Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

كان أمري وأمره محسوما بالنسبة إليها، ذياب الهلالي على وجه الخصوص، إلى ليبيا ثم الجنوب التونسي والجنوب الجزائري. بعينين حمل مشرطا لطيفا أسمته العرب المقدح لتضيف: عائلة ذكية جدا، يتقنون التعامل مع الآخر بما فيه التجارة. الأمر بالنسبة إليها محتوم جينيا. نحن هكذا نولد بدماغ يحمل جينات من ألف سنة، ولا أعلم كيف تحوّل فكري وخيالي إلى عالم العلاج بالفنّ. لكن هل إنّ جيناتنا وحدها هي التي تحكم علينا بصورة نهائية منذ الولادة؟ وما دور كلّ التربية التي تحلّ فيما بعد؟ وما دور كل الأمر ما بعد الجينيّ؟ فمكوّنات الدماغ البشري، وبين الفنون أغلبها التي قد تساعد عليلا غير قابل لهذي الحياة والمعالج الذي عليه أن يكون في نفس القوت فنّانا متميّزا ومعالجا يتدرّج مع العليل في خفايا دماغه عبر ما يرسم أو يؤدي من غناء أو رقص أو فنّ التمثيل أو غير ذلك. لعلّ مجرّد إلقاء نظرة بسيطة من حولنا تلقنّنا بصورة لا جدال فيها بأنّ العلاج بالطبل والمزمار في الحضرة أو الزيارة، لا يمكن أن يكون أمرا حديثا أو مستحدثا. بل هو يعود إلى قرون من الزمن. وعلى الرغم من أنّ العلاج بالفن بصورة عامة، يمثّل الانضباط العلاجي للأطفال والمراهقين على وجه الخصوص، فإنّ جذوره باستخدام الفنون في العلاج للمرضى النفسيين وُجد منذ وجود الإنسان البدائيّ الأول؛ وإنّ رسم ذلك الفنان لتلك الأشياء لم يكن، بل كانت الأهداف أعمق نفسيا وكانت رسائله متعدّدة، إنّ رسومات فنّاني الكهف كانت تهدف إلى علاقات لا شعورية مع موضوعات رسوماتهم، لينبّه بخطره على المجتمع، فيشكو له ضعفه ويشكو مشاكله ويطلب إليه الحماية من مخاطر الحياة له ولأهله. ونراه قد صنع في نفس الوقت آلهة ضخمة أحيانا فمخيفة، أو في شكل حيوانات ذات رأسين وحيوانات ذات عدّة رؤوس. قام بذلك ليخيف ابنا ضالا، كما هو بها يخيف عدوا قد يتجرّأ على فعل أمر ما قد لا يُرغب فيه. هذه الآلهة التي صنعها وابتكرها من طين أو من حجارة أو من معادن، إنّما صنعها كي يهدّأ من استهتار النفس بالقيام بعمل مشين كما يراه. هذا الإله القائم فعلا تراه منتصبا كذلك في ذاكرته ومخيّلته. وبعد ثلاثة آلاف سنة من التجربة المادية سوف نلاحظ أنّ هذا الإله الذي صنعته أياد معروفة يتحوّل شيئا فشيئا إلى نار موقدة أو حيوان أو جرم سماويّ أو كوكب، وبذلك، فإنّ الأنبياء الذين قدموا برسالتهم قد مكّنونا من أمر أن الله يوجد بعيدا وفي كلّ مكان؛ وقد أضحوا مقتنعين ومقنعين بأنّ هذه الفكرة التي أسسوها تتجاوز أشخاصهم لتعمّ الكون والدماغ الثاني من كلّ البشر تقريبا. فيضطرّك للركوع أحيانا إيذانا بخوف داخلي لهيبة في التمثال ذي الألوان الذهبية؟ وهلا شاهدتم زوارا لضريح وليّ صالح مغطى بأجمل لون أخضر مع كتابات بالأحرف الكوفية أو القيروانية في غاية الأناقة؟ وهلا مسكتم يوما رخام السواري لبعض المساجد في سمرقند؟ وهلاّ انتابتكم ضرورة الخشوع للرهبة عند دخولكم كنيسة نتردام بباريس ذات الأسلوب القوطيّ قبل أن تلتهما النيران؟ وألم تحسوا بأنفسكم أقزاما أمام عظمة وأناقة أعمدة معبد الكرنك بمصر وتيجانها؟ ولعلّه كذلك بيت لمن بقي على قيد الحياة يستنشق من عظمة الإنجاز عبير الشفاء ويستلهم من زركشته وألوانه مسلكا لإفراز ما علق به من أدران. هذه هي أدوار المعابد والمساجد. وعبر هذا التاريخ، نجد أنّ الإنسان حاول أن يعبّر عن نفسه سواء بواسطة فنون ومن بينها الموسيقى، وذلك من الصين إلى الهند إلى العالم الفرعوني إلى بلاد اليونان وبلاد الروم. رغم كل النصوص والفتاوى المحرّمة لذاك الفنّ والتشخيص. عبر الفنّ وبخاصة الموسيقى؛ فقد أجمع العلماء على عراقة الحضارة العربية الاسلامية ومكانتها الرفيعة بين سائر الحضارات الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية، والتراث العلمي العربي، فالباحث عن الطب العربي والاسلامي يقف معجبا أمام نبوغ الأطباء العرب والمسلمين وابتكارهم طرائق وأساليب في العلاج من ذلك استعمالهم للموسيقى في علاج المرضى، وهذه الطرق العلاجية الطريفة مهدّت لدخول الطب العربي والاسلامي إلى عالم معالجة الأمراض النفسية واكتساب مكانة كبرى في تاريخ الطب. وقد مارس الأطباء العرب والمسلمون في معالجة الأمراض النفسية والعقلية طرقا مختلفة بغية إخراج المريض النفسي من حيّز اللاشعور إلى حيّز الشعور والسعي لشفائه، وتعدّ الموسيقى من بين فروع العلاج بالفن أحد أهم الوسائل التي سار على منوالها الأطباء العرب مبتكرين أنماطا جديدة من الألحان تساعد على تخفيف ألم الأمراض: طبيب عربي مسلم، ويعتبر من أشهر أطباء العصر الإسلامي وهو المؤسس لنظرية الموسيقى العربية في الطب. اتخذ الكندي من الألحان والمقامات وسيلة من وسائل علاج مرضاه قصد إرجاع طبائعهم إلى حالة الاعتدال النفسي والعقلي. الدالة على الجرأة والإقدام والألحان الشجية والتي اعتبرها أكثر تداولا بين العامة وخاصة المرضى وهي النواح والحزن والبكاء وقد ورد عنه في كتابموسيقى الكندي بالصفحة 30 ما يلي: «فإذا ألفت النغمات في الألحان المشاكلة لها واستعملت تلك الألحان في أوقات الليل والنهار المضادة طبيعتها طبيعة الأمراض الغالبة والعلل العارضة، سكنتها وكسرت حدّتها وخففت على المرضى آلامها». كما وضّح في موضع آخر، أنّ تنوّع ألحان المقامات الغنائية تساعد على الهضم وتلطيف الطبائع، الباب الثاني: العزف دواء للروح: أبو بكر الرازي 864-923م وهو طبيب وكيميائي وعالم فلسفة، في رصيده العديدة من الإنجازات والمؤلفات الطبية والتي كان لها تأثير عظيم في عالم الطب. حظيت لديه الموسيقى باهتمام كبير خصوصا في المعالجة الطبية. حيث انتبه أثناء عمله في المستشفى وممارسته العزف أن هناك التأثير الايجابي لصوت الألحان على صحة المريض النفسية والعقلية. هذا في بادئ الأمر ليكمل تجربته على بقية المرضى ممن يعانون أمراضا جسمية، بأنهم ينسون هذه الآلام ويشملهم الهدوء والسكون لدى سماعهم لألحان شجية ونغمات مطربة. وبالتالي، وشكلت آلة العود التي برع الرازي في التأثير بها على صحة المرضى مصدرا أساسيا للتداوي الروحي نظرا لارتباطها بعوالم الأرواح والكون والأجساد. والطبيب عند الرازي لا بدّ أن يكون مجيدا للعزف على العود لأنّ أساس علاجاتهم هذا اللحن والتنغيم. فاقترح طريقة علاج هؤلاء بالموسيقى ودون استخدام أدوية، وذلك بالتحكم بالانفعالات وضبطها سريريا في شاهد قولي مقتطف من الصفحة 43-44:« ومن العلامات الدالة على ابتداء الماليخوليا، هو أن يسرع إلى الغضب والحزن والفزع بأكثر من العادة». عالم وطبيب مسلم تعود أصوله إلى كازاخستان، وقد تناول الفارابي موضوع الموسيقى وتأثيرها على النفس في كتاب الموسيقى الكبير، فبيّن أنّ الموسيقى هي محسوسات طبيعية أي أنّ الأصوات الصادرة من الألحان لها تأثير بالفطرة على مزاج الإنسان وصحته وبالتالي يؤكّد أنّ صانع الألحان يجب أن يكون متمرّسا في طبائع الناس عالما بالتأثير السلبي والإيجابي على جسم الإنسان لهذه الألحان. والتي أحدثت الألحان هي فطرة ما غريزية للإنسان ومركوزة فيه من أوّل كونه، ومنها الفطرة الحيوانية التي يصوّت بها عند حال من أحوالها اللذيذة أو المؤذية ومنها محبّة الإنسان للراحة بعقب التعب، أو أن لا يحسّ بالتعب في أوقات الشغل، فإنّ الترنّمات مما تشغل عن التعب في أوقات العمل فلا يحسّ به ولذلك لا يحسّ بالزمان الذي فعل فيه الشيء ولا يضجر به ويواظب عليه». أمّا الصنف الثالث فهي الألحان الانفعالية والتي من شأنها أن تزيل الانفعال أو تنقصه والتي تنسب إلى قوة النفس، مثل العداوة والغضب والقساوة في قوله بالصفحة 71: «. بالترنّمات الراحة واللذة وأن لا يحسّ بالتعب أو بزمانه، وبعض طلب بها إنماء الأحوال والانفعالات وتزيدها أو إزالتها والسلوُّ عنها وتنقيصها وبعض قصد