Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (70%) Using the AI

بعد سقوط عدن عام 1839م، فقدت المنطقة أهميتها الاقتصادية والتجارية، ولم تعد الخطة الامبريالية البريطانية الأولى ذات أهمية. اتبعت بريطانيا سياسات تكتيكية محدودة، أساسها تأمين طريقها للهند، ومواجهة التوسع الفرنسي، خصوصاً بعد احتلال نابليون لمصر. لم تُطبق سياسة امبريالية شاملة إلا كرد فعل على الانتفاضة المصرية بقيادة محمد علي، والتي مثلت ناقوس خطرٍ على المصالح الأوروبية. اختلفت هذه الانتفاضة عن سابقتها العمانية؛ فالأولى سعت لتحقيق مستقبلٍ جديد، عكس الثانية التي حاولت استعادة الماضي.

وضعت الخطة الامبريالية البريطانية الجديدة هدفين: منع انتفاضات نهضوية مشابهة للانتفاضة المصرية، تحت غطاء تأمين استقلال ووحدة الدولة العثمانية؛ وتحويل الخليج والجزيرة العربية لمنطقة نفوذ بريطانية ثابتة، تحت إشراف حكومة الهند. اتضحت ملامح هذه الخطة نهائياً بين 1914 و1920م، متزامنةً مع بدء التنافس الأوروبي على تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية. تطور المذهب الامبريالي من الليبرالية القديمة (بارلمرسون وكيننج) التي حاولت إصلاح الدولة العثمانية، إلى الليبرالية الجديدة (ستانلي وأوركهارت وبلنت)، التي اعتبرت إصلاحها مستحيلاً ودعت لتقسيمها وإعادة ممتلكاتها لسكانها الأصليين.

أحد الملامح الأساسية للخطة الامبريالية البريطانية، كما صاغتها مدرسة كرزون، هو ربط المنطقة من وادي النيل إلى إيران، بسلسلة من المعاهدات التي تضمن النفوذ البريطاني، وتمنع تدخلات الدول الأخرى. لم تتضمن هذه الخطة إعطاء المنطقة استقلالاً ذاتياً. اتفاقية سايكس بيكو، لم تكن إلا انعكاساً لهذه الخطة، وليس أهم انعكاساتها، وكانت هناك بدائل أخرى، منها دعم ابن سعود في نجد. شملت الخطة أيضاً تحييد إيران عبر معاهدة 1919م (لم تُصدق عليها)، ومعاهدة السيب 1920م التي رسخت تقسيم عمان، وتقسيم اليمن. اتفاقية سايكس بيكو لم تكن سوى خيار قابل للتغيير حسب الظروف، مثل ظهور روسيا البلشفية، والولايات المتحدة، والمقاومة العربية، وأهمية النفط.

الحلقات الأساسية للخطة هي معاهدة دارين (1915م)، ومعاهدة السيب، وتقسيم اليمن، ووضع العراق تحت الانتداب، وتسليم سوريا ولبنان للفرنسيين، ووضع فلسطين تحت الانتداب. مؤتمر العقير (1922م) رسم الحدود بين العراق، الكويت، ونجد، مما منع حركة القبائل بحرية بينها، وأدى إلى تقويض النظام السياسي التقليدي. لم تكن هذه البلدان دولاً مستقلة حسب المفهوم الحديث، وقد رسمت حدودها بشكل اعتباطي. مؤتمر العقير مهدّ لمرحلةٍ جديدةٍ، وهي تثبيت أمن المنطقة من خلال أنظمة حكم موالية للغرب.

استخدمت الخطة ابن سعود كبديلٍ لحكم الشريف حسين، وقد رفع عنه الحماية البريطانية عام 1927م. المحاور الثلاثة للخطة هي: السعودية (كحليفٍ موالٍ)، العراق (تحت الانتداب)، وإيران (تحت نفوذ رضا خان). تدخّل الأمريكيون بعد الحرب العالمية الأولى، مُطالبين بحصة من غنائم الدولة العثمانية، وساعدت سياستهم "الباب المفتوح" الشركات الأمريكية. لم تكن هذه الخطة دون مقاومة، فبرز البديل القومي والاشتراكي، اللذان ناديا بالحكم الدستوري، والاستقلال في دولة موحدة.

في الخليج، برزت حركات إصلاحية في الكويت والبحرين، مطالبةً بالشورى، وحكمٍ دستوري، لكنها قُمعت. في عام 1936م، نضج التيار القومي في المشرق العربي. بعد الحرب العالمية الثانية، عادت الحركات الإصلاحية، لكن هذه المرة تحت تأثير مصر الناصرية. سياسة "فرّق تسد" نجحت في تجزئة المنطقة. تقرير رندل (1933م) أكد أن الوحدة العربية غير عملية، مستشهداً بالتنافس بين العائلات الحاكمة. هذا التقرير يمثل تعداداً لإنجازات الخطة الامبريالية.

بدأ عصر النفط في الثلاثينات، لكن عصر الدولة الريعية جاء بعد الحرب العالمية الثانية. أدت الحرب العالمية الثانية إلى توقف الإنتاج، ثم عاد بقوة بعدها. تطوّر حجم الضرائب النفطية، وميلاد الأوبك مثّل كفاحاً للدول المنتجة للحصول على حصصٍ عادلة. يُنظر لدخل النفط كريعٍ خارجي، مما أدى لظهور الدولة الريعية، التي لا تعتمد على إنتاج النفط بشكل مباشر، بل على إنفاق الدولة. الخصائص الاستثنائية للدولة الريعية تتضمن: اعتمادها على الانفاق العام، استقلالها النسبي عن مصادر السلطة التقليدية، ووجود ثلاثة أبواب للإنفاق: الرأسمالي، التعويضات العامة، والاستهلاك العام. التعويضات العامة أدت لخلق أوليغاركية مالية عقارية، ومضاربة الأراضي. تدخلت الدولة في الاقتصاد، مما أدى لظهور ظواهر اجتماعية شاذة.

ازدهار الاستيراد، الصادرات، البناء، والخدمات، أدى لجذب العمالة الوافدة، مما قلل مساهمة السكان المحليين في النشاط الاقتصادي. يُخفي الانفاق الحكومي حدة الفوارق في الدخل، مما يؤخر التغيير السياسي. الفوارق في الدخل لا تنجم عن استغلال البشر، بل عن استغلال الموارد الطبيعية، مما يعطي الدولة قدرة على احتواء المعارضة. عدم كفاية النظام السياسي والاقتصادي يؤدي لركودٍ سياسي واجتماعي. المؤشرات الاقتصادية لا تعكس حقيقة الوضع في الدول الريعية. لتحقيق نمو حقيقي، لا بد من تغيير تنظيماتٍ اجتماعية وسياسية.

