Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (79%)

(Using the AI)

يلخص هذا النص مفهوم التطورية المحدثة ونظرية التحديث، ثم ينتقل لتعريف التنمية الاجتماعية ومفاهيمها ذات الصلة.

الفصل الرابع: التطورية المحدثة ونظرية التحديث

يرى جولندر وغيره أن توجه بارسونز نحو التطور استكمل مشروعه النظري، خاصة في معالجته لقضايا التغير الاجتماعي، حيث واجه نظريات مثل الماركسية. حدد بارسونز عدة عوامل أساسية للمجتمعات الحديثة: التنظيم البيروقراطي، نظام السوق والمال، الأنساق الشرعية الشاملة، والتنظيم الديمقراطي. اعتبر بارسونز أن نظام المشروع الحر الأمريكي يمتلك أكثر العوامل التطورية، بينما تفتقد الملكية السوفيتية بعض هذه العموميات، ما يجعلها غير مستقرة. وقد صدقت نبوءة بارسونز بزوال النظام الاشتراكي.

تضمنت نظرية التحديث دعوات خفية للتطورية، ويمكن تقسيمها إلى أربعة اتجاهات:

  1. الاتجاه السيكولوجي: يركز على الدافعية الفردية والحاجة إلى الإنجاز كدعامة للتنمية، متأثراً بماكس فيبر. يرى أن الأفراد الطموحين والمبتكرين هم رواد التغيير (مثل ماكلاند الذي أكد على تكون الحاجة للإنجاز مع بدء التنمية). يرى ماكلاند أن المجتمعات ذات الحاجة العالية للإنجاز تتطور أسرع.
    • ليرنر: في كتابه "تجاوز المجتمع التقليدي" (1958)، درس عملية التحديث في دول الشرق الأوسط ومجتمعات نامية أخرى، مؤكداً أن المجتمع التقليدي في طريقه للزوال، وأن الإسلام غير قادر على مواجهة العقلانية. ويرى أن لوسائل الإعلام دوراً أساسياً وفعالاً، يرتبط بالتحضر وزيادة التعليم. صنف ليرنر المجتمعات إلى تقليدية أو حديثة بناءً على مؤشرات مثل التحضر والتعليم والتعرض لوسائل الإعلام.
    • إيفرت هاجين: ربط نمط الشخصية بالتنمية، معتبراً التخلف مرتبطاً بالمجتمع التقليدي الذي يتميز بنقل السلوك بشكل جامد، وتحكم العادة، ونظام اجتماعي جامد، وتحديد المكانة وراثياً، وإنتاجية منخفضة، ومقاومة التغيير، وبنى تسلطية. وميز هاجين بين الشخصية الحديثة (إبداعية، ابتكارية، فضولية، باحثة عن الحلول، تقبل الحوار، تفهم الظواهر سببياً) والشخصية التقليدية (مقولبة، خاضعة للسلطة، مؤمنة بالغيبيات والجبرية، وغياب الحرية). وانتقدت هذه التصورات لإغفالها أسباب وجود تلك الشخصيات.
  2. اتجاه الأنماط المثالية للمؤثرات: يقوم على مقارنة المجتمعات الغربية بالمجتمعات المتخلفة، ويرى أن التنمية هي تحويل مؤشرات المجتمع المتخلف إلى نمط متقدم، ويمثل تالكوت بارسونز هذا الاتجاه. يتخذ هذا الاتجاه شكلين: كمي (مؤشرات مثل الدخل الفردي والتعليم) وكيفي (تحديد عناصر نموذجية عمومية). إلا أن هذا الاتجاه يعاني من قصور في فهم آليات التغيير، ويهمل السياق التاريخي والبنائي، وقد تكون المؤشرات الكمية مضللة.
  3. اتجاه الانتشار الثقافي: لا يرى الواقع الإنساني كلاً عضوياً، بل مجزأً، وتنتشر العناصر الثقافية الفرعية منفردة. يرى أن التنمية تتحقق بانتقال وهجرة العناصر الثقافية السائدة من الحضارات المتقدمة (الغرب) إلى الدول المتخلفة (الشرق)، لتحل المنظومات القيمية والعلاقات الحديثة محل التقليدية، والاقتصاد الصناعي محل الزراعي. اعتبر رواد هذا الاتجاه (ليرنر، مور، دوتش) أن التكنولوجيا ورؤوس الأموال والقيم والنظم الغربية هي علاج لمرض التخلف، وأن الانتشار عملية تدريجية لكنها غير حتمية، تتطلب مناخاً ملائماً.

التطورية المحدثة وتحققها: يعتبر بارسونز الممثل الأبرز والمؤسس للتطور المحدث، الذي يرفض النظريات التطورية القديمة التي تبنت التقدم الخطي المستقيم، مؤكداً أن التاريخ البشري لا يظهر اتجاهاً عاماً واحداً، وأن المجتمعات تتبع نماذج مختلفة من التطور. ويرى أوزوالد شبنجلر أن الوجود البشري دورات صعود وهبوط، بينما يرى فيلفريدو باريتو أن التغير السياسي يشبه الدولاب الذي يدور باستبدال النخب. أما الماركسية فترى تقدماً غير خطي عبر الصراعات نحو مجتمع لا طبقي. جمع ماكس فيبر بين النظرية الدائرية والمستقيمة. تتفق النظريات التطورية على أن قوى التاريخ تنشأ من داخل المجتمع، رافضة القوى الخارجية أو الميتافيزيقية.

الاتجاهات الحديثة في النظرية الاجتماعية: سعى رواد علم الاجتماع (دركهايم، ماركس، فيبر) لفهم التغير الاجتماعي، مركزين على المؤثرات الخارجية أو قدرة الفرد على التأثير.

  1. الوظيفية: ترى المجتمع نظاماً معقداً تعمل أجزاؤه معاً لتحقيق الاستقرار والتضامن (كونت، دركهايم). يحدد بارسونز متطلبات بقاء النسق بأربعة: التكيف، تحقيق الهدف، التكامل، المحافظة على النمط. وتشدد على أهمية الإجماع الأخلاقي. لكنها انتقدت لمغالطتها في التأكيد على التماسك وإغفال عوامل التجزئة والصراع والتباينات الاجتماعية.
  2. نظرية الصراع: تلتقي مع الوظيفية في أهمية البنى المجتمعية، لكنها ترفض رؤية التناسق والإجماع، وتبرز أهمية الخلاف والنزاع والصراع (ماركس، دارندورف).
  3. نظرية الفعل الاجتماعي (الأفراد الفاعلين): تولي أهمية لدور الفعل والتفاعل بين أعضاء المجتمع في تكوين البنى (ماكس فيبر). تبنى بارسونز مدخلاً خاصاً متجاهلاً الاقتصاد، مركّزاً على المتغيرات السيكولوجية والاجتماعية والثقافية. يتكون نسق الفعل الاجتماعي عنده من أنساق فرعية (ثقافي، اجتماعي، شخصية) متأثرة بنسق ما وراء الطبيعة والنسق الطبيعي.

يمثل بارسونز التطور المحدث، ويرى أن بقاء أي مجتمع مرهون بمتطلبات أساسية كالدين واللغة والتنظيم الاجتماعي والتكنولوجيا. ويعتبر الثقافة تكنولوجيا. يرى أن التطور أمر حتمي، ينتقل فيه المجتمع من التقاليد إلى أنظمة بديلة (بيروقراطية، سوق، صناعية) تعتمد على التحصيل لا الوراثة، وصولاً إلى علاقات الارتباط الديمقراطي. نموذجه هو النظام الغربي الأمريكي، الذي يرى حداثته الأكثر تقدماً. يؤكد بارسونز على الانتقال من الخصوصية إلى العمومية، ومن الانتشارية إلى التخصصية، ومراحل الانتقال عالمية، رغم أن نجاحها ليس حتمياً للجميع. ويصف التحديث كظاهرة عامة، ويرى دول العالم الثالث عامل توازن، ويأمل أن تصبح اليابان نموذجاً. يرى ليفي أيضاً أن التحديث حتمي وممكن حتى مع الاستعمار.

