Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (34%)

  1. طبيعةُ حياتِهم الاجتماعيَّةِ القائمةِ على الغَزوِ والانتقالِ من مكانٍ إلى آخَرَ. فقد كانت العربيَّةُ عندَهم على لسانِ المحادَثةِ والخَطابةِ والشِّعرِ، حتَّى يقولَ ابنُ عَبَّاسٍ: (الشِّعرُ ديوانُ العَرَبِ، ويُعَدُّ التَّأليفُ في غَريبِ القُرآنِ النَّواةَ الأُولى لتَأليفِ المَعاجِمِ، وقد ألَّف بعدَه عددٌ مِنَ العُلَماءِ في هذا المَجالِ؛ وقد جرَى جَمعُ ألفاظِ اللُّغةِ العَربيَّةِ على مَراحِلَ ثَلاثٍ: وكان السَّماعُ عنِ الأعرابِ مِنَ المَصادِرِ الأساسيَّةِ الَّتي اعتَمدَها الرُّواةُ في جَمعِ اللُّغةِ، ويُعَدُّ كِتابُ النَّوادِرِ في اللُّغةِ لأبي زيدٍ الأنصاريِّ مِن أفضَلِ الكُتُبِ اللُّغويَّةِ الَّتي تُمثِّلُ هذه المَرحَلةَ؛ مَبنيَّةٍ على مَعنًى مِنَ المَعاني، وهي تَجمَعُ اسمَ الحَرفِ الَّذي يَجمَعُ بين هذه الأُصولِ، وكِتابُ الجِيمِ لأبي عَمرٍو الشَّيبانيِّ. وأوَّلُ مَن وضَع المُعجَمَ هو الخَليلُ بنُ أحمَدَ الفَراهيديُّ، أو ما عُرِفَ بَعدُ باسمِ "غريبِ القرآنِ ولغاتِه"، نُضيفُ إلى ذلك أنَّ بُلوغَ الخليلِ إلى فكرةِ وَضعِ معجَمٍ: كافٍ للقولِ بأنَّ الأبحاثَ اللُّغَويَّةَ وَصَلت إلى مرحلةِ المعاجِمِ حتَّى في حالةِ عَدَمِ استطاعتِه تنفيذَ الفكرةِ، ولم تَصِلْ إلينا بَعدُ أخبارٌ عنهم. وكان أكثَرُ اللُّغَويِّين القُدَماءِ يُمْلون على تلاميذِهم من معارِفِهم بلا نظامٍ مُعَيَّنٍ. مِثلُ أبي عمرِو بنِ العلاءِ، بحيثُ يَستطيعُ القارِئُ العُثورَ على مُرادِه بكلِّ سُرعةٍ ويُسرٍ. فقدِ ابتَكَروا مَعاجِمَ خاصَّةً بلُغتِهم ذاتَ تَرتيبٍ يُغايرُ ما عُرِف عند العَربِ مِن تَرتيبٍ، وتجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ (أوَّلَ من ألَّف مُعجمًا عربيًّا باتِّفاقِ اللُّغَويِّين هو الخليلُ بنُ أحمَدَ الفراهيديُّ، فوَضَع لِلُّغَويِّين منهجَ التأليفِ المُعجَميِّ أو التَّركيبِ العامِّ، ثمَّ تتالت المعاجِمُ بَعدَه تنتَهِجُ نَهجَه، إمَّا على حروفِ الهجاءِ أو الموضوعِ . أو في نظامٍ آخَرَ محدَّدٍ مع شرحِ معانيها، أو في لغاتٍ أخرى؛ مع ذِكرِ الشَّواهِدِ التوضيحيَّةِ . ويُطلَقُ عليها معاجِمُ المعاني أو المعاجِمُ المُبوَّبةُ، وقد جاءت هذه الرَّسائِلُ خاصَّةً مُستقِلَّةً أو خُصِّصَت لها أبوابٌ وفصولٌ في الكتُبِ العامَّةِ، وهي عبارةٌ عن معاجِمَ بُنِيَت على المعاني والموضوعاتِ المألوفةِ، وقد تبَلْوَر المعجَمُ الذي نعرِفُه اليومَ على يدَيِ الخليلِ بنِ أحمدَ الفراهيديِّ في العينِ، وذلك مِن خِلالِ المُؤلَّفاتِ الخاصَّةِ بغَريبِ ألفاظِ الفُقَهاءِ. وتاريخِها وتَطوُّرِها، 9- اكتِسابُ ثَروةٍ لُغويَّةٍ كُبرى، ويحَدِّدُ الدُّكتورُ (رمضان عبد التَّوَّاب) وظائِفَ المُعجَمِ في أربَعِ وظائِفَ رئيسةٍ: 4- تحديدُ مكانِ النَّبْرِ في الكَلِمةِ . ومهما تباينَتِ الآراءُ حَولَ المعجَمِ في درَجةِ إيفائِه بالمعنى الاجتِماعيِّ أو الدَّلاليِّ، وما يَلحَقُها من تطوُّرٍ في أثناءِ تفاعُلِها مع غيرِها من اللُّغاتِ عَبْرَ مراحِلِ عُمُرِها الاجتِماعيِّ) . 