بها معونة الأقاويل في التخييل والتفهيم». والتحديق في نقطة ثابتة، والخوف من أشياء غير منطقية مثل سقوط السماء أو انشقاق الأرض تحت أقدام المريض. وقد ذكر في كتابه القانون في الطب قائمة من العلاجات لهذا المرض أهمّها تطريب المريض بالسماع إلى الموسيقى والمطربات النغمية، الطويل الزمان لما فيه من الإرخاء والغناء الطيب خصوصا إذا نُوم به، والتشاغل بما يفرح، المعالجات هو تسكينهم (المصابين بها) وشغلهم بالمفرجات من الحكايات والسماع الطيب، والمناظر العجيبة». فالإنسان حسب تعبيره يمرّ بحالات نفسية مختلفة تصل إلى حدّ التناقض تبعا لمزاجه، وفي العصر الحديث والذي نشأ بشكل مستقل في الدول الناطقة بالإنجليزية وكذلك الأوروبية، درس الأطباء النفسيون إنتاجات الأشخاص المتدرّبين في مستشفيات الأمراض النفسية، وحدّدوا فئة أطلقوا عليها اسم "الفن النفسي المرضي". ويعتمد نهجه على علم نفس اللياقة البدنية. وفي عام 1922، نظرًا للرابط الإيجابي الذي يقدّمه بين المرض والخلق. سنة 1942، بعد اكتشافه كلّ الفوائد العلاجية للرسم والتلوين في فترة نقاهته عندما كان يتعافى من مرض السل في المصحة. وكتب بأن قيمة الفن تكمن في العلاج بتمكين الأصابع والعقل من إطلاق الطاقة الإبداعية للمريض بصورة عامة والمكبوت بصورة خاصة. وأكدا بأن «العلاج بالفنّ هو موجِّه التحليلي النفسي» وأنه يمثل التعبير الفني الحرّ ل«يصبح شكلا من أشكال التعبير الرمزي الذي…يؤدي إلى زيادة التعبير اللفظي أثناء العلاج». المخصص للمعرض الدولي للأعمال التي أنشأها المرضى عام 1950. في عام 1984، طورت جيزالا بنكوف Gisela Pankow أعمالًا مهمّة حول النمذجة. ووفقًا لها، بما في ذلك البرازيل وكندا وفنلندا وإسرائيل ولبنان واليابان وهولندا ورومانيا وكوريا الجنوبية والسويد. كلّ ذلك بواسطة ما حصل في جزء من الدماغ، انطلاقا من هذا علينا أن نتساءل كيف يمكن لدماغ سليم مبدئيا أن يتواصل بدماغ معطّل؟ يحمل عطبا ما. أن يوصل إليه بعض المعلومات، وهو لا يفكّر ولكن يبقينا على قيد الحياة. ولنتذكر أنّه لو غرقنا في البحر، بعد فترة من بقائنا وتغذيتنا بالبروتينات فقط. القِشْرَةُ المُخِّيَّةُ المُتوَسَّطَة أو الدماغ الثدييّ الحوفيّ: أي منذ حوالي 65 مليون سنة. ولعل أهمّ هذه العواطف هي العاطفة الدينية. ثمّ إنّ هذا الدماغ الثاني يمثّل بنك الذاكرة بصورة عامة، مسؤولا عن أحلامنا وكلّ الإحساس التلقائيّ، اللا إدراكي. وهذا الدماغ القشري ينقسم إلى نصفين أو نصفي كرة: أيمن وأيسر. أما الدماغ الأيسر أو نصف الكرة الأيسر فهو يعالج المعلومة بصورة عقلانية مع التفكير في عواقب كلّ قرار. وفي نفس الوقت هي تحتوي أذكياء بصورة خارقة ومبدعين استثنائيين، لكن وكذلك متشبثين بآرائهم ومنطقهم حتى وإن بدا ضالا كلّ الضلال. طبعا، وهذا الدماغ يحلم عند النوم وفي اليقظة: وتعكس الأحلام، الواقع الذي يعيشه الإنسان خلال يقظته. إذن هناك أشياء نشاهدها دون أن نشاهدها لكنّها ترتسم بالدماغ. هذا الذي انطفأت شعلته في دماغ العليل، ذاك ما يحصل بعيادة الطب النفسي، بالسؤال والجواب عن أحلام العليل ليشير بعلاج فيه الفنّ سيدا. ثالثا: ما هي الفنون المحتملة؟ وهناك تنوع كبير في الممارسات الفنية العلاجية. ولكنّ الأكثر شيوعًا تبقى الموسيقى بكلّ أصنافها سواء كانت الوترية أو مجرّد أداء مقاطع من أغاني يُتدرّب عليها. عالم الموسيقى متنوّع جدا. وبعيدًا عن بعض الأفكار، فإنّ العلاج بالموسيقى يهتم بإمكانيات وتطوير الاتصال العلاجي من خلال العمل مع الوظائف الصوتية والوترية والإيقاعية. وهي بذلك تقدّم له "صوتًا وسيطًا و/ أو كائنًا نفسيًا موسيقيًا" بهدف نسج الرابط العلاجي ثم إدامته بالضرورة، مما يمدّ مفهوم العلاج شرعية ونجاعة. وهو يؤدّي إلى حالة من الاسترخاء، ويعزز إطلاق العواطف. وقد يركز استخدامه على الاستماع السلبي (العليل يستمع ببساطة إلى أنواع من الموسيقى المختلفة ولا يطلب منه شيء)، والسمع النشط (المريض مدعو للتعبير عن المشاعر التي يشعر بها)، على أنّه لا بدّ من الملاحظة بأنّ هذه الموسيقى قد تتغيّر من إيقاع صاخب يأخذ المجال كاملا (وهو كثير حاليا) إلى الموسيقى الهادئة بقصد الاسترخاء النفسي. وهي كذلك تمارس عند أضرحة الأولياء والصالحين، (والصرع هنا ليس في مفهومه الطبيّ العلمي)، مثلا. والأستاذ سليم عمار كان قد كتب عن هذا الموضوع وقام هو نفسه بعلاج بعض المرضى النفسانيين بواسطتها. ناهيك أن الرقص يتمّ في الحضرة لمن هو يرغب وعادة ما يكون الراقص مريضا فعلا. والقراءة كذلك تمثل عينة من الفنون المعالجة، بابا علاجيا ممتعا. فما بالك إذا ما أبدع الطفل أو الكهل في نطقه وأدائه؟ والرسم كفنّ تشكيلي بحت يبحر فيه العليل بخربشات الأشكال والألوان المعبّرة كلّ منها على معضلة أو مشكلة أو حلاّ أو مجرّد باب يفتح على صفحة من ماضيه أو تجاربه أو آلامه الحالية. وليس لك أن تطالبه برسم دقيق ولا أن يرسم البيت كبيت والا العين كعين، فهو بذلك يحرّك يدا يكون منطلقها رغبة في عملية حجامة وفصد وإفراز لما فسد (؟) من دمه. أو يضيف إليه هراوة أو حتى سكينا. وهذه المنحوتات يقرأها المعالج، يعرضها، لكلّ ذلك يُنظر إلى الفن على أنه ناقل علاجي، يتيح المسرح للفرد أن "يحلّ محل" الآخر، واللعب بالمشاعر، وفهمها ولكن أيضًا لتعديلها. فإنّه يسمح لك بالتراجع وإبعاد نفسك عن مشاعرك. وقد يسمى في بعض الأحيان معالجا بالفنّ متخصصا في الفنون التشكيلية، أو معالجا بالدراما، وكذلك معالجا بالموسيقى. وهو يعمل بالقطاعات المهنية مثل الخدمة العامة، والصحة، ويعمل المعالج بالفن، في ورش عمل جماعية أو فردية، ممرض، معالج وظيفي، أخصائي نفسي. والبروتوكول العام (توجيه إجراءات الرعاية والتعليمات التي يجب على الفريق مراعاتها) وخصوصياته (تعبئة القوى الفنية فيما يتعلق بالآليات البشرية). يقوم المعالج بالفنون بإجراء تقييمات طوال فترة رعاية المريض وينسخ النتائج والتقدم إلى الفريق الطبي والطبابي بأكمله. ما هي المهارات المطلوبة بالنسبة لمن يروم الدخول في عالم العلاج بالفن؟ أ/ ضرورة التكيف مع مختلف المرضى وذلك بمواجهة الإعاقة أو المرض. يجب حينئذ على المعالج بالفنون التكيف من خلال مراعاة الحالة الجسدية والعقلية واحتياجات المرضى. ب/ إعطاء طعم الحياة: يجب على المعالج بالفنون استعادة ثقة المرضى، وإعادة تحفيزهم في مسار العلاج. وعلم النفس المرضي، والاستراتيجية العلاجية، وبروتوكول الرعاية. على المعالج أن يعلم بالفنون ويتدرب طوال حياته المهنية. احترام مدونة الأخلاق، تحديث معرفته طوال حياته المهنية (التعليم المستمر، وسواءً كان يعمل بمؤسسة عمومية معترف بها، والنساء في محنة ما، والمسنين، وحتى في المنزل. وإذا انطلق المعالج من عالم الصحة فإنّه بالضرورة يكون معالجا نفسانيا قد تكوّن في فنّ من الفنون طيلة عام على الأقل. الألم، الفجيعة، البطالة. الخلاصة: من هذا البحث يتّضح بأن العلاج بالفنّ قديم قدم البشرية تقريبا. وأن الموسيقى على سبيل الحصر أمر اهتم به الأطباء العرب ذوي الصيت والشهرة قبل غيرهم. فمنحوا كتاباتهم أمورا دقيقة جدا. وإذا ما تبيّن بأن العصر الحديث قد وضّح أشكالا متعددة من العلاجات بالفنون المختلفة، وكما أنّ هناك من يتفاعل إيجابا بهذه الأنواع من الموسيقى وهذه الأنواع من الفنون التشكيلية والنحت والمسرح، فإنّ أمورا عديدة تبقى للدرس منها على سبيل المثال التصوير بالرنين المغناطيسي لكلّ هذه الاستثارات. لكلّ هذا، لا بدّ من الاستمرار في بحث العلاقة بين الفنّ والعلاج، وحين أبديت لها بعض هذه الملاحظات قبل مغادرة مكتبها، في البيت وفي الشارع وعبر وسائل الاتصال الاجتماعي، وكذلك عبر كلّ صدف الحياة التي قد تضربنا في العمق وفي أغلى ما نكسب. يا سيدتي، إلى علاج ذاته قبل الدخول إلى مكتب الطبيب،