وجهت انتقادات عديدة لنظريات التطور (جوليان ستيوارد)، حيث رأت أن افتراض التقدم الخطي نحو حضارة أوروبية غير واقعي، وأن التطور ليس حتمياً أو ذا غاية. كما وجهت انتقادات عامة لنظريات التنمية الغربية: ضعف كفاءتها النظرية والأمبريقية، افتقارها لسياسات فعالة، خلفياتها الأيديولوجية التي طبقت نماذج الغرب عالمياً، سعيها لبناء منظومة نظرية عالمية، وأنها عززت التخلف بدلاً من معالجته، وأغفلت البعد التاريخي لتخلف دول العالم الثالث.

الفصل الخامس: التنمية الاجتماعية وسوسيولوجيا التخلف

يميز الاقتصاديون والاجتماعيون بين النمو والتنمية. النمو زيادة ثابتة أو مستمرة في جانب معين (بطيء، تدريجي، كمي)، بينما التنمية زيادة سريعة، تراكمية، ودائمة خلال فترة (تتطلب دفعة قوية، تغير كيفي عميق وشامل)، وهي عملية متعمدة ومنظمة.

تختلف تعريفات التنمية الاجتماعية، فبعضهم يراها توافقاً اجتماعياً، أو تنمية لطاقات الفرد، أو إشباعاً للحاجات الاجتماعية، أو تغييراً موجهاً. وتصنف إلى ثلاثة اتجاهات: مرادفة للرعاية الاجتماعية (بالضيق)، أو الخدمات الاجتماعية (تعليم، صحة، إسكان)، أو عمليات تغيير اجتماعي في البناء والوظائف لإشباع الحاجات. فالتنمية الاجتماعية تشمل تغيير الأوضاع القديمة وإقامة بناء اجتماعي جديد يسمح بإشباع الحاجات.

ترتبط النظم الاجتماعية بإشباع حاجات الإنسان الأساسية: النظام الاقتصادي (عمل، تملك)، الأسري (المحافظة على النوع)، الديني (الاعتقاد بقوة عليا)، السياسي (أمن، حماية حقوق)، التعليمي (تعليم، اندماج)، الترويحي (استمتاع، تجديد حيوية)، الأخلاقي (امتثال لمعايير)، والرعاية الاجتماعية (تكيف، دور إيجابي). تتعامل التنمية الاجتماعية مع جميع الاحتياجات عدا الاقتصادية (التي تختص بها التنمية الاقتصادية)، لكن هذا الفصل نظري فقط.

تتعدد استخدامات مفهوم التنمية: وظيفة حكومية، أساليب تنظيم اجتماعي فعال، وسائل فنية (استخدام خاطئ). ونمط جديد يراها منهجاً ديناميكياً وعملية مستمرة من التعلم والتفكير والتفاعل التعاوني عبر التربية، بهدف حل مشكلات الفرد والمجتمع. هي شكل معقد من الإجراءات والعمليات المستمرة التي يتحكم بها الإنسان في مضمون واتجاه وسرعة التغيير الثقافي لإشباع حاجاته.

أما التنمية الشاملة، فتستهدف تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي عبر إجراءات مخططَة لزيادة الإنتاج الكلي بمعدل أسرع من نمو السكان، بهدف زيادة سريعة ودائمة في متوسط الدخل الفردي الحقيقي وتحسين توزيعه لتحقيق العدالة والاستقرار الاجتماعي. تتطلب تغييرات جوهرية بنيوية وهيكلية في الاقتصاد القائم، لضمان زيادة نصيب الفرد من السلع والخدمات وليس مجرد نمو جزئي.

وتشدد التنمية الاجتماعية على العنصر الإنساني والخدمات المقدمة له (تعليم، صحة، إسكان)، مع التركيز على إزالة المعيقات، ومشاركة الأفراد وأصحاب المصلحة في التفكير والإعداد والتنفيذ والمتابعة والتقويم. وهي ليست مجرد تقديم خدمات، بل تشمل تغيير الأوضاع الاجتماعية القديمة وبناء اجتماعي جديد بقيم وعلاقات مستحدثة تلبي حاجات الأفراد.


Original text

الفصل الرابع


التطورية المحدثة ونظرية التحديث


أجمع عدد من العاملين في حقل النظرية الاجتماعية وخاصة «جولندر» على أن توجه بارسونز نحو التطور هو عمل باتجاه استكمال بارسونز لمشروعه النظري الذي كان يعاني بعضاً من جوانب الاضطراب وعدم الاستقرار، خاصة حيال معالجته لقضايا التغير الاجتماعي الذي وضعه وجهاً لوجه مع نظريات تختلف عن نظريته، وخاصة النظرية الماركسية التي تعنى بعامل واحد، أو عدد من العوامل المحددة للتطور، في حين أن بارسونز حدد عدداً من العوامل الأساسية بالنسبة لبناء المجتمعات الحديثة . هذه العوامل هي:


١- التنظيم البيروقراطي.


٢- نظام السوق والمال.


٣- الأنساق الشرعية ذات الطبيعة الشاملة.


٤- التنظيم الديمقراطي وقيادته المنتجة.


لقد كان بارسونز يقصد بعوامله الحضارية آنفة الذكر أن نظام المشروع الحر للمجتمع الأمريكي هو النظام الذي يحتوي على أكثر العوامل التطورية. لقد أراد بارسونز كما يرى جولندر القول إن «الملكية السوفيتية - باعتبارها المنافس العالمي الأول للولايات المتحدة - تفتقد بعضاً من هذه العموميات التطورية، لذلك


فهي غير مستقرة، ولا تستطيع أن تبارى الولايات المتحدة الأمريكية. يتضح ذلك من خلال قول بارسونز في حديثه عن مركب السوق والمال أنه «من المحتمل أن يعاني هؤلاء الذين وضعوا قيوداً على آليات السوق من المقومات التكيفية على المدى البعيد».


ويضيف بارسونز: «أن التنظيم الشيوعي الشمولي، كما صاغه ماركس لن يناظر الديمقراطية» من حيث كفاءته السياسية والتكاملية ومن ثم يخضع لحالة من عدم الاستقرار.


لقد صدقت نبوءة بارسونز عندما قال: «إن نظامهم الاجتماعي الاشتراكي، وليس نظامنا الرأسمالي، سوف يدفنه التاريخ، فهو لم يرفض فقط نبوءة الفناء الماركسية للنظام الرأسمالي، وإنما قلب النبوءة رأساً على عقب، موقعاً أمر الفناء على الماركسية»(٦٣).


لقد كان هناك دعوات خفية مبطننة إلى نوع من التطورية في أعمال أصحاب نظرية التحديث، إلا أنه يمكن تقسيم هؤلاء إلى أربعة اتجاهات أساسية في نظرية التحديث التنموية الغربية، وهي على النحو التالي:


١ - الاتجاه السيكلولوجي:


الأساس الذي ينهض عليه أصحاب هذا الاتجاه هو: «أن درجة الدافعية الفردية، أو الحاجة إلى الإنجاز هي الدعامة الأساسية للتنمية - والملاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه يؤكدون تأكيداً واضحاً على الدور الذي تؤديه القيم في مجال التنمية الاقتصادية والتغير الثقافي»(٦٤).


أنصار هذا الاتجاه من دون شك، يقعون تحت تأثير ماكس فيبر، وهم بالتالي يؤسسون نظرياتهم على أن التتميات التي حققتها المجتمعات في الماضي. فإن هذه التنمية لم تتحقق إلا لأن هناك عدداً من الأفراد الفاعلين والنشيطين


والذين لديهم طموح كبير بالرغبة بالابتكار، والرغبة الكبيرة على الإنجاز، أنهم رواد الإنجاز والتغيير، ونقل المجتمع مع الأطر والميادين ذات الأبعاد والمضامين التقليدية الجامدة والمحددة إلى إطارات وبنى مجتمعية متقدمة.


