرخات رجاله ويرى جثثهم وهي تتساقط في الماء؛ أو صور تذكره بالكمين (كفرقعة الألعاب النارية في الرابع من يوليو)(٢) كانت تشعره بنفس الشلل، والحنق الذي اعتمل بداخله في اليوم الذي أخلته فيه المروحية من حقل الأرز. لكن ذكرياته عما حدث بعد ذلك قد تكون أشد سوءًا بالنسبة لتوم من الارتدادات الذكروية المتكررة للكمين، ولقد استغرق الأمر منه شهورًا من التعامل مع شعوره بالخزي المشِلّ قبل أن يتمكن من إخباري بذلك؛ كما أن من السهل عليَّ تخيل كيف أدى حنق توم حيال مقتل صديقه إلى الفاجعة التي تلت ذلك؛ فمنذ أقدم العصور وقد استجاب المحاربون القدامى لموت رفاقهم بأفعال انتقامية يعجز الكلام عن وصفها (مثلما فعل (أخيل) في حرب طروادة كما حكت لنا إلياذة هوميروس(٣))؛ فما حدث هو أن توم دخل في حالة اهتياج شديد في اليوم التالي للكمين وتوجه إلى قرية مجاورة؛ وأطلق النار علىٰ مزارع بريء، بعد ذلك أصبح من المستحيل حقًّا بالنسبة له أن يعود للوطن مجددًا عودة لها أي معنى، فكيف تستطيع مواجهة حبيبتك وإخبارها أنك اغتصبت امرأة مثلها تمامًا اغتصابًا وحشيًا، أو كيف تستطيع مشاهدة ابنك يخطو أولى خطواته إذا ذُكّرت بالطفل الذي قتلته؟ لقد اختبر (٤) توم موت أليكس كما لو أن جانبًا من ذاته قد تم تدميره بلا رجعة؛ وهكذا تؤدي الصدمة دائمًا -وسواء كانت نتيجة شيء فُعِل بك أو شيء فعلته أنت- إلى صعوبة الانخراط في العلاقات الحميمة؛ إذ بعد اختبارك شيئًا يعجز الكلام تمامًا عن وصفه، أنّىٰ لك الوثوق بنفسك أو بأي شخص آخر مرة أخرى؟ أو بالعكس، كيف تستطيع تسليم نفسك لعلاقة حميمة بعد أن تعرضت للانتهاك الوحشي؟ واصل توم الحضور بإخلاص في مواعيده، حيث أصبحتُ بمثابة شريان حياة بالنسبة له؛ والأب الذي لم يحظ به قبَّلا، وأود القول أن الأمر يتطلب ثقة وشجاعة هائلتين للسماح لنفسك بالتذكر؛ فمن أصعب الأمور التي يواجهها المصدومون هو شعورهم بالخزي من الأسلوب الذي تصرفوا به أثناء النوبة الصدمية، سواء كان لذلك ما يفسره من الناحية المنطقية (كما في ارتكاب الأعمال الوحشية) أم لا (كما في حالة الطفلة التي تحاول استرضاء المستغِل لها)؛ ولقد كانت سارة هالي Sarah Haley من أوائل الذين كتبوا عن هذه الظاهرة -والتي كانت تعمل بمكتب مجاورٍ لمكتبي في ((شئون المحاربين)- حيث ناقشت ذلك في مقال بعنوان (عندما يُبلغ المريض عن أفعال وحشية(٤٢(١، وذكرت الصعوبة التي لا تطاق التي يجدها المرء في التحدث عن (والاستماع إلى) الأفعال الفظيعة التي غالبًا ما يرتكبها الجنود في سياق خبراتهم الحربية؛ إن درايتك بالمعاناة التي تسبب بها الآخرون أمر صعب بما فيه الكفاية، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك، إذ أن العديد من المصدومين يطاردهم الخزي في أعماقهم بسبب ما فعلوه هم أنفسهم في هذه الظروف أو لم يفعلوه؛ حيث يحتقرون أنفسهم بسبب ما شعروا به من رعب، ولقد أصبح ذلك المقال باعثًا رئيسيًا لصياغة ما عرف في نهاية المطاف بتشخيص اضطراب الكرب التالي للصدمة. ثم واجهت في السنوات اللاحقة ظاهرة مماثلة لدى ضحايا إساءة معاملة الطفل: يعاني معظمهم من خزي أليم بسبب ما قاموا به للنجاة والحفاظ علىٰ اتصال بالشخص الذي أساء إليهم، كما كان هذا منطبقًا تمامًا إذا كان المسيء شخصًا قريبًا من الطفل -شخصًا يعوِّل الطفل عليه- كما هو الحال في معظم الأحيان؛ بل قد تكون النتيجة هي التشوش/ الارتباك حيال ما إذا كان المرء ضحية أم مشاركًا راغبًا، مما يؤدي بدوره إلى الحيرة بشأن الفرق بين الحب والرعب؛ وسنعرج علىٰ هذه المعضلة في شتى أنحاء هذا الكتاب. ربما كان أسوأ أعراض توم هو شعوره بالخَدَر العاطفي؛ فلقد كان يرغب بشدة في أن يحب عائلته، لكنه لم يكن يستطيع استثارة أية مشاعر عميقة تجاههم، حيث كان يشعر ببُعد عاطفي عن الجميع، أنه متجمد القلب ويعيش الحياة من وراء لوح زجاجي؛ بل امتد هذا الخدر إلىٰ نفسه أيضًا؛ إذ لم يكن يستطيع الشعور بأي شيء سوى خزيه ونوباته الحنقية اللحظية، ولقد وصف كيف أنه لم يكن يستطيع تمييز (التعرف على) نفسه حين نظره في المرآة أثناء الحلاقة إلا بشق الأنفس، بل حين كان يسمع صوته الخاص وهو يجادل في قضية ما بالمحكمة، كان يتصور نفسه من بعيد ويتساءل كيف استطاع هذا الرجل وحين يربح القضية (يتظاهر» بالرضا والسرور، وحين يخسر إحداها يبدو وكأنه كان يتوقع حدوث ذلك، بل يستسلم للهزيمة حتىٰ قبل حدوثها؛ وبالرغم من حقيقة كونه محاميًا بارعًا إلا أنه كان يشعر طيلة الوقت بأنه هائم في الفضاء، مفتقرًا إلى أي حس بالغاية أو الوجهة. كان الشيء الوحيد الذي يخفف أحيانًا من شعور اللّاهَدَف هذا هو الانخراط الشديد في قضية معينة: لقد تعين على توم خلال فترة العلاج أن يدافع عن رجل عصابة متهم بالقتل العمد، فكان طيلة مدة تلك المحاكمة منغمسًا تمام الانغماس في ابتكار استراتيجية ما للفوز بالقضية، بل كانت هناك مرات عديدة ظل فيها مستيقظًا طوال الليل ليغمر نفسه في شيء يثير الحماس الشديد بداخله، وعلىٰ حد قوله: ((كان الأمر أشبه بقتال))؛ أن كل جزء منه علىٰ قيد الحياة، ولم يكن مكترثًا لأي شيء آخر؛ لكن في اللحظة التي فاز فيها توم بتلك القضية، ولكن بشدة بالغة هذه المرة لدرجة أنه اضطر إلى الانتقال إلى فندق ليحرص على أنه لن يؤذي زوجته أو طفليه؛ لكن كونه وحيدًا -فوق كل ذلك-كان مرعبًا، ذلك أن شياطين الحرب عادت بكامل قوتها، فاعلًا أي شيء لتجنب مواجهة شياطينه . ظل توم يقلب صفحات مجلة ((سولجر أف فورشن))، متخيلًا نفسه جنديًّا مرتزقًا في إحدى الحروب الإقليمية العديدة التي كانت مستعرة آنذاك بإفريقيا ؛ وفي وثبةٍ أخرج دراجته النارية وانطلق متخذًا (طريق كانكاماجوس السريع)) (١) ومن العجيب أن ما اختبره في تلك الرحلة من اهتزازات، وخطر قد ساعده على السيطرة على عواطفه، لدرجة أنه تمكن من الرحيل من غرفة الفندق والرجوع إلى عائلته. هناك دراسة أخرىٰ أجريتها في ((شئون المحاربين)) بدأت كورقة بحثية حول الكوابيس لكنها انتهت باستكشاف كيف تغير الصدمة إدراكات الناس وخيالهم، وقد كان بِيل Bill أول شخص يلتحق بدراستي تلك: كان بيل مُسعِفًا حربيًّا سابقًا قد شهد أحداثًا شديدة في فيتنام قبل عقد من الزمان، وبعد تسريحه التحق بمعهد لاهوتي، ثم كُلِّف بأول أسقفية له في إحدى الكنائس التجمعية بإحدى ضواحي بوسطن، كما ظلّ علىٰ ما يرام إلى أن أنجب هو وزوجته طفلهما الأول؛ وبعد فترة وجيزة من ولادة الطفل عادت زوجته -الممرِّضة- إلى عملها في حين قرر هو البقاء في البيت للاعتناء بوليدهما وتجهيز خطبته الأسبوعية وغير ذلك من واجبات الأسقفية، فوجد توم نفسه مغمورًا فجأة بصور لا تطاق لأطفال يحتضرون في فيتنام. اضطر بيل إلى الاتصال بزوجته لتتولى رعاية الطفل ثم هرع إلىٰ شئون المحاربين في حالة من الهلع، ووصف لنا أنه ظل يسمع أصوات بكاء الأطفال ويرى صور وجوه أطفال محترقة وملطخة بالدماء؛ فظن زملائي الأطباء أنه مصاب بالذهان بالتأكيد، لأن الكتب المرجعية في ذلك الوقت كانت تقول إن الهلاوس السمعية والبصرية من أعراض الفصام الارتيابي، كما أن هذه الكتب ذاتها التي نصت علىٰ هذا التشخيص قدمت أيضًا سببًا له: ذهان بيل ناتج علىٰ الأرجح عن شعوره بانصراف مودة زوجته عنه إلى طفلهما الجديد. عندما وصلتُ إلىٰ عيادة الاستقبال في ذلك اليوم رأيت بيل محاطًا بأطباء قلقين يجهِّزون إجراءات حقنه بعقار قوي مضاد للذهان ثم إرساله إلىٰ جناح مغلق؛ ونظرًا لعملي في وظيفة سابقة بجناح متخصص في علاج مرضىٰ الفصام فقد أثار هذا اهتمامي؛ كان هناك أمر بشأن التشخيص لا يبدو صائبًا، صاغ لساني بمحض الصدفة شيئًا قاله سيغموند فرويد عن الصدمة عام ١٨٩م: ((أظن أن هذا الرجل يعاني aa" ثم أخبرت بيل بأنني سأحاول مساعدته ثم -بعد أن