1- القُرآنُ الكريمُ والقراءاتُ القُرآنيَّةُ: مَنَح القُرآنُ الكريمُ اللُّغةَ العَربيَّةَ قُوَّةً ورُقِيًّا ما كانت لتَصِلَ إليه لولاه؛ والتراكيبِ الجديدةِ، والاقتباسُ منها مناطَ العِزِّ والفَخارِ، وغَدَت اللُّغةُ العربيَّةُ تتألَّقُ وتتباهي على غيرِها من اللُّغاتِ بما حازت عليه من محاسِنِ الجمالِ وأنواعِ الكمالِ) ، وفي هذا يقولُ العلَّامةُ الرَّافعيُّ رحمه اللهُ: (نزل القرآنُ الكريمُ بهذه اللُّغةِ قليلُه وكثيرُه معًا، وإنَّما كان ذلك لأنَّه صفَّى اللُّغةَ من أكدارِها، وأجراها في ظاهِرِه على بواطِنِ أسرارِها، وفي طَراءةِ الخَلقِ أجملَ من الشَّبابِ، وصَوَّرَها بالحقيقةِ وأنطَقَها بالمجازِ، وتحويلِ التركيبِ إلى التراكيبِ- قد أظهَرَها مَظهرًا لا يُقضى العَجَبُ منه؛ . وعليها اعتِمادُ الفُقهاءِ والحُكَماءِ، وقبِلوا كلَّ ما جاء فيه، وحَقيقةُ الكِتابِ أنَّه (ما نُقِلَ إلينا بين دَفَّتَيِ المُصحَفِ بالأحرُفِ السَّبعةِ المَشهورةِ نَقلًا مُتَوتِرًا). يقولُ ابنُ الجَزَريِّ: (قد تَتبَّعتُ صَحيحَ القِراءةِ وشاذَّها وضَعيفَها ومُنكَرَها، وذلك: نَحوُ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة: 37] . 2- الحَديثُ النَّبَويُّ: يُعدُّ الحديثُ النَّبَويُّ الشَّريفُ مَصدرًا ثريًّا، وأقوَمُهم عبارةً، خاصَّةً أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم انفرد بألفاظٍ وتراكيبَ لم يسبِقْه إليها أحدٌ ولم تُسمَعْ من غيرِه من قَبلُ، كما كانت عندَه القُدرةُ على مخاطَبةِ القبائِلِ العربيَّةِ على اختلافِ لَهَجاتِها مُستَخدِمًا مع كلِّ قبيلةٍ حَرْفَها ولهجَتَها، أو شرَحَه أصحابُه رَضِيَ اللهُ عنهم، ومِن ثمَّ اعتُبِرَت أحاديثُه مصدرًا هامًّا اشتغل عليه العُلَماءُ والمُختَصُّون من اللُّغَويِّين عَبْرَ العُصورِ؛ والانسجامِ والتفاعُلِ؛ بسبَبِ ما تمتَلِكُه من ثروةٍ أسهَم الحديثُ النَّبَويُّ الشَّريفُ في التَّمكينِ لها من خلالِ الجديدِ الذي أضافه على مستوى المعاني والألفاظِ، والتراكيبِ والأساليبِ والرُّؤيةِ) . والحديثُ هو المَصدَرُ الثَّاني بعد القُرآنِ، فهو مُندرِجٌ لذلك في اللُّغةِ الَّتي يَتكلَّمُها النَّاسُ، والغايةُ الأساسيَّةُ مِنِ استِعمالِ الحَديثِ هي الاستِشهادُ، والمَشهورُ بين المُتأخِّرين أنَّ القُدامى لم يَستَشهِدوا بالحَديثِ، ثمَّ حاوَلوا تَعليلَ ذلك ، وقد أشارَ إلى ذلك أحمَدُ الإسكندَريُّ بقولِه: (مضَت ثَمانِيةُ قُرونٍ والعُلَماءُ مِن أوَّلِ أبي الأسوَدِ الدُّؤَليِّ إلى ابنِ مالِكٍ لا يَحتجُّون بلَفظِ الحَديثِ في اللُّغةِ إلَّا الأحاديثَ المُتَواتِرةَ) . ومِن ذلك: أنَّ الأحادِيثَ أصَحُّ سَنَدًا مِن كَثيرٍ ممَّا يُنقَلُ مِن أشعارِ العَربِ. وانتَهَوا إلى أنَّه يَرجِعُ لسَببَين: لأنَّ كَثيرًا مِنَ الرُّواةِ كانوا غيرَ عَربٍ بالطَّبعِ . وتراكيبَ ولهَجاتٍ، وما كُتُبُ غريبِ الحديثِ إلَّا دليلٌ على ذلك. وهذا كُلُّه في صالحِ دَفعِ عَجَلةِ البحثِ العِلميِّ اللُّغَويِّ وتطَوُّرِهـ) . 3- المأثورُ من كلامِ العَرَبِ: 4- الشِّعرُ: واعتَبروه الدِّعامَّةَ الأُولى لهم، إن صدَر عن ثِقةٍ يُعتمَد عليه؛ فاعتَمد عليها خَلَفٌ بعد سَلَفٍ، أو ما يُسمَّى بضَرورةِ الشِّعرِ، سَواءٌ أكان للشَّاعرِ عنه مَندوحَةٌ أم لا، 5- الشَّواهِدُ النَّثْريَّةُ: وهذا يُعَدُّ مِن آدابِ العَربِ المُهِمَّةِ، وقد وضَع اللُّغويُّون الزَّمانَ، فقد حدَّدوا نِهايةَ المُدَّةِ الَّتي يُستشهَدُ بها بآخِرِ القَرنِ الثَّاني الهِجريِّ بالنِّسبةِ لعَربِ الأمصارِ،


Original text

نشأةُ المُعجَمِ العَرَبيِّ
لم يكُنِ العَرَبُ يَعرِفون التأليفَ المُعجَميَّ قَبْلَ العصرِ العبَّاسيِّ و ذلك لأسبابٍ عِدَّةٍ، أهمُّها:
(1) انتِشارُ الأمِّيَّةِ بينهم، فالذين كانوا يَعرِفون القِراءةَ والكتابةَ قَبلَ الإسلامِ قليلون.
(2) طبيعةُ حياتِهم الاجتماعيَّةِ القائمةِ على الغَزوِ والانتقالِ من مكانٍ إلى آخَرَ.