Original text

عندما اكتملت حلقات الخطة الامبريالية العظمى الأولى بسقوط عدن عام ١٨٣٩ م ، كانت الأحداث قد جاوزتها بوقت طويل ولم تعد ذات أهمية، إذ ان المنطقة أصبحت على مشارف حقبة تاريخية كبرى جديدة. فقد فقدت أهميتها الاقتصادية والتجارية منذ بداية القرن التاسع عشر كما ذكرنا، ووصل الأمر في النصف الثاني من القرن الماضي إلى قيام بريطانيا بمنح سلاطين مسقط مساعدات مالية منتظمة، ومنح سلاطين حضرموت رواتب سنوية لم تتجاوز ٥٠٠ روبية في كل حالة، ودعم المركز الاقتصادي لمشايخ البحرين والكويت وساحل عمان المتهادن عن طريق تنظيم عوائد الجمارك البحرية. وكانت الحجاز تعتمد أساساً في معاشها على المساعدات العثمانية والاعانات المصرية منذ بداية حكم محمد علي . على هذا المستوى لم تكن هناك سياسة بريطانية عامة أو خطة امبريالية واضحة في المنطقة، عدا المظلة العريضة المتمثلة في تأمين الطريق إلى الهند التي كانت توجه السياسات التكتيكية المحدودة. وهذا ينطبق على الاجراءات التي اتبعتها بريطانيا في مواجهة الفرنسيين عموماً، وفي سد شهية نابليون الأول التوسعية . فمنذ احتلال نابليون لمصر، كثفت بريطانيا محاولاتها لاحتلال عدن حتى تكللت بالنجاح، غير أن الأمر لم يكن يتعدى القيام بالاجراءات حسب مقتضيات الموقف وتطورات الحرب . ولم توضع سياسة امبريالية عامة وثابتة لمواجهة الأوضاع المستجدة في المنطقة موضع التطبيق، إلا كردة فعل المواجهة الانتفاضة النهضوية المصرية بقيادة محمد علي بخاصة بعد احتلاله سوريا في الثلاثينات من القرن الماضي ). لقد كان هذا الحدث ناقوس الخطر لما يمكن أن يحدث في المنطقة، إذا تيسر لانتفاضة من هذا النوع أن تنجح ، والمبلغ الضرر الذي سيلحق بالمصالح الامبريالية الأوروبية. لقد كان هناك فرق شاسع بين الانتفاضة العمانية في نهاية القرن السابع عشر ، وبين الانتفاضة المصرية في بداية القرن التاسع عشر، فالانتفاضة العمانية حاولت استعادة الماضي بأساليب الماضي، بينما نظرت الانتفاضة المصرية إلى المستقبل واستهدفت تحقيقه بأساليب المستقبل . وهكذا فقد وضعت الخطة الامبريالية الجديدة في المنطقة سياسة عامة نحو الدولة العثمانية، واستهدفت في البداية منع قيام انتفاضات نهضوية من النوع المصري تحت المظلة العامة لتأمين استقلال ووحدة أراضي الدولة الامبراطورية العثمانية، في حين نظر إلى الخليج والجزيرة العربية على أنها منطقة نفوذ ثابتة لبريطانيا منفصلة كلياً عن الدولة العثمانية، وتشرف عليها حكومة الهند حتى مجيء الحرب العالمية الأولى. ولكن هذه السياسة الامبريالية البريطانية لم تكتمل ملامحها النهائية إلا خلال الحرب العالمية الأولى والسنوات التي أعقبتها مباشرة، وعلى وجه التحديد بين سنتي ۱۹١٤ و ۱۹۲۰ م . ويجب أن نشير هنا إلى أن هذه السياسة وضعت في الحقيقة لتعني منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر حق وراثة الدولة العثمانية عندما بدأ التنافس الأوروبي على تقسيم ممتلكاتها ) . ومن المفيد أن نذكر هنا بشكل عابر أن التحول من مرحلة تأمين استقلال ووحدة أراضي الدولة العثمانية إلى مرحلة التنافس الفعّال على اقتسام ممتلكاتها وتقطيع أوصالها، قد ارتبط بالتحول في المذهب الامبريالي من الليبرالية القديمة لبارلمرسون وسترافور كانينغ (Canning) ، تحت تأثير مذهب المنفعة ، إلى الليبرالية الجديدة للورد ستانلي وديفيد أوركهارت، تحت تأثير المثالية الألمانية التي عبر عنها ويلفريد سكاون بلنت خير تعبير). فقد استهدف المذهب الليبرالي الامبريالي القديم عن طريق اجبار العثمانيين على ادخال الاصلاحات - المسماة بالتنظيمات - الأوروبية العصرية تحويل الدولة العثمانية إلى محمية أوروبية . ولكن بعد أن فشلت هذه الاصلاحات، فإن المذهب الليبرالي الامبريالي الجديد نادى بعدم جدوى هذه الاصلاحات، وتالياً عدم قدرة هذه الدولة على الاستمرار في الحياة. لقد دعا المذهب الامبريالي القديم العثمانيين إلى اتباع أساليب الأوروبيين وطريقة تفكيرهم، إذا أرادوا اللحاق بما وصلت إليه أوروبا، كما نادى هذا المذهب بأن قدر حماية تقدم الدولة العثمانية قد وقع على كاهل أوروبا. ومن الطبيعي، فإن استزراع نظم وأفكار غريبة عن بيئة الدولة العثمانية، بخاصة فكرة القومية ونظم الإدارة الحديثة المالية والتنظيم العسكري ... إلخ ، لم يكن ممكناً في فترة قصيرة كهذه. ولكن المذهب الليبرالي الامبريالي الجديد لم يعز أسباب الفشل إلى الظروف الواقعية المادية، بل إلى أن الدولة العثمانية خالفت وتعدت أسس قيامها ، وأن هذه الدولة إذا عادت إلى أصول ديانتها والمبادىء التي وضعها القرآن، لعادت كل الأمور إلى نصابها، وهكذا فإن إدخال نظم أوروبا وأفكارها إلى حضارات مختلفة سيؤدي إلى دمارها، ومن الأفضل ترك هذه الحضارات على حالها، ولكن برعاية أوروبا (1) . وينادي بلنت من هذا المنطلق بإعادة ممتلكات الدولة العثمانية إلى سكانها الأصليين، فيطالب باستقلال أرمينيا وانفصال المستعمرات التركية اليونانية وإعادتها إلى اليونان، وبتحويل العرب من القانون العثماني إلى العادات العربية. يقول بلنت ان نجدا هي البلد الوحيد في العالم الذي زاره ووجد فيه الحرية والمساواة والإخاء حقيقة واقعة. فهناك كانت جماعة تعيش كما كان مثاليونا يحلمون من دون ضرائب أو شرطة أو تجنيد إلزامي من أي نوع وقانونهم الوحيد هو الرأي العام، وكل نظمهم عبارة عن مبدأ الشرف ). ومن الممكن - إذن - حسب هذا المنطق أن تقام جماعات على أسس مماثلة للأسس الموجودة في الجزيرة العربية، وذلك في الممتلكات العثمانية الواقعة ما بين النهرين (العراق) وسوريا، لأن عملية الانتقال هذه ستكون طبيعية وسهلة .
وقد تدعم هذا المنطق الامبريالي حسب تداعي الأحداث بتوقيع الوفاق الثلاثي الودي (entente cordiale tripartite) بين بريطانيا وفرنسا وروسيا عام ١٩٠٤ م، واكتشاف النفط في إيران عام ۱۹۰٥ م ، وتأكد وجوده في المنطقة بكميات تجارية، كما يستدل من اتفاقية سكة حديد بغداد الأولى عام ۱۹۰۳ م ، وعقد شركة دارسي عام ۱۹۰۱ م، وتحول البحرية البريطانية إلى استعمال محركات الاحتراق الداخلي التي تعمل بالنفط بدلاً من المحركات البخارية عام ۱۹۱۳ م ، وتوقيع اتفاقية سكة حديد بغداد - برلين عام ١٩١٤ م، وتوقيع اتفاقية اعادة تنظيم شركة النفط التركية في العام نفسه واستمر هذا المنطق إلى قيام الحرب العالمية الأولى التي اتضحت بين سنواتها الأربع والسنوات المباشرة التي أعقبتها الملامح النهائية الكاملة لهذه الخطة الامبريالية الجديدة في المنطقة . ولكن من نكايات الزمان، ان الخطة التي وضعها البريطانيون لم ينفذها كاملة سوى الأمريكيين بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا، فما تصوره البرتغاليون حققه البريطانيون، وما خطط له البريطانيون نفذه الأمريكيون، مع الفارق طبعاً . ما ملامح هذه الخطة الامبريالية البريطانية ؟ وكيف نفذت في المنطقة؟ إن أحد الملامح الأساسية لهذه الخطة الامبريالية العظمی Imperialist Grand (Design التي وضعت تصورها المدرسة الامبريالية بقيادة لورد كرزون هو أن المنطقة من ) وادي النيل عبر الشرق الأدنى والجزيرة العربية إلى إيران، لا بد أن تكون حلقات متصلة للامبراطورية البريطانية في غرب ووسط آسيا، ممثلة بالهند مرتبطة مع بريطانيا بسلسلة من المعاهدات والاتفاقيات التي تضمن وتنظم وجود بريطانيا وإشرافها على أمن واستقرار هذه المنطقة (Pa Britannica)، وذلك وسيلة لمنع تدخلات الدول الأوروبية الأخرى خصوصاً فرنسا، وحاجزاً يقي من التوسع الروسي وفي ما بعد الخطر البلشفي) ويمنع خطره من الامتداد إلى الهند وأفريقيا . ولم يرد في هذه الخطة الامبريالية العظمى إطلاقاً إعطاء المنطقة استقلالاً ذاتياً أو حكماً دستورياً أو توحيدها في أي شكل من الأشكال، بوصفها أنظمة سياسية تعامل على قدم المساواة من حيث هي دول مستقلة. وهذا بطبيعة الحال، يقلل من أهمية الادعاء أن سياسة بريطانيا في المنطقة، كانت نتيجة سوء التفاهم بين المكتب العربي في القاهرة التابع لوزارة الخارجية الذي نادى بإعطاء العرب مملكة متحدة أو كونفدرالية بقيادة الشريف الحسين بن علي، كما ورد في وعد ماكماهون إلى الشريف (۱) ، وبين حكومة الهند التي لم تعر آمال العرب القومية أي اهتمام وركزت اهتمامها على احتلال العراق وربطه بمشيخات الخليج العربي وجنوب الجزيرة، وحكمها بأسلوب حكم الهند نفسه، وأسلوب ربط المهراجات بحكومة الهند. فهذه الادعاءات في حقيقة الأمر لا قيمة لها إلا من حيث هي سلعة تبريرية تباع للعرب، لأن العنصر الأهم هو أن اتفاقية سايكس - بيكو لعام ١٩١٦ م التي قسمت المشرق العربي والجزيرة العربية إلى مقاطعات ومناطق نفوذ ما كانت إلا أحد انعكاسات وليست أهم انعكاسات هذه الخطة الامبريالية العظمى، ومؤشراً تاريخياً على نمو التيار القومي في المنطقة . إن المحصلة النهائية لهذه الخطة إذا هي ضمان تجزئة العرب ومنع اتحادهم، ليس نتيجة لما ورد في اتفاقية سايكس - بيكو فحسب بل كسياسة عامة، فلقد ورد في معاهدة سايكس . بيكو تقسيم العراق وسوريا الكبرى إضافة إلى الحجاز، ولم يرد فيها أي ذكر لبقية الجزيرة العربية والخليج لا من قريب أو بعيد. ولم يكن وعد ماكماهون الذي أعطي لشريف مكة بخصوص انشاء مملكة عربية موحدة أو كونفدرالية مستقلة نابعاً من الاتفاقية في حقيقة الأمر، بل كان أقرب إلى الخيار (Option) الذي يمكن طرحه أو سحبه حسب تطورات الموقف العسكري والسياسي، وطبيعة التحالفات الامبريالية أو المساومات التي تقرر اعطاء وعود لا قيمة لها (١١). فعلى صعيد الخطة الامبريالية، كانت بدائل أخرى تعد في ذلك الحين أحدها إقامة حكم ابن سعود ودعمه في نجد ووسط الجزيرة العربية، حسب معاهدة دارين (Darin) في كانون الأول / ديسمبر ۱۹۱۵ م ، هذا في الوقت نفسه الذي كانت دول الوفاق الثلاثي تتفاوض على بنود اتفاقية سايكس - بيكو (١). وكانت معاهدة دارين في حقيقة الأمر جعلت من نجد محمية بريطانية أخرى مماثلة تماماً لمحمياتها في مشيخات الخليج ، وقد منعت بنود هذه المعاهدة ابن سعود - في ما منعت - من الاعتداء على هذه المشيخات، ولكنها لم تطلب أي تعهد بعدم الاعتداء على شريف مكة في الحجاز. وقد تضمنت الخطة الامبريالية العظمى ثلاثة عناصر أخرى: أولها تحييد إيران واستيعابها عن طريق المعاهدة الانكلو - فارسية لعام ۱۹۱۹ م ، التي بموجبها تلغى الاتفاقية الانكلو - روسية لعام ۱۹۰۷ م وتقوم بريطانيا بإعادة تنظيم وتدريب الجيش الفارسي، وفي النهاية تثبيت الهيمنة البريطانية الكاملة على إيران. فهذه المعاهدة التي تعد تتويجاً لجهود مدرسة لورد كرزون تكمل حلقات الخطة، وتجعل من إيران ستاراً واقياً من روسيا البلشفية. وعلى الرغم من أن هذه المعاهدة لم يتم التصديق عليها، إلا أنها ستنفذ عن طريق رضا خان قائد لواء القوزاق في ما بعد (۱۳) . كما تضمنت الخطة عنصراً ثانياً من خلال معاهدة السيب لعام ١٩٢٠ م، يتصل بإقامة وتنظيم العلاقة بين سلطنة مسقط وإمامة عمان وتأمين عدم اعتداء ابن سعود عليها، وقد جاءت هذه المعاهدة لترسيخ التقسيم الفعلي لعمان بين مؤسستي السلطنة والإمامة، والذي مر ذكره في القسم السابق من هذه الدراسة (١٤) ، وبذلك أنشىء كيان سياسي جديد، بديلا من بدائل الخطة، إضافة إلى الحلقة الإيرانية والبديل السعودي . أما العنصر الثالث فهو ترسيخ تقسيم اليمن بين الاحتلال السعودي لشمال اليمن في عسير، واليمن العربية التي أعطيت إلى الامام يحيى بعد الانسحاب العثماني من اليمن عام ۱۹۱۸ م، واليمن الديمقراطية وحضرموت التي قسمت إلى المحمية الشرقية والمحمية الغربية . وهكذا، إذا ما حاولنا ربط خيوط هذه الخطة الامبريالية العظمى، فإن أهمية اتفاقية سايكس - بيكو تبدو محدودة في ما يتصل بتقسيم وتجزئة البلاد العربية كأحد الأهداف الأساسية للخطة . فالاتفاقية نفسها لم تكن سوى أحد الخيارات أو البدائل التي يمكن اللجوء إليها في هذه الخطة، أو التخلي عنها عند حدوث تعارض بين المصالح الثابتة للدول الامبريالية ، كما حصل في مصير ولاية الموصل. وفي الحقيقة فإن اتفاقية سايكس - بيكو ماتت بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب. ولكن لا يجب تفسير هذا الموت على أنه فشل للخطة الامبريالية الخاصة بمدرسة لورد كرزون بقدر ما هو تحول في اعتماد بعض بدائل الخطة حسب اعتبارات جديدة بدأت تظهر في المنطقة في ذلك الحين . والاعتبار الأول هو ظهور روسيا البلشفية التي فضحت اتفاقية سايكس - بيكو واسهام بريطانيا في الحرب الأهلية ضدها، منعاً لتسرب الخطر البلشفي إلى المنطقة. والاعتبار الثاني ظهور منافس امبريالي قوي يتمثل في الولايات المتحدة، وينادي بسياسة الباب المفتوح وسيلة للحصول على جزء من غنائم الحرب والاعتبار الثالث هو المقاومة الوطنية العربية للسياسات الامبريالية والمطالبة بالوحدة الكونفدرالية العربية والحكم الملكي الدستوري، وهما المطلبان اللذان سيوجهان الكفاح من أجل الاستقلال منذ قبيل الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو ما نطلق عليه البديل القومي العربي. والاعتبار الرابع هو ظهور أهمية النفط في المنطقة منذ العقد الأخير من القرن الماضي بخاصة منذ بداية القرن الحالي، وهو الاعتبار الذي وجه الاستراتيجية العسكرية البريطانية كلها خلال الحرب العالمية الأولى، والذي أعاد ولاية الموصل بسبب نفطها إلى العراق، بدلاً من تركيا أو فرنسا كما نصت اتفاقية سايكس - بيكو. وسنتحدث في ما بعد عن كل من هذه الاعتبارات بشيء من التفصيل، ولكننا قبل ذلك لا بد أن نتوقف عند الخطوط العامة لأسلوب تقسيم البلاد العربية وترسيخ تجزئتها بشيء من التفصيل، ذلك لأن ذلك أمر لا يزال غير واضح بالرغم من الكم الهائل من الكتابة عنه، خصوصاً أن هذا الكم الهائل من الكتابة لا يعالج القضية في شمولها، بل يركز على تفاصيلها المجزأة كانعكاس لتجزئتها الجغرافية، فيولد رؤية مجزأة سطحية غير شمولية . إن الحلقات الأساسية لاتفاقية سايكس - بيكو هي إذا معاهدة دارين مع ابن سعود لعام ١٩١٥م، ومعاهدة السيب لعام ۱۹۲۰ م التي رسخت تقسيم عمان إلى سلطنة وامامة، وتجزئة اليمن إلى شمالية وجنوبية بعد الانسحاب التركي من المنطقة عام ۱۹۱۸ م ، وأحداث عام ۱۹۲۰ م ، وضع العراق تحت الانتداب تسليم سوريا ولبنان إلى الفرنسيين، وضع فلسطين تحت الانتداب وهي الأحداث التي ذكرنا في موضع آخر أنها تمثل حداً فاصلا في تاريخنا المعاصر) (١٥) . وتأتي القمة العظمى أو الحلقة الكبرى المتمثلة في مؤتمر العقير لعام ۱۹۲۲ م لتحكم الطوق وتبشر بعهد جديد، ذلك لأن الاتفاق الذي خرج به مؤتمر العقير كان ترسيم الحدود على الأرض بين العراق والكويت ونجد بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة . لماذا ؟ لأن اتفاقية العقير قد أدخلت ترسيم الحدود على الأرض، وربطته بمفهوم السيادة الوطنية (Sovereignty)، وهذه قضية لم تكن معروفة قبل ذلك في المشرق العربي والجزيرة طوال تاريخها. أضف إلى ذلك أن هذه الاتفاقية احتوت بذرة العنصر المدمر الذي سيقوض الأساس الذي بنيت عليه كل المطالب القومية العربية منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا ! ولنسترجع أولاً ما قلناه في القسم السابق عن خصوصية مفهوم الولاء السياسي في مجتمع الخليج والجزيرة العربية من أنه مفهوم يرتبط بالبشر وليس الاقليم الجغرافي. وتجيء هذه الاتفاقية لتكمل نهائياً ما بدأته معاهدة السلام الأبدي لعام ١٨٥٣ من تجميدها لدورة النخبات القبلية. فترسيم الحدود بين البلدان الثلاثة (العراق) - الكويت - نجد كان القصد منه أساساً منع القبائل وفي هذه الحالة الأخوان في نجد أو بقية الأفراد من التنقل بين هذه البلدان بحرية نسبية، والالتجاء إلى حاكم هرباً من ظلم حاكم آخر، وذلك كما نعلم أحد القيدين المقيدين للسلطة وممارستها في النظام السياسي التقليدي. ولذلك فإن هذه الاتفاقينة بما قامت به من تحديد الحرية الحركة السياسية وليس حركة الرعي والتنقل، كانت معولاً استخدم لتقويض النظام التقليدي . ولكن العنصر الأهم الذي يفوق العنصر السابق في قوته التدميرية، هو أن أياً من هذه البلدان الثلاثة لم يكن في يوم من الأيام طوال تاريخه سوى إقليم ولم يمثل أي منهما أمة مستقلة بحد ذاتها، حسب المفهوم الحديث للأمة وللدولة - الوطنية (Nation State) التي بنيت عليها. كما أن حدود أي من هذه الأقاليم لم ترسم في أي من الأيام على الأرض، لأنه لم يكن هناك ضرورة لذلك كما أوضحنا، إضافة إلى أنه ليست هناك أسس أثنية أو جغرافية أو تاريخية - لغوية لهذه الحدود. ويأتي مؤتمر العقير ليرسم هذه الحدود ليس على أي من هذه الأسس، لأنها غير موجودة، بل يفرض أسساً جديدة على هذه البلدان الثلاثة، حسب متطلبات السياسة الدولية واهواء الدول الامبريالية كما يقول جون مارلو، بكل اعتباطية واستهتار بتاريخ المنطقة وتطلعاتها القومية (١٦) . هذه الاعتباطية الرهيبة في ترسيم الحدود على الخارطة بين هذه البلدان التي تمثلت بجرة قلم من سير برسي كوكس ، تبدو الآن من المنظور التاريخي واحدة من أكثر مهازل تاريخنا الحديث مدعاة للحزن. ولا أدري إلى أي مدى كان المشاركون في مؤتمر العقير يدركون الخطورة التاريخية لأعمالهم ولابعاد ما سيترتب عليها، ولكن مؤتمر العقير كان الأساس الذي بني عليه عنصر أو ملمح آخر من ملامح هذه الخطة الامبريالية العظمى الجديدة، وهو تثبيت أمن واستقرار المنطقة من خلال محاور ارتكاز لأنظمة حكم مستبدة ولكنها موالية للإدارة الاستعمارية الغربية. ولهذا فإذا ما وضعنا مؤتمر العقير في الإطار التاريخي للأحداث، تبين لنا أنه لم يكن اعتباطياً أبداً ولو أنه رسم الحدود بشكل اعتباطي ) (۱۷) . وإذا توقفنا عند معاهدة دارين لعام ۱۹۱۵ م التي بموجبها تحولت نجد إلى محمية بريطانية، وجدنا أن القصد منها كان واضحاً، وهو استخدام ابن سعود ورقة أو بديلاً لحكم الشريف الحسين بن علي في الحجاز، وثقلاً معادلاً لوعود الحلفاء بإقامة مملكة عربية موحدة في الولايات العثمانية المحررة كما ورد صراحة في وعد ماكماهون، أو ضمنا في اتفاقية سايكس - بيكو. وخلال الفترة من ۱۹۱۵ إلى ۱۹۲۷م استطاع ابن سعود أن يحتل الاحساء أو المنطقة الشرقية المطلة على الخليج العربي عام ۱۹۱۳م، وأن يحتل حائل عام ١٩٢١ م فيقضي بذلك على حكم آل الرشيد ويفرض سيطرته على شمال نجد، ويدخل الحجاز بعد رفع الحماية البريطانية عنه ويقضي على حكم الشريف الحسين بن علي عام ١٩٢٤ - ١٩٢٥ ، فيفرض سيطرته من خليج العقبة إلى جدة، ثم يحتل عسير ويقضي على إمارة الادارسة عام ١٩٢٦ م . وتجيء معاهدة جدة لعام ۱۹۲۷ م مع بريطانيا لترفع صورة المحمية التي ترتبت على معاهدة دارين، وتعامل ابن سعود بوصفه رئيس دولة مستقلة ذات سيادة وحدود واعتراف دولي ضمنتها له الاعتبارات السياسية الدولية نفسها التي حكمت مؤتمر العقير وكانت إطاره المرجعي (١٨) . وهكذا استطاعت هذه الخطة الامبريالية العظمى أن تقيم محوراً ثابت الولاء للغرب في الجزيرة العربية معادياً لمحور آخر بشكل استثنائي وهو محور العراق، الذي كان أحد المشاركين في مؤتمر العقير. وكان إعلان الانتداب البريطاني وتنصيب فيصل ملكاً أمرين متزامنين عام ۱۹۲۰ م ، كما كانت معاهدة الحماية وترسيم حدود العراق في مؤتمر العقير أمرين متزامنين عام ۱۹۲۲ م . وما كان يمكن لفيصل إلا أن يكون موالياً لبريطانيا التي كان يدين لها بعرشه الذي خسره في سوريا بعد أن طرده الفرنسيون منها، حسب اتفاقية سايكس - بيكو. وهذا هو المحور الثاني أو الركيزة الثانية للامبريالية البريطانية، وهذا ما ثبتته معاهدة ۱۹۳۰ م بين العراق وبريطانيا التي منح العراق بموجبها استقلالاً (1) تحت الحماية البريطانية (١٩) . أما المحور الثالث فقد مثله حكم رضا خان الذي جاء إلى السلطة بانقلاب شباط / فبراير ۱۹۲۱ م متخفياً وراء سيد ضياء الدين الطباطبائي، الذي سيقوم رضا خان بإزاحته بعد أشهر قليلة ليستولي على الحكم، ثم يزيح أحمد شاه آخر الحكام الفجار ويعلن نفسه رضا شاه بهلوي عام ۱۹۲۳(۲۰). وإضافة إلى كون حكم رضا شاه مرتكزاً للسياسة الامبريالية وحاجزاً ضد الخطر البلشفي الذي كان ظهر في روسيا، فإن سياسته الرامية إلى تحقيق الإدارة المركزية في طهران أدت إلى انهيار حكم الشيخ خزعل في عربستان، وإلى تهجير عرب إيران والتسبب في هجرة إيرانية مما نتج عنه تشييع مناطق واسعة من جنوب العراق وبخاصة البصرة والكويت والبحرين والاحساء. وهذا بطبيعة الحال أدخل عنصراً طائفياً في التركيبة السكانية في الخليج العربي، ستكون له آثار مستمرة إلى الوقت الحاضر (۲۱) . وارتكزت السياسة الامبريالية في المنطقة على بناء هذه المحاور الثلاثة التي حققت أمن واستقرار المنطقة في الفترة ما بين الحربين، وهيأت المناخ الملائم للاستثمار الرأسمالي الغربي أن سياسة المحاور المحلية لم تدخل الواسع الذي شهدته المنطقة في التنقيب عن النفط . ومع بوصفها عنصراً أصيلاً في الخطة الامبريالية كما تصورها لورد كرزون ومدرسته، ولكن تنفيذ الخطة في الحقيقة خضع لضغوط كبيرة من قبل الأمريكيين الذين بدأوا يظهرون في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، ويطالبون بحصة من غنائم الدولة العثمانية على الرغم من أنهم لم يكونوا في حال حرب معها، وذلك مقابل الدين الكبير الذي تراكم على البريطانيين والفرنسيين بسبب تلك الحرب . وقد جنت الشركات الأمريكية فوائد كبيرة من سياسة الباب المفتوح التي طالبت بها الحكومة الأمريكية للحصول على امتيازات التنقيب عن النفط، ومن مبادىء الرئيس ويلسون التي تشجع المستعمرات على المطالبة بحق تقرير المصير وانحسار الاستعمار (۲۲). ولم يكن الرأسمال الاحتكاري الأمريكي الأكثر تقدماً في حاجة إلى مستعمرات وانتدابات على الطريقة الأوروبية، بل كان يسعى إلى تقويضها، ليخلق بدلاً منها دولاً مستقلة ظاهرياً، ولكنها تابعة له ومعتمدة عليه بشكل أكثر شمولية وأكثر مرونة. وكان ذلك مؤشراً على أن أمريكا الشمالية بدأت في التوسع من حديقتها الخلفية في أمريكا الجنوبية لتحول العالم كله إلى مزرعة للمصالح الأمريكية الاقتصادية والاستراتيجية، غير أن هذا كله لم يتحقق إلا بعد الحرب