Original text

عندما دخلتُ إلى مكتبها للسؤال عن بعض أقربائي، كان أمري وأمره محسوما بالنسبة إليها، مذ نطقتُ بالكلمات الأولى؛ أنا من عائلة كذا، وإذن من أصل يمني، رحل الأجداد من الدحيلة إلى مصر، ثم مع قبيلة بني هلال وبعض قادتهم، ذياب الهلالي على وجه الخصوص، إلى ليبيا ثم الجنوب التونسي والجنوب الجزائري. واستطردَت محملقة فيَ بعمق كما لو أجرمتُ في حقّ المجتمع، بعينين حمل مشرطا لطيفا أسمته العرب المقدح لتضيف: عائلة ذكية جدا، ذات مواقف متشدّدة وصلبة، يتقنون التعامل مع الآخر بما فيه التجارة... وكلام آخر ليس مكانه لأنطق به..
الأمر بالنسبة إليها محتوم جينيا. نحن هكذا نولد بدماغ يحمل جينات من ألف سنة، ترسم لنا الطريق، تحدّد سبل التفكير، ولعلّ مصيرنا يصبح في قيد المكتوب.
نظرتُ إلى اللوحة التي ازدان بها أحدُ جدران مكتبها، فذكّرتني بالرسمات التي قام بعض التلامذة في حصص التدريب بمدرسة الفنون الجميلة على تلوينها لتضيف قبسا من الخلق الإبداع.. ولا أعلم كيف تحوّل فكري وخيالي إلى عالم العلاج بالفنّ.. ربّما تمّ ذلك حين ذكرت الدكتورة أنّ اللوحة تلك تعود إلى أحد الدروس التي تلقتها بفرنسا حول مدارس الفنون.
لكن هل إنّ جيناتنا وحدها هي التي تحكم علينا بصورة نهائية منذ الولادة؟ وما دور كلّ التربية التي تحلّ فيما بعد؟ وما دور كل الأمر ما بعد الجينيّ؟
سوف نحاول التجوّل بين تاريخ هذه الأنواع من العلاجات، فمكوّنات الدماغ البشري، وبين الفنون أغلبها التي قد تساعد عليلا غير قابل لهذي الحياة والمعالج الذي عليه أن يكون في نفس القوت فنّانا متميّزا ومعالجا يتدرّج مع العليل في خفايا دماغه عبر ما يرسم أو يؤدي من غناء أو رقص أو فنّ التمثيل أو غير ذلك.
أولا: هل العلاج بالفن أمر مستحدث؟
لعلّ مجرّد إلقاء نظرة بسيطة من حولنا تلقنّنا بصورة لا جدال فيها بأنّ العلاج بالطبل والمزمار في الحضرة أو الزيارة، مثلا، لا يمكن أن يكون أمرا حديثا أو مستحدثا.. بل هو يعود إلى قرون من الزمن.
وعلى الرغم من أنّ العلاج بالفن بصورة عامة، يمثّل الانضباط العلاجي للأطفال والمراهقين على وجه الخصوص، فإنّ جذوره باستخدام الفنون في العلاج للمرضى النفسيين وُجد منذ وجود الإنسان البدائيّ الأول؛ ورسومات الكهوف (لسكاو بفرنسا على سبيل المثال) تشهد بقدم هذا الفنّ الذي يستبطن أمرا ما، وإنّ رسم ذلك الفنان لتلك الأشياء لم يكن، في أغلب الأحيان، لمجرّد المتعة والفخر بإتقان العمل الفني، بل كانت الأهداف أعمق نفسيا وكانت رسائله متعدّدة، ونحن لا نزال نبحث فيها. إنّ رسومات فنّاني الكهف كانت تهدف إلى علاقات لا شعورية مع موضوعات رسوماتهم، ولقد رسم ذلك الإنسان العجل البرّيّ بقرن طويل، لينبّه بخطره على المجتمع، أو حتى يخيفه...
كما هو جسّم أشكال آلهته، في صور متعدّدة (داخل الأهرامات والمعابد، والقبب، في تماثيل منحوتة أو كتابات أو رسوم) ليتقرّب من الإله، فيشكو له ضعفه ويشكو مشاكله ويطلب إليه الحماية من مخاطر الحياة له ولأهله. ونراه قد صنع في نفس الوقت آلهة ضخمة أحيانا فمخيفة، مثل التماثيل التي كانت في أحجام عملاقة لتضحي عمالقة شكّلت أساطير تناقلتها الكتب دون أن تنتبه إلى أنّ من صنعها بشرٌ، أو في شكل حيوانات ذات رأسين وحيوانات ذات عدّة رؤوس. قام بذلك ليخيف ابنا ضالا، يرفض أن يسير في الطريق السوية، كما هو بها يخيف عدوا قد يتجرّأ على فعل أمر ما قد لا يُرغب فيه.. هذه الآلهة التي صنعها وابتكرها من طين أو من حجارة أو من معادن، إنّما صنعها كي يهدّأ من استهتار النفس بالقيام بعمل مشين كما يراه... ولعلّه في نفس الوقت يخيف بها نفسه، كمن هو يكتبُ اليوم في كنّش سريّ لمذكراته: لا تفعل كذا، لا تقل كذا، استقم مع فلان، حقّق كذا أو كذا... هذا الإله القائم فعلا تراه منتصبا كذلك في ذاكرته ومخيّلته. وانطلاقا من دماغه الثاني أصبح كذلك يخيف به الآخرين. وبعد ثلاثة آلاف سنة من التجربة المادية سوف نلاحظ أنّ هذا الإله الذي صنعته أياد معروفة يتحوّل شيئا فشيئا إلى نار موقدة أو حيوان أو جرم سماويّ أو كوكب، ثمّ وأخيرا إلى مجرّد فكرة تعمّر كلّ الكون.. هي آخر إبداعية للإنسان لعلاج نفسه وتخويف غيره. وبذلك، وفي نفس الوقت، فإنّ الأنبياء الذين قدموا برسالتهم قد مكّنونا من أمر أن الله يوجد بعيدا وفي كلّ مكان؛ وسوف يستولي على عقول الضعفاء شيئا فشيئا ليساعدهم ويأخذ بأيديهم إن هم ساروا في الطريق الربّانية.. طريقه كما يراها هؤلاء حاملو الرسالة السماوية، وقد أضحوا مقتنعين ومقنعين بأنّ هذه الفكرة التي أسسوها تتجاوز أشخاصهم لتعمّ الكون والدماغ الثاني من كلّ البشر تقريبا.
هلا شاهدتم تمثال بوذا جالسا هادئا يدفع بالسكينة لكلّ من ينظر إليه، فيضطرّك للركوع أحيانا إيذانا بخوف داخلي لهيبة في التمثال ذي الألوان الذهبية؟ وهلا شاهدتم زوارا لضريح وليّ صالح مغطى بأجمل لون أخضر مع كتابات بالأحرف الكوفية أو القيروانية في غاية الأناقة؟ وهلا مسكتم يوما رخام السواري لبعض المساجد في سمرقند؟ وهلاّ انتابتكم ضرورة الخشوع للرهبة عند دخولكم كنيسة نتردام بباريس ذات الأسلوب القوطيّ قبل أن تلتهما النيران؟ وألم تحسوا بأنفسكم أقزاما أمام عظمة وأناقة أعمدة معبد الكرنك بمصر وتيجانها؟
تاريخ البشرية حافل بهذه الفنون الرائعة التي حملت في طيّاتها رغبة في إيلاء الفن منزلة المعالج بذاته، لمجرّد مرور العليل بين أرجاء الإنجاز الضخم.. لعلّه بيت الأموات في انتظار عودتهم إلى الحياة؛ لذلك هم حملوا متاعهم، ولعلّه كذلك بيت لمن بقي على قيد الحياة يستنشق من عظمة الإنجاز عبير الشفاء ويستلهم من زركشته وألوانه مسلكا لإفراز ما علق به من أدران... هذه هي أدوار المعابد والمساجد..
وعبر هذا التاريخ، نجد أنّ الإنسان حاول أن يعبّر عن نفسه سواء بواسطة فنون ومن بينها الموسيقى، أو الفنون التشكيلية أو الفنون المسرحية بأنواعها.. وذلك من الصين إلى الهند إلى العالم الفرعوني إلى بلاد اليونان وبلاد الروم.. ولم يشذّ عن ذلك العالم الإسلامي شرقه وغربه، رغم كل النصوص والفتاوى المحرّمة لذاك الفنّ والتشخيص...