(3) إتقانُهم للُغتِهم، فقد كانت العربيَّةُ عندَهم على لسانِ المحادَثةِ والخَطابةِ والشِّعرِ، حتَّى يقولَ ابنُ عَبَّاسٍ: (الشِّعرُ ديوانُ العَرَبِ، فإذا خَفِي علينا الحرفُ من القرآنِ الذي أنزله اللهُ، رجَعْنا إلى الشِّعرِ فالتمَسْنا معرفةَ ذلك منه ـ). وإن كانت العرَبُ لم يعرِفوا المعاجِمَ قَبلَ العَصرِ العبَّاسيِّ، لكِنْ لا شكَّ في أنَّ الفِكرةَ المُعجَميَّةَ كانت قد بدأت تراوِدُهم منذُ أن بدؤوا أن يَشرَحوا القُرآنَ .
ويُعَدُّ التَّأليفُ في غَريبِ القُرآنِ النَّواةَ الأُولى لتَأليفِ المَعاجِمِ، وقد عُرِف عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنه اهتِمامُه بتَفسيرِ الألفاظِ الغَريبةِ في القُرآنِ، وتَوضيحِ مَعناها، وذِكرُه لبعضِ الشَّواهِدِ الشِّعريَّةِ، وقد ألَّف بعدَه عددٌ مِنَ العُلَماءِ في هذا المَجالِ؛ حيثُ الاقتِصارُ على الألفاظِ الغَريبةِ، وذِكرُ بعضِ الأشعارِ المُؤيِّدةِ لمَعناها.
وقد جرَى جَمعُ ألفاظِ اللُّغةِ العَربيَّةِ على مَراحِلَ ثَلاثٍ:
المَرحَلةُ الأُولى: عرَفت هذه المَرحَلةُ تَدوينَ ألفاظِ اللُّغةِ وتَفسيرَها من دون تَرتيبٍ، وقد جرى هذا الجَمعُ بفَضلِ ارتِباطِ الرُّواةِ والعُلَماءِ منذُ أواخِرِ القَرنِ الهِجريِّ الأوَّلِ، وكان السَّماعُ عنِ الأعرابِ مِنَ المَصادِرِ الأساسيَّةِ الَّتي اعتَمدَها الرُّواةُ في جَمعِ اللُّغةِ، ويُعَدُّ كِتابُ النَّوادِرِ في اللُّغةِ لأبي زيدٍ الأنصاريِّ مِن أفضَلِ الكُتُبِ اللُّغويَّةِ الَّتي تُمثِّلُ هذه المَرحَلةَ؛ ذلك أنَّ المُؤلِّفَ يُورِدُ فيه النُّصوصَ الشِّعريَّةَ والنَّثريَّةَ الغَريبةَ، فيَشرَحُها ويُعلِّقُ عليها مِن غيرِ تَرتيبٍ.
المَرحَلةُ الثَّانيةُ: وهي مَرحَلةُ تَدوينِ اللُّغةِ مُرتَّبةً في رَسائِلَ مُتفرِّقةٍ صَغيرةٍ مَحدودةِ المَوضوعِ، مَبنيَّةٍ على مَعنًى مِنَ المَعاني، أو على حَرفٍ مِنَ الحُروفِ، مِثلُ كِتابِ المَطَرِ لأبي زيدٍ الأنصاريِّ، وللأَصمَعيِّ كُتُبٌ؛ منها: كِتابُ الإِبِلِ والخَيلِ، وكِتابُ أسماءِ الوُحوشِ وصِفاتِها، وكِتابُ النَّخلِ والكَرمِ، وكِتابُ النَّباتِ والشَّجرِ.
وهناك رَسائِلُ أخرى جُمِعت فيها ألفاظُ اللُّغةِ دون مُراعاةِ مَعانيها، وهي تَجمَعُ اسمَ الحَرفِ الَّذي يَجمَعُ بين هذه الأُصولِ، فيُقالُ: كِتابُ الخاءِ، وكِتابُ الجيمِ، ومِن أشهَرِ ما وصَل إلينا مِن رَسائِلِ هذا النَّوعِ كِتابُ الهَمزِ لأبي زيدٍ الأنصاريِّ، وكِتابُ الجِيمِ لأبي عَمرٍو الشَّيبانيِّ.
وهناك رَسائِلُ أخرى جُمِعت فيها الألفاظُ الَّتي تَربِطُ بينَها رابِطةٌ أخرى غيرُ رابِطةِ المَعاني أوِ الحُروفِ، مِثلُ الكُتُبِ الَّتي أُلِّفت في الأضدادِ، مِثلُ (الجَونِ) الَّذي يُطلَقُ على الأسودِ والأبيضِ، والفِعلِ (شرى) الَّذي يدُلُّ على البَيعِ والشِّراءِ.
المَرحَلةُ الثَّالِثةُ: وهي مَرحَلةُ وَضعِ المَعاجِمِ العامَّةِ الشَّامِلةِ المُنظَّمةِ، وأوَّلُ مَن وضَع المُعجَمَ هو الخَليلُ بنُ أحمَدَ الفَراهيديُّ، وكان الهَدَفُ الأساسيُّ مِن هذا كلِّه هو خِدمةَ القُرآنِ ونُصوصِ التَّشريعِ، وصَونَ اللُّغةِ مِنَ الخَطَأِ، وحِفظَها مِنَ الضَّياعِ .
ويعلِّقُ د. حسين نصَّار على هذا التَّسلسُلِ فيقولُ: (وأتَّفِقُ مع الأستاذِ الباحِثِ في كونِ فكرةِ التَّسلسُلِ معقولةٌ صحيحةٌ، مع شرطٍ واحدٍ هو أن تنشَأَ هذه الأبحاثُ اللُّغَويَّةُ منفَرِدةً غيرَ متَّصِلةٍ بأيِّ نشاطٍ آخَرَ، لكِنَّ الآثارَ الباقيةَ تُنكِرُ هذا الانفرادَ؛ فقد كان أوَّلُ الأبحاثِ اللُّغَويَّةِ يدورُ حولَ الألفاظِ القرآنيَّةِ، أو ما عُرِفَ بَعدُ باسمِ "غريبِ القرآنِ ولغاتِه"، وما شابه ذلك. نُضيفُ إلى ذلك أنَّ بُلوغَ الخليلِ إلى فكرةِ وَضعِ معجَمٍ: كافٍ للقولِ بأنَّ الأبحاثَ اللُّغَويَّةَ وَصَلت إلى مرحلةِ المعاجِمِ حتَّى في حالةِ عَدَمِ استطاعتِه تنفيذَ الفكرةِ، وتَرْكِها لأحدِ تلاميذِه. كذلك نُخالِفُ في كونِ الأصمَعيِّ وأبي زيدٍ واضِعَيِ الفكرةِ الثَّانيةِ، فقد سبقَهما إليها كثيرون، أهمُّهم أبو حيرةَ الأعرابيُّ، أستاذُ الخليلِ وصاحِبُ كتابِ الحَشَراتِ. وربَّما شاركه في هذا الشَّرَفِ معاصِرون له، أو سابِقون عليه، ولم تَصِلْ إلينا بَعدُ أخبارٌ عنهم.