العالمية الثانية . ولكن تنفيذ هذه الخطة الامبريالية العظمى لم يتم من دون مقاومة، ومقاومة جادة سبق أن وصفنا بعض حلقاتها بأنها عملية الكفاح من أجل الاستقلال. وفي هذا الكفاح برز البديل القومي للانقسام الديني لنشاط المطاوعة) المذهبي الوهابي - الأباضي - الزيدي) الذي سهل تقسيم البلاد العربية أو رسخ هذا التقسيم، وبرز كذلك البديل الاشتراكي في الوقت نفسه، ويشترك البديلان القومي والاشتراكي ولو اختلفا في أمور كثيرة أخرى في المطالبة بحكم علماني دستوري، وبالاستقلال الناجز في دولة موحدة كونفدرالية. هذه المطالب ستوجه جميع الجهود التحررية الاصلاحية أو الثورية في المنطقة، وتلخص التطلعات القومية وصورة المستقبل لدولة عصرية تجمع شمل العرب (۲۳) . وتحت تأثير هذا التيار القومي الذي لم يكن قد تبلور بعد قامت الحركات الاصلاحية الأولى في الخليج والجزيرة العربية بشكلها الجنيني، ففي الكويت قامت أول حركة تطالب بأن يشارك الأعيان من الأهالي الأمير في حكم البلد وذلك عام ۱۹۲۱ م. وكان المطلب الأول لهذه الحركة هو اتباع مبدأ الشورى في اختيار الأمير من بين أفراد الأسرة الحاكمة، ثم تطور هذا المطلب إلى انتخاب عدد معلوم من آل الصباح والأهالي لإدارة شؤون البلاد على أساس العدل والانصاف. ولكن هذه الحركة فشلت بعد أشهر قليلة لعدم تعاون الأمير الجديد الشيخ أحمد الجابر والخلافات حادة بين أعضاء مجلس الشورى (٢٤) . أما في البحرين، فقد قامت حركة اصلاحية حاولت على مدار سنتي ۱۹۲۱ و ۱۹۲۳ م أن تطور مكسب انتخاب المجلس البلدي وتحويله، أو إقناع الأمير الشيخ عيسى الخليفة بالإعتراف به كمجلس تشريعي واعطائه الصلاحيات التالية : (أ) صلاحية اختيار القضاة الشرعيين ورؤساء الدوائر الحكومية، (ب) صلاحية عزل رؤساء الدوائر غير الوطنيين، (ج) صلاحية وضع حد للتدخل البريطاني في الشؤون الداخلية، (د) صلاحية تشكيل قوة شرطة وطنية . ولما أبدى الشيخ عيسى تعاطفاً مع هذه المطالب قام الانكليز بإحالته إلى التقاعد، وبنفي القادة الوطنيين لهذه الحركة إلى الهند (٢٥) . ولكن البديل أو التيار القومي لم ينضج في المشرق العربي ويتخذ شكلاً سياسياً تنظيمياً إلا في عام ١٩٣٦م ، وخلال سنوات الاضراب الفلسطيني المريرة، حول محور فلسطين الذي سيبقى منذ ذلك الحين بؤرة الكفاح من أجل الاستقلال والوحدة العربية . وتحت تأثير هذه القضية قامت الحركات الاصلاحية في كل من البحرين ودبي والكويت عام ١٩٣٨ م (٢٦) . وقد تشابهت مطالب الحركات الثلاث إلى حد كبير، كما يوضح الجدول رقم (٥ - (١) وتشابهت أسس حديثة وتوفير الخدمات الأساسية، ولكن الكويت تميزت بتقديم مطالب قومية واضحة : أعني المطلبين الأخيرين الخاصين بضرورة فتح البلاد للعرب والتعاون مع العراق كذلك النتائج . فقد انصبت أغلب المطالب على إقامة الحكم الدستوري وتنظيم البلاد على الذي كان ينحو منحى قومياً تحت حكم الملك غازي . أما النتيجة فقد كانت فشل المحاولات الثلاث التي انتهت بقمع الحركات الاصلاحية بالقوة، وما ان تنقضي الحرب العالمية الثانية حتى تعود هذه الحركات إلى التفجر من جديد، ولكن تحت تأثير مصر الناصرية هذه المرة، منذ منتصف الخمسينات من هذا القرن. وهكذا، فقد فعلت سياسة فرق تسد الامبريالية فعلها في المنطقة، فجزأت الاقاليم والأقطار العربية إلى دول وقبائل وطوائف متنازعة ورسمت لها الحدود. وللأسف فقد نسيت هذه الأقاليم والأقطار - بعد أن تحررت - أن هذه الحدود قد أقامها الأجنبي، وأنها ليست سوى حدود الحبس الانفرادي والاقامة الجبرية التي فرضها المستعمرون علينا كما يقول ساطع الحصري (٢٧). وقد لعبت المحاور الثلاثة التي أقامتها أو تبنتها الادارات الاستعمارية (وهي السعودية - العراق - ايران دوراً أساسياً في تهيئة المناخ الملائم للاستثمارات الاجنبية في التنقيب عن النفط وللنهب المنظم لموارد البلاد العربية، ولجعل فكرة الوحدة العربية فكرة غير عملية وغير ممكنة في النهاية . هذه النتيجة هي المحصلة النهائية التي وردت في تقرير سير جورج رندل GW) Rendel الذي كتب في ١٣ حزيران / يونيو عام ۱۹۳۳ م عن موقف حكومة جلالته من قضية الوحدة العربية. وهو موقف يتلخص في أن الوحدة العربية غير عملية وغير ممكنة للاعتبارات التالية، كما وردت نصاً في هذا التقرير (۲۸) : إن المنافسة العائلية بين الهاشميين الملك فيصل في العراق وعبد الله في الأردن والسعوديين تكاد تجعل من غير الممكن قيام ائتلاف وثيق أو عضوي بين المناطق التي يحتلها كل منهما ... (كما) أن سياسة حكومة جلالته هي الحفاظ على التوازن بصورة متساوية بين الهاشميين من جهة والسعوديين من جهة أخرى ... وإلى جانب هذه الصعوبة الكبرى فهناك أيضاً عوامل أخرى لا يمكن التوفيق بينها في أي نظام واحد، وأهم هذه العوامل مملكة اليمن المستقلة التي يحكمها الإمام يحيى وهو رجل قصير النظر مشاكس وعلاقاته مع ابن سعود والملك فيصل غير واضحة ... وكذلك مع شتى الحكام العرب الصغار مثل شيوخ الكويت وقطر والساحل المتهادن، الذين يغار بعضهم من بعض أشد الغيرة ويغارون كلهم أشد الغيرة على استقلالهم ولا يظهرون أية قدرة على التعاون. ولا تحتاج سلطنة مسقط وعمان ومحمية عدن في الوقت الحاضر إلى البحث في أمرها من هذه الناحية ... انه لمبدأ أساسي في سياسة حكومة جلالته في الشرق الأوسط هو أن هذه الدول يجب أن تبقى وحدات منفصلة بقدر الإمكان تحت السيطرة البريطانية الفعالة ... (كما) أن حكومة جلالته لا يسعها إلا أن توافق على امتصاص فلسطين بأية طريقة كانت في أي نوع من الاتحاد يؤلف فيه العرب أغلبية ساحقة ان لم يكن لشيء فلضلوعها العميق في سياسة الوطن القومي لليهود، فضلا عن التزاماتها نحو الجاليات (1) غير العربية أو غير المسلمة . إنه لأمر مضحك أن تخلق العقبات للقيام بعمل ، ثم تدعي أسفاً أن هذا العمل غير ممكن بسبب هذه العقبات. وفي رأيي، إن ما ورد في هذا التقرير ما هو إلا تعداد للانجازات والمكاسب التي حققتها الخطة الامبريالية العظمى، حتى ذلك الحين. - ٣ - لقد بدأ عصر النفط في الخليج والجزيرة العربية في الثلاثينات من هذا القرن، ولكن عصر الدولة الريعية لم يحن إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد عام ١٩٥٠ م على وجه التحديد. ولتوضيح هذا نذكر أن أغلب الاكتشافات النفطية قد تم في الثلاثينات، كما أن شركات النفط توصلت إلى تقديرات واضحة لحجم الاحتياطي النفطي في المنطقة حوالى هذه الفترة. وقد بدأت شركات نفط العراق والبحرين الانتاج ومباشرة التصدير عن طريق المجمعات البحرية (Terminals)، وأنابيب نقل بعض النفط عبر سوريا وفلسطين في بداية الثلاثينات، كما يوضح الجدول رقم (٥) - (٢) . ولكن ظروف الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في صيف ۱۹۳۹ م ، بخاصة النقص في الحديد والصلب أثناءها، أدت الى توقف التنقيب ثم الإنتاج . ولا نريد أن ندخل هنا في تفاصيل ظهور الإنتاج والصناعة النفطية، أو في الظروف والملابسات التي أدت إلى تكون الشركات النفطية وطريقة اقتسامها للحصص، فهذه قصة طويلة كئيبة يستطيع القارىء أن يجد فصولها في العديد من الوثائق والمراجع، وتزخر بها حكايات الكتاب الصحافيين الذين يسحرهم الحديث عن ثروة النفط الهائلة والقوة غير الملجمة التي تولدها (۳۹). ما يعنينا هنا هو أنه ترتب على انتاج النفط زيادة كبيرة في الدخل «الوطني» بشكل ضرائب