Online English Summarizer tool, free and accurate!
→ جميع الحلقات
حلقة ١٠ من ١٠
تفسير سورة التكوير: التأمل في عظمة القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا شاكرين، وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلنا إلى تلك الآيات العظيمة التي نفت ابتداءً ودحضت كل الشبهات التي يمكن أن تُثار حول رسالة القرآن ورسالة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم. وفي أواخر السورة المباركة التي افتُتحت بالحديث عن الانقلابات الكونية، وهذه الجبال التي نعرف، وتلك السماء التي ننظر، كلها ستتعرض إلى انقلابات كونية.وإذا باختتام السورة المباركة يعرض لنا الحديث عن القرآن. ما هو هذا القرآن؟ ذاك القرآن الذي قال عنه جل شأنه: "وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ". في قوله: "فأين تذهبون؟"، وما تحمله من إيقاعات نفسية قوية، في كل زمان، في كل مكان: أين تذهبون؟ هل لديكم مكان، أو مأوى، أين ستذهب؟ أنت تعيش في ملك يملكه الله جل شأنه القادر على كل شيء، قدير لا يعجزه شيء. فأين تذهبون؟
وصف القرآن الكريم ورسالته العالمية
وكأن تلك الآيات العظيمة تحمل وتفتح أمام الخلق وأمام العالمين أبواب الأمل. واستفهام، وفي سياقات استنكارية تُنكر على الناس أنهم قد غفلوا عن ذهابهم إلى خالقهم جل شأنه.كأن الآيات العظيمة تريد أن تُعطينا، باصيص النور والأمل. أين تذهبون؟ إلى هذا القرآن العظيم الذي هو ذكر للعالمين. ولا شيء يمكن أن يُبدد عنك ما قد علق في قلبك من مخاوف ومنفجع. والتي هي مقصودة في ذلك السياق، ولكن لغيره، لأجل أن يُقرئ القلوب، والآفهام، أين تذهب؟ ألا إلى القرآن؟ من هنا جاء الوصف العظيم بوصل، قال: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ"، قصرًا وحصرًا. والقرآن العظيم وُصف بأنه ذكر، أربعة مواضع في أربع آيات: في سورة يوسف: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ"، في سورة ص، في سورة القلم، وهنا: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". هذه الآيات العظيمة الأربع نص واضح، مباشر، أن القرآن رسالة تاريخية، البعض هكذا يدعي، ويفتري على الله الكذب. والبعض يقول لك: القرآن كتاب كان يصلح لزمان، والزمان قد تغير فلا يصلح لهذا الزمن. والذكر الذي هو يناقض النسيان والغفلة، ولكن كذلك هو مُذكر لكل البشر. وهذا كونه، وهذه طبيعته، نحن نقول دومًا: إنسان بطبيعته ينسى، يُغفل. ممكن أنه تكون الغفلة، تزايدت، هذه الإشكالية. يُوقظه، يُخوفه في بعض الأحيان لأجل أن يستدرك ما فات. إنسان إذا لم يستدرك ما فات، لكن القرآن لا يريد من الناس، ومن الخلق ممن يُخاطب، أن يكونوا نيامًا إلى أن يموتوا. الآخرة جزاء، تدبر معي في هذه المعاني. ونحن حين، في بعض الأوقات حين نذكر ونقول: إن بعض المسلمين يتعاملون مع القرآن تعامل الأموات. لا تُوقفه عن ظلم، من هنا جاء وصفه بالحصر: "إن هو إلا ذكر"، في كل مجتمع، بكل لغة، هذا القرآن قابليته ووظيفته أنه يُذكر. كل الخلق، تقول لهذا القرآن ليس للمسلمين، تدبر معي! على فكرة، لا تختص بخطاب أهل مكة، ولا للمسلمين، للعالمين! وبالتالي، ويقوم ببلاغه، يؤدي الأمانة. ولذلك الآيات العظيمة في سورة التكوير تحدثت عن القوة، الذي حمله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قوي أمين. فأنت يا مؤمن، يا من تدعي أنك تؤمن بهذا القرآن، قوة التصميم، قوة الإيمان برسالة القرآن. هذه قوة. أنت لا تستطيع أن تُوصل شيئًا أنت لا تؤمن به. فهل أنت مؤمن به؟ إيمانك بأنك مكلف بأن تُبلغ رسالة القرآن كذلك قوة وأمانة. تدبر معي في هذه المعاني العظيم. فما نصيب الواحد منا اليوم من القوة والأمانة؟ "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". فلما يأتي بعض الناس، ويقول لك: القرآن رسالة مخصوصة فقط لأولئك الذين نزل فيهم، ولا القرآن رسالة لأولئك الذين يؤمنون به فقط، نقول له: القرآن يرد عليك، ويقول لك: "إنه هو إلا ذكر للعالمين"، مخاطب به الجميع بدون قيد. حتى أن الرازي قال في هذه الآية: "لمن يقول ذكر للعالمين؟" يقول: جميع المخلوقات. ليبين معه ما يُناقضه، كتب الأدب، وكتب الشعر، ومفاهيمك، ولكن لا بد أن يكون هناك هدف للمعرفة والعلم. القرآن هو الكتاب الوحيد الذي إذا نسيت يُذكرك، وإذا أُصبت بالخوف والرعب يُدخل في نفسك الأمن والطمأنينة، وتحيرت، هو الكتاب الوحيد الذي تجد فيه الإجابة القاطعة. تجد فيه ما تبحث عنه. قد تبحث عن أشياء، وحول الآخرة، والموت، والنهاية، والبداية، والجبال سُيّرت". لا بد أن يكون حاضرًا بقوة في حياة الواحد منا، نصب عيني، وهو يتخذ قراراته، والرقدة، تُخطئ، تقع، تكبو، لا بد للآخرة أن تبقى حاضرة أمام أعيننا، ما من كتاب يجعلها حاضرة إلا هذا الكتاب، القرآن. "إنه إلا ذكر للعالمين". هو ذكر للعالمين،من هنا جاءت الآية التي بعدها: قال: "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". وإلى عمله، ولا يُعطي صاحب حق حقه، ولا يُبلغ رسالة، فقل لي: أين القرآن في حياته؟ وآيات القرآن إذا هو ذكر للعالمين، ولكن أثر ذلك الذكر في حياة العالمين يختلف ويتفاوت. الناس تتفاوت في تأثرهم بالقرآن. بعض الصالحين يُذكر في الكتب، في كتب التراث التي تتكلم وتُحدثنا عن التائبين، يقول لك: فلان من الناس، قرأت عليه الآية: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ"، إلى أشكال ومواقف مختلفة. المختلفة، قد تؤثر في هذا، وقد لا تؤثر في ذلك؟ والخطاب موجه، وهم أهل البلاغة والفصاحة، من كفار قريش، كان في تأثير عاطفي، وفي عظمة اختيار، إذاً التأثير الذي هو مطلوب منك من هذا الذكر، أنت تقرأ القرآن، عظيم. يبقى السؤال: استقمت؟ هل أقامك القرآن؟ هل عدل القرآن فيك اعوجاج؟ هل صوب فيك خطأ؟ هل أوقف فيك اعتداء؟ هل منعك من ظلم، من طول أمل؟ هل أيقظك من غفلة؟ تدبر في هذه المعاني."وَلَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ" لكن الناس يتفاوتون في التعامل والتفاعل مع ذاك الذكر. مطلوبة من تفاعلك مع القرآن أن تتحقق فيك الاستقامة، يستقيم، يعني بمعنى أي شيء يكون هكذا قائمًا، قائمًا حول أي شيء، قائمًا بالقرآن، عند زواجره يرتجع، والصراط المستقيم الذي ندعو ليل نهار ونقول: اهدنا الصراط المستقيم. ومنعه وفق الصراط المستقيم، ولا أن تتلو، والوعيد، وتخويف، ووعيد، ترهيب، لا بد أن يحدث استقامة. ما شاء الله كان، واختيارًا. هو شاء أن يعطيك هذا الاختيار. تدبر معي في هذه المعاني. تقول لي: ولكن ما معنى هذا الكلام؟ هذه الآية فيها رد على القدرية، وليس له اختيار، يقع من الإنسان الخطأ، وأن يكون لك اختيار، وأن يعطيك هذا الاختيار، وهو سبحانه عالم بذلك. على سبيل المثال. البعض يُقرأ عليه القرآن، وربما حتى يفتح الله له من الأبواب ما يحفظ به آيات القرآن، ولكنه لا يعمل بها، تكون عادلًا أو تكون ظالمًا، تكون كذا، تُصدق برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتتبعها، وتسير وراءها، ولكن عليك أن تفهم دومًا ربط هذه المشيئة كاملًا بالله جل شأنه. لا يكون في هذا الكون إلا ما أراده الله سبحانه وتعالى. ولكن الله جل شأنه ما أراد لك الكفر، ولكن شاء لك أن يعطيك الاختيار: أن تكون مؤمنًا، أو لا تكون. تدبر معي في هذه الآية العظيمة التي تبين، وأعطاك، يتفق تمامًا مع الأشياء التي نسمعها في هذه الأيام. حين يأتي شخص في الغرب، من القرآن، هذا يصل إليه القرآن، ويأبى إلا أن يحرق القرآن. طالب يأتيك، وكأستاذ، وأنزل القرآن، ذكر للعالمين. أما من أبى، هذا قراره الذي ينبغي أن يتحمل عواقبه ونتائجه. وجاء برب العالمين هنا، أنت ما خرجت لهذا العالم هكذا. أن يعلموا ما قد جاء فيه. في بنياننا، في حياتنا، ولعشائه، ويحضر لما بعد سنة، ولا يعد لذلك اليوم الذي يحدثنا القرآن عنه: "إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ"؟ أليس من العجب؟ أليس من العجب أن يتفكر الإنسان ماذا سيأكل، ويجهز، ولا يتفكر من الذي خلق؟ لماذا خلق؟ أليس من التضارب في حياة الإنسان المعاصر الذي يدعي العلم، والإلحاد، ولكن سيبقى القرآن لكل هؤلاء، من آمن ومن لم يؤمن، أما القرار: كيف ستتفاعل، لأن الله أراد أن تكون لك مشيئة، وقرار، قرأت في التوراة، قرأت في العهد القديم، وقرأت عنه، والإسلامي، باحتقار، بامتهان، فقلت: هؤلاء يتشدقون، وانظر إلى حالهم! مالي وللقرآن؟ حتى أقرأ القرآن! نحن نقول دومًا: إن مسؤولية المسلمين اليوم عظيمة إزاء هذه القضية، قام لي طالب من المسلمين، مسلم، وفاجأني بآية في القرآن، أشياء لا نختلف عليها، أو كتاب، فيه علم يرفع من مستوايا العلمي، والثقافي، والمعرفي، يقول: ما ندمت على شيء ندمي على أني، ولم تمتد يدي لأجل أن أمسك به، فلا يُمسك به إلا قليلًا، يريد فقط أن ينتهي من الصفحة، صحيح، والمجتمع، والعالم، يُعدل الانحراف. هذه قابليات القرآن. نزهة، سفر، سياحة، يبحث في المواقع، ويسأل: ما هي الملابس المناسبة التي ينبغي أن أحضرها؟ ما، ليعلمك ما ينبغي أن تأخذه في رحلتك الطويلة هناك. يُذكرك بما ينبغي أن تأخذه معك،
د.رقية العلواني
الرئيسية
‹
تدبر القرآن
‹
سورة التكوير
‹
حلقة 10
→ جميع الحلقات
حلقة ١٠ من ١٠
تدبر سورة التكوير الحلقة العاشرة آية 27 - 29
تفسير سورة التكوير: التأمل في عظمة القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا شاكرين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلنا إلى نهايات تدبرنا في سورة التكوير المباركة. وصلنا إلى تلك الآيات العظيمة التي نفت ابتداءً ودحضت كل الشبهات التي يمكن أن تُثار حول رسالة القرآن ورسالة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا بالآيات العظيمة، وفي أواخر السورة المباركة التي افتُتحت بالحديث عن الانقلابات الكونية، وعما سيحدث لهذه الأرض التي عرفنا، والشمس التي استظللنا بضوئها وضيائها، وهذه الجبال التي نعرف، وتلك السماء التي ننظر، كلها ستتعرض إلى انقلابات كونية.