وإذَنْ تكونُ فِكرةُ التَّسلسُلِ معقولةً صحيحةً نظريًّا لا عَمَليًّا، أمَّا المراحِلُ التي قطعَتْها الدِّراساتُ اللُّغَويَّةُ فِعلًا فتختَلِفُ عن ذلك في المرحلةِ الأولى، وتُقِرُّ بوجودِ المرحلَتَينِ الثَّانيةِ والثَّالثةِ. أمَّا المرحلةُ الأولى فاختلطت فيها عِدَّةُ دراساتٍ: رسائِلُ حولَ القرآنِ والحديثِ، ورسائِلُ أخرى ينطَبِقُ عليها وَصفُ هذا الباحِثِ، وهي كتُبُ النَّوادِرِ والأمالي. وكان أكثَرُ اللُّغَويِّين القُدَماءِ يُمْلون على تلاميذِهم من معارِفِهم بلا نظامٍ مُعَيَّنٍ. كما كانوا يُقَيِّدون ما يَسمَعونه من الأعرابِ في دفاتِرَ بغيرِ نظامٍ مُعَيَّنٍ أيضًا. ولن نُعنى بكُتُبِ الأمالي؛ لقلَّةِ تأثيرِها في المعاجِمِ، أو عَدَمِ تأثيرِها البتَّةَ. أمَّا كُتُبُ النَّوادِرِ فقد عُزِي بعضُها إلى معاصِرين للخليلِ وأساتيذَ له؛ مِثلُ أبي عمرِو بنِ العلاءِ، وأبى مالِكٍ عَمرِو بن كِرْكِرةَ الأعرابيِّ، وإذَنْ فإنِّي على الرَّغمِ من عَدَمِ مُوافقتي على كثيرٍ من عباراتِ هذا الباحِثِ، أوافِقُه في وجودِ هذه المراحِلِ، مع مراعاةِ هذا الخَلطِ في المرحلةِ الأولى، وعدَمِ وُجودِ فواصِلَ كبيرةٍ بَينَ مرحلةٍ وأخرى، وعدَمِ تميُّزِ كُلِّ مرحلةٍ تمامًا، لضياعِ هذه الكُتُبِ الأولى، وعَدَمِ انقضاءِ كُلِّ مرحلةٍ بظُهورِ تالِيَتِها؛ إذ بَقِي المؤلِّفون يُخرِجون من الكتابِ ما يُوضَعُ تحتَ المرحلةِ الأولى أو الثَّانيةِ حتى عهودٍ متأخِّرةٍ، ربَّما تمتَدُّ إلى عَهدِنا الحاضِرِ) .
وتُعَدُّ قَضيَّةُ التَّرتيبِ مِن أهمِّ القَضايا الَّتي عرَفها تاريخُ القاموسِ العَربيِّ القَديمِ؛ إذ هو الطَّريقةُ أوِ المَنهَجُ الَّذي يَتَّبعُه صانِعُ المُعجَمِ لتَنظيمِ الثَّروةِ اللَّفظيَّةِ المُختارةِ مِنَ الكَلِماتِ والتَّعابيرِ الاصطِلاحيَّةِ والسِّياقيَّةِ، وعَرضِها في المُعجَمِ، بحيثُ يَستطيعُ القارِئُ العُثورَ على مُرادِه بكلِّ سُرعةٍ ويُسرٍ.
ويُعَدُّ المُعجَميُّون العَربُ مِنَ السَّبَّاقين إليه، حتَّى أصبَح اختِصاصًا على يَدِهم دون غيرِهم، ونَهجًا يُقتَدى مِنَ النُّحاةِ والمُعجَميِّين، على الرَّغمِ مِنِ افتِراضِ كَونِ الأمَمِ الأخرى -مِثلُ الآشُوريِّين، والصِّينيِّين، واليُونانِ- لهم اهتِمامٌ باللُّغةِ؛ فالآشُوريُّون اهتمُّوا باللُّغةِ ومُفرَداتِها وقَواعِدِها، وعرَفوا المَعاجِمَ قبل العَربِ، فقدِ ابتَكَروا مَعاجِمَ خاصَّةً بلُغتِهم ذاتَ تَرتيبٍ يُغايرُ ما عُرِف عند العَربِ مِن تَرتيبٍ، فتَركوا نِظامَ الكِتابةِ التَّرميزيَّةِ القَديمةِ، واستَبدلوا بها نِظامَ الإشاراتِ المَقطعيَّةِ أوِ الألفبائيَّةِ .
وتجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ (أوَّلَ من ألَّف مُعجمًا عربيًّا باتِّفاقِ اللُّغَويِّين هو الخليلُ بنُ أحمَدَ الفراهيديُّ، واضِعُ كتابِ (العَين)، فوَضَع لِلُّغَويِّين منهجَ التأليفِ المُعجَميِّ أو التَّركيبِ العامِّ، وسنَّ لهم سُنَّتَه، ثمَّ تتالت المعاجِمُ بَعدَه تنتَهِجُ نَهجَه، أو تخالِفُه في بعضِهـ)


أسبابُ تأليفِ المعاجِمِ وفوائِدُها
إنَّ اللُّغَويِّين قد قرَّروا أنَّ المُعجَمَ "قائمةٌ بمُفرَداتِ اللُّغةِ أو مورفيماتِها" أو بتعبيرِ بُلومْفِيلْد: "المخزونُ الكُلِّيُّ لمورفيماتِ اللُّغةِ" . وعرَّف إميل يعقوب المُعجَمَ أنَّه كتابٌ يضمُّ أكبَرَ عدَدٍ من مفرَداتِ اللُّغةِ مقرونةً بشَرحِها وتفسيرِ معانيها على أن تكونَ الموادُّ مرتَّبةً ترتيبًا خاصًّا، إمَّا على حروفِ الهجاءِ أو الموضوعِ . وأمَّا المُعجَمُ الكامِلُ -عندَ عطَّارٍ- فهو الذي يضُمُّ كُلَّ كَلِمةٍ في اللُّغةِ مصحوبةً بشَرحِ معناها واشتقاقِها وطريقةِ نُطقِها وشواهِدَ تُبَيِّنُ مواضِعَ استعمالِها .
فالمُعجَمُ أو القاموسُ هو كتابٌ يحتوي مجموعةً من مفرداتِ اللُّغةِ مُرَتَّبةً ترتيبًا أبجَديًّا، أو في نظامٍ آخَرَ محدَّدٍ مع شرحِ معانيها، وعادةً ما يذكُرُ المعلوماتِ الخاصَّةَ بها في اللُّغةِ نفسِها، أو في لغاتٍ أخرى؛ بالإضافةِ إلى ذلك فإنَّ القاموسَ يتعرَّضُ لطريقةِ نُطقِها، واشتقاقِها، والمترادِفاتِ والاصطِلاحاتِ، مع ذِكرِ الشَّواهِدِ التوضيحيَّةِ .
يقولُ ابنُ جِنِّي في مُقَدِّمةِ كتابِه ((سِرُّ صناعةِ الإعرابِ)): (اعلَمْ أنَّ (ع ج م) إنَّما وقعت في كلامِ العَرَبِ للإبهامِ والإخفاءِ، وضِدِّ البيانِ والإيضاحِ، من ذلك قولُهم: رجُلٌ أعجَمُ، امرأةٌ عَجماءُ: إذا كانا لا يُفصِحانِ ولا يُبِينانِ كلامَهما) .
إنَّ حركةَ التأليفِ في المعاجِمِ بدأت انطلاقًا من رسائِلِ الموضوعاتِ، وهي رسائِلُ متوسِّطةٌ وصغيرةٌ ساهمت في نشأةِ المعاجِمِ الكبيرةِ مُساهَمةً فعَّالةً، وذلك في النِّصفِ الثَّاني من القَرنِ الثَّاني الهِجريِّ، ويُطلَقُ عليها معاجِمُ المعاني أو المعاجِمُ المُبوَّبةُ، وقد جاءت هذه الرَّسائِلُ خاصَّةً مُستقِلَّةً أو خُصِّصَت لها أبوابٌ وفصولٌ في الكتُبِ العامَّةِ، وهي عبارةٌ عن معاجِمَ بُنِيَت على المعاني والموضوعاتِ المألوفةِ، وقد تبَلْوَر المعجَمُ الذي نعرِفُه اليومَ على يدَيِ الخليلِ بنِ أحمدَ الفراهيديِّ في العينِ، وتتابَعَ بعده التأليفُ في المعاجِمِ إلى العَصرِ الحديثِ، وبدت ظاهِرةُ التقليدِ في صناعةِ المعاجِمِ جَليَّةً واضحةً إلى حدٍّ بعيدٍ، وهي أنَّ المتأخِّرين قد اعتَمَدوا على السَّابِقين والأخذِ عنهم .
ويمكِنُ إجمالُ هذه الفوائِدِ فيما يلي:
1- العِنايةُ بفَهمِ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ مِن خِلالِ تَفسيرِ آياتِه بمُراجَعةِ المُؤلَّفاتِ في غَريبِ القُرآنِ؛ مِن خِلالِ تَفسيرِ الألفاظِ العَربيَّةِ في القُرآنِ وتَوضيحِ مَعناها، معَ ذِكرِ الشَّواهِدِ الشِّعريَّةِ فيها.
2- تَفسيرُ الألفاظِ العَربيَّةِ الوارِدةِ في الأحاديثِ المَرويَّةِ عنِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعنِ الصَّحابةِ والتَّابِعين.
3- مَعرِفةُ المُرادِ بألفاظِ بعضِ الفُقَهاءِ في المُتُونِ، ورَبطُها بالتَّعريفاتِ الاصطِلاحيَّةِ عندَهم، وذلك مِن خِلالِ المُؤلَّفاتِ الخاصَّةِ بغَريبِ ألفاظِ الفُقَهاءِ.
4- فَهمُ مُفرَداتِ القَصائِدِ الشِّعريَّةِ العَربيَّةِ والقِطَعِ النَّثريَّةِ؛ لتَدوينِ اللُّغةِ العَربيَّةِ خَشيةَ ضَياعِ شيءٍ مِن مُفرَداتِها، لا سيَّما حَياةِ فُصَحائِها.
5- ضَبطُ الكَلِماتِ، ومَعرِفةُ نُطقِها الصَّحيحِ.
6- بَيانُ أصلِ الكَلِمةِ واشتِقاقاتِها وتَصريفاتِها، وجُموعِها ومَصادِرها، وتاريخِها وتَطوُّرِها، واختِلافِ استِعمالِها.
7- تَحديدُ أماكِنِ بعضِ المَواقِعِ الجُغرافيَّةِ والمُدُنِ التَّاريخيَّةِ.
8- حِفظُ كمٍّ هائِلٍ مِنَ الشَّواهِدِ الشِّعريَّةِ، مِن خِلالِ جَمعِ أشعارِ بعضِ الصَّحابةِ.
9- اكتِسابُ ثَروةٍ لُغويَّةٍ كُبرى، لا سيَّما عند تَعدُّدِ مَدلولاتِ الكَلِمةِ، واختِلافِ مَعانيها .