ريعية تحصلها الأسر الحاكمة من شركات النفط. وقد تطور حجم هذه الضرائب من نسبة ١٦ بالمائة من الربح الصافي للشركات الذي كان سائداً عام ۱۹۳۳م، إلى أربعة شلنات ذهب للطن الواحد، وذلك في إيران ومنها إلى بقية بلدان المنطقة، كما هو موضح في الجدول رقم (٥) - (٣) . ويجب أن يكون واضحاً أن الانتقال بين هذه المراحل المختلفة على الرغم من الاجحاف في حصة البلدان المنتجة حتى عام ١٩٧٤ م) كان مصحوباً بنضال وجهاد ومفاوضات مطولة مرهقة. كما ان حكومات بلدان المنطقة لم تحقق التأميم الكامل لشركات النفط، إلا تحت ضغوط شعبية جبارة امتدت طوال ربع قرن من الزمان. وكان ميلاد الأوبك تعبيراً عن كفاح الدول المنتجة، في سنواته الأولى على الأقل، للحصول على حصة عادلة من دخل النفط وصناعته (۳۰) . ويوضح الجدول رقم (٥) - (٤) تأثير تطور السياسة السعرية على نمو العائدات النفطية التي تمثل أكثر من ۹۰ بالمائة في المتوسط من الدخل الوطني لهذه البلدان في الثلاثة والأربعين عاماً الماضية. ونستطيع أن نتبين بكل وضوح أن سنوات ١٩٦٠ و ١٩٧٤ و ۱۹۸۲ م تمثل نقاط تحول رئيسية في هذا المجال. ففي المرحلة الثانية ( ١٩٦٠ م) وهي بداية استعمال أسلوب المناصفة في الربح الذي بدأته «أرامكو» في السعودية في بداية الخمسينات، وأجبرت الشركات البريطانية والغربية الأخرى على اتباعه في ما بعد يمثل هذا المتوسط قفزة كمية كبيرة في العائدات النفطية (۳۱). وفي عام ۱۹۷٤ م وهو بداية تأثير السياسة السعرية الجديدة والمقاطعة النفطية لأمريكا عام ۱۹۷۳م، يمثل هذا المتوسط ثورة سعرية حقيقية إذا ما قورن بالسنوات السابقة، وفي المرحلة الأخيرة منذ ۱۹۸۲ م يمثل المتوسط بداية اتجاه أسعار النفط إلى الانحدار، بسبب انهيار تسعيرة الأوبك واغراق الأسواق العالمية بالنفط السعودي، مما أدى إلى الأزمات السعرية التي يشهدها العالم وحتى كتابة هذه السطور (۳). ماذا يعني هذا الدخل الكبير المتأتي من انتاج النفط بالنسبة إلى بلدان المنطقة؟ إن واحدة من الطرق المفيدة والمثمرة نظرياً لفهم هذا الدخل هي التي يقترحها مهدافي، والتي تنظر إلى دخل النفط بوصفه ريعاً خارجياً، أي ايجاراً تتقاضاه هذه البلدان من تأجير أراضيها إلى الشركات النفطية، وهو ريع خارجي غير مكتسب ولم يتولد من العمليات الانتاجية للاقتصاد الوطني. ويتبع ذلك منطقياً أن الدولة التي تعيش أو تعتمد في معاشها على الريع الخارجي هي دولة ريعية والدولة الريعية ليست بالضرورة متصلة بالنفط، فاسبانيا (في نهاية القرن (١٦) تعطينا مثلاً تاريخياً لدولة ريعية اعتمدت في معاشها على ذهب وفضة الأمريكتين، وقد صادفنا هذا في قسم سابق من هذه الدراسة ومن الأهمية بمكان إدراك الصفة الخارجية لهذا الريع الذي يمثله الدخل النفطي، فهو أشبه بهبة خارجية أجنبية، ولكنها هبة مستمرة منتظمة. ولهذا يمكننا أن نفهم لماذا لم تكن الأسر الحاكمة ترغب في مضايقة شركات النفط بالإلحاح على زيادة حصة بلدانها. ولم تكن هناك صلة بين إنتاج النفط كنشاط اقتصادي وقطاعات الاقتصاد الوطني، لا من حيث العمالة والتوظيف، ولا من حيث استهلاك النفط محلياً، ولا من حيث تأثيره على الصناعة الوطنية ولا من حيث إعادة توظيف الفائض من الدخل محلياً حتى بداية الثمانينات عندما ظهرت بعض الصناعات التحويلية (٣٤) . ولهذا النوع من الدولة الريعية بعض الخصائص الاستثنائية نجملها في ما يلي : ان الاقتصاد الوطني لهذا النوع من الدولة لا يعتمد مباشرة على النفط بل يعتمد عليه بطريق غير مباشر وهو طريق مصروفات الدولة أو الانفاق العام الذي يتحول إلى قناة لضخ دخل النفط. وهذا يبرز الدور المركزي الذي تلعبه الدولة من حيث كونها المستلمة لدخل النفط) في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان، ولكن بشكل مغاير للدول الأخرى التي تعتمد على الضرائب والقطاعات الانتاجية والخدمية في الاقتصاد الوطني (٣٥) . والدخل من النفط يجعل الدولة الريعية مستقلة نسبياً عن مصادر القوة والسلطة المتعارف عليها في الدول الأخرى، ولذلك فإنها تتمتع بمرونة في العمل وحرية في المناورة تفوق إلى حد كبير الأحوال الاعتيادية التي تحصل فيها الدولة على دخلها من الضرائب أو العملية الانتاجية. وليس معنى ذلك بالطبع ان الدولة الريعية متحررة كلياً من القيود، وسنتطرق إلى ذكر بعضها في الجزء المقبل . وإذا توقفنا قليلاً للتدقيق في آليات الانفاق العام والدور الاستثنائي الذي يلعبه هذا الانفاق في الدولة الريعية، وجدنا أن هناك بصورة عامة ثلاثة أبواب للانفاق العام (State) (expenditure في الميزانية العامة للدولة وهي : الانفاق الرأسمالي (State Capital Outlays) ، التعويضات العامة، الاستهلاك العام (٣٦) . أما الانفاق الرأسمالي فيتضمن كل أوجه الانفاق على العمل والمواد اللازمة لإنتاج السلع والخدمات التي تباع للسكان، ومثال ذلك مشاريع الأشغال العامة . ومعظم هذه السلع والخدمات تقدم مجاناً أو بأسعار رمزية في الدول الريعية - النفطية، أما الاستثناءات كشركات الطيران الحكومية أو الكهرباء والماء والبريد والهاتف ... إلخ، فهي تعتمد على التمويل الذاتي أو على دعم الدولة. ولا بد في الحالة الأخيرة من التمييز بين الانفاق الرأسمالي والاستهلاك العام . أما الخدمات التي لا تمول نفسها ذاتياً كالصحة والتربية والخدمات البلدية، فلا بد من اعتبارها ضمن الاستهلاك العام، وهو الباب الذي مولت من خلاله برامج ما يسمى بدولة الرفاهية الضخمة . أما الباب الذي يكتسب أهمية فائقة في ميزانية الدولة الريعية فهو الباب الثاني : التعويضات العامة. وفي العادة، فإن التعويضات العامة هي مجموعة من المبالغ الكبيرة التي تدفع من الميزانية العامة على شكل : فوائد على الدين العام الضمان الاجتماعي، الدعم التمويني، والتعويضات المختلفة. وقد استخدم هذا الباب في ظل الدولة الريعية لخلق أوليغاركية مالية عقارية طائلة الثراء، وتحويل قطاع الاستيراد والتصدير إلى أكثر قطاعات الاقتصاد دينامية. وكل ذلك من ميزانية الدولة. ويتم ذلك عادة عن طريق ما يسمى بالتثمين أو استملاك الدولة للأراضي العقارية، بحجة إقامة مشاريع عامة أو طرق عليها. وقد أفادت فئات واسعة من السكان من هذا النوع من التعويضات، ولكنها إفادة أشبه ما تكون بفتات المائدة، لأن المستفيد الأعظم منها كان أفراد الأسرة الحاكمة والعائلات التجارية الكبيرة، التي كانت تمتلك مساحات واسعة من الأراضي العقارية مما هيأ لها الاستيلاء على حصة الأسد من التعويضات العامة (۳۷) . وقد بلغت المبالغ المرصودة سنوياً للتثمين في ميزانية الدولة العامة مئات الملايين من الدنانير في حالة الكويت. وهذا بطبيعة الحال يشجع على المضاربة بالأراضي، مما يرفع أسعارها بشكل صاروخي مع بداية برنامج التعويضات العامة، كما يدفع أفراد الأسرة الحاكمة والملتفين حولهم من أفراد الأوليغاركية إلى ادعاء ملكية مساحات واسعة من الأراضي. وتقوم الحكومة بتوجيه برنامج استملاكات الدولة نحو هذه الأراضي، ثم تقوم بتثمينها أي تقدير قيمتها بعدة أضعاف سعر السوق، وهكذا نشأت مهزلة التثمين التي مرت بها أغلب الدول النفطية الريعية (٣٨) . إن ضخ هذه المبالغ الكبيرة من رأس المال وتدويره في الاقتصاد الوطني أعطى الانطباع بالرفاء والازدهار الاقتصادي، من دون أن يحدث أي توسيع في القاعدة الانتاجية للاقتصاد عن طريق التصنيع والتنويع في مصادر