عرضت عليه بعض الأدوية للسيطرة علىٰ هلعه- سألته ما إذا كان راغبًا في العودة بعد بضعة أيام للمشاركة في دراسة الكوابيس الخاصة بي ٥، أعطينا المشاركين ((اختبار رورشاخ)»(٦ (١ كجزء من تلك الدراسة، وخلافًا للاختبارات التي تتطلب إجابات عن أسئلة مباشرة، فيكاد يكون من المستحيل تزييف استجابات اختبار رورشاخ؛ حيث يوفر لنا رورشاخ طريقة فريدة لملاحظة كيف يشيد الناس صورة ذهنية مما هو في الأساس منبه عديم المعنى: وهو بقعة الحبر؛ ونظرًا لأن البشر كائنات خالقة للمعنىٰ فإننا نميل إلى ابتكار صورة أو قصة ما من بقع الحبر تلك -تمامًا كما نفعل حينما نستلقي في روضة في يوم صيفي جميل فنرى صورًا في السحب الجارية في السماء- وإن ما يصنعه الناس من هذه البقع يمكن أن يخبرنا بالكثير عن كيفية عمل أذهانهم. حين رأى بيل البطاقة الثانية من اختبار رورشاخ، صاح مرعوبًا: ((هذا هو ذلك الطفل الذي رأيت قذيفة تفجره في فيتنام: ففي المنتصف ترى الجسد المتفحّم، كما كان يلهث والعرق ينسال من جبينه، ولاحظنا أنه كان في حالة هلع مماثلة لتلك التي جلبته في بادئ الأمر إلىٰ عيادة المحاربين، ورغم أنني كنت قد استمعت سابقًا إلى المحاربين القدامىٰ وهم يصفون ارتداداتهم الذكروية، ففي تلك اللحظة بالذات داخل مكتبي، كان من الواضح أن بيل يرى نفس الصور، ويشعر بنفس الأحاسيس الجسدية التي شعر بها أثناء الحدث الأصلي، وذلك بعد مرور عشر سنوات على حمله اليائس لرضيع تر بين ذراعيه؛ لقد كان بيل يعاود عيش الصدمة استجابة لبقعة حبر . إن شهودي المباشر لارتدادة بيل الذكروية داخل مكتبي قد ساعدني علىٰ إدراك الوجع الذي كانت تتكرر زيارته للمحاربين القدامى الذين كنت أحاول علاجهم، كما ساعدني على الانتباه مجددًا إلى شدة أهمية إيجاد حل؛ إذ أن الحدث الصدمي نفسه -مهما كانت فظاعته- له بداية، لكنني آنذاك رأيت أن الارتدادات الذكروية يمكن أن تكون أسوأ ؛ إذ لا يستطيع المرء بتاتًا أن يعرف متى ستعتدي عليه مجددًا وليس لديه أي وسيلة لمعرفة متىٰ ستتوقف هذه الارتدادات؛ ولقد استغرق الأمر مني سنوات عديدة لأتعلم كيفية العلاج الناجع للارتدادات الذكروية، وقد تبين أثناء هذا المسعى أن بيل هو أحد أهم ناصحيّ، عندما أجرينا اختبار رورشاخ لواحد وعشرين محاربًا آخرين، كانت الاستجابة متماثلة: كان رد فعل ستة عشر منهم -عند رؤية البطاقة الثانية- كأنهم ختبرون صدمة حربية؛ ومن الجدير بالذكر أن البطاقة الثانية هي البطاقة الأولىٰ التي تحتوي علىٰ لون وغالبًا ما تثير لدى المبحوثين ما يسمى بصعقة اللون استجابةً لذلك؛ كما تأوَّل المحاربون هذه البطاقة بأوصاف مثل: (هذه أحشاء صديقي ((جيم)) بعد أن مزقته قذيفة مدفعية) و(هذه رقبة صديقي (داني) بعد أن انفجرت رأسه بقذيفة أثناء تناولنا الغداء)، أو رجالًا يركبون دراجات نارية، أو أيًّا من الصور العادية الأخرى -بل غريبة الأطوار أحيانًا- التي يراها معظم الناس. في حين أن غالبية المحاربين أصيبوا بتوعك بالغ مما رأوه، إلا أن ردود فعل الخمسة الباقين كانت أشد إقلاقًا : لقد انمحىٰ كل فكر من أذهانهم؛ وكانت ملاحظة أحدهم: ((هذه مجرد لطخات حبر، لكن استجابة الإنسان الطبيعية للمنبهات الغامضة هي استخدام الخيال لإضفاء معنى ما عليها . وهكذا علمتنا اختبارات رورشاخ أن المصدومين يميلون إلىٰ طباعة صدماتهم علىٰ كل ما حولهم ويلاقون صعوبة في فك تشفير أيًّا مما يجري حولهم؛ كما تعلمنا أن الصدمة تؤثر علىٰ الخيال؛ إذ أن الخمسة الذين لم يروا شيئًا في البقع قد فقدوا القدرة علىٰ السماح لعقولهم باللعب؛ إذ أثناء مشاهدتهم أحداثًا من الماضي في تلك البقع لم يُظهروا المرونة الذهنية التي هي السمة المميزة للخيال؛ وإنما واصلوا إعادة تشغيل الشريط القديم فحسب. إن الخيال أمر بالغ الأهمية لجودة حياتنا ؛ إذ يتيح لنا مغادرة معيشتنا اليومية الروتينية بواسطة استيهام السفر، كما يمنحنا الفرصة لتصور احتمالات جديدة، ويُعتبر نقطة انطلاق أساسية لتحقيق آمالنا، وبهذا يحفز إبداعنا، ويثري علاقاتنا الأشد حميمية؛ لكن حين يُسحب الناس إلى الماضي سحبًا قهريًّا ومستمرًّا إلى آخر مرة شعروا فيها بالانخراط الشديد والعواطف العميقة، فإنهم يعانون من فشل الخيال، أي فقدان المرونة الذهنية. وبدون الخيال فلا وجود للأمل، ولا فرصة لتصور مستقبل أفضل، كما علمتنا اختبارات رورشاخ أن المصدومين ينظرون إلى العالم بطريقة مختلفة جوهريًّا عن الآخرين؛ فبالنسبة لمعظمنا، الرجل المتجول في الطريق هوَ مجرد شخص يمشي، لكن ضحية الاغتصاب قد تراه شخصًا علىٰ وشك التحرش بها فينتابها الهلع؛ وقد يكون تواجد المدرس المتعنت في غرفة الصف أمرًا مخيفًا لطفلة عادية، لكن الطفلة التي يبرحها زوج أمها ضربًا قد تنظر إليه بصفته جلّادًا فتندفع إلى نوبة حنقية أو تنكمش مرعوبة في زاوية الصف. كانت عيادتنا مُغرَقة بالمحاربين القدامى الذين يبحثون عن مساعدة نفسانية، فبسبب النقص الحاد في الأطباء المؤهلين، كان كل ما يمكننا فعله هو وضع معظمهم علىٰ قائمة الانتظار، لكننا بدأنا نشهد زيادة حادة في اعتقال المحاربين القدامى لارتكابهم جرائم عنيفة ومشاجرات في حالة سكر، بالإضافة إلى عدد مقلق من حالات الانتحار، وحينئذ حصلت علىٰ إذن لتأسيس مجموعة علاجية للمحاربين الشباب العائدين من فيتنام لتكون بمثابة خزان مؤقت إلى أن يبدأ العلاج النفسي (الحقيقي). وفي الجلسة الافتتاحية للمجموعة المتألفة من جنود مارينز سابقين، تكلم أول رجل مُعلنًا في فتور: ((لا أريد التحدث عن الحرب))، فأجبته بأن الأعضاء يمكنهم مناقشة أي شيء يرغبون فيه؛ وبعد نصف ساعة من الصمت الموجع، بدأ أحد المحاربين أخيرًا في التحدث عن تحطم مروحيته؛ رأيت الحياة تدب في الباقين على الفور، حيث وجدتهم يتحدثون بانفعال شديد عن خبراتهم الصدمية، ثم عادوا جميعهم لجلسة الأسبوع التالي وكذلك الذي تلاه؛ فلقد وجدوا داخل المجموعة صدى ومعنى لما كان سابقًا مجرد حس بالرعب والخواء، كما شعروا بتجدد حس الرفقة الذي كان ذا أهمية بالغة في خبرتهم الحربية، بل امتد الأمر بإصرارهم على أن أكون جزءًا من فرقتهم الجديدة وإهدائهم لي زي قائد المارينز في عيد ميلادي؛ فلقد كشفت تلك البادرة عن جانب من المشكلة: إما أنك بالداخل وإما بالخارج؛ إما أنك منتمٍ إلى الفرقة وإما أنك نكرة؛ لقد أصبح العالم بعد الصدمة منقسمًا انقسامًا حادًا إلى أولئك الذين يعلمون وأولئك الذين لا يعلمون، ولا يمكن الوثوق في الذين لم يشاركوا في الخبرة الصدمية، فغالبًا ما يشمل هذا الأزواج، ثم توليت لاحقًا قيادة مجموعة علاجية أخرى، وكانت هذه المرة للمحاربين القدامى الذين شاركوا في جيش الجنرال باتون، وكانوا جميعًا آنذاك في السبعينيات من عمرهم -أي في عمر والدي-، وكنا نلتقي في الساعة الثامنة صباح يوم الاثنين؛ ورغم أن العواصف الثلجية الشتوية في بوسطن كانت أحيانًا تشل حركة نظام النقل العام، إلا أنني كنت أندهش من حضورهم جميعًا حتىٰ أثناء تلك العواصف، بل كان بعضهم يمشي عدة أميال عبر الثلج حتى يصل إلىٰ عيادة المحاربين؛ ثم أهدوني في عيد الكريسماس ساعة يد خاصة بجنود الجيش الأمريكي تعود إلى أربعينيات القرن العشرين؛ وكما كان الحال مع مجموعة المارينز، فلا يمكن لي أن أكون طبيبهم إلا إذا جعلوني واحدًا منهم. ثم أصبحت حدود العلاج الجماعي واضحة حينما تغير موضوعه عن هذه الخبرات، إذ حينما حثثت الرجال على التحدث عن القضايا التي كانوا يواجهونها في حياتهم اليومية - علاقتهم بزوجاتهم، بالإضافة إلىٰ تعاملهم مع أرباب عملهم والرضا عن عملهم؛ أخذوا يسردون مجددًا كيف غمسوا خنجرًا في قلب جندي ألماني في غابة هورتجن أو كيف أُسقطت مروحيتهم في غابات فيتنام. وسواء كانت الصدمة قد انقضت منذ عشر سنوات أو أكثر من