ويحَدِّدُ الدُّكتورُ (رمضان عبد التَّوَّاب) وظائِفَ المُعجَمِ في أربَعِ وظائِفَ رئيسةٍ:
1- شَرحُ الكَلمةِ وبيانُ معناها أو معانيها عبرَ العُصورِ.
2- بيانُ كيفيَّةِ نُطقِ الكَلِمةِ، أي: ضَبْطُها بالشَّكلِ.
3- تحديدُ الوظيفةِ الصَّرفيَّةِ للكَلِمةِ.
4- تحديدُ مكانِ النَّبْرِ في الكَلِمةِ .
(ومهما تباينَتِ الآراءُ حَولَ المعجَمِ في درَجةِ إيفائِه بالمعنى الاجتِماعيِّ أو الدَّلاليِّ، وجَلائِه للمعنى المعجَميِّ أو قُصورِه عن ذلك؛ فإنَّ المعجَمَ يبقى من أنجَعِ الوسائِلِ القديمةِ والحديثةِ في الحفاظِ على اللُّغةِ في ماضيها، وفي حاضِرِها المتجَدِّدِ، وما يَلحَقُها من تطوُّرٍ في أثناءِ تفاعُلِها مع غيرِها من اللُّغاتِ عَبْرَ مراحِلِ عُمُرِها الاجتِماعيِّ) .


مصادِرُ التَّأليفِ المُعجَميُّ العَرَبيُّ
1- القُرآنُ الكريمُ والقراءاتُ القُرآنيَّةُ:
(مَنَح القُرآنُ الكريمُ اللُّغةَ العَربيَّةَ قُوَّةً ورُقِيًّا ما كانت لتَصِلَ إليه لولاه؛ فقد وهبَها اللهُ به من المعاني الفيَّاضةِ، والألفاظِ المتطَوِّرةِ، والتراكيبِ الجديدةِ، والأساليبِ العاليةِ الرَّفيعةِ، فأصبحَت بذلك محَطَّ جميعِ الأنظارِ، والاقتباسُ منها مناطَ العِزِّ والفَخارِ، وغَدَت اللُّغةُ العربيَّةُ تتألَّقُ وتتباهي على غيرِها من اللُّغاتِ بما حازت عليه من محاسِنِ الجمالِ وأنواعِ الكمالِ) ، وفي هذا يقولُ العلَّامةُ الرَّافعيُّ رحمه اللهُ: (نزل القرآنُ الكريمُ بهذه اللُّغةِ قليلُه وكثيرُه معًا، فكان أشبَهَ شَيءٍ بالنُّورِ في جملةِ نَسَقِه؛ إذ النُّورُ جُملةٌ واحدةٌ، وإنَّما يتجَزَّأُ باعتبارٍ لا يخرِجُه من طبيعتِه، وهو في كُلِّ جزءٍ من أجزائِه جملةٌ لا يُعارَضُ بشيءٍ إلا إذا خُلِقت سماءٌ غيرُ السَّماءِ، وبُدِّلت الأرضُ غيرَ الأرضِ، وإنَّما كان ذلك لأنَّه صفَّى اللُّغةَ من أكدارِها، وأجراها في ظاهِرِه على بواطِنِ أسرارِها، فجاء بها في ماءِ الجَمالِ أملأَ من السَّحابِ، وفي طَراءةِ الخَلقِ أجملَ من الشَّبابِ، ثمَّ هو بما تناوَل بها من المعاني الدَّقيقةِ التي أبرَزَها في جلالِ الإعجازِ، وصَوَّرَها بالحقيقةِ وأنطَقَها بالمجازِ، وما ركَّبها به من المطاوَعةِ في تقلُّبِ الأساليبِ، وتحويلِ التركيبِ إلى التراكيبِ- قد أظهَرَها مَظهرًا لا يُقضى العَجَبُ منه؛ لأنَّه جَلَّاها على التاريخِ كُلِّه لا على جيلِ العَرَبِ بخاصَّتِه...) .
فألفاظُ القُرآنِ الكَريمِ هي لُبُّ كَلامِ العَربِ وزُبدتُه، وعليها اعتِمادُ الفُقهاءِ والحُكَماءِ، والفُرقانُ العَزيزُ الَّذي نزَل بلِسانٍ عربيٍّ مُبينٍ في أعلى دَرَجاتِ الفَصاحةِ، فكانت أمَّةُ العَربِ في أمَسِّ الحاجةِ إليه؛ إذِ استَشهَدوا به في كَثيرٍ مِنَ المَواطِنِ، وقبِلوا كلَّ ما جاء فيه، وحَقيقةُ الكِتابِ أنَّه (ما نُقِلَ إلينا بين دَفَّتَيِ المُصحَفِ بالأحرُفِ السَّبعةِ المَشهورةِ نَقلًا مُتَوتِرًا).
والقِراءاتُ القُرآنيَّةُ هي الوُجوهُ المُختلِفةُ الَّتي سمَح النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِراءةِ نَصِّ المُصحَفِ بها قَصدًا للتَّيسيرِ، والَّتي جاءت وَفقًا لِلَهجةٍ مِنَ اللَّهَجاتِ العَربيَّةِ؛ يقولُ ابنُ الجَزَريِّ: (قد تَتبَّعتُ صَحيحَ القِراءةِ وشاذَّها وضَعيفَها ومُنكَرَها، فإذا هي يَرجِعُ اختِلافُها إلى سَبعةِ أوجُهٍ، لا يَخرُجُ عنها؛ وذلك:
إمَّا في الحَرَكاتِ بلا تَغيُّرٍ في المَعنى والصُّوَرةِ، نَحوُ: بِالبُخلِ [النساء: 37] ؛ بأربَعةٍ، ويُحسَبُ بوَجهَين.
أو مُتَغيِّرٍ في المَعنى فقط، نَحوُ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة: 37] .