يُعدّ «ماكلاند» واحداً من أبرز رواد هذا الاتجاه مؤكداً على أنه عندما تبدأ عملية التنمية، فإنه تتكون مباشرة لدى الفرد حاجة قوية ومتزايدة من أجل الإنجاز. فالذين لديهم دافع الإنجاز، لا بد وأن يحققوا إنجازاً في المواقف التي تكون فيها مخاطر الفشل معقولة، وهي مخاطر يمكن الحد منها بزيادة الجهد والمهارة، ويعرف الإنجاز «بأنه يمثل خاصية عقلية؛ فالأهم التي لديها درجة أعلى على مقياس الحاجة إلى الإنجاز تتطور وتنمو بشكل أسرع، فتحقيق التنمية يعتمد أساساً على رفع مستوى الحاجة إلى الإنجاز»(١٥).


١- ليرنر :


إن من أشهر الدراسات التي قام بها ليرنر هي في كتابه «تجاوز المجتمع التقليدي» ١٩٥٨، حيث قام في هذا الكتاب بفحص لعملية التحديث في دول عديدة من دول الشرق الأوسط، وأجرى دراسة في مجتمعات أخرى نامية، وعزز ذلك كله في ملاحظات حول مجتمع القرية، وإن الصورة التي رسمها «ليرنر» هي صورة لعالم تكون عملية التحديث فيه عملية شاملة تشكل العالم. ويقول إن المجتمع التقليدي في طريقه إلى الزوال، وإن الإسلام غير قادر على مواجهة الروح العقلانية والوضعية، وبشكل أكثر تحديداً فإن دور وسائل الإعلام هو دور أساسي وفعال، ويرتبط بمجموعة من مؤثرات التنمية، مثل التحضر المقترن بزيادة في نسبة التعليم، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة في نسبة التعريض لوسائل الإعلام، وبالنسبة «لليرنر»، فإن التحديث يأتي نتيجة طبيعية لتغيرات تحدث ليس على مستوى المؤسسات فقط، وإنما على مستوى الأفراد. لقد صنف


«ليرنر» المجتمعات إلى تقليدية أو حديثة مع وجود نمط متوسط وهو التركيز على مؤشرات الحداثة مثل: التحضر، والتعليم، التعرض لانتشار وتأثير وسائل الإعلام.


٢- إيفرت هاجين :


ربط هاجين بين نمط الشخصية والتنمية مؤكداً أن التخلف مرتبط بالمجتمع


التقليدي، حيث عدّد سمات هذا المجتمع:


١- انتقال السلوك من جيل إلى جيل آخر، بشكل جامد إجمالاً.


٢- تحكم العادة والتقليد بالسلوك لا القانون.


٣- نظام اجتماعي تحكمه مرتبة جامدة إجمالاً.


٤- تحديد المكانة الاجتماعية للفرد ولادياً أكثر مما تتحدد من خلال الكفاءة.


٥- إنتاجية منخفضة جداً.


٦- مقاومة التغيير من خلال نظرة رضوخية إلى العالم الطبيعي.


٧- وجود بنى اجتماعية ذات نمط تقليدي تسلطي تنشأ بنتيجتها شخصية ذات بنية


تسلطية مما يخلق ويعمم نظاماً من العلاقات يتصف بالسيطرة والرضوخ،


والامتثال يعرقل عملية التغيير من خلال سد السبيل أمام ظهور قوى الرفض(٦٤).


وبما أن أساس التنمية عند هاجن يقوم على التمييز بين شخصيتين ومن ثم


بين مجتمعين، أحدهما تقليدي، والآخر حديث، فقد ميز بين هذين النمطين من


الشخصية محددات سمات كل منها:


١- الشخصية الحديثة هي شخصية ذات نزعة إبداعية ابتكارية، فإنها تميل نحو


قبول التجديدات والتغييرات التي تحدث في المجتمع.


٢- حب الاستطلاع والشغف بالاكتمال للثقافة الجديدة.


٣- البحث عن حلول للمشكلات وصولاً إلى أنجع الحلول وأسلمها.


٤- عدم التسليم بالآراء إلا بعد مناقشتها وأخذ ما هو مقبول منها.


٥- النظر إلى العالم على أنه مجموعة من الظواهر المترابطة بعضها مع بعض ترابطاً سببياً قابلة للتفسير والاستيعاب.


٦- شخصية ديناميكية حركية تقبل الحوار والتناقض.


أما الشخصية التي تسود مجتمعات التقليدية فإن السمات التي تتميز بها هذه الشخصية فهي:


١- شخصية مقولبة جامدة مرتبطة بالعادات والتقاليد الموروثة متلقية وخاضعة.


٢- الخضوع للسلطة وليس هو أعلى منهم خضوعاً أعمى، ومن دون مناقشة أو اعتراض، إنها شخصية متلقية تنتظر الإملاء.


٣- الخضوع للأمر الواقع والتسليم، ومن ثم غياب عناصر غامضة لها عده صفة القدسية والجبرية والاستبدادية.


٤- الإيمان الغيبي التسليمي، فالعالم مكون من ظواهر غامضة لها عنده صفة القدسية والجبرية والاستبدادية.


٥- إيمانها بأن هناك حتمية فيما تفعل حيث الحرية والاختيار بعيداً عن سلوكها ونصر فاتها.


وأياً كانت تصورات هاجن أو ليرنر أو غيرهم من رواد نظرية التحديث، فإن هناك إغفالاً حقيقياً لأسباب وجود مثل تلك الشخصية.


٢- اتجاه الأتماط المثالية للمؤثرات :


يقوم هذا الاتجاه في جوهره على نوع من المقارنة التي أقامها علماء الاجتماع الغربيون بين أنظمة مجتمعاتهم وأنظمة مجتمعات البلدان المتخلفة،


إيماناً منهم بأن الأشياء لا تعرف إلا بنقائضها. فالتنمية عندهم لا تقوم إلا على أساس تحويل مؤشرات المجتمع المتخلف إلى نمط متقدم، ويعتبر تالكوت بارسونز الممثل الأبرز لهذا الاتجاه. يظهر هذا الاتجاه في شكلين اثنين: «الأول كمي، أي أنه يشير إلى تنمية الدول النامية والتعبير عنها في صورة مؤشرات ذات أنواع مختلفة (مثل متوسط الدخل الفردي. ويشبه السكان الذين يعملون في الزراعة، ودرجة التعليم، والنسبة المئوية للسكان، ومعدل ونسبة توزيع الصحف، وعدد أجهزة الراديو والسيارات، بالنسبة لكل فرد... الخ) أما الشكل الثاني، وهو كيفي، أي أنه يميل إلى تحديد لبعض العناصر النموذجية العمومية والأداء والتخصيص»(٦٧).


وتأسيساً على ما سبق، فإن الاتجاه الذي يتزعمه بارسونز وهو بعض عناصر الوظيفية في نظرية التحديث، وعلى حد ما يرى عبد الرحيم أبو كريشه بقوله: إن هذا الاتجاه لا يستطيع أن يزودنا بفهم عميق «للميكنزمات» الواقعية (الممكنة للتغيير) والسبب بسيط هو أن أصحابه غالباً ما يجردون الواقع دون الإشارة إلى السياق التاريخي والبنائي للدول النامية، فبالنسبة للمؤثرات الكمية لا تعبر عن الواقع الاجتماعي في كليته وشموله، وهناك مجال للشك في صدق هذه المؤشرات الحسابية من ذلك مثلاً: أن الكويت لديها متوسط الدخل للفرد أعلى من الولايات المتحدة، والأرجنتين لديها تحضر أعلى من ألمانيا الغربية، والفلبين لديها تعليم أعلى من المملكة المتحدة.. وكذلك الحال بالنسبة لما يتعلق بالمؤشرات الكيفية تعاني هي الأخرى من قصور واضح(٦٨).