وسوف نخصّ العرب والمسلمين ببعض ما قدّموا للبشرية وهو كثير، عبر الفنّ وبخاصة الموسيقى؛ فقد أجمع العلماء على عراقة الحضارة العربية الاسلامية ومكانتها الرفيعة بين سائر الحضارات الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية، والتراث العلمي العربي، فالباحث عن الطب العربي والاسلامي يقف معجبا أمام نبوغ الأطباء العرب والمسلمين وابتكارهم طرائق وأساليب في العلاج من ذلك استعمالهم للموسيقى في علاج المرضى، وهذه الطرق العلاجية الطريفة مهدّت لدخول الطب العربي والاسلامي إلى عالم معالجة الأمراض النفسية واكتساب مكانة كبرى في تاريخ الطب.
وقد مارس الأطباء العرب والمسلمون في معالجة الأمراض النفسية والعقلية طرقا مختلفة بغية إخراج المريض النفسي من حيّز اللاشعور إلى حيّز الشعور والسعي لشفائه، ليتولّد لديه شعور بالاطمئنان والأمن لإعادة بناء اندماجه من جديد في الحياة. وتعدّ الموسيقى من بين فروع العلاج بالفن أحد أهم الوسائل التي سار على منوالها الأطباء العرب مبتكرين أنماطا جديدة من الألحان تساعد على تخفيف ألم الأمراض:
الباب الأوّل: الموسيقى وعلاج الأمزجة والطبائع ويعقوب بن اسحاق الكندي 801-873 م، طبيب عربي مسلم، تعود أصوله إلى بغداد، ويعتبر من أشهر أطباء العصر الإسلامي وهو المؤسس لنظرية الموسيقى العربية في الطب.
اتخذ الكندي من الألحان والمقامات وسيلة من وسائل علاج مرضاه قصد إرجاع طبائعهم إلى حالة الاعتدال النفسي والعقلي. فبيّن دور النغمات والايقاعات وتأثيرها على أعضاء جسم المريض والإفرازات الفيزيولوجية التي تحدث بفعل الاستماع إليها، وقد قسّم الكندي الألحان المؤثّرة على الصحة والمزاج إلى أربعة أقسام في كتاب المصوّتات الوترية من ذات الوتر الواحد إلى ذات العشرة أوتار فنجد منها ألحان اللهو الدالة على الفرح والسرور والحالة السوية للنفس وألحان الطرب والتلذّذ، الدالة على الجرأة والإقدام والألحان الشجية والتي اعتبرها أكثر تداولا بين العامة وخاصة المرضى وهي النواح والحزن والبكاء وقد ورد عنه في كتابموسيقى الكندي بالصفحة 30 ما يلي: «فإذا ألفت النغمات في الألحان المشاكلة لها واستعملت تلك الألحان في أوقات الليل والنهار المضادة طبيعتها طبيعة الأمراض الغالبة والعلل العارضة، سكنتها وكسرت حدّتها وخففت على المرضى آلامها».
كما وضّح في موضع آخر، أنّ تنوّع ألحان المقامات الغنائية تساعد على الهضم وتلطيف الطبائع، كما إنّ البعض الآخر يعمل على تقوية المرار الأصفر ونغمات أخرى تشمل علاج البلغم وتقوية الدم، لذا وضع الكثير من النغمات كوصفات علاجية تبعا لنوع المقام المعتمد للعلاج، مثال ذلك مقام الحجاز الذي خصّصه الكندي لعلاج التبّول، وهذا ما جاء في أجزاء خبرية في الموسيقى* مقتطفا من الصفحة 265: « نغمات الزير مناسبة، هما مقويان للمرار الأصفر، محرّكان له، مسكّنان للبلغم مطفئان له ونغمات المثنى مناسبة للثقيل الأول والثاني وهي مقوية للدم محركة له، مسكنة للسوداء مطفية له».
الباب الثاني: العزف دواء للروح: أبو بكر الرازي 864-923م وهو طبيب وكيميائي وعالم فلسفة، في رصيده العديدة من الإنجازات والمؤلفات الطبية والتي كان لها تأثير عظيم في عالم الطب. حظيت لديه الموسيقى باهتمام كبير خصوصا في المعالجة الطبية. وقد كان الرازي إلى جانب مزاولته لمهنة الطب موسيقيا وعازفا ماهرا على العود، حيث انتبه أثناء عمله في المستشفى وممارسته العزف أن هناك التأثير الايجابي لصوت الألحان على صحة المريض النفسية والعقلية. هذا في بادئ الأمر ليكمل تجربته على بقية المرضى ممن يعانون أمراضا جسمية، فلاحظ المرضى المصابون بآلام مبرحة، بأنهم ينسون هذه الآلام ويشملهم الهدوء والسكون لدى سماعهم لألحان شجية ونغمات مطربة. هي استجابة المرضى لهذه الأصوات ودليل على التأثير الروحي الذي تحدثه الموسيقى على أعضاء الجسم، وبالتالي، فقد اعتمدها في العلاج الطبي وأوصى بها كأسلوب مهمّ من أساليب علاج الأمراض النفسية والعقلية.
وشكلت آلة العود التي برع الرازي في التأثير بها على صحة المرضى مصدرا أساسيا للتداوي الروحي نظرا لارتباطها بعوالم الأرواح والكون والأجساد. والطبيب عند الرازي لا بدّ أن يكون مجيدا للعزف على العود لأنّ أساس علاجاتهم هذا اللحن والتنغيم.
وقد ركزّ الرازي على مرض الماليخوليا ) المزاج السوداوي( والذي تحدّث عنه في كتاب سرّ الصناعة، وهي من الحالات التي لا تسمح للمريض بالتعبير عن مكنوناته، فاقترح طريقة علاج هؤلاء بالموسيقى ودون استخدام أدوية، وذلك بالتحكم بالانفعالات وضبطها سريريا في شاهد قولي مقتطف من الصفحة 43-44:« ومن العلامات الدالة على ابتداء الماليخوليا، حبّ التفرد، والتخلّي على الناس على غير وجه حاجة معروفة، أو علّة كما يعرض للأصحاء لحبّهم البحث أو الستر لأمر ابتدائه أسهل ما يكون ويعسر ما يكون استحكم أو ما يستدل على وقوع الإنسان في الماليخوليا، هو أن يسرع إلى الغضب والحزن والفزع بأكثر من العادة».
الباب الثالث: فطرة الصوت ومزاج الإنسان: أبو نصر محمد الفارابي 874- 950م، عالم وطبيب مسلم تعود أصوله إلى كازاخستان، له العديد من المؤلفات في مجال الطب والموسيقى والفلسفة وغيرها.
وقد تناول الفارابي موضوع الموسيقى وتأثيرها على النفس في كتاب الموسيقى الكبير، فبيّن أنّ الموسيقى هي محسوسات طبيعية أي أنّ الأصوات الصادرة من الألحان لها تأثير بالفطرة على مزاج الإنسان وصحته وبالتالي يؤكّد أنّ صانع الألحان يجب أن يكون متمرّسا في طبائع الناس عالما بالتأثير السلبي والإيجابي على جسم الإنسان لهذه الألحان. وفي هذا الإطار يقول بالصفحة 70:«... والتي أحدثت الألحان هي فطرة ما غريزية للإنسان ومركوزة فيه من أوّل كونه، ومنها الفطرة الحيوانية التي يصوّت بها عند حال من أحوالها اللذيذة أو المؤذية ومنها محبّة الإنسان للراحة بعقب التعب، أو أن لا يحسّ بالتعب في أوقات الشغل، فإنّ الترنّمات مما تشغل عن التعب في أوقات العمل فلا يحسّ به ولذلك لا يحسّ بالزمان الذي فعل فيه الشيء ولا يضجر به ويواظب عليه».