وإمَّا في الحُروفِ بتَغيُّرِ المَعنى لا الصُّوَرةِ، نَحوُ: تَبلُو [يونس: 30] 30، و تَتلُو [البقرة: 102] .
أو عَكسِ ذلك، نَحوُ: الصِّرَاطَ [الفاتحة: 6] و (السِّراط).
أو بتَغيُّرِهما، نَحوُ: وَامضُوا [الحجر: 65] . (واسعَوا).
وإمَّا في التَّقديمِ والتَّأخيرِ، نَحوُ: فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ [التوبة: 111] .
أو في الزِّيادةِ والنُّقصانِ، نَحوُ: وَصَّى [البقرة: 132] و (أوصى).
فهذه سَبعةٌ لا يَخرُجُ الاختِلافُ عنها) .
2- الحَديثُ النَّبَويُّ:
(يُعدُّ الحديثُ النَّبَويُّ الشَّريفُ مَصدرًا ثريًّا، ومجالًا حيويًّا مُنعِشًا للُّغةِ العربيَّةِ في أبعادِها المختَلِفةِ؛ فقد جاء بلِسانِ سَيِّدِنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو أفصحُ العَرَبِ قاطِبةً، وأقوَمُهم عبارةً، وأقدَرُهم على صناعةِ البيانِ، بعثه اللهُ عزَّ وجَلَّ في أمَّة تعتزُّ بلُغتِها، وتُعجَبُ بسِحرِ بيانِها، لكِنَّها عَجِبت لفصاحتِه، وعَجَزت أمامَ بلاغتِه، خاصَّةً أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم انفرد بألفاظٍ وتراكيبَ لم يسبِقْه إليها أحدٌ ولم تُسمَعْ من غيرِه من قَبلُ، كما كانت عندَه القُدرةُ على مخاطَبةِ القبائِلِ العربيَّةِ على اختلافِ لَهَجاتِها مُستَخدِمًا مع كلِّ قبيلةٍ حَرْفَها ولهجَتَها، فأتاح لنا بذلك أن نتعرَّفَ إلى لهجاتٍ عربيَّةٍ ما كُنَّا لِنَعرِفَها لولا حديثُه بها، وقد نَقَلت لنا مُصَنَّفاتُ غَريبِ الحديثِ كلَّ ذلك، واعتَنَت بشرحِه وبيانِه؛ إمَّا بما شرَحَه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نفسُه، أو شرَحَه أصحابُه رَضِيَ اللهُ عنهم، ثمَّ تناقَلَه عنهم اللُّغَويُّون فيما بَعدُ، وفصَّلوا في بيانِه.
ومِن ثمَّ اعتُبِرَت أحاديثُه مصدرًا هامًّا اشتغل عليه العُلَماءُ والمُختَصُّون من اللُّغَويِّين عَبْرَ العُصورِ؛ ممَّا أسهم في إثراءِ اللُّغةِ العربيَّةِ، ودَفْعِ عَجَلةِ تطَوُّرِها ونمائِها، ونشاطِ حركةِ البحثِ العِلميِّ فيها، وكَشْفِ قدرتِها على التجَذُّرِ والانتشارِ، والانسجامِ والتفاعُلِ؛ بسبَبِ ما تمتَلِكُه من ثروةٍ أسهَم الحديثُ النَّبَويُّ الشَّريفُ في التَّمكينِ لها من خلالِ الجديدِ الذي أضافه على مستوى المعاني والألفاظِ، والتراكيبِ والأساليبِ والرُّؤيةِ) .
والحديثُ هو المَصدَرُ الثَّاني بعد القُرآنِ، ويُعَدُّ استِعمالُه مَصدَرًا في تَأليفِ المُعجَمِ، فهو مُندرِجٌ لذلك في اللُّغةِ الَّتي يَتكلَّمُها النَّاسُ، والغايةُ الأساسيَّةُ مِنِ استِعمالِ الحَديثِ هي الاستِشهادُ، والمَشهورُ بين المُتأخِّرين أنَّ القُدامى لم يَستَشهِدوا بالحَديثِ، فبنَوا عليه أنَّهم يَرفضون الاستِشهادَ به، فلا يَستَنِدون إليه في إثباتِ ألفاظِ اللُّغةِ، أو وَضعِ قَواعِدِها، ثمَّ حاوَلوا تَعليلَ ذلك ، وقد أشارَ إلى ذلك أحمَدُ الإسكندَريُّ بقولِه: (مضَت ثَمانِيةُ قُرونٍ والعُلَماءُ مِن أوَّلِ أبي الأسوَدِ الدُّؤَليِّ إلى ابنِ مالِكٍ لا يَحتجُّون بلَفظِ الحَديثِ في اللُّغةِ إلَّا الأحاديثَ المُتَواتِرةَ) .
وقد أجمَل أحمَدُ مُختارٍ أسبابًا كَثيرةً تَحمِلُ الشَّكَّ في صِحَّةِ ما نُسِب إلى الأقدَمين مِن رَفضِهم الاستِشهادَ بالحَديثِ؛ ومِن ذلك:
أنَّ الأحادِيثَ أصَحُّ سَنَدًا مِن كَثيرٍ ممَّا يُنقَلُ مِن أشعارِ العَربِ.
أنَّ مِنَ المُحدِّثين مَن ذهَب إلى أنَّه لا تَجوزُ الرِّوايةُ بالمَعنى إلَّا لمَن أحاطَ بجَميعِ دَقائقِ اللُّغة .
وقد حاوَلَ المُتأخِّرون أن يُعلِّلوا هذا الرَّفضَ المَزعومَ، وانتَهَوا إلى أنَّه يَرجِعُ لسَببَين:
الأوَّلُ: أنَّ الرُّواةَ جوَّزوا النَّقلَ بالمَعنى.
الثَّاني: أنَّه وقَع اللَّحنُ كَثيرًا فيما رُوِي مِنَ الحَديثِ؛ لأنَّ كَثيرًا مِنَ الرُّواةِ كانوا غيرَ عَربٍ بالطَّبعِ .