٣ - الاتجاه الثالث وهو اتجاه الانتشار الثقافي:


يقول مالمينوفسكي: «لا نستطيع أن نسجل ميلاداً مستقلاً لفكر الانتشاري، لأن الانتشارية تمت في رحم التطورية إيجاباً أو سلباً، ومن ثم فالمدرستان ليستا


على طرفي نقيض، وإنما تدخلان إلى ميدان الحقل الثقافي من زوايا مختلفة. كما أن الانتشارية تمتاز بامتلاكها قدراً من الواقعية والرؤية التاريخية، ومعرفة معقولة بالمؤشرات البيئية والجغرافية»(٦٩).


المهم أن نقاطاً من الاختلاف والاتفاق بين المدرستين أمراً قائماً وموجوداً، فالانتشارية لا ترى في الواقع الإنساني كلاً عضوياً متماسكاً، وإنما تنتظر إليه مجزأً، لذلك فإن العناصر الثقافية الفرعية يمكن أن تهجر منفردة وليس حالة ثقافية كلية. وهذا ينسجم مع رؤيتها في أن الوجود الإنساني وهو في أعلى مستوياته، لا يمثل أكثر من حالة من التراكم العشوائي لعدد من العناصر مثل الهجرة والانتقال بكل ألوانه وصوره. المهم في أنها لم تنظر إلى المجتمع على أنه يمثل كلاً عضوياً تتساند عناصره بنائياً ووظيفياً، على أية حال الانتشار بكل ألوانه وأدواته هو شكل أو نمط من أنماط التغير والتحديث.



  • التنمية من المنظور الانتشاري:


يرى هذا الاتجاه أن التنمية يمكن أن تتحقق من خلال انتقال وهجرة العناصر الثقافية السائدة من حضارة أو مجتمع أو دولة متقدمة، إلى مجموعات بشرية أو دول متخلفة. عملية الانتقال تتم من المراكز الإنسانية المتقدمة إلى الدول والجماعات الأقل تقدماً، وتحديدًا إلى العواصم، وبعد ذلك تقوم بهجرة داخلية إلى مراكز الدولة الأخرى.


الأساس الذي تبني عليه هذه النظرية فرضيتها أنه يمكن أن يؤسس للتنمية من خلال انتشار العناصر الثقافية بشقيها المادي والروحي من المراكز المتقدمة، إلى الأقل تقدماً، والمتقدم الآن هو الغرب، والمتخلف هو الشرق، وبالتالي الغرب وثقافته المهاجرة إلى الدول المتخلفة كقيلة بتحويل المتخلف إلى متقدم، وذلك من خلال حلول المنظومات القيمية والعلاقات الحديثة محل القيم والعلاقات التقليدية،


ويتبدل الإنتاج وأدواته، وأهدافه، وغاياته، ليتحول من اقتصاد طبيعي زراعي استكفائي، إلى اقتصاد يعتمد على السوق والمقايضة، والتبادل، والنقود، والصناعة، بديلاً عن الاقتصاد السابق إنه منطق الإحلال.


إذن إن الرؤية الانتشارية للتنمية تستند إلى مدى انتشار العناصر الثقافية المتخلفة التي هي بحد ذاتها تشكل عائفاً حقيقياً. أمام التنمية والتغير، فالتقافة المتخلفة هي من أهم العوائق للتنمية. المهم أن رواد هذا الاتجاه الانتشاري الذين يمثلهم، دانيال ليرنر، وإلبرت مور، وكارل دوتش وآخرون غيرهم، والذين جاؤوا بأفكارهم هذه بعد الحرب العالمية الثانية، أرادوا القول أن هذه هي وصفة الدول المريضة، وعلاجها يحتاج إلى أمد زمني طويل، بمقدار ما يتقبل جسم هذه الدول العلاج، ومقدرتها على تمثل العناصر الثقافية القادمة وإحلالها محل العناصر الثقافية القديمة، فكانت الأدوية الموصوفة هي التكنولوجيا ورؤوس الأموال، والقيم، والنظم كعلاج لمرض التخلف العضالي المبتلاة به الدول المتخلفة.


فالانتشار هو عملية تتسم بالتدرجية والانتقال الزمني، ولكن دون أن يكون ذلك أمراً حتمياً. المهم أن يكون المناخ ملائماً لنمو العناصر المنقلة. فالانتشارية بالتعريف هي: الاسم الذي أطلق على العديد من نظريات تطور الثقافة التي تؤكد بصورة خاصة على عامل الانتشار(٧٠).



  • التطورية المحدثة وتحققها:


أياً كانت معالم وبوادر وإرهاصات العودة إلى التطور ظاهراً أو مخفياً، فإن الممثل الأبرز لهذا التطور المحدث، لا بل المؤسس لها هو بارسونز، ولكن ذلك لا يعفينا من تناول الجذور التاريخية لتطورية بارسونز.



  • الجذور التاريخية للتطورية المحدثّة :


إن النظريات التطورية القديمة التي يتبنى معظمها التقدم وفق خط مستقيم تم رفضها، انطلاقاً من أن التاريخ البشري يفشل في إظهار اتجاه عام وفق خط واحد، يتجه نحو المزيد والمزيد من الاستتارة، وإن القطاعات المتنوعة لأي مجتمع تميل عادة لأن تبدأ بخطى متقدمة، حتى باتجاهات مختلفة، (فالعالم مثلاً يمكن أن تتقدم على نحو تراكمي، بينما فرض المقاييس الأخلاقية موضوع التطبيق، قد يظهر تحسناً قليلاً أو لا يظهر أي تحسن إطلاقاً). كما أن المجتمعات المختلفة تتبع نماذج مختلفة من التطور، ومن الممكن أن تتغير إلى حالات مختلفة من النضج، فالتصنيع الروسي مثلاً سار في طريق مختلفة عن التصنيع في إنكلترا، وروسيا المصنعة مختلفة عن إنكلترا المصنعة(٧٠).


فمن سبنسر إلى أوغست كونت الذي يرى أن تطور المجتمع هو عملية نمو وتقدم يسير وفق اتساق محدد صاغه في قانونه الشهير قانون الحالات الثلاث لتطور الفكر البشري. أما أوزوالد شبنجلر وفي مطلع القرن العشرين فقد كان له رؤية مناقضة لتفاؤل أوغست كونت، حيث رأى أن الوجود البشري هو عبارة عن «سلسلة» لا نهائية من الحلقات، لها أشكال صعود وهبوط، فالتقافات الكبرى تظهر، كما أمواج البحر، ترتفع إلى علو شاهق، ثم تختفي من جديد ليحل مكانها. وهكذا فالحضارة شأنها شأن الكائن الحي، دورة حياة تبدأ بالولادة، فالطفولة فالنضج، ثم الشيخوخة فالموت. هذه الرؤية التطورية لدى شبنجلر اتسمت بالعمومية والشمولية، ابتعاداً عن السياسة والأدلجة التي وقع فيها الكثيرون من مؤسسي التطورية. أما فيلفريدو بارتيو فيرى أن التغير السياسي شيء مشابه للدولاب الذي يدور، بينما ينفي هو نفسه دون تغير، فالجماهير تبقى بعيدة عن المشاركة الفعالة في حكومتها، والتغير الذي يحدث ليس إلا استبدال نخبة مختارة بنخبة أخرى. ويرى بارتيو أنه عندما يعتري الوهن سلالة نخبة مهيمنة، فإنه يتم الحفاظ على حيوية المجتمع واستمراريته من خلال تغيير الحارس، ولكن


الحراس وطبيعتهم كأقلية متحكمة أو غير قابلة للتغير، وزيادة على ذلك فإن التغير لا يتم استجابة للحرك السياسي بين الجماهير أو بين طبقات اجتماعية معينة، بل هو مسألة داخلية صرفة، أو قضية تتم بين النخب الممتازة(٧٢).