أربعين سنة، فلم يكن بمقدورهم سد الفجوة التي بين خبراتهم الحربية وبين حياتهم الحالية؛ وبطريقة ما أصبح الحدث نفسه الذي تسبب لهم في ألم شديد هو المصدر الوحيد للمعنى، فلم يكونوا يشعرون بالمحيا التام إلا حين يعيدون زيارة ماضيهم الصدمي، في باكورة أيامنا بشئون المحاربين، وسمْنا المحاربين بجميع أنواع التشخيصات -إدمان الكحول، بل حتى الفصام- وجربنا كل علاج في كتبنا المرجعية، ولكن اتضح رغم كل جهودنا أن إنجازنا في واقع الأمر ضئيل جدًا ؛ إذ كانت العقاقير القوية التي نصفها تترك الرجال في حالة تشوش شديد لدرجة أنهم لم يكونوا قادرين على تأدية وظائفهم الحياتية إلا بشق الأنفس؛ وأننا عندما كنا نستحثهم علىٰ التحدث عن التفاصيل الدقيقة للحدث الصدمي، فغالبًا ما كنا نستثير عن غير قصد ارتدادة ذكروية في أَوْجِ الشدة، بدلًا من مساعدتهم علىٰ حل المشكلة؛ وبهذا كانت النتيجة هي انسحاب كثير منهم من العلاج، وذلك لأننا لم نفشل فحسب في تقديم العون، بل لأننا تسببنا أحيانًا في ازدياد الأمور سوءًا . ثم حدثت نقطة تحول في عام ١٩٨٠م حين نجحت مجموعة من قدامىٰ الحرب الفيتنامية - بمساعدة من المحللَين النفسيين من مدينة نيويورك حاييم شاتان الأمريكية للطب النفسي» (٢) لإنشاء تشخيص جديد: وهو ((اضطراب الكرب التالي للصدمة))، الذي وصف مجموعة الأعراض التي كانت شائعة -بدرجات متفاوتة-بين جميع المحاربين لدينا؛ فبتحديد الأعراض تحديدًا منهجيًّا وتجميعها معًا لتمثل اضطرابًا، تم إعطاء اسم أخيرًا لما يعاني منه هؤلاء المنسحقون تحت وطأة الرعب والعجز؛ إذ بوجود الإطار المفاهيمي لاضطراب الكرب التالي للصدمة، تم تمهيد الطريق لتغيير جذري في فهمنا لمرضانا، وقد أدى هذا في نهاية المطاف إلى انفجار في الأبحاث ومحاولات لإيجاد أساليب علاجية ناجعة. لذا قدمت اقتراحًا إلى شئون المحاربين بإجراء دراسة حول بيولوجيا الذكريات الصدمية: هل نختلف ذكريات من يعانون من اطراب الكرب التالي للصدمة عن ذكريات الآخرين؟ إذ في حالة معظم الناس تتلاشى ذكرى الحدث المزعج في نهاية المطاف أو يتم تحويلها إلى شيء أكثر اعتدالًا، لكننا وجدنا أن معظم مرضانا لم يتمكنوا من تحويل ماضيهم إلىٰ قصة حدثت منذ زمن بعيد٧. وجاء السطر الافتتاحي لبيان رفض المنحة كالآتي: ((لم يُثبَت قط أن اضطراب الكرب التالي للصدمة ذو صلة بمهمة (وزارة شئون المحاربين القدامى) )) -ومن الجدير بالذكر أن مهمة (وزارة شئون المحاربين القدامى) صارت بعد ذلك متمحورة حول تشخيص اضطراب الكرب التالي للصدمة وإصابات الدماغ، كما تم تكريس موارد ضخمة لتطبيق (الأساليب العلاجية القائمة علىٰ الدليل»(١) على المحاربين القدامى المصدومين. لكن في ذلك الوقت كانت الأمور مختلفة-؛ ولنفوري من مواصلة العمل في منظمة رؤيتها للواقع مخالفة تمامًا لرؤيتي، توليت منصبًا في (مركز ماساتشوستس للصحة النفسية)(٢) - وهو مستشفى هارفارد التعليمي حيث تلقيت تدريب الطب النفسي-، وكانت مسؤوليتي الجديدة تدريس مجال حديث النشأة: الفارماكولوجيا النفسية(٣)، وهو علم يهتم بإعطاء الأدوية للتخفيف من الأمراض النفسية. وظيفتي الجديدة -بشكل شبه يومي - مشكلات ظننت أنني كنت قد تركتها وراء ظهري في شئون المحاربين، لكن خبرتي مع المجاربين قد ساعدتني على التنبه الشديد لتأثير الصدمة بحيث أصبحت أستمع آنذاك بإدراك مختلف تمامًا حين يخبرني المرضى المصابون بالاكتئاب والقلق قصصًا عن التحرش الجنسي والعنف الأسري؛ ولقد صُعقْتُ من عدد المريضات اللاتي تحدثن عن تعرضهن للانتهاك الجنسي في طفولتهن، إذ كان الكتاب المرجعي القياسي للطب النفسي آنذاك يصرح بأن إتيان المحارم (١) أمر نادر للغاية في الولايات المتحدة، ونظرًا لوجود حوالي مائة مليون امرأة تعيش في الولايات المتحدة آنذاك، أي حوالي نصف النسبة المذكورة، طريقهن إلى عيادتي ببدروم المستشفىٰ. وأدهى من ذلك أن هذا الكتاب المرجعي قد قال: ((يوجد اعتراض كبير علىٰ أن إتيان المحارم بين الأب والابنة يلعب دورًا في سَيكوباثولوجيا (اختلاف نفسي) خطيرة لاحقة))، لكن مريضاتي اللائي كن لديهن تاريخ من إتيان المحارم لم يكن خاليات من «سَيكوباثولوجيا لاحقة))؛ إذ كن يعانين من الاكتئاب والارتباك الشديدين، وغالبًا ما كن ينخرطن في سلوكيات غريبة مؤذية للذات، كجرح أنفسهن بشفرات الحلاقة؛ بل ذهب الكتاب المرجعي أبعد من ذلك ليؤيد عمليًّا إتيان المحارم، موضحًا أن (مثل هذا النشاط الزِّنائي يقلل من احتمال إصابة الحالة بالذهان كما يسمح بتكيف أفضل مع العالم الخارجي)٩ ؛ فلقد كان لإتيان المحارم آثار مدمرة علىٰ عافية النساء. لم يكن هؤلاء المريضات -من نواحٍ عديدة- مختلفات جدًّا عن المحاربين القدامى الذين كنت قد تركتهم خلفي للتو في شئون المحاربين؛ إذ كن يعانين أيضًا من كوابيس وارتدادات ذكروية، كما كن يتبدلن بين نوبات حنقية انفجارية عَرَضية وفترات طويلة من الانطفاء الانفعالي؛ كما كان معظمهن يواجهن صعوبة كبيرة في الانسجام مع الآخرين كما كن يلاقين صعوبة في الحفاظ علىٰ العلاقات القَيِّمة. وعلى حد علمنا الآن فليست الحرب هي الكارثة الوحيدة التي تترك حياة البشر في خالة من الخراب؛ ففي حين أن ربع الجنود الذين يقضون خدمتهم في ميادين الحرب من المتوقع أن يُصابوا بمشاكل خطيرة تالية للصدمة ١٠ فإن معظم الأمريكان يتعرضون لجريمة عنيفة في وقت ما خلال حياتهم، فلقد كشفت التقارير الدقيقة أن هناك اثني عشر مليون امرأة في الولايات المتحدة كنَّ ضحايا للاغتصاب، وأن أكثر من نصف حالات الاغتصاب تحدث للفتيات دون سن الخامسة عشر ١١؛ وأن كثيرًا من الناس تبدأ حربهم داخل البيت: إذ يتم الإبلاغ سنويًّا في الولايات المتحدة عن حوالي ثلاثة ملايين طفل ضحية لانتهاك الطفل وإهماله، وأن مليون حالة من هذه الحالات خطيرة وذات مصداقية بما يكفي لإجبار خدمات حماية الطفل المحلية أو المحاكم على اتخاذ الإجراءات ١٢؛ وبعبارة أخرى : مقابل كل جندي يخدم في ميدان حرب خارج البلاد هناك عشرة أطفال معرضون للخطر داخل بيوتهم، إذ من الصعب جدًّا علىٰ الأطفال الذين في طور النمو أن يتعافوا حين يكون مصدر الرعب والألم ليس المقاتلين الأعداء وإنما القائمين علىٰ رعايتهم. لقد تعلمنا الكثير جدًّا خلال العقود الثلاثة التي تلت التقائي بتوم، ليس فقط عن تأثير الصدمة وأعراضها بل أيضًا عن طرق مساعدة المصدومين علىٰ العثور علىٰ طريق العودة؛ فمنذ أوائل التسعينيات بدأت أدوات التصوير الدماغي في إظهار ما يحدث حقًّا داخل أدمغة المصدومين، ولقد ثبت أن هذا ضروري لفهم الضرر الذي تسببه الصدمات ووجهنا إلى صياغة طرائق جديدة تمامًا للإصلاح. كما بدأنا نفهم كيفية تأثير الخبرات الساحقة على أعمق أحاسيسنا وعلىٰ علاقتنا بواقعنا الجسدي؛ وتعلمنا أن الصدمة ليست مجرد حدث وقع في وقت ما بالماضي؛ فهي أيضًا البصمة التي تركتها تلك الخبرة علىٰ العقل، وأن لهذه البصمة عواقب مستمرة علىٰ سعي الإنسان للنجاة في الحاضر. لقد وجدنا أن الصدمة تتسبب في إعادة تنظيم جذرية للكيفية التي يدير بها الذهنُ والدماغُ الإدراكات الحسية؛ فهي لا تغير فقط طريقة تفكيرنا وما نفكر فيه، بل أيضًا مقدرتنا علىٰ التفكير، كما اكتشفنا أن مساعدة ضحايا الصدمات في العثور علىٰ كلمات لوصف ما حدث لهم هو أمر ذو أهمية عميقة، فالقيام برواية القصة لا يغير بالضرورة الاستجابات الجسدية والهرمونية التلقائية داخل الأجساد التي تظل مفرطة اليقظة ومتأهبة لوقوع الاعتداء أو الانتهاك في أي وقت؛ ولكي يحدث التغيير الحقيقي يحتاج الجسد إلىٰ إدراك أن الخطر قد انتهى وأن يعيش في واقع الحاضر؛ وهكذا قادنا بحثنا الرامي إلىٰ فهم الصدمة إلىٰ تغيير منظورنا، ليس فقط لبنية الذهن، بل أيضًا للعمليات التي يتعافى من خلالها.