الدخل. وهذه هي الصفة العامة لاقتصاد الدول الريعية. إن الدولة التي تملك فوائض كبيرة من رأس المال تؤدي في حالة الدولة الريعية إلى مزيد من التدخل في الاقتصاد من خلال احتكار تمويل وانشاء وضمان كل أو أغلب المشروعات الصناعية والتجارية. ويكفي أن يلقي القارىء نظرة على أكبر الشركات المساهمة في الدول النفطية وحصة الحكومة فيها، لكي يدرك إلى أي مدى تتدخل الدولة في الاقتصاد (۳۹). كما أن أكثر قطاعات الاقتصاد دينامية كالاستيراد والتصدير، والبناء والمقاولات تعتمد اعتماداً رئيسياً على مناقصات الدولة. ولذلك فما أن يخفض معدل الانفاق العام، حتى تبدأ عجلة الاقتصاد بالتوقف عن الدوران. ويعني بروز مركزية الدولة في هذه البيئة، بالضرورة بروز دور الأسر والنخب الحاكمة التقليدية التي جمدتها معاهدات الحماية الاستعمارية في مركز الحكم. ولذلك ظهرت الأسر الحاكمة كأنها مؤسسات سياسية تملك الدولة، ولم تأت عن طريق الاختيار أو الانتخاب، بل بحكم وضعها السابق. وهذا يعني تكييف أجهزة الدولة الحديثة الرأسمالية لمتطلبات القبلية . الطائفية، ومحاولة النخب الحاكمة المحافظة على العلاقات التقليدية القديمة في ظل النظام السياسي الحديث والأوضاع الاقتصادية المستجدة كما سنرى في ما بعد. ومن الطبيعي أن لا تكون الأنظمة الحاكمة قادرة على تحقيق تقدم اقتصادي وسياسي حقيقي، بسبب عدم كفاية التنظيمات المؤسسية القائمة حسب هذه الترتيبات البراغماتية وعدم تناسق عناصرها المكونة . ويرى فييل أن بإمكاننا أن نتصور النخب أو الفئات الحاكمة في هذه الأنظمة على أنها طبقة وظيفية ، مهمتها الربط بين الأنظمة والقوى السياسية المحلية (المحيطة) من ناحية، وتحقيق وتنفيذ مصالح البرجوازية الامبريالية في دول المركز الغربي من ناحية أخرى (٤٠). وتعمل هذه الأنظمة الحاكمة على الحفاظ على الوضع القائم على الرغم من أن الأوضاع الاقتصادية المستجدة تؤدي بشكل طبيعي إلى الاخلال بالتوازنات التقليدية بين القوى الاجتماعية والسياسية، بسبب الحراك الاجتماعي وتقسيم العمل الجديد، مما يدفع هذه الأنظمة إلى اعطاء أهمية استثنائية لأجهزة القمع والارهاب السياسي، على نحو يؤدي في النهاية إلى ترسيخ اعتمادها على النوايا الخيرة للدول الكبرى في الدفاع عنها، داخلياً وخارجياً . وتؤدي أساليب الانفاق العام تحت هذه الظروف عادة إلى نتائج عكسية تعوق عملية تقدم وتطور النظام الاقتصادي والاجتماعي، وذلك لأسباب عدة منها : ان الرخاء أو الازدهار الاقتصادي الظاهر ليس مؤشراً على كفاءة أداء الاقتصاد الوطني أو مستوى تطور المجتمع أو درجة تصنيعه، بل إن الرخاء السطحي يؤدي إلى إعاقة التنمية بتخدير الناس ودفعهم إلى الاكتفاء باقتسام المنافع الآنية المتأتية من الانفاق الحكومي المتولد من النفط، وإلى تقديم مطالب إضافية لا مبرر لها، سوى أن الثروة النفطية لا تكلف أحداً جهداً، فهي موجودة (٤١) بوصفها خيراً يفيض على الجميع (۱)) . يضاف إلى ذلك أن عملات الدول الريعية تقدر بأكثر من قيمتها الحقيقية، كما أن أجور السوق لا تعكس الكلفة الاجتماعية للإنتاج. وهذا يدفع إلى تشجيع الاستيراد، بدلاً من تبني سياسة الاحلال بسبب الكلفة العالية للأجور في قطاع النفط أولاً، مما يؤدي إلى ارتفاع الأجور في القطاعات الاقتصادية الأخرى. ويؤدي ذلك - بالضرورة - إلى تخريب القطاعات الاقتصادية التقليدية التي لا تستطيع أن تجاري قطاع النفط أو قطاع البناء، فيحدث الخلل في تركيبة القوى العاملة، ويفضي إلى توسيع الاستخدام في القطاع الحكومي ، مما يخلق بطالة مقنعة تتمثل في الوظيفة الحكومية، أنظر الجدول رقم (٥ - ٥) . وينشأ عدد من الظواهر الاجتماعية الشاذة والنشاطات الطفيلية في ظل هذه الأوضاع، كدور الكفيل (٤٢) ، أو تجارة القوى العاملة (۱۳)، أو سياسة التنفيع، أو الاثراء على حساب الدولة ... إلخ . - ٤ - إن ازدهار قطاع الاستيراد والتصدير وقطاع البناء، والتوسع في قطاع الخدمات والارتفاع الكبير في مستوى الأجور كلها عوامل جذب للعمالة الوافدة والأجنبية في القطاعين العام والخاص . ولكن هجرة هذه العمالة - خصوصاً في السبعينات - وصلت حداً وهنا أيضاً يظهر نمط سكاني آخر ، وهو أن نسبة الوافدين إلى مجموع السكان لا تقل عن ثلث السكان في عمان والبحرين، وترتفع إلى أكثر من النصف في الكويت، لتصل إلى ثلثي السكان في قطر، وإلى ثلاثة أرباع السكان في الامارات العربية المتحدة. وخلاصة هذه المعلومات هي أن مساهمة سكان بلدان الخليج والجزيرة العربية - في ظل الدولة الريعية - في النشاط الاقتصادي محدودة جداً. وأغلب هذه المساهمة، ان وجدت ففي القطاع الحكومي والعام بشكل بطالة مقنعة بنائية، أي تشير إلى خلل بنائي في الاقتصاد عموماً. وان العمالة الوافدة تزداد في القطاع الخاص الاستهلاكي الذي يعتمد على التوريد إلى القطاع الحكومي. وفي هذا الوضع، يلعب الانفاق الحكومي (أو الاستهلاك العام دوراً مركزياً في النظام الاقتصادي للدولة الريعية . ويعطي الانفاق الحكومي في ظل الدولة الريعية الانطباع بالرخاء والازدهار الاقتصادي ، مع أن الحقيقة هي أن حدة الفوارق في حدة الدخل بين فئات السكان تتزايد باستمرار، وتتسع الهوة بين الغنى المفرط والفقر النسبي، هذا في وقت تتسع الهوة بين الدول النفطية والدول الرأسمالية المتقدمة من حيث امكانات وفرص التنمية الحقيقية التي تهدر في الدول النفطية يوماً بعد يوم (٤٥) . ولكن الانفاق الحكومي وتوافر السلع الاستهلاكية المستوردة واجراءات دولة الرفاهية، تخفف من حدة الوضع وتموه على حقيقته، مما يؤخر أو يؤجل التغير السياسي، وضرورة معالجة النقص في التنظيمات الاجتماعية والترتيبات المؤسسية القائمة . وهذا يقودنا إلى قضية بالغة الخطورة، ولكن الحركات الاصلاحية القومية والثورية في المنطقة لم تنتبه إليها للأسف، وهي أن الفوارق الرهيبة في الدخل التي تنشأ من سياسات الانفاق الحكومي يمكن - بل تؤدي فعلاً - الى احتكاكات سياسية بين القوى الاجتماعية، وان كان ذلك أقل حدة في الدولة الريعية قياساً إلى الدول الأخرى. ولا بد أن ذلك يعود إلى أن فروق الدخل لا تنجم بشكل رئيسي عن استغلال البشر، بل عن استغلال الموارد الطبيعية . ومن السهل على الحكومات اعطاء الانطباع أن بإمكان الجميع الحصول على حصة أكبر بقرار حكومي (٤). وهذا بطبيعة الحال يعطي الدولة سلاحاً هائلاً في المناورة والقدرة على احتواء. حركات المعارضة واغواء قياداتها، ولكن إذا اقترن هذا الوضع بعدم كفاية النظام السياسي وعدم كفاية الترتيبات الاقتصادية والتكنولوجية في الدولة الريعية، فإنه سيؤدي إلى ركود التركيبة السياسية والاجتماعية والحضارية عامة، إلى أن يبدأ دخل النفط بالانحسار، وعندئذ ستبدأ قصة أخرى . ولا يسعنا إلا أن نتفق مع استنتاج مهدافي في أن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية السائدة لا معنى لها في الدول الريعية من هذا النوع . فمن الممكن أن تكون الكويت أو الامارات أو السعودية أعلى الأقطار في مستوى الدخل للفرد الواحد، أو أعلى انفاقاً على الصحة والتعليم، أو الأكثر انتاجاً للكهرباء للفرد الواحد ... إلخ . ولكن مثل هذه البلدان، إذا أرادت أن تدخل مرحلة النمو الحقيقي على المدى البعيد، فلا بد لها من أن تغير من تنظيماتها الاجتماعية والسياسية، وأن تحقق التحول في العلاقات الاقتصادية القائمة فيها بشكل جذري وجدي (٤