أما بالنسبة للماركسية فهي الأخرى نظرية تقدم، ولكنه التقدم الذي يحصل، ولكن ليس وفق خط مستقيم. فالتقدم نحو مجتمع لا طبقي يمر عبر صراعات جدلية تطيح كل طبقة بنقيضها حتى العودة إلى المجتمع الأولي البدائي، أي مجتمع بلا طبقات. ماكس فيبر جمع في نظريته عن المجتمع وتغيره النظرية الدائرية للتطور الاجتماعي مع النظرية المستقيمة. على أية حال فإن النظرية التطورية أبرز أعلامها من سبنسر إلى أوغست كونت إلى بارتيو، وماكس فيبر، إلى الماركسية وتونيز وشبنجلر وغيرهم كثير، على الرغم من انفاقاتهم حول جوانب متعددة من النظرية إلا أن الاختلافات هي الأخرى كانت كبيرة، لكن ما يشكل إجماعاً لدى أصحاب هذه النظريات هو تأكيدها على أن قوى التاريخ تنشأ من داخل المجتمع البشري من ثقافته وبنائه الاجتماعي، وهي بذلك قد أرست الأسس التي يركز عليها علم الاجتماع المعاصر الرافض لعددٍ من النظريات التي تنظر إلى المجتمع وتغيراته، باعتبارها محكومة حتماً بقوى تنشأ من خارج النظام الاجتماعي. إنها النظريات التي تفسر مسار التاريخ البشري بالرجوع إلى قوى ما وراء الطبيعة.



  • الاتجاهات الحديثة في النظرية الاجتماعية :


شكلت رغبة علماء الاجتماع الأوائل في فهم وإدراك المعاني الكامنة خلف الظواهر الفاعلة في عمليات التغير الاجتماعي، وما يطرأ على تلك المجتمعات من تغيرات وتبدلات بفعل هذه الظواهر. «لقد سعى هؤلاء الرواد إلى تجاوز التفكير المجرد والمعطي إلى ما هو أبعد من تفسير الأحداث الجسيمة في تلك الفترة، وفوق هذا وذاك، فقد سعوا إلى تطوير الوسائل الكفيلة بدراسة العالم


الاجتماعي وتفسير أنشطة المجتمعات عموماً وإدراك طبيعة التغير الاجتماعي. غير أن دركهائم وماركس وفيبر انتهجوا سبلاً مختلفة لدراسة العالم الاجتماعي. ففي الوقت الذي ركز فيه دركهائم وماركس على قوة المؤثرات الخارجية في الفرد، انطلق فيبر من قدرة الفرد على التأثير بصورة خلاقة في العالم الخارجي. وفيما أشار ماركس إلى هيمنة القضايا الاقتصادية وتوسع فيبر في دراسة مجموعة العوامل المهمة الأخرى... وترتبط بكل من دركهائم وماركس وفيبر على التوالي ثلاثة من الاتجاهات النظرية الحديثة وهي : المدارس الوظيفية، والصراعية؛ والتفاعلية الرمزية»(٧٣).


وفيما يلي استعراض لاتجاه كل مدرسة من المدارس الفاعلة والمؤثرة في صياغة النظرية الحديثة:


١ - الوظيفية:


تري المدرسة الوظيفية أن المجتمع نظام معقد تعمل شتى أجزائه معاً لتحقيق الاستقرار والتضامن بين مكوناته «ولدراسة الوظيفة التي تؤديها إحدى الممارسات أو المؤسسات الاجتماعية فإن علينا أن نحلل ما تقدم المساهمة أو الممارسة لضمان ديمومة المجتمع. وطالما استخدم الوظيفيون ومنهم «كونت» دوركهائم مبدأ التشابه العضوية للمقارنة بين عمل المجتمع بما يناظره في الكائنات العضوية. ويرى هؤلاء أن أجزاء المجتمع وأطرافه تعمل سوياً وبصورة متناسقة كما تعمل أعضاء الجسم البشري لما فيه نفع المجتمع بأكمله»(٧٤).


إن تحليل الوظائف التي يقوم بها أحد تكوينات المجتمع يتطلب منا أن نبنى الدور الذي تؤديه في استمرار وجود المجتمع ودوام عافيته، والكلام «لفيدنز». أما بارسونز فإنه يحدد عافية النسق وبقائه بأربعة متطلبات:


١- التكيف: إن كل نسق لا بد أن يتكيف مع بيئته.


٢- تحقيق الهدف: لا بد لكل نسق من أدوات يحرك بها مصادره كيما يحقق أهدافه وبالتالي يصل إلى درجة الإشباع.


٣- التكامل: وكل نسق يجب أن يحافظ على التواءم والإنسجام بين مكوناته، ووضع طرق لدرء الانحراف والتعامل معه، أي لا بد له من المحافظة على وحدته وتماسكه.


٤- المحافظة على النمط: ويجب على كل نسق أن يحافظ بقدر الإمكان على حالة التوازن فيه(٧٥).


إن المدرسة الوظيفية تشدد على أهمية الإجماع الأخلاقي في الحفاظ على النظام والاستقرار في المجتمع. ويتجلى الإجماع الأخلاقي هذا عندما يشترك أغلب الناس في المجتمع في القيم نفسها. ويرى الموظفون أن النظام والتوازن يمثلان الحالة الاعتيادية للمجتمع. ويتركز التوازن الاجتماعي على وجود إجماع أخلاقي بين أعضاء المجتمع. لقد كان ماكس فيبر من أشد المؤيدين والفاعلين في تلك الرؤية الأخلاقية من خلال تأكيده على دور الدين في زيادة تمسك الناس بالقيم الاجتماعية الجوهرية، ومن ثم يبرز دور الدين كداعم ومساهم في زيادة التماسك الاجتماعي(٧٦).


وجهت انتقادات عديدة للوظيفية على الرغم من انتشارها الكبير، ولا سيما أن لكل من بارسونز، وروبرت ميرتون، الدور الكبير في الاتجاه الوظيفي، ولكن الانتقادات التي وجهت للوظيفة تنبع من مغالاتها في التأكيد على العوامل المؤدية إلى التماسك الاجتماعي على حساب العوامل الأخرى التي تقضي إلى التجزئة والتناقض والصراع. وكأن المجتمع محكوم فقط بحتمية الاتجاه الواحد وهو التوازن والاستقرار. دون الاهتمام بالعوامل النابذة والطاردة للتناسق مثل التباينات القائمة في المجتمع من طبيعة وعرق وجنس، واختلاف في الأدوار ... الخ.


٢- نظرية الصراع:


يلتقي أنصار نظرية الصراع والوظيفيون في التأكيد على أهمية البنى المجتمعية إلا أن أنصار المنظور الصراعى يرفضون رؤية الوظيفيين في التناسق والإجماع ويبرزون بدلاً من ذلك أهمية الخلاف والنزاع والصراع بكل أسبابه ومكوناته داخل المجتمع من التمايز الطبقي إلى الدولة واستخدام القوة والملكية.. الخ فالصراع واحتمالاته أمر قائم بصورة دائمة، لأن الناس يختلفون على المصالح بصورة دائمة. لذلك يميل أصحاب الالتزام بنظرية الصراع إلى دراسة مواطن التوتر بين المجموعات المسيطرة والمستضعفة في المجتمع سعياً منهم باتجاه فهم الكيفية، والأسباب الكامنة وراء علاقات السيطرة. أبرز ممثلي لا بل مؤسس هذا الاتجاه كارل ماركس الذي أكد في جميع أعماله على مقولات الصراع الطبقي، كما يعتبر عالم الاجتماع الألماني (الف دارندورف) من أبرز ممثلي هذا الاتجاه، حيث يبدو ذلك واضحاً في أبرز عمل له، وهو بعنوان «الطبقة والصراع الطبقي في المجتمع الصناعي». فالمجتمع من وجهة نظر «دارندورف» مسرح للصراع بين من يملكون وبين من لا يملكون، فمن يمتلك السلطة يقصى غيره أي الصراع بين الحكام والمحكومين.


نظرية الفعل الاجتماعى أو نظرية الأفراد الفاعلين:


إن ما تؤكد عليه هذه النظريات أي نظريات الفعل الاجتماعى هو إيلائها قدراً كبيراً من الأهمية لدور الفعل والتفاعل بين أعضاء المجتمع في تكوين هذه البنى.