Original text

بعد عطلة الرابع من يوليو ١) عام ١٩٧٨م، هو أول يوم لي بوظيفة طبيب نفسي ب ((عيادة بوسطن لشئون المحاربين القدامى)) (٢)، وبينما كنت أعلق علىٰ جدار مكتبي الجديد صورةً مستنسخة من لوحتي المفضلة، إذ سمعت ضجة في منطقة الاستقبال بنهاية الرواق، وبعدها بلحظات اقتحم باب مكتبي رجلٌ ضخم أشعث يرتدي بدلة رسمية ملونة، ويحمل تحت إبطه نسخة من مجلة (سولجر أُف فورشن)(٤)، كما كان هائجًا وثملًا لدرجة أنني ظللت أتساءل أنَّى لي مساعدة هذا العملاق؛ فطلبت منه أن يجلس ويخبرني كيف يمكنني أن أخدمه. وأخبرني أنه كان قبل عشر سنوات أحد جنود مشاة البحرية (المارينز) وأنه أدى خدمته في فيتنام؛ ثم قال إنه جاء إليّ لأنه كان قد أمضى عطلة نهاية الأسبوع السابقة مختبئًا في مكتب المحاماة الخاص به بمدينة بوسطن، يشرب الكحول ويشاهد الصور القديمة، بدلًا من قضاء هذه العطلة مع أسرته؛ والتنزه في فناء أخته الخلفي مع مشاهدة الخضرة الكثيفة في بداية الصيف، كل ذلك كان يذكره بفيتنام، وأنه حين يتوعك يخشى التواجد برفقة أسرته لأنه حينئذ يتصرف بوحشية مع زوجته وولديه؛ كما أن ضجيج طفليه كان يصيبه باهتياج شديد لدرجة أنه يندفع خارجًا من المنزل منعًا لنفسه من إيذائهما، ولم يكن يساعده علىٰ الهدوء إلا مواصلة شرب الكحول للغرق في غياهب النسيان أو قيادة دراجته النارية بسرعات عالية خطيرة. فقد كان نومه كثير التقطع بسبب كوابيس حول كمين حقل الأرز في فيتنام الذي لم يترك أحدًا من أفراد فصيلته العسكرية(١) إلا وقتله أو أصابه بجروح بالغة؛ كما كان يعاني من ارتدادات ذكْرَوِيَّة (٢) مرعبة يرى فيها أطفالًا فيتناميين قتلى؛ بل كانت الكوابيس مروعة لدرجة أنه كان يخشى النوم، لذا كان يظل مستيقظًا معظم الليل في كثير من الأحيان، وفي الصباح كانت زوجته تجده فاقدًا الوعي علىٰ أريكة غرفة المعيشة، وكان يتحتم عليها هي والولدين التزام الهدوء التام والحذر الشديد حوله أثناء إعدادها الإفطار لهما قبل اصطحابهما إلى المدرسة. قال توم إنه تخرج في المدرسة الثانوية عام حاصلًا علىٰ لقب الطالب المثالي؛ واتساقًا مع التقليد العائلي للخدمة العسكرية، التحق بسلاح المارينز بعد التخرج مباشرة؛ فلقد خدم والده في الحرب العالمية الثانية في جيش باتون(Patton (٣، ولم يكن توم يناقش قط توقعات والده. وجلاء علامات القيادة، فقد شعر بالقوة والكفاءة بعد إنهائه التدريب الأساسي، بأنه عضو في فريق تم إعداده لمواجهة أي شيء تقريبًا؛ مسؤولًا عن ثمانية جنود آخرين من مشاة البحرية؛ ولا شك أن اجتياز مستنقع من الوحل تحت نيران المدافع الرشاشة يمكن أن يمنج المرء شعورًا برضًا كبير عن نفسه؛ لم يكن توم راغبًا في شيء سوى نبذ فيتنام وراء ظهره؛ وظاهريًا فقد كان هذا ما يفعله بالضبط: إذ التحق بالجامعة علىٰ نفقة (فاتورة المحاربين))(١)، كما تزوج حبيبة المدرسة الثانوية، لكنه رغم كل ذلك كان متوعكًا من الصعوبة الشديدة التي يلاقيها في الشعور بأي مودة حقيقية تجاه زوجته، على الرغم من أن رسائلها هي ما قد أبقته حيًّا في خضم الصراعات المجنونة التي خاضها في أدغال فيتنام. آملًا أنه عن طريق تَصَنُّع ذلك سيتعلم استرداد ذاته القديمة مرة أخرىٰ؛ ثم صار يمتلك مكتب محاماة مزدهر وعائلة مثالية المظهر، ورغم ذلك فقد كان يحس بأن به خطبًا ما : كان يشعر بأنه ميت من الداخل. ورغم أن توم كان أول محارب قديم ألتقي به بصورة مهنية إلا أنني وجدت جوانب كثيرة من قصته مألوفة لي، حيث أنني كنت قد ترعرعت في هولندا ما بعد الحرب، حيث كنت ألعب في المباني المقصوفة، كما كنت ابنا لرجل معارض صريح جدًّا للنازية لدرجة أنه زُجَّ به في أحد معسكرات الاعتقال؛ ورغم أن أبي لم يتحدث قط عن خبراته الحربية، متفجرة كانت تضيبني بالذهول في صغري؛ وينزل السلم في هدوء لئلا يوقظ أفراد الأسرة، كي يصلي ويقرأ الكتاب . أنَّى له أن يكون بمثل هذا المزاج المرعب؟ كيف يمكن لشخص كرس حياته لتحقيق العدالة الاجتماعية أن يكون ممتلئًا بكل هذا الغضب؟ كما. أنني قد شهدت نفس هذا السلوك المحير لدى عمي -الذي اعتقله اليابانيون في جزر الهند الشرقية الهولندية (إندونيسيا الآن) وأُرسل كعامل رقيق إلى بورما، للعمل في بناء ذلك الجسر المشهور فوق نهر كواي(١)-، فهو الآخر نادرًا ما كان يذكر الحرب، وهو -أيضًا - غالبًا ما كانت تنتابه ثورات حنقية جامحة. عندما استمعت إلىٰ توم تساءلت هل كان عمي وأبي يعانيان من كوابيس وارتدادات ذكروية؛ هل كانا -هما أيضًا- يشعران بالانفصال عن أحبابهما وعاجزين عن العثور على أي لذة حقيقية في حياتهما؛ ثم في أعماق ذهني ظهرت لي ذكريات عن أمي المرهَبة -والمرهِبة في كثير من الأحيان أيضًا- التي كانت تُلمِّح أحيانًا إلى صدمات طفولتها والتي أؤمن الآن أنها كانت تعيد تمثيلها مرارًا وتكرارًا؛ كما كانت لديها عادة مقلقة تتمثل في فقدانها الوعي حين كنت أسألها عن حال حياتها في صغرها، ثم لومها لي علىٰ إصابتها باستياء شديد. لما وجد توم اهتمامًا واضحًا من ناحيتي اطمأن واستقر إلى إخباري بمدى الخوف والارتباك الذي يشعر به؛ الذي كان غاضبًا طيلة الوقت ونادرًا ما يتحدث مع أطفاله -باستثناء مقارنته السلبية لهم برفاقه الذين لقوا حتفهم في عيد الكريسماس عام ١٩٤٤م، أثناء معركة الثغرة (٢) . عند اقتراب الجلسة من نهايتها فعلت ما يفعله الأطباء عادة: ركزت علىٰ الجزء الوحيد من قصة توم الذي ارتأيت أنني فهمته: كوابيسه؛ إذ حين كنت طالبًا بكلية الطب عملت في مختبر نوم (٣)، حيث كنت أراقب دورات النوم/ الحلم الخاصة بالناس، كما كنت قد ساعدت في كتابة بعض المقالات عن الكوابيس؛ وكنت قد شاركت أيضًا في بعض الأبحاث المبكرة عن الآثار المفيدة للعقاقير نفسانية التأثير التي كان استخدامها قد بدأ للتو في السبعينيات؛ لذا فبالرغم من أنني لم يكن لدي إدراك دقيق لنطاق مشاكل توم إلا أن الكوابيس كانت شيئًا أستطيع الترابط معه، ولكوني مؤمنًا متحمسًا ل (حياة أفضل من خلال الكيمياء)»(١) وصفت له عقارًا كنا قد وجدناه ناجعًا في تقليل جدوث الكوابيس والتخفيف من شدتها، ثم جدولت لتوم موعدًا لزيارة متابعة بعد أسبوعين . سألته بلهفة عن أثر الأدوية معه، فحاولت إخفاء غيظي بسؤالي له عن السبب، وإذ به يرد قائلًا: (أدركت أنني إن تناولت الحبوب وتلاشت الكوابيس فحينئذ سأكون قد هجرت أصدقائي، أنا بحاجة إلى أن أكون نصبًا تذكاريًّا حيَّا لأصدقائي الذين ماتوا في فيتنام)). فلقد كان ولاء توم للموتى يمنعه من عيش حياته، تمامًا مثلما كان يمنع والدَه من العيش تمسكُه بأصدقائه؛ إن خبرات كلِّ من الأب والابن في ساحات المعارك جعلت بقية حياتيهما منعدمة الصلة بهما؛ وما الذي يمكننا فعله حياله؟ في ذلك الصباح أدركت أنني علىٰ الأرجح سأقضي بقية حياتي المهنية في محاولة حل ألغاز الصدمة النفسية؛ كيف تؤثر الخبرات المروعة في الناس فتتركهم عالقين في الماضي دون أمل؟ ماذا يحدث في عقول الناس وأدمغتهم فيبقيهم مُجَمَّدين ومحاصرين في بقعة يتوقون إلىٰ الهروب منها؟ لماذا لم تنتهِ حرب هذا الرجل في فبراير ١٩٦٩م، حين اجتضنه والداه بمطار لوجان الدولي ببوسطن بعد رحلة عودته الطويلة من مدينة دا نانغ (٢)؟. لقد علمني احتياج توم إلىٰ عيش حياته كنصب تذكاري لرفاقه أنه كان يعاني من حالة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد وجود ذكريات سيئة أو تلف في كيمياء الدماغ، أو دوائر خوف دماغية محرَّفة؛ إذ قبل حدوث كمين حقل الأرز، خلال فترة عملي ب «شئون المحاربين)) تعرفت على العديد من الرجال الذين كانوا يستجيبون استجابة مماثلة: فحين كان يواجه المحاربون القدامى إحباطات طفيفة، غالبًا ما كانوا يتحولون فورًا إلى حالة الحنق الشديد؛ ولقد كانت المناطق العامة في العيادة مليئة بآثار قبضات أيديهم على الحوائط الجافة(١) كما كان أفراد الأمن مشغولين طيلة الوقت بحماية عملاء المطالبة المالية(٢) وموظفي الاستقبال من هؤلاء المحاربين الغاضبين؛ في تلك الأثناء كنت أنا وزوجتي نتكيف مع مشاكل مشابهة لدى طفلينا الصغيرين، اللذين كانت تنتابهما ثورات مزاجية متكررة حين يُطلب منهما تناول طبق السبانخ الخاص بهما أو ارتداء الجوارب الدافئة؛ ما السبب -إذن- في عدم اكترائي بتاتًا بسلوكيات طفلَيّ غير الناضجة لكن قلقي الشديد مما كان يجري مع المحاربين القدامى (طبعًا باستثناء حجمهم الذي يمنحهم إمكانية إلحاق أضرار أكبر بكثير مقارنة بالطفلين)؟ لقد كان السبب هو شعوري بالثقة التامة في أنني إذا قدمت الرعاية المناسبة لطفلي فسيتعلمان تدريجيًّا كيفية التعامل مع الإحباطات وخيبات الأمل، لكنني في الناحية الأخرى كنت متشككًا في أنني سأستطيع مساعدة المحاربين القدامى علىٰ استرداد مهارات ضبط النفس والتنظيم الذاتي التي خسروها في الحروب. فلم يجهزني أي شيء في التدريب النفساني الذي تلقيته للتعامل مع أي من التحديات التي أظهرها توم وزملاؤه من المحاربين القدامى، لذا ذهبت إلى المكتبة الطبية للبحث عن كتب حول عصاب الحرب، أو أي مصطلح أو تشخيص آخر يخطر ببالي يمكن أن يسلط الضوء على مرضاي، لكنني فوجئت بأن مكتبة ((شئون المحاربين)) لم يكن بها كتاب واحد حتى عن أي من هذه الحالات؛ وذلك لأنه بعد خمس سنوات فقط من مغادرة آخر جندي أمريكي لفيتنام، لم تكن قضية صدمات الحروب موجودة بعد في أجندة أحد؛ في ((مكتبة كونتواي) (١) ب ((كلية طب جامعة هارفارد))(٢)، اكتشفت كتاب (العُصَابَات الصَدْمِيَّة للحرب))(٣)، والذي نشره طبيب نفسي يُدعى أبرام كاردينر Abram Kardiner? عام ١٩٤١م؛ وقد وصف فيه ملاحظاته عن المجاربين العائدين من الحرب العالمية الأولى، وكان صدور الكتاب ترقبًا منه لفيضان الجنود الذين سيصابون بصدمة القصف وسيكونون من ضمن خسائر الحرب العالمية الثانية ١ . لقد أبلغ كاردينر عن نفس الظواهر التي كنت أراها: بعد الحرب باغت مرضاه حسُّ اللاجَدوَىٰ وانسحقوا تحت وطأته؛ فأصبحوا منسحبين ومنفصلين، رغم أنهم كانوا قبل الحرب متسمين بسلامة الوظيفية في الحياة؛ إن ما أسماه كاردينر ((العصابات الصدمية)) نسميه اليوم اضطراب الكرب التالي للصدمة؛ وقد أشار إلى أن من يعانون من العصابات الصدمية تنشأ لديهم يقظة وحساسية مزمنتين تجاه التهديد؛ كما استحوذ تلخيصه علىٰ انتباهي: ((نواة العصاب هي عُصاب جُسْمَانِيّ(٢، إن الكرب التالي للصدمة ليس ((مجرد أوهام في ذهن المرء all in one's head)، بل إن كاردينر آنذاك كان قد انتبه إلى أن الأعراض ترجع في أصلها إلى استجابة الجسد بأكمله للصدمة الأصلية. لقد أكد وصف كاردينر ملاحظاتي الشخصية - مما طمأنني- لكنه لم يقدم لي إلا قدرًا قليلًا من الإرشاد حول كيفية مساعدة المحاربين القدامى، كما كان نقص الأدبيات حول هذا الموضوع يشكل عائقًا، إلقِن سيمراد Elvin? Semrad، فكان يقول: (لدينا كتاب مرجعي واقعي وحيد: ألا وهو مرضانا ؛ فينبغي ألا نثق إلا فيما نتعلمه منهم، ولكن رغم أن سيمراد كان يدفعنا إلى الاعتماد علىٰ معرفة الذات(1)، إلا أنه قد حذرنا أيضًا من مدى صعوبة هذه العملية في واقع الأمر، إذ أن البشر خبراء في التمني وتعتيم الحقيقة، كما أتذكره وهو يقول: (إن أكبر مصادر معاناتنا هي تلك الأكاذيب التي نقولها لأنفسنا». وأثناء عملي في شئون المحاربين، سرعان ما اكتشفت مدى الألم الممكن حدوثه حين مواجهة الواقع، ولقد كان هذا ينطبق علىٰ مرضاي وعليّ أيضًا . نحن لا نرغب حقًّا في معرفة ما يمر به الجنود في الحروب؛ ولا نرغب حقًّا في معرفة عدد الأطفال الذين يتعرضون للتحرش الجنسي وإساءة المعاملة في مجتمعنا ؛ أو عدد الأزواج الذين ينخرطون في العنف في مرحلة ما أثناء علاقتهم (ثلثهم تقريبًا كما أظهرت الدراسات)؛ وإنما نرغب في رؤية أن العائلة هي الملاذ الآمن في هذا العالم ذي القلب المتحجر، وأن بلدنا يسكنه أناس مستنيرون ومتحضرون؛ ولهذا نفضِّل الإيمان بأن القسوة والوحشية تحدث فقط في الأماكن البعيدة عنا، والسبب وراء كل ذلك هو أن المراقب الخارجي يلاقي صعوبة في تحمل شهود الألم، فهل من المستغرب -إذن- أن المصابين بصدمات نفسية لا يطيقون تذكر ما أصابهم، وأنهم يلجؤون في كثير من الأحيان إلى معاقرة المخدرات، أو تشويه الذات في سبيل حجب درايتهم التي لا يطيقونها؟ وهكذا أصبح توم وزملاؤه من المحاربين القدامى أساتذتي الأوائل في سعيي إلى فهم كيف تتهشم الحياة. وإلىٰ اكتشاف كيفية تمكينهم من الشعور بالمحيا التام مجددًا . إن أول دراسة أجريتها في «شئون المحاربين) بدأت بطرحي أسئلة علىٰ المحاربين بخصوص ما حدث لهم في فيتنام، إذ كنت راغبًا في معرفة ما الذي دفعهم من حافة الهاوية، ولماذا انهار البعض نتيجة لتلك الخبرة في حين تمكن البعض الآخر من المضي قدمًا في حياتهم ٣؛ فوجدت أن معظم الرجال الذين أجريت معهم المقابلات كانوا قد ذهبوا إلى الحرب شاعرين بالتأهب المطلوب والتقارب من رفاقهم نظرًا لقسوة التدريب الأساسي الذي خضعوا له والخطر المشترك المحدق بهم؛ ولقد كانوا يتبادلون صور عائلاتهم وحبيباتهم؛ كما كانوا مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل أصدقائهم، بل أسرّ معظمهم بأسراره الظلامية إلى رفيقه، وذهب البعض إلىٰ حد مشاركة القمصان والجوارب مع بعضهم بعضًا . ووجدت أن العديد من الرجال كانت لديهم صداقات ممائلة للتي كانت بين توم وأليكس Alex: لقد التقى توم بأليكس -وهو رجل إيطالي من مدينة مالدن، فكانا يركبان سيارتهما العسكرية معًا، كما كانا يقرآن رسائل بعضهما القادمة من البيت، وبعد حوالي ثلاثة أشهر داخل البلد، قاد توم فرقته في دورية راجلة عبر حقل أرز قبيل غروب الشمس بقليل؛ وفجأة انطلق وابل من الرصاص من حدود الدغل المحيط، مصيبًا مَن حوله مِن الرجال واحدًا تلو الآخر؛ جميعَ أفراد فصيلته يُقتلون أو يجرحون في ظرف ثوانٍ. إلا أن هناك صورة بعينها لم يستطع إخراجها أبدًا من ذهنه: قذال(1) أليكس وهو ملقى على وجهه في حقل الأرز، كما بكىٰ توم وهو يتذكر ذلك وقال: ((لقد كان الصديق الحقيقي الوحيد الذي حظيت به منذ ولدت)؛ فبعد ذلك الكمين -أثناء الليل - ظل توم يسمع صرخات رجاله ويرى جثثهم وهي تتساقط في الماء؛ أو صور تذكره بالكمين (كفرقعة الألعاب النارية في الرابع من يوليو)(٢) كانت تشعره بنفس الشلل، والحنق الذي اعتمل بداخله في اليوم الذي أخلته فيه المروحية من حقل الأرز. لكن ذكرياته عما حدث بعد ذلك قد تكون أشد سوءًا بالنسبة لتوم من الارتدادات الذكروية المتكررة للكمين، ولقد استغرق الأمر منه شهورًا من التعامل مع شعوره بالخزي المشِلّ قبل أن يتمكن من إخباري بذلك؛ كما أن من السهل عليَّ تخيل كيف أدى حنق توم حيال مقتل صديقه إلى الفاجعة التي تلت ذلك؛ فمنذ أقدم العصور وقد استجاب المحاربون القدامى لموت رفاقهم بأفعال انتقامية يعجز الكلام عن وصفها (مثلما فعل (أخيل) في حرب طروادة كما حكت لنا إلياذة هوميروس(٣))؛ فما حدث هو أن توم دخل في حالة اهتياج شديد في اليوم التالي للكمين وتوجه إلى قرية مجاورة؛ وأطلق النار علىٰ مزارع بريء، بعد ذلك أصبح من المستحيل حقًّا بالنسبة له أن يعود للوطن مجددًا عودة لها أي معنى، فكيف تستطيع مواجهة حبيبتك وإخبارها أنك اغتصبت امرأة مثلها تمامًا اغتصابًا وحشيًا، أو كيف تستطيع مشاهدة ابنك يخطو أولى خطواته إذا ذُكّرت بالطفل الذي قتلته؟ لقد اختبر (٤) توم موت أليكس كما لو أن جانبًا من ذاته قد تم تدميره بلا رجعة؛ وهكذا تؤدي الصدمة دائمًا -وسواء كانت نتيجة شيء فُعِل بك أو شيء فعلته أنت- إلى صعوبة الانخراط في العلاقات الحميمة؛ إذ بعد اختبارك شيئًا يعجز الكلام تمامًا عن وصفه، أنّىٰ لك الوثوق بنفسك أو بأي شخص آخر مرة أخرى؟ أو بالعكس، كيف تستطيع تسليم نفسك لعلاقة حميمة بعد أن تعرضت للانتهاك الوحشي؟ واصل توم الحضور بإخلاص في مواعيده، حيث أصبحتُ بمثابة شريان حياة بالنسبة له؛ والأب الذي لم يحظ به قبَّلا، وأود القول أن الأمر يتطلب ثقة وشجاعة هائلتين للسماح لنفسك بالتذكر؛ فمن أصعب الأمور التي يواجهها المصدومون هو شعورهم بالخزي من الأسلوب الذي تصرفوا به أثناء النوبة الصدمية، سواء كان لذلك ما يفسره من الناحية المنطقية (كما في ارتكاب الأعمال الوحشية) أم لا (كما في حالة الطفلة التي تحاول استرضاء المستغِل لها)؛ ولقد كانت سارة هالي Sarah Haley من أوائل الذين كتبوا عن هذه الظاهرة -والتي كانت تعمل بمكتب مجاورٍ لمكتبي في ((شئون المحاربين)- حيث ناقشت ذلك في مقال بعنوان (عندما يُبلغ المريض عن أفعال وحشية(٤٢(١، وذكرت الصعوبة التي لا تطاق التي يجدها المرء في التحدث عن (والاستماع إلى) الأفعال الفظيعة التي غالبًا ما يرتكبها الجنود في سياق خبراتهم الحربية؛ إن درايتك بالمعاناة التي تسبب بها الآخرون أمر صعب بما فيه الكفاية، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك، إذ أن العديد من المصدومين يطاردهم الخزي في أعماقهم بسبب ما فعلوه هم أنفسهم في هذه الظروف أو لم يفعلوه؛ حيث يحتقرون أنفسهم بسبب ما شعروا به من رعب، ولقد أصبح ذلك المقال باعثًا رئيسيًا لصياغة ما عرف في نهاية المطاف بتشخيص اضطراب الكرب التالي للصدمة. ثم واجهت في السنوات اللاحقة ظاهرة مماثلة لدى ضحايا إساءة معاملة الطفل: يعاني معظمهم من خزي أليم بسبب ما قاموا به للنجاة والحفاظ علىٰ اتصال بالشخص الذي أساء إليهم، كما كان هذا منطبقًا تمامًا إذا كان المسيء شخصًا قريبًا من الطفل -شخصًا يعوِّل الطفل عليه- كما هو الحال في معظم الأحيان؛ بل قد تكون النتيجة هي التشوش/ الارتباك حيال ما إذا كان المرء ضحية أم مشاركًا راغبًا، مما يؤدي بدوره إلى الحيرة بشأن الفرق بين الحب والرعب؛ وسنعرج علىٰ هذه المعضلة في شتى أنحاء هذا الكتاب. ربما كان أسوأ أعراض توم هو شعوره بالخَدَر العاطفي؛ فلقد كان يرغب بشدة في أن يحب عائلته، لكنه لم يكن يستطيع استثارة أية مشاعر عميقة تجاههم، حيث كان يشعر ببُعد عاطفي عن الجميع، أنه متجمد القلب ويعيش الحياة من وراء لوح زجاجي؛ بل امتد هذا الخدر إلىٰ نفسه أيضًا؛ إذ لم يكن يستطيع الشعور بأي شيء سوى خزيه ونوباته الحنقية اللحظية، ولقد وصف كيف أنه لم يكن يستطيع تمييز (التعرف على) نفسه حين نظره في المرآة أثناء الحلاقة إلا بشق الأنفس، بل حين كان يسمع صوته الخاص وهو يجادل في قضية ما بالمحكمة، كان يتصور نفسه من بعيد ويتساءل كيف استطاع هذا الرجل وحين يربح القضية (يتظاهر» بالرضا والسرور، وحين يخسر إحداها يبدو وكأنه كان يتوقع حدوث ذلك، بل يستسلم للهزيمة حتىٰ قبل حدوثها؛ وبالرغم من حقيقة كونه محاميًا بارعًا إلا أنه كان يشعر طيلة الوقت بأنه هائم في الفضاء، مفتقرًا إلى أي حس بالغاية أو الوجهة. كان الشيء الوحيد الذي يخفف أحيانًا من شعور اللّاهَدَف هذا هو