في موضع آخر من كتاب الموسيقى الكبير يحدّد الفارابي أصناف الألحان وغاياتها العلاجية فيقسّمها إلى ثلاثة أنواع: الصنف الأول وهي الألحان الملذة التي تُكسب النفسَ الراحة واللذة فقط، والصنف الثاني وهي الألحان المتخيّلة التي تحدث في نفس الإنسان تخيّلات وتصوّرات تساعده على السلام النفسي وقد كانت تستعمل كمحفزّ لمساعدة المريض على محاربة حالة القلق والتوجّس أو الخوف التي تصيبه وهي قد تشبه ما يوجد حاليا في العلاج بالتنويم المغناطيسي ضمن العلاج النفسي، أمّا الصنف الثالث فهي الألحان الانفعالية والتي من شأنها أن تزيل الانفعال أو تنقصه والتي تنسب إلى قوة النفس، مثل العداوة والغضب والقساوة في قوله بالصفحة 71: «... بالترنّمات الراحة واللذة وأن لا يحسّ بالتعب أو بزمانه، وبعض طلب بها إنماء الأحوال والانفعالات وتزيدها أو إزالتها والسلوُّ عنها وتنقيصها وبعض قصد بها معونة الأقاويل في التخييل والتفهيم».
الباب الرابع: خير تمارين العافية الغناء: عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا 980-1037م، طبيب وعلامة مسلم يعتبر من أبرز الرواد في صناعة الطب. وكغيره من الأطباء تحدث ابن سينا في مؤلفاته عن تأثير العلاج بالموسيقى في الأمراض النفسية والاضطرابات العصبية حيث اتفق مع الرازي على أنّ الاستماع إلى الألحان الموسيقية له دور علاجي فعّال في تقليل نوبات مرض الماليخوليا والتي يصاب صاحبها بأعراض منها الإفراط في التفكير والوسوسة، والتحديق في نقطة ثابتة، والهذيان بالقول، والخوف من أشياء غير منطقية مثل سقوط السماء أو انشقاق الأرض تحت أقدام المريض.
وقد ذكر في كتابه القانون في الطب قائمة من العلاجات لهذا المرض أهمّها تطريب المريض بالسماع إلى الموسيقى والمطربات النغمية، باعتبارها أشياء مهمّة يمكن أن تشغله عن الفراغ والخلوة والتفكير المبالغ فيه.
وكان ابن سينا عبر وصفاته العلاجية لتسكين الألم، يؤكّد دائما على ضرورة المشي على الأقدام والاستماع إلى الموسيقى، إذ يساعدان المريض على الاسترخاء والنوم في الشاهد القولي المقتطف من الصفحة221:« من مسكنات الأوجاع المشي الدقيق، الطويل الزمان لما فيه من الإرخاء والغناء الطيب خصوصا إذا نُوم به، والتشاغل بما يفرح، مسكن قوي للوجع».
كما أدرج الموسيقى والغناء في أصناف الأدوية التي يعالج بها الحميات والأمراض في قوله بالصفحة 229 في سياق حديثه عن علاج الحمى الغضبة: «... المعالجات هو تسكينهم (المصابين بها) وشغلهم بالمفرجات من الحكايات والسماع الطيب، واللعب، والمناظر العجيبة».
كما حثّ ابن سينا على تخصيص بعض النغمات وفقا لتوقيت مزاج الإنسان خلال اليوم، فالإنسان حسب تعبيره يمرّ بحالات نفسية مختلفة تصل إلى حدّ التناقض تبعا لمزاجه، لذا أوجب ضرورة هذا التقسيم الزمني للاستماع إلى النغمات الموسيقية مثال استماع الموسيقى في الشروق إلى نغمة الراست واستماع الموسيقى في العصر إلى نغمة العراق.
وفي العصر الحديث
بدأ العلاج بالفن كمهنة في القرن العشرين، والذي نشأ بشكل مستقل في الدول الناطقة بالإنجليزية وكذلك الأوروبية، وتم الاعتراف بالمعالجين الأوائل والذين نشروا كتابات حول أعمالهم مشدّدين على تأثير علم الجمال والطب النفسي والتحليل النفسي والتأهيل والتعليم في مرحلة الطفولة المبكّرة خاصة والتربية الفنية بدرجات متفاوتة على منظوريهم.
وفي بداية القرن العشرين، درس الأطباء النفسيون إنتاجات الأشخاص المتدرّبين في مستشفيات الأمراض النفسية، وحدّدوا فئة أطلقوا عليها اسم "الفن النفسي المرضي".
في عام 1922، نشر هانز برينزهورن Hans Prinshorn كتاب التعبير عن الجنون: حيث يدرس إنتاجات عدة آلاف من المرضى في مستشفى الطب النفسي، ويعتمد نهجه على علم نفس اللياقة البدنية.
وفي عام 1922، نشر كتابٌ يقدم أعمال أدولف فولفي Adolf Wölfi، وهو مريض أنتج عددًا كبيرًا من الرسومات والكولاجات. لذلك يعتبر هذا الكتاب مهمًا في تاريخ العلاج بالفن، نظرًا للرابط الإيجابي الذي يقدّمه بين المرض والخلق.
سنة 1942، أطلق الفنان البريطاني أدريان هيل مصطلح العلاج بالفن (artherapy)، بعد اكتشافه كلّ الفوائد العلاجية للرسم والتلوين في فترة نقاهته عندما كان يتعافى من مرض السل في المصحة. وكتب بأن قيمة الفن تكمن في العلاج بتمكين الأصابع والعقل من إطلاق الطاقة الإبداعية للمريض بصورة عامة والمكبوت بصورة خاصة. وهذه الأصابع المتحرّكة تبني دفاعات قوية ضد مصائبنا.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية بدأ رواد مثل مارغريت نامبروغ وآديث كرامر ممارسة العلاج بالفن في نفس الوقت تقريبا لهيل البريطاني. وأكدا بأن «العلاج بالفنّ هو موجِّه التحليلي النفسي» وأنه يمثل التعبير الفني الحرّ ل«يصبح شكلا من أشكال التعبير الرمزي الذي…يؤدي إلى زيادة التعبير اللفظي أثناء العلاج».
في عام 1955، تم نشر كتاب الفن والسيكوباثية L'Art Psychopathie من تأليف روبرت فولمات، المخصص للمعرض الدولي للأعمال التي أنشأها المرضى عام 1950. تجدر الإشارة إلى أن فولمات أنشأ، مع جان ديلاي، الجمعية الدولية لعلم النفس المرضي للتعبير.
في عام 1984، طورت جيزالا بنكوف Gisela Pankow أعمالًا مهمّة حول النمذجة. ووفقًا لها، تسمح هذه النمذجة بالعمل على تمثيل جسم العليل.
وحاليا توجد جمعيات مهنية وطنية للعلاج بالفن في العديد من الدول، بما في ذلك البرازيل وكندا وفنلندا وإسرائيل ولبنان واليابان وهولندا ورومانيا وكوريا الجنوبية والسويد. وتساهم الشبكات الدولية لوضع معايير للتعليم والممارسة.
ثانيا: الدماغ البشري
إنّ فعل بعض أجزاء الدماغ في الأجزاء الأخرى وفي أعضائنا هي التي سوف تحرّك فينا أحاسيس وتحرّك فينا عواطفا نعبّر عنها بواسطة حواسّنا وبواسطة انفعالات لعدد من الأعضاء، بعضها يتسرّع نبضه وأخرى تسرّع حركة التنفّس، وقد يحمرّ الوجه، وقد يصيبنا رعاش، وقد نفرح أو نغضب... كلّ ذلك بواسطة ما حصل في جزء من الدماغ، عبر وصلات كيمائية وكهربية عصبية.. والسؤال هو: كيف يمكن لنفس الحركة أن تؤثّر في دماغ آخر غير متّصل؟