يعتبر ماكس فيبر من الداعين إلى ضرورة تبني الفعل الاجتماعى. وبما أن ماكس فيبر يعدّ بنائياً تاريخياً وصديقاً لماركس، إلا أنه وبالرغم من اعترافه بأهمية ودور البنى الاجتماعية تمثل الطبقات والأحزاب السياسية، وأصحاب


المكانة، إلا أنه اعتقد في الوقت نفسه أن الأفعال الاجتماعية التي يقوم بها الأفراد هي التي تخلق مثل هذه البنى.


تبنى بارسونز مدخلاً خاصاً لنظرية الفعل الاجتماعي متجاهلاً علم الاقتصاد في بناء نظريته «ولعل ذلك تم بالنظر إلى ثلاثة اعتبارات أساسية،


(الأول)، أنه أراد أن يفسر الحقائق الاجتماعية بحقائق من ذات الطبيعة، وهي مقولة أعدها إميل دوركايم أحد رواد الوظيفة الكلاسيكية في علم الاجتماع. بينما


يرتبط الاعتبار (الثاني) بموقفه من الماركسية، وإذا كان ماركس قد أثبت فاعلية المتغيرات الاقتصادية في تفسير الحقائق الاجتماعية، فإن تالكوت بارسونز -


وعلم الاجتماع الأمريكي الذي تأثر به - قد اختار على فاعلية المتغيرات السيكولوجية والاجتماعية والثقافية في تأسيس الحقيقة الاجتماعية وتفسيرها، في


حين يرتبط الاعتبار (الثالث) بكون تالكوت بارسونز يشكل حلقة في تيار فكري متطور ومتتابع بدأ «ببيجل، ودلتاي، مروراً بفير، ودوركايم، خلال المرحلة


الكلاسيكية، وانتهاءً بـ تالكوت بارسونز والروافد الراديكالية لعلم الاجتماع الأمريكي، وهو التيار الذي أكد كثيراً على المتغيرات الثقافية والاجتماعية،


إضافة إلى المتغيرات السيكولوجية تحت تأثير فرويد» (٧٧).


يتكون نسق الفعل الاجتماعي عند بارسونز من ثلاثة أنساق فرعية هي النسق الثقافي، والنسق الاجتماعي، ونسق الشخصية. بالإضافة إلى نسقين


آخرين هما نسق ما وراء الطبيعة، ثم النسق الطبيعي (العضوي). ويتحقق تأثير النسقين الأخيرين من خلال الأنساق الثلاثة الأساسية. فنسق ما وراء الطبيعة


يؤدي فاعليته من خلال نسق الثقافة والقيم، بينما يؤدي النسق الطبيعي، أو العضوي تأثيره من خلال نسق الشخصية (٧٨).


بناءً على ما تقدم فإن بارسونز يعتبر ممثلاً نموذجياً للتطور المحدث، حيث يرى أن بقاء أي مجتمع إنساني مرهون بوجود متطلبات أساسية معينة هي:


الدين والاتصال عن طريق اللغة والتنظيم الاجتماعي من خلال القرابة والتكنولوجيا.


وهذه في رأيه من المتطلبات العامة الأساسية المطلوبة لقيام المجتمع الإنساني.. أما الثقافة بالنسبة لبارسونز تعني وجود التكنولوجيا، وهي في شكلها غير المتباين عبارة عن تركيبة، أو توليفة من المعرفة التجريبية والأساليب العملية. فالمجتمع الإنساني يعرف بشكل أساسي كما يرى بارسونز بقدرته على صنع الثقافة والقدرة على نقلها»(٧٩).


إن ما يراه بارسونز هو أن عملية التطور أمر حتمي الحدوث تتم فيه عملية الانتقال من الموروثات والتقاليد إلى أنظمة بديلة المكانة فيها والدور ليس للعوامل المكتسبة بل للنظم البديلة كالنظام البيروقراطي ونظام السوق والنظم الصناعية، التي يرى فيها بدائل عن الأنظمة التقليدية. وتستمر تطورية بارسونز وصولاً إلى علاقات الارتباط الديمقراطي وهذا النمط له أربع خواص: وضع القيادات في مكاتب على أساس الانتخاب، وحق الانتخاب، ووجود نظم إجرائية للاقتراع أو الانتخاب، والعضوية على أساس تطوعي»(٨٠).


إن النظام الذي يتحدث عنه بارسونز هو نظام الغربي الأوربي الأمريكي، ويحدد كما يرى هاريسون أن بارسونز يقدم نماذج للتطور الاجتماعي، ويرى فيها أشياء ضرورية لكل مجتمع وهي القرابة والتكنولوجيا والدين، ومع الزمن والتطور التدريجي سيتحقق الميل إلى الحداثة بعيداً عن البدائية.


أما محددات التنمية عند بارسونز فهي ثلاث مراحل هي: (أولاً: المرحلة البدائية، ثانياً) المرحلة المتوسطة، والمرحلة الثالثة وهي الحداثة والتي يتحدث عنها بارسونز بشيء من التفصيل مبدئياً تأكيداً على عالمية هذه المرحلة وتجاوزها بكثير من السلبيات التي علقت بحداثة بعض المجتمعات، مشيراً إلى أن الحداثة الأكثر تقدماً وتطوراً هي حداثة المجتمع الأمريكي بما حملت من مساواة في التعليم، وتجاوز الانتماءات العرقية والوراثية وصولاً إلى نظام المساواة التي


يتجاوز الأنظمة السابقة التقليدية حتى بعض جوانب الحداثة المتباينة في مجتمعات أخرى، أي أن التحديث عند بارسونز يتضمن الانتقال من الوراثة إلى التحصيل.


لقد أكد بارسونز في تطوريته أهمية الانتقال من الخصوصية إلى العمومية، ومن الانتشارية إلى التخصصية، مؤكداً وحدة عملية الانتقال بالنسبة لجميع المجتمعات على وحدة المراحل التي تنتقل فيها المجتمعات من البدائية إلى الحداثة، دون أن يعني ذلك حتمية انتقال جميع المجتمعات فبعضها ينجح والبعض الآخر يفشل. وفي صدد وصف بارسونز لعملية التحديث يقول:


أولاً: إن الاتجاه نحو التحديث أصبح ظاهرة عامة، فالصفات خاصة في معظم المجتمعات غير الحديثة، تقبل الجوانب المهمة من قيم الحداثة.


ثانياً: أن مجموعة دول العالم الثالث يمكن أن تبرز كعامل توازن في السياسة العالمية، وكعامل من عوامل التحديث.


وثالثاً: وأخيراً فهو يأمل أن تصبح اليابان نموذجاً هاماً لتحديث المجتمعات.


بالطبع ليس بارسونز هو الحدثوي التطوري الوحيد، وإنما هناك آخرون غيره، من هؤلاء ليفي الذي يرى أن عملية التنمية مسألة حتمية عل الرغم من تطوريته، إلا أن هناك نقاط اختلاف بينه وبين بارسونز من حيث شكل وأساليب الوصول إلى التحديث حيث يرى ليفي أن التحديث ممكن حتى مع الاستعمار، وإمكانية استبدال البنى الاجتماعية القديمة ببنى جديدة ملائمة ومناسبة لعملية الانتقال إلى التحديث.


ومما سبق يتضح لنا أنه ما جاء على لسان «جوليان هـ. ستيوارد» يبدو مهماً في جوانبه النقدية لنظرية التطور بقوله: «في عالم الحياة أصبحت نظرية


التطور في الوقت الحاضر، أكثر رسوخاً مما كانت عليه في السابق. وأصبحت في علم الكون المصدر الرئيسي لتفكير الإنسان في هذا الكون. غير أنها بالنسبة للتاريخ البشري كانت ذات قصة مخيبة بسبب ارتفاعها وانخفاضها، فقد قوبلت بحرارة أيام دارون، ثم بدأت تخبو في بداية هذا القرن، وهي الآن تعود إلى الحياة والنشاط. ففي هذه الأيام وجدت طريقة جديدة للمسألة أعطتنا الأمل مرة أخرى، في أن نحصل على فهم لتطور الثقافات الإنسانية وفق مصطلحات تطويرية (....) لقد افترض التطوريون أن الكون مصمم لإنتاج إنسان وحضارة، وأن التطور الثقافي في كل مكان لا بد أن تحكمه المبادئ نفسها ويسير في الخط نفسه، وإن الجنس البشري يرمته يتقدم نحوه حضارة تشبه حضارة أوروبا (.....) لكن القليلين جداً من باحثي التطور في الوقت الحاضر، يوافقون على أن الكون يسير وفق غاية تجعل التطور حتمياً في النطاقين البيولوجي أو الثقافي. وبالتأكيد لا يوجد شيء في العملية التطورية، يبين أن التطورات الخاصة التي حدثت في كوكبنا كانت تطويرية حتمية(٨١).