الانخراط الشديد في قضية معينة: لقد تعين على توم خلال فترة العلاج أن يدافع عن رجل عصابة متهم بالقتل العمد، فكان طيلة مدة تلك المحاكمة منغمسًا تمام الانغماس في ابتكار استراتيجية ما للفوز بالقضية، بل كانت هناك مرات عديدة ظل فيها مستيقظًا طوال الليل ليغمر نفسه في شيء يثير الحماس الشديد بداخله، وعلىٰ حد قوله: ((كان الأمر أشبه بقتال))؛ أن كل جزء منه علىٰ قيد الحياة، ولم يكن مكترثًا لأي شيء آخر؛ لكن في اللحظة التي فاز فيها توم بتلك القضية، ولكن بشدة بالغة هذه المرة لدرجة أنه اضطر إلى الانتقال إلى فندق ليحرص على أنه لن يؤذي زوجته أو طفليه؛ لكن كونه وحيدًا -فوق كل ذلك-كان مرعبًا، ذلك أن شياطين الحرب عادت بكامل قوتها، فاعلًا أي شيء لتجنب مواجهة شياطينه . ظل توم يقلب صفحات مجلة ((سولجر أف فورشن))، متخيلًا نفسه جنديًّا مرتزقًا في إحدى الحروب الإقليمية العديدة التي كانت مستعرة آنذاك بإفريقيا ؛ وفي وثبةٍ أخرج دراجته النارية وانطلق متخذًا (طريق كانكاماجوس السريع)) (١) ومن العجيب أن ما اختبره في تلك الرحلة من اهتزازات، وخطر قد ساعده على السيطرة على عواطفه، لدرجة أنه تمكن من الرحيل من غرفة الفندق والرجوع إلى عائلته. هناك دراسة أخرىٰ أجريتها في ((شئون المحاربين)) بدأت كورقة بحثية حول الكوابيس لكنها انتهت باستكشاف كيف تغير الصدمة إدراكات الناس وخيالهم، وقد كان بِيل Bill أول شخص يلتحق بدراستي تلك: كان بيل مُسعِفًا حربيًّا سابقًا قد شهد أحداثًا شديدة في فيتنام قبل عقد من الزمان، وبعد تسريحه التحق بمعهد لاهوتي، ثم كُلِّف بأول أسقفية له في إحدى الكنائس التجمعية بإحدى ضواحي بوسطن، كما ظلّ علىٰ ما يرام إلى أن أنجب هو وزوجته طفلهما الأول؛ وبعد فترة وجيزة من ولادة الطفل عادت زوجته -الممرِّضة- إلى عملها في حين قرر هو البقاء في البيت للاعتناء بوليدهما وتجهيز خطبته الأسبوعية وغير ذلك من واجبات الأسقفية، فوجد توم نفسه مغمورًا فجأة بصور لا تطاق لأطفال يحتضرون في فيتنام. اضطر بيل إلى الاتصال بزوجته لتتولى رعاية الطفل ثم هرع إلىٰ شئون المحاربين في حالة من الهلع، ووصف لنا أنه ظل يسمع أصوات بكاء الأطفال ويرى صور وجوه أطفال محترقة وملطخة بالدماء؛ فظن زملائي الأطباء أنه مصاب بالذهان بالتأكيد، لأن الكتب المرجعية في ذلك الوقت كانت تقول إن الهلاوس السمعية والبصرية من أعراض الفصام الارتيابي، كما أن هذه الكتب ذاتها التي نصت علىٰ هذا التشخيص قدمت أيضًا سببًا له: ذهان بيل ناتج علىٰ الأرجح عن شعوره بانصراف مودة زوجته عنه إلى طفلهما الجديد. عندما وصلتُ إلىٰ عيادة الاستقبال في ذلك اليوم رأيت بيل محاطًا بأطباء قلقين يجهِّزون إجراءات حقنه بعقار قوي مضاد للذهان ثم إرساله إلىٰ جناح مغلق؛ ونظرًا لعملي في وظيفة سابقة بجناح متخصص في علاج مرضىٰ الفصام فقد أثار هذا اهتمامي؛ كان هناك أمر بشأن التشخيص لا يبدو صائبًا، صاغ لساني بمحض الصدفة شيئًا قاله سيغموند فرويد عن الصدمة عام ١٨٩م: ((أظن أن هذا الرجل يعاني aa" ثم أخبرت بيل بأنني سأحاول مساعدته ثم -بعد أن عرضت عليه بعض الأدوية للسيطرة علىٰ هلعه- سألته ما إذا كان راغبًا في العودة بعد بضعة أيام للمشاركة في دراسة الكوابيس الخاصة بي ٥، أعطينا المشاركين ((اختبار رورشاخ)»(٦ (١ كجزء من تلك الدراسة، وخلافًا للاختبارات التي تتطلب إجابات عن أسئلة مباشرة، فيكاد يكون من المستحيل تزييف استجابات اختبار رورشاخ؛ حيث يوفر لنا رورشاخ طريقة فريدة لملاحظة كيف يشيد الناس صورة ذهنية مما هو في الأساس منبه عديم المعنى: وهو بقعة الحبر؛ ونظرًا لأن البشر كائنات خالقة للمعنىٰ فإننا نميل إلى ابتكار صورة أو قصة ما من بقع الحبر تلك -تمامًا كما نفعل حينما نستلقي في روضة في يوم صيفي جميل فنرى صورًا في السحب الجارية في السماء- وإن ما يصنعه الناس من هذه البقع يمكن أن يخبرنا بالكثير عن كيفية عمل أذهانهم. حين رأى بيل البطاقة الثانية من اختبار رورشاخ، صاح مرعوبًا: ((هذا هو ذلك الطفل الذي رأيت قذيفة تفجره في فيتنام: ففي المنتصف ترى الجسد المتفحّم، كما كان يلهث والعرق ينسال من جبينه، ولاحظنا أنه كان في حالة هلع مماثلة لتلك التي جلبته في بادئ الأمر إلىٰ عيادة المحاربين، ورغم أنني كنت قد استمعت سابقًا إلى المحاربين القدامىٰ وهم يصفون ارتداداتهم الذكروية، ففي تلك اللحظة بالذات داخل مكتبي، كان من الواضح أن بيل يرى نفس الصور، ويشعر بنفس الأحاسيس الجسدية التي شعر بها أثناء الحدث الأصلي، وذلك بعد مرور عشر سنوات على حمله اليائس لرضيع تر بين ذراعيه؛ لقد كان بيل يعاود عيش الصدمة استجابة لبقعة حبر . إن شهودي المباشر لارتدادة بيل الذكروية داخل مكتبي قد ساعدني علىٰ إدراك الوجع الذي كانت تتكرر زيارته للمحاربين القدامى الذين كنت أحاول علاجهم، كما ساعدني على الانتباه مجددًا إلى شدة أهمية إيجاد حل؛ إذ أن الحدث الصدمي نفسه -مهما كانت فظاعته- له بداية، لكنني آنذاك رأيت أن الارتدادات الذكروية يمكن أن تكون أسوأ ؛ إذ لا يستطيع المرء بتاتًا أن يعرف متى ستعتدي عليه مجددًا وليس لديه أي وسيلة لمعرفة متىٰ ستتوقف هذه الارتدادات؛ ولقد استغرق الأمر مني سنوات عديدة لأتعلم كيفية العلاج الناجع للارتدادات الذكروية، وقد تبين أثناء هذا المسعى أن بيل هو أحد أهم ناصحيّ، عندما أجرينا اختبار رورشاخ لواحد وعشرين محاربًا آخرين، كانت الاستجابة متماثلة: كان رد فعل ستة عشر منهم -عند رؤية البطاقة الثانية- كأنهم ختبرون صدمة حربية؛ ومن الجدير بالذكر أن البطاقة الثانية هي البطاقة الأولىٰ التي تحتوي علىٰ لون وغالبًا ما تثير لدى المبحوثين ما يسمى بصعقة اللون استجابةً لذلك؛ كما تأوَّل المحاربون هذه البطاقة بأوصاف مثل: (هذه أحشاء صديقي ((جيم)) بعد أن مزقته قذيفة مدفعية) و(هذه رقبة صديقي (داني) بعد أن انفجرت رأسه بقذيفة أثناء تناولنا الغداء)، أو رجالًا يركبون دراجات نارية، أو أيًّا من الصور العادية الأخرى -بل غريبة الأطوار أحيانًا- التي يراها معظم الناس. في حين أن غالبية المحاربين أصيبوا بتوعك بالغ مما رأوه، إلا أن ردود فعل الخمسة الباقين كانت أشد إقلاقًا : لقد انمحىٰ كل فكر من أذهانهم؛ وكانت ملاحظة أحدهم: ((هذه مجرد لطخات حبر، لكن استجابة الإنسان الطبيعية للمنبهات الغامضة هي استخدام الخيال لإضفاء معنى ما عليها . وهكذا علمتنا اختبارات رورشاخ أن المصدومين يميلون إلىٰ طباعة صدماتهم علىٰ كل ما حولهم ويلاقون صعوبة في فك تشفير أيًّا مما يجري حولهم؛ كما تعلمنا أن الصدمة تؤثر علىٰ الخيال؛ إذ أن الخمسة الذين لم يروا شيئًا في البقع قد فقدوا القدرة علىٰ السماح لعقولهم باللعب؛ إذ أثناء مشاهدتهم أحداثًا من الماضي في تلك البقع لم يُظهروا المرونة الذهنية التي هي السمة المميزة للخيال؛ وإنما واصلوا إعادة تشغيل الشريط القديم فحسب. إن الخيال أمر بالغ الأهمية لجودة حياتنا ؛ إذ يتيح لنا مغادرة معيشتنا اليومية الروتينية بواسطة استيهام السفر، كما يمنحنا الفرصة لتصور احتمالات جديدة، ويُعتبر نقطة انطلاق أساسية لتحقيق آمالنا، وبهذا يحفز إبداعنا، ويثري علاقاتنا الأشد حميمية؛ لكن حين يُسحب الناس إلى الماضي سحبًا قهريًّا ومستمرًّا إلى آخر مرة شعروا فيها بالانخراط الشديد والعواطف العميقة، فإنهم يعانون من فشل الخيال، أي فقدان المرونة الذهنية. وبدون الخيال فلا وجود للأمل، ولا فرصة لتصور مستقبل أفضل، كما علمتنا اختبارات رورشاخ أن المصدومين ينظرون إلى العالم بطريقة مختلفة جوهريًّا عن الآخرين؛ فبالنسبة لمعظمنا، الرجل المتجول في الطريق هوَ مجرد شخص يمشي، لكن ضحية الاغتصاب قد تراه شخصًا علىٰ وشك التحرش بها فينتابها الهلع؛ وقد يكون تواجد المدرس المتعنت في غرفة الصف أمرًا مخيفًا لطفلة عادية، لكن الطفلة التي يبرحها زوج أمها ضربًا قد تنظر إليه بصفته جلّادًا فتندفع إلى نوبة حنقية أو تنكمش مرعوبة في زاوية الصف. كانت عيادتنا مُغرَقة بالمحاربين القدامى الذين يبحثون عن مساعدة نفسانية، فبسبب النقص الحاد في الأطباء المؤهلين، كان كل ما يمكننا فعله هو وضع معظمهم علىٰ قائمة الانتظار، لكننا بدأنا نشهد زيادة حادة في اعتقال المحاربين القدامى لارتكابهم جرائم عنيفة ومشاجرات في حالة سكر، بالإضافة إلى عدد مقلق من حالات الانتحار، وحينئذ حصلت علىٰ إذن لتأسيس مجموعة علاجية للمحاربين الشباب العائدين من فيتنام لتكون بمثابة خزان مؤقت إلى أن يبدأ العلاج النفسي (الحقيقي). وفي الجلسة الافتتاحية للمجموعة المتألفة من جنود مارينز سابقين، تكلم أول رجل مُعلنًا في فتور: ((لا أريد التحدث عن الحرب))، فأجبته بأن الأعضاء يمكنهم مناقشة أي شيء يرغبون فيه؛ وبعد نصف ساعة من الصمت الموجع، بدأ أحد المحاربين أخيرًا في التحدث عن تحطم مروحيته؛ رأيت الحياة تدب في الباقين على الفور، حيث وجدتهم يتحدثون بانفعال شديد عن خبراتهم الصدمية، ثم عادوا جميعهم لجلسة الأسبوع التالي وكذلك الذي تلاه؛ فلقد وجدوا داخل المجموعة صدى ومعنى لما كان سابقًا مجرد حس بالرعب والخواء، كما شعروا بتجدد حس الرفقة الذي كان ذا أهمية بالغة في خبرتهم الحربية، بل امتد الأمر بإصرارهم على أن أكون جزءًا من فرقتهم الجديدة وإهدائهم لي زي قائد المارينز في عيد ميلادي؛ فلقد كشفت تلك البادرة عن جانب من المشكلة: إما أنك