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

PROJECT COORDIN...

PROJECT COORDINATOR | FINANCIAL & FIELD PROGRAMME EXPERIENCE PROFESSIONAL SUMMARY Project a...

دخلت أزمة المعل...

دخلت أزمة المعلمين في ساحل حضرموت مرحلة جديدة مع بدء إدارات التربية والتعليم تسليم إشعارات لمعلمي ال...

بحث عضو مجلس ال...

بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير، في نيويورك، مع المديرة العامة لصندوق ال...

ما الذي يجعل ال...

ما الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في العمل الفني؟ الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في...

في 15 فبراير 19...

في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القا...

رغم الطابع الهز...

رغم الطابع الهزلي في النص، يحمل أبعادًا نقدية جادة تتعلق بانتقاد السلوك البشري والعبثية في النزاعات ...

تزداد أنصاف أقط...

تزداد أنصاف أقطار الذرات كلّما اتجهنا من أعلى المجموعة إلى أسفلها؛ حيث تُضاف إلكترونات إلى مستويات ا...

ضعف الروابط الأ...

ضعف الروابط الأسرية وغياب الزيارات المتبادلة، مع فقدان القدرة على بناء علاقات واقعية وتراجع التواصل ...

تصدر يوسف بزشكي...

تصدر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، ...

جاء في الصبح ال...

جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: "وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد"، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ...

نعم، جاءت الألف...

نعم، جاءت الألفاظ والعبارات ملائمة تماماً لتجسيد هذه العاطفة وصادقة في التعبير عنها.التعليل:قوة الأل...

تتسع رقعة الموا...

تتسع رقعة المواجهات بين القوات المسلحة اليمنية ومليشيات الحوثي التابعة لإيران في جبهات غرب تعز وشمال...

Tech news