على أية حال فإن النقادات كثيرة وجهت لمختلف نظريات التنمية الغربية التي يمكن رسم معالم بعضها.


أولاً: جميع اتجاهات التنمية الغربية النابعة من نظرية التحديث ومتفرعاتها تعاني من ضعف في كفاءتها النظرية والأمبريقية.


ثانياً: افتقارها القدرة على إيجاد سياسات فعالة قادرة على تحقيق تنمية اقتصادية وإحداث تغيرات ثقافية فعالة وعلى كل المستويات.


ثالثاً: إن بروز جوانب الخلل في التصورات التنموية الغربية بالنسبة لبلدان العالم الثالث انطلقت من خلفيات إيديولوجية وأرادوا فيها استخدام نظام المماثلة المجتمعية وإن ما ينطبق على المجتمعات الغربية ينطبق على غيرها.


رابعاً: سعيهم باتجاه بناء منظومة نظرية ذات طابع عالمي على المستوى الاقتصادي


والاجتماعي والسياسي وتطبيق ذلك على المجتمعات المتقدمة ومن ثم


على المجتمعات المتخلفة.


خامساً: يرى البعض أن هذه النظريات لم تؤد إلا إلى تعزيز دعائم التخلف


وليس العكس.


سادساً: أغفلت النظرية الحديثة البعد التاريخي لتخلف دول العالم الثالث.


يسو بورديو الحنف الرزي


الفصل الخامس


التنمية الاجتماعية وسوسيولوجيا التخلف


■ تعريف التنمية الاجتماعية والمفاهيم ذات العلاقة:


يشير رواد الاقتصاد والاجتماع المعاصرون إلى الاختلاف القائم بين اصطلاحي النمو والتنمية، فاصطلاح النمو يشير إلى عملية الزيادة الثابتة أو المستمرة التي تحدث في جانب معين من جوانب الحياة، أما التنمية فعبارة عن تحقيق زيادة سريعة تراكمية ودائمة خلال فترة من الزمن، فالزيادة الثابتة في النسبة المئوية للمتعلمين إلى مجموع السكان مؤشر من مؤشرات النمو الاجتماعي، أما التنمية فتحدث في التعليم في مرحلة النمو الاجتماعي السريع وخلال فترة ممتدة من الزمن.


والنمو يحدث في الغالب الأعم عن طريق التطور البطيء والتحول التدريجي، أما التنمية فتحتاج إلى دفعة قوية ليخرج المجتمع من حالة الركود والتخلف إلى حالة التقدم والنمو. والظواهر والأشياء حينما تنمو لا بد أن تتغير خلال فترة النمو غير أن القدر الحاصل عن التغير عن طريق النمو ليس إلا نزراً ضئيلاً، وهو أقرب ما يكون إلى التغير الكمي منه إلى التغير الكيفي. أما التغير الذي يسبق التنمية أو ينتج عنها فهو تغير كبير يتناول الجوانب البنائية، كما يتناول الجوانب الوظيفية وهو أقرب ما يكون إلى التغير الكيفي منه إلى التغير الكمي. والتغير الكيفي من سماته العمق والجذرية والسرعة، ومن نتائجه تحول الظواهر والأشياء وانتقالها من حالة إلى أخرى.


«فالتنمية إذن تحيط بجميع جوانب الحياة على اختلاف صورها وأشكالها فتحدث فيها تغيرات كيفية عميقة وشاملة».


«كما أن النمو ينظر إليه على أنه عملية تلقائية تحدث من غير تدخل من جانب الإنسان، أما التنمية فهي تشير إلى النمو المتعمد الذي يتم عن طريق الجهود المنظمة التي يقوم بها الإنسان لتحقيق أهداف معينة».


«ويختلف المفكرون الاجتماعيون في تحديد مفهوم التنمية الاجتماعية كل وفق تخصصه، فيعرفها البعض بأنها عملية توافق اجتماعي، ويعرفها آخرون بأنها تنمية طاقات الفرد إلى أقصى حد مستطاع، أو بأنها إشباع الحاجات الاجتماعية للإنسان أو الوصول بالفرد لمستوى معين من المعيشة، أو عملية تغير موجه يتحقق عن طريقها إشباع الاحتياجات إلى غير ذلك من التعريفات».


«فعلى سبيل المثال تعني التنمية الاجتماعية لدى المشتغلين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية تحقيق التوافق الاجتماعي لدى أفراد المجتمع بما يعنيه هذا التوافق بين إشباع بيولوجي ونفسي واجتماعي».


والتحليل الدقيق لمختلف تعريفات التنمية توفقنا على اتجاهات ثلاثة في


التنمية الاجتماعية:


الاتجاه الأول: يرى أصحابه أن اصطلاح التنمية الاجتماعية مرادف


لاصطلاح الرعاية الاجتماعية بالمعنى الضيق لمفهوم الرعاية.


الاتجاه الثاني: يطلق أصحاب هذا الاتجاه اصطلاح التنمية الاجتماعية


على الخدمات الاجتماعية التي تقدم في مجالات التعليم والصحة والإسكان والتدريب المهني وتنمية المجتمعات المحلية.


الاتجاه الثالث: يرى أصحابه أن التنمية الاجتماعية عبارة عن عمليات


تغيير اجتماعي تلحق بالبناء الاجتماعي ووظائفه، بغرض إشباع الحاجات الاجتماعية للأفراد.


فالتنمية الاجتماعية ليست مجرد تقديم الخدمات وإنما تشتمل على جزأين أساسيين:


أحدهما: تغيير الأوضاع الاجتماعية القديمة التي لم تعد مسيطرة لروح العصر.


والثاني: إقامة بناء اجتماعي جديد تتبثق عنه علاقات جديدة وقيم مستحدثة ويسمح للأفراد بتحقيق أكبر قدر ممكن من إشباع المطالب والحاجات.


بالرجوع إلى النظم الاجتماعية التي تقوم في المجتمع، فكل نظام اجتماعي يقوم أساساً حول إشباع حاجة من الحاجات الاجتماعية الأساسية للإنسان على الوجه التالي:


١- النظام الاقتصادي: يشبع حاجة الإنسان إلى العمل والتملك والإنتاج والتوزيع والاستهلاك.


٢- النظام الأسري: يشبع حاجة الإنسان إلى المحافظة على النوع واستمرار نوع من العلاقات الطيبة التي تقوم على المحبة والتعاون.


٣- النظام الديني: يشبع حاجة الإنسان إلى الاعتقاد بوجود قوة عليا منظمة للكون تمنحه الطمأنينة وتساعد على العيش في أمان مع نفسه ومع الآخرين.


٤- النظام السياسي: يشبع حاجة الإنسان إلى الأمن والحماية وضمان الحقوق الأساسية كحق الملكية والعمل والتعبير عن رأيه.


٥- النظام التعليمي: يشبع حاجة الإنسان إلى التعليم والاندماج في الجماعات التي يحيا فيها متقهماً لأساليبها وأنظمتها.


٦- النظام الترويحي: يشبع حاجة الإنسان إلى الاستمتاع بوقت فراغه وتجديد حيويته والتفيس عن الضغوط التي يقابلها في حياته.


٧- النظام الأخلاقي: يشبع حاجة الإنسان إلى الامتثال للمعايير المرغوب فيها في ظل إطار حتمي يرتضيه المجتمع.