بالداخل وإما بالخارج؛ إما أنك منتمٍ إلى الفرقة وإما أنك نكرة؛ لقد أصبح العالم بعد الصدمة منقسمًا انقسامًا حادًا إلى أولئك الذين يعلمون وأولئك الذين لا يعلمون، ولا يمكن الوثوق في الذين لم يشاركوا في الخبرة الصدمية، فغالبًا ما يشمل هذا الأزواج، ثم توليت لاحقًا قيادة مجموعة علاجية أخرى، وكانت هذه المرة للمحاربين القدامى الذين شاركوا في جيش الجنرال باتون، وكانوا جميعًا آنذاك في السبعينيات من عمرهم -أي في عمر والدي-، وكنا نلتقي في الساعة الثامنة صباح يوم الاثنين؛ ورغم أن العواصف الثلجية الشتوية في بوسطن كانت أحيانًا تشل حركة نظام النقل العام، إلا أنني كنت أندهش من حضورهم جميعًا حتىٰ أثناء تلك العواصف، بل كان بعضهم يمشي عدة أميال عبر الثلج حتى يصل إلىٰ عيادة المحاربين؛ ثم أهدوني في عيد الكريسماس ساعة يد خاصة بجنود الجيش الأمريكي تعود إلى أربعينيات القرن العشرين؛ وكما كان الحال مع مجموعة المارينز، فلا يمكن لي أن أكون طبيبهم إلا إذا جعلوني واحدًا منهم. ثم أصبحت حدود العلاج الجماعي واضحة حينما تغير موضوعه عن هذه الخبرات، إذ حينما حثثت الرجال على التحدث عن القضايا التي كانوا يواجهونها في حياتهم اليومية - علاقتهم بزوجاتهم، بالإضافة إلىٰ تعاملهم مع أرباب عملهم والرضا عن عملهم؛ أخذوا يسردون مجددًا كيف غمسوا خنجرًا في قلب جندي ألماني في غابة هورتجن أو كيف أُسقطت مروحيتهم في غابات فيتنام. وسواء كانت الصدمة قد انقضت منذ عشر سنوات أو أكثر من أربعين سنة، فلم يكن بمقدورهم سد الفجوة التي بين خبراتهم الحربية وبين حياتهم الحالية؛ وبطريقة ما أصبح الحدث نفسه الذي تسبب لهم في ألم شديد هو المصدر الوحيد للمعنى، فلم يكونوا يشعرون بالمحيا التام إلا حين يعيدون زيارة ماضيهم الصدمي، في باكورة أيامنا بشئون المحاربين، وسمْنا المحاربين بجميع أنواع التشخيصات -إدمان الكحول، بل حتى الفصام- وجربنا كل علاج في كتبنا المرجعية، ولكن اتضح رغم كل جهودنا أن إنجازنا في واقع الأمر ضئيل جدًا ؛ إذ كانت العقاقير القوية التي نصفها تترك الرجال في حالة تشوش شديد لدرجة أنهم لم يكونوا قادرين على تأدية وظائفهم الحياتية إلا بشق الأنفس؛ وأننا عندما كنا نستحثهم علىٰ التحدث عن التفاصيل الدقيقة للحدث الصدمي، فغالبًا ما كنا نستثير عن غير قصد ارتدادة ذكروية في أَوْجِ الشدة، بدلًا من مساعدتهم علىٰ حل المشكلة؛ وبهذا كانت النتيجة هي انسحاب كثير منهم من العلاج، وذلك لأننا لم نفشل فحسب في تقديم العون، بل لأننا تسببنا أحيانًا في ازدياد الأمور سوءًا . ثم حدثت نقطة تحول في عام ١٩٨٠م حين نجحت مجموعة من قدامىٰ الحرب الفيتنامية - بمساعدة من المحللَين النفسيين من مدينة نيويورك حاييم شاتان الأمريكية للطب النفسي» (٢) لإنشاء تشخيص جديد: وهو ((اضطراب الكرب التالي للصدمة))، الذي وصف مجموعة الأعراض التي كانت شائعة -بدرجات متفاوتة-بين جميع المحاربين لدينا؛ فبتحديد الأعراض تحديدًا منهجيًّا وتجميعها معًا لتمثل اضطرابًا، تم إعطاء اسم أخيرًا لما يعاني منه هؤلاء المنسحقون تحت وطأة الرعب والعجز؛ إذ بوجود الإطار المفاهيمي لاضطراب الكرب التالي للصدمة، تم تمهيد الطريق لتغيير جذري في فهمنا لمرضانا، وقد أدى هذا في نهاية المطاف إلى انفجار في الأبحاث ومحاولات لإيجاد أساليب علاجية ناجعة. لذا قدمت اقتراحًا إلى شئون المحاربين بإجراء دراسة حول بيولوجيا الذكريات الصدمية: هل نختلف ذكريات من يعانون من اطراب الكرب التالي للصدمة عن ذكريات الآخرين؟ إذ في حالة معظم الناس تتلاشى ذكرى الحدث المزعج في نهاية المطاف أو يتم تحويلها إلى شيء أكثر اعتدالًا، لكننا وجدنا أن معظم مرضانا لم يتمكنوا من تحويل ماضيهم إلىٰ قصة حدثت منذ زمن بعيد٧. وجاء السطر الافتتاحي لبيان رفض المنحة كالآتي: ((لم يُثبَت قط أن اضطراب الكرب التالي للصدمة ذو صلة بمهمة (وزارة شئون المحاربين القدامى) )) -ومن الجدير بالذكر أن مهمة (وزارة شئون المحاربين القدامى) صارت بعد ذلك متمحورة حول تشخيص اضطراب الكرب التالي للصدمة وإصابات الدماغ، كما تم تكريس موارد ضخمة لتطبيق (الأساليب العلاجية القائمة علىٰ الدليل»(١) على المحاربين القدامى المصدومين. لكن في ذلك الوقت كانت الأمور مختلفة-؛ ولنفوري من مواصلة العمل في منظمة رؤيتها للواقع مخالفة تمامًا لرؤيتي، توليت منصبًا في (مركز ماساتشوستس للصحة النفسية)(٢) - وهو مستشفى هارفارد التعليمي حيث تلقيت تدريب الطب النفسي-، وكانت مسؤوليتي الجديدة تدريس مجال حديث النشأة: الفارماكولوجيا النفسية(٣)، وهو علم يهتم بإعطاء الأدوية للتخفيف من الأمراض النفسية. وظيفتي الجديدة -بشكل شبه يومي - مشكلات ظننت أنني كنت قد تركتها وراء ظهري في شئون المحاربين، لكن خبرتي مع المجاربين قد ساعدتني على التنبه الشديد لتأثير الصدمة بحيث أصبحت أستمع آنذاك بإدراك مختلف تمامًا حين يخبرني المرضى المصابون بالاكتئاب والقلق قصصًا عن التحرش الجنسي والعنف الأسري؛ ولقد صُعقْتُ من عدد المريضات اللاتي تحدثن عن تعرضهن للانتهاك الجنسي في طفولتهن، إذ كان الكتاب المرجعي القياسي للطب النفسي آنذاك يصرح بأن إتيان المحارم (١) أمر نادر للغاية في الولايات المتحدة، ونظرًا لوجود حوالي مائة مليون امرأة تعيش في الولايات المتحدة آنذاك، أي حوالي نصف النسبة المذكورة، طريقهن إلى عيادتي ببدروم المستشفىٰ. وأدهى من ذلك أن هذا الكتاب المرجعي قد قال: ((يوجد اعتراض كبير علىٰ أن إتيان المحارم بين الأب والابنة يلعب دورًا في سَيكوباثولوجيا (اختلاف نفسي) خطيرة لاحقة))، لكن مريضاتي اللائي كن لديهن تاريخ من إتيان المحارم لم يكن خاليات من «سَيكوباثولوجيا لاحقة))؛ إذ كن يعانين من الاكتئاب والارتباك الشديدين، وغالبًا ما كن ينخرطن في سلوكيات غريبة مؤذية للذات، كجرح أنفسهن بشفرات الحلاقة؛ بل ذهب الكتاب المرجعي أبعد من ذلك ليؤيد عمليًّا إتيان المحارم، موضحًا أن (مثل هذا النشاط الزِّنائي يقلل من احتمال إصابة الحالة بالذهان كما يسمح بتكيف أفضل مع العالم الخارجي)٩ ؛ فلقد كان لإتيان المحارم آثار مدمرة علىٰ عافية النساء. لم يكن هؤلاء المريضات -من نواحٍ عديدة- مختلفات جدًّا عن المحاربين القدامى الذين كنت قد تركتهم خلفي للتو في شئون المحاربين؛ إذ كن يعانين أيضًا من كوابيس وارتدادات ذكروية، كما كن يتبدلن بين نوبات حنقية انفجارية عَرَضية وفترات طويلة من الانطفاء الانفعالي؛ كما كان معظمهن يواجهن صعوبة كبيرة في الانسجام مع الآخرين كما كن يلاقين صعوبة في الحفاظ علىٰ العلاقات القَيِّمة. وعلى حد علمنا الآن فليست الحرب هي الكارثة الوحيدة التي تترك حياة البشر في خالة من الخراب؛ ففي حين أن ربع الجنود الذين يقضون خدمتهم في ميادين الحرب من المتوقع أن يُصابوا بمشاكل خطيرة تالية للصدمة ١٠ فإن معظم الأمريكان يتعرضون لجريمة عنيفة في وقت ما خلال حياتهم، فلقد كشفت التقارير الدقيقة أن هناك اثني عشر مليون امرأة في الولايات المتحدة كنَّ ضحايا للاغتصاب، وأن أكثر من نصف حالات الاغتصاب تحدث للفتيات دون سن الخامسة عشر ١١؛ وأن كثيرًا من الناس تبدأ حربهم داخل البيت: إذ يتم الإبلاغ سنويًّا في الولايات المتحدة عن حوالي ثلاثة ملايين طفل ضحية لانتهاك الطفل وإهماله، وأن مليون حالة من هذه الحالات خطيرة وذات مصداقية بما يكفي لإجبار خدمات حماية الطفل المحلية أو المحاكم على اتخاذ الإجراءات ١٢؛ وبعبارة أخرى : مقابل كل جندي يخدم في ميدان حرب خارج البلاد هناك عشرة أطفال معرضون للخطر داخل بيوتهم، إذ من الصعب جدًّا علىٰ الأطفال الذين في طور النمو أن يتعافوا حين يكون مصدر الرعب والألم ليس المقاتلين الأعداء وإنما القائمين علىٰ رعايتهم. لقد تعلمنا الكثير جدًّا خلال العقود الثلاثة التي تلت التقائي بتوم، ليس فقط عن تأثير الصدمة وأعراضها بل أيضًا عن طرق مساعدة المصدومين علىٰ العثور علىٰ طريق العودة؛ فمنذ أوائل التسعينيات بدأت أدوات التصوير الدماغي في إظهار ما يحدث حقًّا داخل أدمغة المصدومين، ولقد ثبت أن هذا ضروري لفهم الضرر الذي تسببه الصدمات ووجهنا إلى صياغة طرائق جديدة تمامًا للإصلاح. كما بدأنا نفهم كيفية تأثير الخبرات الساحقة على أعمق أحاسيسنا وعلىٰ علاقتنا بواقعنا الجسدي؛ وتعلمنا أن الصدمة ليست مجرد حدث وقع في وقت ما بالماضي؛ فهي أيضًا البصمة التي تركتها تلك الخبرة علىٰ العقل، وأن لهذه البصمة عواقب مستمرة علىٰ سعي الإنسان للنجاة في الحاضر. لقد وجدنا أن الصدمة تتسبب في إعادة تنظيم جذرية للكيفية التي يدير بها الذهنُ والدماغُ الإدراكات الحسية؛ فهي لا تغير فقط طريقة تفكيرنا وما نفكر فيه، بل أيضًا مقدرتنا علىٰ التفكير، كما اكتشفنا أن مساعدة ضحايا الصدمات في العثور علىٰ كلمات لوصف ما حدث لهم هو أمر ذو أهمية عميقة، فالقيام برواية القصة لا يغير بالضرورة الاستجابات الجسدية والهرمونية التلقائية داخل الأجساد التي تظل مفرطة اليقظة ومتأهبة لوقوع الاعتداء أو الانتهاك في أي وقت؛ ولكي يحدث التغيير الحقيقي يحتاج الجسد إلىٰ إدراك أن الخطر قد انتهى وأن يعيش في واقع الحاضر؛ وهكذا قادنا بحثنا الرامي إلىٰ فهم الصدمة إلىٰ تغيير منظورنا، ليس فقط لبنية الذهن، بل أيضًا للعمليات التي يتعافى من خلالها.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