انطلاقا من هذا علينا أن نتساءل كيف يمكن لدماغ سليم مبدئيا أن يتواصل بدماغ معطّل؟ يحمل عطبا ما... يحاول أن يفهمه، أن يوصل إليه بعض المعلومات، يسايره ليبدع قليلا ثم كثيرا حتى يصل إلى سكّة السويّ..
ذاك هو دور المعالج بالفن. وسوف ندرس كلّ المحطّات التي يمرّ بها قطار العلاج بعديد الفنون.
يذكر علم التشريح البشريّ أنّ الدماغ يحتوي ثلاث طبقات:
الدماغ الزواحفي: القديم جدّا 600 إلى 350 مليون سنة وهو المسؤول عن الغريزة الحيوانيّة، والتنفس ونبض القلب والهروب وردّ الفعل التلقائي. وهو لا يفكّر ولكن يبقينا على قيد الحياة. ولنتذكر أنّه لو غرقنا في البحر، وبقينا شهرا على خشبة، فسوف نكتشف هذا الدماغ حتما في التجربة القاسية هذه: الغرق في البحر على سبيل المثال، قد يؤول الامر بنا إلى امتصاص بعض المواد المعدنية في أهباط وعيون السمك، بعد فترة من بقائنا وتغذيتنا بالبروتينات فقط.
القِشْرَةُ المُخِّيَّةُ المُتوَسَّطَة أو الدماغ الثدييّ الحوفيّ:
تمّت إضافة الدماغ الثاني لأوّل مرّة مع أسلاف الثدييات لدينا، أي منذ حوالي 65 مليون سنة. وهو مسؤول عن عواطفنا ويحتوي البصلة الشمية واللوزة الدماغية والوطاء.
ولعل أهمّ هذه العواطف هي العاطفة الدينية. ثمّ إنّ هذا الدماغ الثاني يمثّل بنك الذاكرة بصورة عامة، مسؤولا عن أحلامنا وكلّ الإحساس التلقائيّ، اللا إدراكي.
وهناك الدماغ الثالث القشريّ: وهو المهيمن حاليا ويحتوي على 80 % من حجم المخّ، وهو الدماغ الحديث المسؤول عن التفكير خاصّة. وهذا الدماغ القشري ينقسم إلى نصفين أو نصفي كرة: أيمن وأيسر.
وتختلف طريقة معالجة المعلومة التي تصل إلى الدماغ من جهة إلى أخرى، فنحن نعلم من التشريح أن نصف الكرة الأيمن يعالج هذه المعلومات الواصلة بصورة تلقائية وعاطفية دون كثير من التركيز... وهو يساعد على استقبال ثم التفاعل مع ما يصل من استثارات بصورة يغلب فيها أمر العاطفة.
أما الدماغ الأيسر أو نصف الكرة الأيسر فهو يعالج المعلومة بصورة عقلانية مع التفكير في عواقب كلّ قرار.. وقد يكون هو الذي بصورة ما يهيمن لدى العقلاني منا وقد يكون كذلك يهيمن حتى على نصف الكرة الأيسر بفضل التمرين والاحتكاك والنقاش والدرس والتعلّم والتجربة الميدانية والتواصل مع العقلاني من الكتابة والعقلاني من القراءة لحدث ما.
ومن هذا سوف نصل إلى فئتين من البشر، وخاصة في الأطفال والمراهقين والذين يملكون دماغا أكثر لُدُونَةٍ (plasticité)
فئة أولى عاطفية يمكن أن نغيّر أسلوبها وطريقة عيشها ونصنع منها الفنّان الحسّاس، لكن وكذلك المتطرّف والإرهابي!! هذه التي يهيمن لديها الدماغ الثاني العاطفي ويهيمن لديها نصف الكرة الأيمن.
وفئة عقلانية وهي التي يهيمن لديها الدماغ القشري بصورة عامة ونصف الكرة الأيسر بصورة خاصة. وهي فئة يصعب أن نجرّها بسهولة إلى ما نرغب. وفي نفس الوقت هي تحتوي أذكياء بصورة خارقة ومبدعين استثنائيين، لكن وكذلك متشبثين بآرائهم ومنطقهم حتى وإن بدا ضالا كلّ الضلال.
وبين هذه الفئة والأخرى نجد، طبعا، كلّ الحالات التي تحمل هذا وذاك بنسب متفاوتة.
وهذا الدماغ يحلم عند النوم وفي اليقظة:
من منّا لم يحلم؟ لا أحد. من منّا لم يتعرّض لمساءلة نفسه ومساءلة الغير عن معنى الحلم؟ عن الغرض منه؟ عن فائدته؟ عن مدلولاته؟ أي هل للحلم دور علاجيّ؟ وتعتبر الأحلام نوعا من النشاط الذهنيّ الذي يحدث داخل الدماغ أثناء النوم. ويتفاوت محتوى الحلم من أفكار وصور بسيطة إلى قصص مطوّلة قد تضاهي الحقيقة المعيشة وقد تتضمّن الكثير من النشاط الجسديّ. هل يمكن للعلم أن يفرض نفسه في الموضوع؟ وهل اهتمّت المعتقدات والأديان بهذا الموضوع؟ هناك من يذكر أنّه بإمكانه انطلاقا من أحلامه أن يتنبأ بما سوف يحصل. وهو يصرّ على ذلك. ويؤكّد أن شيئا ما قد حصل. أي أنّ حجّته تكمن في أمر حصل له أو لقريب له.
وتعكس الأحلام، في العادة، الواقع الذي يعيشه الإنسان خلال يقظته. إذن هناك أشياء نشاهدها دون أن نشاهدها لكنّها ترتسم بالدماغ. وهناك أشياء نسمعها دون أن نسمعها وهي ترتسم بالدماغ. وهناك رغبات لا نعبّر عنها. وهناك أوضاع نحلم بها في اليقظة. كلّ هذا يتجمّع في سيناريو خاصّ ليخلق حلما معيّنا.
هذه الرغبات، هذا الذي انطفأت شعلته في دماغ العليل، سوف يحاول المعالج الفنان بتحريكه وإيقاظه من جديد. دور المعالج أن يختار (؟) مع العليل الفنّ الذي يفتّق فيه الطفل أو المراهق أو حتى الكبير في السنّ موهبته المكبوتة. ذاك ما يحصل بعيادة الطب النفسي، بالسؤال والجواب عن أحلام العليل ليشير بعلاج فيه الفنّ سيدا.. لكن ما هو الفنّ؟
ثالثا: ما هي الفنون المحتملة؟
ليس توجد حدود للفنون التي يمكن أن تربط المُعالِج بالمعالَج. وهناك تنوع كبير في الممارسات الفنية العلاجية.
ولكنّ الأكثر شيوعًا تبقى الموسيقى بكلّ أصنافها سواء كانت الوترية أو مجرّد أداء مقاطع من أغاني يُتدرّب عليها. عالم الموسيقى متنوّع جدا... وبعيدًا عن بعض الأفكار، فإنّ العلاج بالموسيقى يهتم بإمكانيات وتطوير الاتصال العلاجي من خلال العمل مع الوظائف الصوتية والوترية والإيقاعية. وهي بذلك تقدّم له "صوتًا وسيطًا و/ أو كائنًا نفسيًا موسيقيًا" بهدف نسج الرابط العلاجي ثم إدامته بالضرورة، مما يمدّ مفهوم العلاج شرعية ونجاعة.
إذن العلاج بالموسيقى يستخدم الإنتاج الموسيقي والاستماع، وهو يؤدّي إلى حالة من الاسترخاء، ويعزز إطلاق العواطف. وقد يركز استخدامه على الاستماع السلبي (العليل يستمع ببساطة إلى أنواع من الموسيقى المختلفة ولا يطلب منه شيء)، والسمع النشط (المريض مدعو للتعبير عن المشاعر التي يشعر بها)، والسمع التفسيري (يفسر المريض معنى الألحان وقد يطلب تدقيقا لإجاباته) وأخيراً يمكن أن يصبح العليل مبدعًا (إمّا بصوته ليصدع بكل ما لديه من قوة الجواب أو يترنّم بمواويل يتنفّس من ورائها مخرجا آهاته وأحزانه وما اختزن من أشجان).