٨- نظام الرعاية الاجتماعية: يشبع حاجة الإنسان إلى العيش متكيفاً مع غيره من الأفراد ورغبته في أن يكون له دور إيجابي في الجماعات التي ينتمي إليها والمجتمعات التي تعيش في إطارها.


وعلى هذا نجد أن التنمية الاجتماعية تتعامل مع جميع احتياجات الإنسان فيما عدا الاحتياجات الاقتصادية حيث تختص بها التنمية الاقتصادية، وهذا الاستبعاد من الناحية النظرية فقط ليس له ما يسوّغه في عالم الواقع، وسوف يأتي الزمن الذي تخفي فيه الفوارق وتذوب فيه الحدود والفواصل بين التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.


«وبناءً على ذلك نجد أن الآراء قد اختلفت حول مفهوم التنمية، حيث تعددت الاستخدامات، ففي بعض المناطق نجد أن التنمية تستخدم باعتبارها وظيفة تقوم بها الحكومة بحيث تتطلب وجود قسم أو مكتب أو إدارة تختص بشؤونها.


وتستخدم التنمية من ناحية أخرى فتشير إلى الأساليب المستخدمة في بعض صور التنظيم الاجتماعي الفعالة فيقال مثلاً: التنمية من أجل الرفاهية أو الصحة العامة - كما تشير التنمية إلى الوسائل الفنية التي تستخدم من أجل التشغيل وهذا الاستخدام يسيء إلى المفهوم باعتباره لا يعبر تعبيراً صادقاً عما يتضمنه المصطلح من معانٍ وأهداف.


وهناك نمط جديد من الاستخدام لمفهوم التنمية حيث يرى البعض أنها عبارة عن منهج ديناميكي وعملية مستمرة تحدث من خلالها عمليات مختلفة من التعليم والتفكير وأسلوب الحياة والتفاعل التعاوني ولا يتأتى كل هذا إلا عن


طريق التربية تلك العملية الضرورية الهادفة التي تمد الأفراد بالمعارف والمعلومات وتهتم المبادئ الأساسية بحيث يشعر الأفراد بمسؤولياتهم تجاه المشاكل العامة والمشاركة التي تواجه المجتمع والفرد في آن واحد، إلى جانب معرفة كل من هؤلاء الأفراد بموقعه داخل المجتمع، ومن أجل هذا يجب أن تطبق التربية على مستوى المجتمع المحلي باعتبارها (برنامجاً مجتمعياً شاملاً يستهدف الوصول إلى حلول لمشاكل الفرد في عالمه العام والخاص. وتعتمد التنمية في تحقيق أهدافها على مجموعة من العمليات التي يمكن عن طريقها إحداث تغيير متكامل ومقصود ومرغوب في المجتمعات في حدود السياسة العامة للدولة).


(ويمكن تحديد مفهوم التنمية بأنها ذلك الشكل المعقد من الإجراءات والعمليات المتتالية والمستمرة التي يقوم بها الإنسان للتحكم بقدر ما في مضمون واتجاه وسرعة التغيير الثقافي أو الحضاري في مجتمع من المجتمعات بهدف إشباع حاجاته، أي أن التنمية ما هي إلا عملية تغيير مقصود وموجه له مواصفات معينة بهدف إشباع حاجات الإنسان).


«أما التنمية الشاملة فتستهدف تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي من خلال إجراءات مقصودة ومخططة لزيادة الإنتاج الكلي من السلع والخدمات بمعدل أسرع من معدل الزيادة في السكان، أي تعمل على إحداث تغييرات جوهرية في هيكل الاقتصاد القائم لتحقيق زيادة سريعة ودائمة في متوسط دخل الفرد الحقيقي، وكذلك تحسين توزيع الدخل لصالح مجموعات السكان ذات الدخل المنخفض بحيث يحقق لها هذا التغيير البنائي الجزء الأكبر من الزيادة في الدخل القومي لتنمية الطلب الاستهلاكي لها مع تحقيق العدالة والاستقرار الاجتماعي، أي أن التنمية الاقتصادية في كونها تستلزم إجراء تغيير جوهري بنياني وهيكل في البنيان الاقتصادي القائم فإنها تهدف إلى تحقيق زيادة في متوسط دخل الفرد، وليس في الدخل الفردي فقط، إذ لا يكفي زيادة متوسط دخل الفرد النقدي بل


لا بد من بذل الجهد لزيادة دخل الفرد الحقيقي (نصيب الفرد من السلع والخدمات) وإلا أصبحت العملية مجرد حدوث نمو اقتصادي قد يكون نمواً جزئياً ناتجاً عن استغلال موارد طبيعية بترولية على سبيل المثال، وبهذا تصبح بمنزلة زيادة ثابتة أو مستمرة تحدث في جانب معين من جوانب الحياة، ولكن الهدف هو شمول التغيير البنائي واستمرار عملية التنمية وتغيير نمط توزيع الدخل القومي لمصلحة الجزء الكبر من أصحاب الدخل الصغيرة.


«أما عن التنمية الاجتماعية فهي وإن كانت مرتبطة بالعنصر الإنساني والخدمات المتنوعة المقدمة إليه (تعليم - صحة - إسكان - خدمات ضمانية وتأهيلية وأسرية...) من الأهمية بمكان التركيز على كل ما يعيق من إجراء أو إدخال هذه الخدمات حتى تحقق هذه الخدمات الهدف من إنشائها مع الاهتمام بمشاركة الأفراد وأصحاب المصلحة الحقيقية من هذه الخدمات في التفكير والإعداد لها وتنفيذها ومتابعتها وتقويمها، أي أن التنمية الاجتماعية ليست مجرد تقديم خدمات متنوعة للأفراد بل يجب أن تشمل على عنصرين أساسيين:


الأول: تغيير الأوضاع الاجتماعية القديمة التي لم تسير ظروف العصر. الثاني: إقامة بناء اجتماعي جديد تنبثق عنه علاقات جديدة وقيم مستحدثة، ويسمح للأفراد بتحقيق أكبر قدر ممكن من إشباع المطالب والحاجات


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

الفصل الرابع ا...

الفصل الرابع التطورية المحدثة ونظرية التحديث أجمع عدد من العاملين في حقل النظرية الاجتماعية وخاصة ...

إليك النسخة الق...

إليك النسخة القصيرة مع لمسة إيموجيات حيوية ومناسبة للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي: **وصل هاردك ال...

تعاريف مختلفة ل...

تعاريف مختلفة للسياسة المالية : أولا: هي الطريق المنتهج من طرف الدولة لاستخدام الادوات المالية الإير...

اليوم الأول – ا...

اليوم الأول – الوعي القيادي وفهم الذات: · تم البدء باختبار ديسك لتحديد الأدوار الطبيعية لكل قائد م...

Operates using ...

Operates using Non-Dispersive Infrared (NDIR) technology. Infrared light passes through the air samp...

Are Extreme Wea...

Are Extreme Weather Events a Sign of a Climate Crisis? Extreme weather events are becoming more com...

ديكور مدخل الرو...

ديكور مدخل الروضة (بوابة عالم ديزني)قلعة ديزني الترحيبية: مجسم فوم كبير عند المدخل على شكل قلعة ديزن...

تجاوز إلى المحت...

تجاوز إلى المحتوى الرئيسي موقع حكومي رسمي تابع لحكومة المملكة العربية السعودية كيف تتحقق الرئيسية ...

يظهر علم النفس ...

يظهر علم النفس مرور االرادة عبر ثالث مراحل ، النشاط العفوي أو الغريزي ، النشاط الواعي والمدروس )الم...

2- وفي المقابل ...

2- وفي المقابل ظهرت منهجية (F3EAD) كإطار عملي متكامل لإدارة دورة الاستهداف والاستخبارات إذ تتكون ...

كشف السياسي عبد...

كشف السياسي عبدالعزيز العقاب عن أبرز بنود اتفاق السلام باليمن . وقال العقاب في منشور على صفحته الرسم...

بما أنك تبحث عن...

بما أنك تبحث عن تفصيل شامل لجميع الفتحات (الثقوب والقنوات والشقوق) الموجودة في الجمجمة مع التراكيب ا...