Side panel Sayl...

Side panel Saylor University History of Psychology Back to '1.2: History of Psychology\' Completion...

شهدت الأبحاث ال...

شهدت الأبحاث الطبية والنفسية في السنوات الأخيرة زيادة في الاهتمام بالأمراض المزمنة، بسبب ما تسببه من...

محادثة مع Gemin...

محادثة مع Gemini اريد الاجابة المنطقية والواقعية لديوان المحاسبة الاردني الوحدة 3: كيف يمكن لمدقق في...

الفصل بين السلط...

الفصل بين السلطات والتعاون فيما بينهما . نظام الحكم في دولة الكويت ، يعمل في ظل هيكل دستوري فريد ، ي...

السيادة في الدو...

السيادة في الدولة الفدرالية لا يمكن أن يتوافق مفهوم السيادة في الدولة الدستورية مع الفصل بين السلطات...

كخلاصة لما جاء ...

كخلاصة لما جاء في هذا الفصل، فالسياسة الخارجية الجزائرية بمقارباتها المختلفة حققت العديد من المكاسب ...

لن يعود شيء كما...

لن يعود شيء كما كان بعد نهاية العصر الجليدي، حيث عُزلت جيوب كبيرة من البشرية على جانبي الكرة الأرضية...

كما مٌكن ب عٌ ا...

كما مٌكن ب عٌ الأصل التجاري الإلكترون ،ً فإنه مٌكن تقد مٌه حصة ف شركة والمقصود بتقد مٌ الأصل التجاري...

تغزو سهول شرق أ...

تغزو سهول شرق أفريقيا موطن الغابات التقليدي لأسلافنا من القردة، حيث تقل الأشجار وتتسع المسافات بينها...

الكود الزائف يش...

الكود الزائف يشبه لغات البرمجة مثل C++ ، لكنك لستِ مجبرة على الالتزام بقواعدها الصارمة (Syntax). نحن...

الأصالة: قوة أن...

الأصالة: قوة أن تكون حقيقي فالأصالة هي حجر الزاوية للقيادة الفعالة. تخلق القيادات النسائية اللواتي ي...

تفرض طبيعة الحي...

تفرض طبيعة الحياة الإنسانية على الفرد مواجهة سلسلة مستمرة من التغيرات والتحديات التي تترافق مع ضغوط ...