(فلا شَكَّ أنَّ تأثيرَ الحديثِ النَّبَويِّ الشَّريفِ على اللُّغةِ العربيَّةِ تأثيرٌ كبيرٌ ومتنَوِّعٌ بتنوُّعِ مجالاتِ اللُّغةِ؛ فقد أسهم بشكلٍ كبيرٍ في بناءِ المعجَمِ اللُّغَويِّ وإثرائِه بألفاظٍ ومعانٍ، وتراكيبَ ولهَجاتٍ، وما كُتُبُ غريبِ الحديثِ إلَّا دليلٌ على ذلك. كما أنَّ اختلافَ عُلَماءِ اللُّغةِ في الاحتجاجِ بالحديثِ النَّبَويِّ في الجانِبِ الوظيفيِّ للُّغةِ أثرى البحثَ اللُّغَويَّ بالنِّقاشِ والطَّرحِ العِلميِّ للآراءِ المختَلِفةِ، وهذا كُلُّه في صالحِ دَفعِ عَجَلةِ البحثِ العِلميِّ اللُّغَويِّ وتطَوُّرِهـ) .
3- المأثورُ من كلامِ العَرَبِ:
ويَشمَلُ شِعرَ العَرَبِ وأمثالَهم وحِكَمَهم وأقوالَهم السَّائِرةَ.
4- الشِّعرُ:
لَقِي الشِّعرُ اهتِمامًا كَبيرًا مِنَ اللُّغويِّين، واعتَبروه الدِّعامَّةَ الأُولى لهم، حتَّى تَخَصَّصت كَلِمةُ الشَّاهِدِ فيما بعدُ، وأصبَحت مَقصورةً على الشِّعرِ فقط؛ ولذلك نَجدُ كُتبَ الشَّواهِدِ لا تَحوي غيرَ الشِّعرِ، ولا تَهتمُّ بما عداه، وقد كان اللُّغويُّون يَستشهِدون بالشِّعرِ المَجهولِ قائِلُه، إن صدَر عن ثِقةٍ يُعتمَد عليه؛ ولِذا اعتَبروا الأبياتَ الَّتي ورَدت في كِتابِ سِيبَوَيهِ أصَحَّ الشَّواهِدِ، فاعتَمد عليها خَلَفٌ بعد سَلَفٍ، معَ أنَّ فيها أبياتًا عَديدةً جُهِل قائِلُها ...، وحَديثُنا عنِ الشَّاهِدِ الشِّعري يَجُرُّنا إلى الحَديثِ عن قَضيَّةِ الضَّرورةِ الشِّعريَّةِ، أو ما يُسمَّى بضَرورةِ الشِّعرِ، حينَما يُحاوِلُ اللُّغويُّ أوِ النَّحويُّ أن يَستبعِدَ البيتَ مِن مَجالِ الاستِشهادِ، ولقد اختَلف النُّحاةُ في ذلك إلى فَريقَين: فَريقٌ يَرى -وهو جُمهورُهم- أنَّ الضَّرورةَ هي ما وقَع في الشِّعرِ ممَّا لم يَقع في النَّثرِ، سَواءٌ أكان للشَّاعرِ عنه مَندوحَةٌ أم لا، ومَذهَبُ ابنِ مالِكٍ -وهُو الصَّحيحُ عن سِيبَوَيهِ- أنَّها ما ليس للشَّاعرِ مَندوحَةٌ عنه ، وقد اعتَمدَ الخَليلُ في كِتابِه (العَين) على شِعرٍ كَثيرٍ، اعتَمد فيه على شُعراءَ منهم الجاهِليُّ ومنهم الإسلاميُّ.
5- الشَّواهِدُ النَّثْريَّةُ:
تَشتمِلُ الشَّواهِدُ النَّثريَّةُ على نَوعَين مِنَ المادَّةِ:
أحدُهما: ما جاء في شَكلِ خُطبةٍ أو وَصيَّةٍ أو مَثَلٍ أو حِكمةٍ أو نادِرةٍ، وهذا يُعَدُّ مِن آدابِ العَربِ المُهِمَّةِ، ويَأخُذُ في الاستِشهادِ به مَكانةَ الشِّعر وشُروطَه.
وثانيهما: ما نُقِل عن بعضِ الأعرابِ ومَن يُستَشهَدُ بكَلامِهم في حَديثِهم العادِيِّ، دون أن يَتحقَّقَ له مِنَ التَّأنُّقِ والذُّيوعِ مِثلُ ما تَحقَّق للأوَّلِ، وقد وضَع اللُّغويُّون الزَّمانَ، فقد حدَّدوا نِهايةَ المُدَّةِ الَّتي يُستشهَدُ بها بآخِرِ القَرنِ الثَّاني الهِجريِّ بالنِّسبةِ لعَربِ الأمصارِ، وآخِرِ القَرنِ الرَّابِعِ بالنِّسبةِ لعَربِ البادِيةِ، وأمَّا المَكانُ فقد ربَطوه بفِكرةِ البَداوةِ والحَضارةِ، فكلَّما كانتِ القَبيلةُ بَدويَّةً أو أقرَبَ إلى الحَياةِ البَدويَّةِ، كانت لُغتُها أفصَحَ، والثِّقةُ فيها أكثَرَ، وكلَّما كانت مُتَحضِّرةً أو أقرَبَ إلى حَياةِ الحَضارةِ، كانت لُغتُها مَحلَّ شكٍّ، ومَثارَ شُبهَةٍ؛ ولذلك تَجنَّبوا الأخذَ عنها، وفِكرتُهم أنَّ الانعِزالَ في كَبِدِ الصَّحراءِ وعَدَمَ الاتِّصالِ بالأجناسِ الأجنبيَّةِ يَحفَظُ لِلُّغةِ نَقاوَتَها، ويَصونُها عن أيِّ مُؤَثِّرٍ خارِجيٍّ، وأنَّ الاختِلاطَ يُفسِدُ اللُّغةَ ويَنحرِفُ بالألسِنةِ .


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...