على أنّه لا بدّ من الملاحظة بأنّ هذه الموسيقى قد تتغيّر من إيقاع صاخب يأخذ المجال كاملا (وهو كثير حاليا) إلى الموسيقى الهادئة بقصد الاسترخاء النفسي. والمعالج بالموسيقى محترف يمارس الشفاء على أساس الاستخدام العلاجي بهذا أو ذك. علما بأن الحضرة التونسية مثّلت نوعا شائعا من هذه العلاجات والتي يمارسها الفنان بقصد أو دون قصد. وهي كذلك تمارس عند أضرحة الأولياء والصالحين، وعندها يكون القصد بالذات علاج بعض أنواع الصرع، (والصرع هنا ليس في مفهومه الطبيّ العلمي)، مثلا. والأستاذ سليم عمار كان قد كتب عن هذا الموضوع وقام هو نفسه بعلاج بعض المرضى النفسانيين بواسطتها. ناهيك أن الرقص يتمّ في الحضرة لمن هو يرغب وعادة ما يكون الراقص مريضا فعلا..


والرسم بكلّ أنواعه ابتداء من الخطّ وما أدراك ما الخطّ العربي بصورة خاصة والذي يوفّر أجمل الفرص للالتقاء بالذات ورسم هذه الذات بأجمل الحروف بمعقّفاتها ونقاطها وتعريجاتها وشكلها. والقراءة كذلك تمثل عينة من الفنون المعالجة، قراءة يحاول فيها الثنائي معالج-عليل نوعا من الأداء السخيّ الذي قد تكون فيه موسيقى ويكون فيه ترتيل مثلا. لهذا فإنّ قراءة القرآن تمثّل بالنسبة إلينا، نحن المسلمين، بابا علاجيا ممتعا. فما بالك إذا ما أبدع الطفل أو الكهل في نطقه وأدائه؟ والرسم كفنّ تشكيلي بحت يبحر فيه العليل بخربشات الأشكال والألوان المعبّرة كلّ منها على معضلة أو مشكلة أو حلاّ أو مجرّد باب يفتح على صفحة من ماضيه أو تجاربه أو آلامه الحالية. ولك أن تترك الطفل يلطّخ ما رغب فيه، ومساعدته بأقلّ ما يمكن من التدخّل، فلعلّه يفرز ذات صفحة دامية أو قاتمة من ماضيه. وليس لك أن تطالبه برسم دقيق ولا أن يرسم البيت كبيت والا العين كعين، فهو بذلك يحرّك يدا يكون منطلقها رغبة في عملية حجامة وفصد وإفراز لما فسد (؟) من دمه.
دعه يرسم رسماته التخطيطية (pictogrammes) أو دعه يلطّخ ما رغب فيه.. دعه يختار الألوان التي يراها معبّرة، أو دعه ينحت ما شاء أن ينحت، وفي النحت تلعب اليد دورا أساسيا فتلتصق بالمادة لتصنع شيئا جميلا.. أو تصنع تحفا يجد فيها أوجها يهابها، أو يحبّها، أو يخاف منها فتراه يشوّهها، أو هو يضخّم فاها معبّرا عن صياح اعتاد عليه من بعض أهله، أو يضيف إليه هراوة أو حتى سكينا..
وهذه المنحوتات يقرأها المعالج، يعرضها، يحاول أن يستفسر مع صاحبها، وعن الغاية من هذا وذاك حتى يدخل عالم العليل.
لكلّ ذلك يُنظر إلى الفن على أنه ناقل علاجي، أداة يستخدمها المعالج للعمل على مشكلة معينة، للسماح بتمثيل الصورة الذاتية، التي تتطور من خلال التعبير الفني. على الرغم من أنه من المستحيل وصف جميع تقنيات العلاج بالفن لأن الأنشطة الفنية عديدة، إلا أنه يمكننا الاقتراب من أشكالها الرئيسية:
يتيح المسرح للفرد أن "يحلّ محل" الآخر، واللعب بالمشاعر، وفهمها ولكن أيضًا لتعديلها. بهذا المعنى، فإنّه يسمح لك بالتراجع وإبعاد نفسك عن مشاعرك. المسرح فعال بشكل خاص في العمل على الصورة الذاتية وصعوبات العلاقات. والإمكانات العلاجية للمسرح قوية جدًا لدرجة أنها كانت في الأصل بناء علاج نفسي محدد: الدراما النفسية.
رابعا: من هو المعالج الكفء؟
وقد يسمى في بعض الأحيان معالجا بالفنّ متخصصا في الفنون التشكيلية، أو معالجا مهرّجا، أو معالجا بالرقص، أو معالجا بالدراما، وكذلك معالجا بالموسيقى. والمعالج بالفن عنصر فني صحي يدمج في الفريق الطبي المساعد، وهو متخصّص في النشاط الفني، ويستغل قوة وتأثيرات الفن في هدف علاجي وإنساني للتخفيف عن حالة الأشخاص الذين يعانون من عجز جسدي أو نفسي أو اجتماعي واقتصادي سواء بصورة ظرفية ومؤقتة أو بصورة مستمرة ومزمنة.
وهو يعمل بالقطاعات المهنية مثل الخدمة العامة، والصحة، والحياة الاجتماعية. ويعمل المعالج بالفن، في ورش عمل جماعية أو فردية، بالمرضى الذين يعانون من المرض أو الاكتئاب أو الإعاقة أو اضطرابات التعبير أو التواصل أو العلاقات. يستخدم فوائد تقنية فنية (تعزيز المشاعر الجسدية، تحفيز الأحاسيس والعواطف، المتعة في الدخول في علاقة، إيقاظ الحساسية الفنية، إلخ) لتحقيق الأهداف العلاجية المحدّدة بوصفة طبية.


كيف يتمّ تقييم حالة المريض؟
في البداية، يقوم المعالج بالفنون بإجراء تقييم شامل للمريض بالتعاون مع فريق الرعاية: طبيب، ممرض، معالج وظيفي، أخصائي نفسي... ثم يقوم ببناء برنامج تدخل وفقًا للوصفات الطبية، والبروتوكول العام (توجيه إجراءات الرعاية والتعليمات التي يجب على الفريق مراعاتها) وخصوصياته (تعبئة القوى الفنية فيما يتعلق بالآليات البشرية). كما يتم تقييم تقدم حالة المريض، بعد تنفيذ ورشة العمل الخاصة به. يقوم المعالج بالفنون بإجراء تقييمات طوال فترة رعاية المريض وينسخ النتائج والتقدم إلى الفريق الطبي والطبابي بأكمله.
ما هي المهارات المطلوبة بالنسبة لمن يروم الدخول في عالم العلاج بالفن؟
أ/ ضرورة التكيف مع مختلف المرضى وذلك بمواجهة الإعاقة أو المرض. يجب حينئذ على المعالج بالفنون التكيف من خلال مراعاة الحالة الجسدية والعقلية واحتياجات المرضى. هو يقوم بتحليل مهاراتهم الحركية وأذواقهم وشغفهم وبيئتهم الثقافية من أجل إنشاء برنامج تدخّل يمكنه تعديله على مدار فترة العلاج.
ب/ إعطاء طعم الحياة: يجب على المعالج بالفنون استعادة ثقة المرضى، وتشجيعهم على المثابرة في جهودهم، وإعادة تحفيزهم في مسار العلاج. وتعتبر مراقبة تطوّر المريض أمرًا ضروريًا للعمل بفعالية.
ج/ العمل ضمن مجموعة: تتطلب كل حالة تدخلا جماعيا يحدّد بعد فحص العليل وتقييم حالته، بالتشاور مع فريق الرعاية والدعم.
د/ معارف متنوعة: تتطلب المهنة مهارات فنية ومعرفة بعلم الجمال، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم النفس المرضي، والاستراتيجية العلاجية، وبروتوكول الرعاية... لمتابعة تطوّر مهنته وفتح آفاق عمل جديدة، على المعالج أن يعلم بالفنون ويتدرب طوال حياته المهنية. لذلك فإن تقييم المعالج بالفنّ يبقى أمرا ضروريا حتى لا يدخل العليل في متاهات تتعقّد بها حالته عوضا عن الشفاء المنتظر من هذه العلاجات
ه/ أين يمارس العلاج بالفنّ؟ يعمل المعالج بالفنون تحت سلطة الطبيب أو مدير المؤسسة الصحية بالضرورة والذي يكون طبيبا، ولم لا مختصا في الأمراض العقلية.. ويعمل مع المرضى على المؤشرات الطبية بصورة علمية ومقاسات واضحة. ويلتزم كلّ عضو في الفريق الطبي المساعد، بالعمل ضمن التخصّصات أو في شبكة يحترم فيها شروط المهن الطبابية: البروتوكول، الاستراتيجية، التقييم، احترام مدونة الأخلاق، تحديث معرفته طوال حياته المهنية (التعليم المستمر، المشاركة في المؤتمرات، العمل البحثي).
وسواءً كان يعمل بمؤسسة عمومية معترف بها، أو مؤسسة خاصة مرخّص لها بممارسة هذا العمل، أو هو يعمل لحسابه الخاص، يقوم المعالج بالفنّ ضمن خدمة دقيقة وواضحة بالمستشفى في أقسام الطب النفسي والطب الفيزيائي والأورام وطب الأعصاب وطب الأطفال وطب الشيخوخة، وفي القطاع الاجتماعي والثقافي والاجتماعي والثقافي والتعليمي، ومع الأطفال فاقدي السند، والنساء في محنة ما، والمسنين، والمساجن، وحتى في المنزل.
وعليه فإنّ المستوى الذهني المطلوب في نظرنا يبقى من صنف بكالوريا + 5 سنوات بالدراسة الجامعية في ميدان فني مختصّ مع تكوين ضروري في علم النفس والصحة لا يقل عن عام. وإذا انطلق المعالج من عالم الصحة فإنّه بالضرورة يكون معالجا نفسانيا قد تكوّن في فنّ من الفنون طيلة عام على الأقل. وكلّ هذا يتمّ تحت إشراف فريق طبي يؤهّل المعالج بالفنّ أيّا كان مُنطلقه.
فمن هم المرضى المستهدفين من هذا العلاج؟ المعالج بالفن يعمل مع جماهير مختلفة (أطفال، مراهقين أو بالغين). يقدم ورش عمل لتطوير أو إحياء الحساسية الفنية (الموسيقى، الرسم، النحت، الرقص، المسرح، التمثيل الصامت...) لدى الأشخاص المصابين بالذهان، ثنائية القطبية، اضطرابات التوحد، الذاكرة (الزهايمر)، الإعاقة، الخرف، السرطان، الاكتئاب، تعدّد التصلب، الرعاية التلطيفية، القلق، الألم، الفجيعة، البطالة...
الخلاصة:
من هذا البحث يتّضح بأن العلاج بالفنّ قديم قدم البشرية تقريبا. وأن الموسيقى على سبيل الحصر أمر اهتم به الأطباء العرب ذوي الصيت والشهرة قبل غيرهم. فمنحوا كتاباتهم أمورا دقيقة جدا. وإذا ما تبيّن بأن العصر الحديث قد وضّح أشكالا متعددة من العلاجات بالفنون المختلفة، فإنّ الهاجس لا يزال على أشدّه للمعرفة الدقيقة والنسب العلاجية الواضحة لكلّ مرض. وكما أنّ هناك من يتفاعل إيجابا بهذه الأنواع من الموسيقى وهذه الأنواع من الفنون التشكيلية والنحت والمسرح، فإنّ أمورا عديدة تبقى للدرس منها على سبيل المثال التصوير بالرنين المغناطيسي لكلّ هذه الاستثارات.. وكذلك التعرّف على الكمّية من الأدوية التي يمكن أن يتخلى عنها مريض يضيف ضمن علاجه حصصا في ممارسة فن من الفنون. لكلّ هذا، لا بدّ من الاستمرار في بحث العلاقة بين الفنّ والعلاج، بطرح علمي لا مجال فيه للعموميات كما هو الوضع الذي نحن عليه اليوم.
وحين أبديت لها بعض هذه الملاحظات قبل مغادرة مكتبها، نظرت إليّ كما لو كنت شكّكت في أمر كلّ ما كانت تقوم به. اليوم يا سيدتي هذه المادة الجينية لا تؤثر فينا بأكثر من ثلاثين بالمائة.. وتبقى الغالبية من التأثير لما نكسبه من التربية والتعليم والتكوين، في البيت وفي الشارع وعبر وسائل الاتصال الاجتماعي، وكذلك عبر كلّ صدف الحياة التي قد تضربنا في العمق وفي أغلى ما نكسب. كثيرا ما يهتدي الإنسان، يا سيدتي، إلى علاج ذاته قبل الدخول إلى مكتب الطبيب، ولن يدخله إلاّ اضطرارا يدفعه جسمه العليل أو يدفعه ذات قريب.. لإحساسه بعجزه عن لملمة جرحه النازف.
هكذا هي كلّ العلاجات أكانت تقليدية مسجلة مرقمة مقنّنة متفق عليها وفيها، أو كانت تنتمي إلى هذه الكيانات القديمة الحديثة على شاكلة العلاج بالفنّ.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

يمثل الذكاء الا...

يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة متقدمة في مسار التحول الرقمي، لأنه لا يقتصر على رقمنة الإجراءات، بل يسمح...

ا ليتك صدقتني ....

ا ليتك صدقتني .. يا طارق صالح المستشار محمد المسوري ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م في ديسمبر ٢٠٢٤م في الرياض كان...

أكدت عدد من منظ...

أكدت عدد من منظمات المجتمع المدني، أن التصعيد المتواصل والانتهاكات الجسيمة لمليشيا الحوثي، أدى إلى ت...

يتناول النص سير...

يتناول النص سيرة وجهود العالمة المغربية مارسيليا ألفرنسيس (التي أُشير إليها في بعض المواضع باسم سارة...

أكد مدير عام مك...

أكد مدير عام مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن، المستشار أرسلان أحمد السقاف، أن توح...

مسك فهد ببرود ا...

مسك فهد ببرود الملف للي فيه قضيه سلطان وفتحته وبدأ يقرأ بصوت عالي : سلطان بن سعود بن فهد متهم بحياز ...

[ إِنَّهُمْ يَر...

[ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ] لايك قبل م تقرين 🤍 { Part : 2 } امر فهد تركي...

الطبيعة هي الحي...

الطبيعة هي الحياة و الحياة هي الطبيعة علينا الحفاض عليها من حرائق بالتشجير واغرس النباتات واحافض علا...

ف التجربة: خلا...

ف التجربة: خلال فترة التدريب المباشر، لفت انتباهي موضوع إدارة الصف لما له من أهمية كبيرة في نجاح ال...

1-البطاقة التقن...

1-البطاقة التقنية وجود بطاقة تقنية لكل المواد (إجمالية لا يوجد تحصيص بمبلغ 073.17 960 92 دج ب...

" أن التطور الس...

" أن التطور السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي فعرض على نظام التعليم في المملكة العربية السعودية تبن...

Vaikka olen ark...

Vaikka olen arka viestijä, pidän itseäni empaattisena ihmisenä. Kuuntelen mielelläni muita ja yritän...

Tech news