وإذا باختتام السورة المباركة يعرض لنا الحديث عن القرآن. ما هو هذا القرآن؟ ذاك القرآن الذي قال عنه جل شأنه: "وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ". ما هو إذاً القرآن؟ ثم تلك الآية العظيمة التي خُتمت بها، وختمنا بها في الحلقة السابقة، في قوله: "فأين تذهبون؟"، وما تحمله من إيقاعات نفسية قوية، وتأثيرات مقصودة لإيقاظ الناس من رقدتها وغفلتها وطول سباتها.
كان هذه الآيات العظيمة جاءت تقول للبشر عبر الزمان، في كل زمان، في كل بيئة، في كل مكان: أين تذهبون؟ هل لديكم مكان، أو مأوى، أو ملجأ تلجؤون إليه مما سيحدث في الكون من انقلابات حين تقوم تلك الساعة؟ حين ستعلم كل نفس ما أحضرت، أين ستذهب؟ أنت تعيش في ملك يملكه الله جل شأنه القادر على كل شيء، قدير لا يعجزه شيء. فأين تذهبون؟
وصف القرآن الكريم ورسالته العالمية
فإذا بعد ذلك تأتي الآيات العظيمة لتصف وتبين لنا ما هو هذا القرآن. وكأن تلك الآيات العظيمة تحمل وتفتح أمام الخلق وأمام العالمين أبواب الأمل. "فأين تذهبون؟" صحيح، واستفهام، وفي سياقات استنكارية تُنكر على الناس أنهم قد غفلوا عن ذهابهم إلى خالقهم جل شأنه. نحن راجعون إليه، فأين سنذهب من تلك الرجعة؟ وأين سنفر من ذاك الرجوع؟ وإذا بالآيات تقول: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ".
كأن الآيات العظيمة تريد أن تُعطينا، وتُعطي البشرية، باصيص النور والأمل. أين تذهبون؟ إلى هذا القرآن العظيم الذي هو ذكر للعالمين. لا تذهب إلى سواه، ولا شيء يمكن أن يُبدد عنك ما قد علق في قلبك من مخاوف ومنفجع. الآيات التي قبلها أحدثت في نفس الإنسان الفزع والخوف والرهبة، والتي هي مقصودة في ذلك السياق، وذكرنا فيما ذكرنا في المرة السابقة أن الخوف والترهيب مقصود، ولكن لغيره، لأجل أن يُقرئ القلوب، والآفهام، والعقول فتستيقظ من رقدتها وسباتها.
ويبقى السؤال مطروحًا: حين تستيقظ تلك العقول والقلوب، أين تذهب؟ ألا إلى القرآن؟ من هنا جاء الوصف العظيم بوصل، وتناسب، واتساق فريد من نوعه. قال: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ"، قصرًا وحصرًا. الآية جاءت بصيغة الحصر، هذه الصفة الحصرية التي تنفي عن القرآن كل صفة يمكن أن تُنافي عالميته. والقرآن العظيم وُصف بأنه ذكر، ولكن ذكر للعالمين. وردت في أربع مواضع، أربعة مواضع في أربع آيات: في سورة يوسف: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ"، في سورة ص، في سورة القلم، والآن في سورة التكوير: "وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". وهنا: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". هذه الآيات العظيمة الأربع نص واضح، مباشر، صريح على عالمية القرآن، وأن كل الخلق وكل العقلاء خُطبوا بهذا القرآن العظيم.
وفي ذلك رد واضح على كل من ادعى، وعلى كل من يدعي، أن القرآن رسالة تاريخية، البعض هكذا يدعي، ويفتري على الله الكذب. والبعض يقول لك: القرآن كتاب كان يصلح لزمان، والزمان قد تغير فلا يصلح لهذا الزمن. لبئس ما يقولون ويفترون! هذه الآية رد واضح مباشر، صيغة حصرية تنفي كل ما يمكن أن يُخالفه ويُضاد عالمية القرآن: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". والذكر ليس فقط بمعنى أنه يُحدث لدى الإنسان ذكرًا، والذكر الذي هو يناقض النسيان والغفلة، هذه واحدة من معانيه، ولكن كذلك هو مُذكر لكل البشر.
من أثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعاينوا نزول هذه الآيات أول ما نزلت، وكل من يأتي بعده إلى قيام الساعة، هو ذكر. هو ذكر، هذه صفته، وهذا كونه، وهذه طبيعته، وهذه قدرته. وقد يقول قائل: هو لماذا القرآن يصفه الله جل شأنه بأنه ذكر؟ طبيعة الإنسان، نحن نقول دومًا: إنسان بطبيعته ينسى، يُغفل. ممكن أنه تكون الغفلة، وذكرنا ونذكر أن الغفلة واحدة من أشد الأمراض الخطيرة التي يعاني منها الناس اليوم، وهي حقيقة الأمر موجودة في كل وقت. ولكن الإشكالية التي تحصل في عصرنا الذي نعيش فيه أن الوسائل والآليات لإحداث الغفلة في الناس تكاثرت، تضاعفت، تزايدت، هذه الإشكالية. يعني بمعنى آخر، هناك عشرات الأشياء في كل لحظة من اللحظات التي كلها تدعو الإنسان إلى أن يستمر في حالة الغفلة التي هو فيها. والقرآن على النقيض والضد من ذلك، يُوقظه، يُذكره، يُفطنه، يُخوفه في بعض الأحيان لأجل أن يستدرك ما فات. إنسان إذا لم يستدرك ما فات، وعاش العمر في غفلة، متى سيستيقظ إذاً؟ تدبر معي في هذه المعاني. ولذلك جاء هذا القول: الناس نيام، فإذا ما ماتوا انتبهوا. لكن القرآن لا يريد من الناس، ومن الخلق ممن يُخاطب، أن يكونوا نيامًا إلى أن يموتوا. ما قيمة أن يستيقظ الإنسان بعد الموت؟ بعد أن انتهى العمل، بعد أن انتهى أوان العطاء، ما قيمة ذلك؟ المطلوب منك أن تستيقظ قبل فوات الأوان، في زمن العمل، في دنيا العمل، في دار العمل. الآخرة جزاء، وليست بدار عمل. تدبر معي في هذه المعاني.
ولذلك القرآن نزل على الأحياء، ونحن حين، في بعض الأوقات حين نذكر ونقول: إن بعض المسلمين يتعاملون مع القرآن تعامل الأموات. الميت حتى إذا تُسمعه له، ممكن الله سبحانه وتعالى قال: "ونُفع عنه". قال: "وما أنت بمسمع من في القبور". سماع الإجابة. ما قيمة أن يسمع الإنسان، ولا يمتلك أن يُجيب، ويستجيب؟ ويتفاءل! بعض المسلمين اليوم يسمع القرآن، ولكنه لا يتفاعل مع آياته، لا ينفعل بها، لا تُغير فيه سلوك، لا تُصحح فيه انحراف، لا تُوقفه عن ظلم، لا ترده عن اعتداء. تدبر معي في هذه المعاني. من هنا جاء وصفه بالحصر: "إن هو إلا ذكر"، وذكر للعالمين. عقلاء، كل العقلاء في كل زمان، في كل وقت، في كل بيئة، في كل مجتمع، بكل لسان، بكل لغة، هذا القرآن قابليته ووظيفته أنه يُذكر. الإنسان ينسى. وذكرنا نحن فيما ذكرنا سابقًا: العالمين، المعرفة بالاستقراء، صيغ، صيغة عامة في اللغة، صيغة عامة. كل الناس، كل الخلق، تقول لهذا القرآن ليس للمسلمين، للمؤمنين فيه فقط، أكيد! بنص الآية في القرآن قال: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". تدبر معي! على فكرة، الآية نزلت في مكة، وهي من أوائل ما نزل. فالقرآن منذ أول نزوله قد أوضح بأنه رسالة عالمية، لا تختص بخطاب أهل مكة، ولا للعرب فقط، ولا للمسلمين، ولا للمؤمنين به فحسب، للعالمين! وبالتالي، مطلوب من الإنسان الذي يؤمن به أن يُوصله، ويقوم ببلاغه، وإبلاغه للخلق جميعًا. يؤدي الأمانة. ولذلك الآيات العظيمة في سورة التكوير تحدثت عن القوة، والأمانة، الذي حمله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قوي أمين. والنبي المبارك صلى الله عليه وآله وسلم قوي أمين. فأنت يا مؤمن، يا من تدعي أنك تؤمن بهذا القرآن، وتحفظه في صدرك، هل أنت قوي أمين؟ لأنك إن لم تكن بالقوي الأمين لن تتمكن من إيصال رسالتي. إرسال رسالة القرآن تحتاج إلى قوة، وإلى أمانة. قوة علمية، وقوة فكرية، وقوة ذهنية، وقوة مادية، وقوة بنيوية، وتحتية، وقوة على كل المستويات والنواحي. غير هذا، قوة نفسية، قوة الإرادة، قوة العزيمة، قوة التصميم، قوة الإيمان برسالة القرآن. هذه قوة. أنت لا تستطيع أن تُوصل شيئًا أنت لا تؤمن به. إيمانك بالشيء يُعطيك قوة. إيمانك بالقرآن يزيدك قوة إلى قوتك. فهل أنت مؤمن به؟ إيمانك بأنك مكلف بأن تُبلغ رسالة القرآن كذلك قوة وأمانة. فقوة وأمانة. تدبر معي في هذه المعاني العظيم. فما نصيب الواحد منا اليوم من القوة والأمانة؟ "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". فلما يأتي بعض الناس، ويقول لك: القرآن رسالة مخصوصة فقط لأولئك الذين نزل فيهم، ولا القرآن رسالة لأولئك الذين يؤمنون به فقط، نقول له: القرآن يرد عليك، ويقول لك: "إنه هو إلا ذكر للعالمين"، نافيًا كل صفة تُنافي العالمية لهذه الرسالة العظيمة، مخاطب به الجميع بدون قيد. حتى أن الرازي قال في هذه الآية: "لمن يقول ذكر للعالمين؟" يقول: جميع المخلوقات. فهو رسول للخلق، ورسالة القرآن رسالة للخلق عامة إلى يوم القيامة. فما حظك من هذه الأمانة وهذه الرسالة؟
ثم هذه الكلمة، وذاك الوصف الجزيل، الواضح، البين: ذكر، ليبين معه ما يُناقضه، الغفلة والنسيان، وليتضمن فيما يتضمن كذلك، بمفهوم المخالفة، أن كل ما عدا القرآن ممكن أن يُحدث فيك الغفلة. أنت تقرأ، ونحن نقرأ، عديد من الكتب، كتب الأدب، وكتب الشعر، وكتب العلم، وكتب اللغة، وكتب مختلفة متنوعة بحسب اهتمامات الإنسان ومدى محبته للعلم والمعرفة والإطلاع. ولكن من السهل جدًا أن تكون كثير من هذه الكتب تُلهيك، تُغفلك عن شيء ما. هذا لا يعني أن تترك كل هذه الكتب إطلاقًا، بالعكس! وسع من مداركك، ومفاهيمك، ومعالمك، وعلومك، ومعارفك. ولكن لا بد أن يكون هناك هدف للمعرفة والعلم. تقرأ لماذا؟ تقرأ، تتعلم لماذا تتعلم؟ الشاهد في الموضوع، كلها لا تُحدث فيك كما يُحدثه القرآن. القرآن هو الكتاب الوحيد الذي إذا نسيت يُذكرك، وإذا تأثرت يُقيلك من عثرتك، وإذا ضعفت يُقويك، وإذا مرضت يُشفيك، وإذا أُصبت بالخوف والرعب يُدخل في نفسك الأمن والطمأنينة، وإذا شعرت بالضياع يُهديك، وإذا اختلطت عليك الأوراق، وتحيرت، هو الكتاب الوحيد الذي تجد فيه الإجابة القاطعة. تجد فيه ما تبحث عنه. قد تبحث عن أشياء، وكثير من الناس حتى في الوقت الذي نعيش فيه، لمن يتكلم لك عن كيفية دخوله في الإسلام، يقول لك: قرأت القرآن. يقول لك كثير من هؤلاء: كيف قرأت القرآن؟ لماذا قرأت القرآن؟ يقول لك: كنت أبحث عن أشياء كثيرة، فلم أجدها إلا في القرآن. أسئلة، أسئلة كبيرة، أسئلة شائكة، أسئلة حول القضاء، وحول القدر، وحول العالم، وحول الدنيا، وحول الآخرة، والموت، والنهاية، والبداية، لا يجد إجابة تشفي ما في قلبه إلا في القرآن. من هنا جاءت أعظم صفة فيه، وكل صفات القرآن عظيمة: ذكر للعالمين. ولكن يبقى السؤال مطروحًا: لماذا جاءت في سياق الحديث عن يوم القيامة؟ "والشمس كُورت، والنجوم انكدرت، والجبال سُيّرت". قلنا في السابق: إن القيامة، ويوم القيامة، ويوم الحساب، لا بد أن يكون حاضرًا بقوة في حياة الواحد منا، نصب عيني، نصب عينيه، وهو يتخذ قراراته، نصب عينيه وهو يُفكر في مآلات أفعاله، نصب عينيه وهو يختار بين هذا وذاك، نصب عينيه. ما الذي يجعل القيامة نصب أعيننا؟ القرآن! لم تقرأه فيُذكرك: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". ما الذي يعصمك من الغفلة، والنسيان، والرقدة، والبعد، والضياع؟ القرآن الذي هو ذكر. تنسى فيُذكرك، تنشغل وتلهو فيُعيدك إلى جادة الصواب مرة أخرى، تتأثر، تنسى، تُخطئ، تقع، تكبو، يُقيلك من عثرتك. "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ". لا بد للآخرة أن تبقى حاضرة أمام أعيننا، ولأجل أن تبقى الآخرة حاضرة أمام أعيننا ونصب أعيننا، ما من كتاب يجعلها حاضرة إلا هذا الكتاب، القرآن. "إنه إلا ذكر للعالمين". هو ذكر للعالمين، ولكن يبقى السؤال: هل القرآن وآيات القرآن التي تُتلى على العالمين تُحدث ذات الفرق في حياة كل هؤلاء العالمين؟ الإجابة: لا.
من هنا جاءت الآية التي بعدها: قال: "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". يا لها من آية عظيمة! لماذا "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ"؟ آيات القرآن تُتلى، بعض الأشخاص قد يُقرأ عليه القرآن من الفاتحة إلى الناس، لا يحدث فيه فرقًا يُذكر. ممكن يُهزز برأسه هكذا، ويتمايل، وكذا من البيان أنه خشع، وأنه تأثر، كذا، ممكن حتى يبكي، ثم إذا به لما يرجع إلى حياته، وإلى عمله، لا يُعيد حقًا، ولا يُصحح انحرافًا، ويعوجًا، ولا يُعطي صاحب حق حقه، ولا يُفي بأمانة، ولا يُبلغ رسالة، ولا يُصدق مع الناس. فقل لي: أين القرآن في حياته؟ وآيات القرآن إذا هو ذكر للعالمين، ولكن أثر، ولكن أثر ذلك الذكر في حياة العالمين يختلف ويتفاوت. الناس تتفاوت في تأثرهم بالقرآن. هناك من تُقرأ عليه الآية فتُزلزل كيانه. بعض الصالحين يُذكر في الكتب، في كتب التراث التي تتكلم وتُحدثنا عن التائبين، والعائدين إلى الطريق الصحيح، يقول لك: فلان من الناس، قرأت عليه الآية: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ"، فإذا به يتغير 180 درجة! من قاطع طريق، إلى إنسان كذا، إلى أشكال ومواقف مختلفة. يبقى السؤال مطروحًا: لماذا آيات القرآن المتنوعة، المختلفة، قد تؤثر في هذا، وقد لا تؤثر في ذلك؟ والخطاب موجه، ما ننسى، بالدرجة الأولى لأولئك الذين كفروا وكذبوا بآيات الكتاب، على الرغم من أنهم كانوا يعرفون، ويقفون عاجزين أمام جزالة القرآن، وفصاحة القرآن، وبلاغة القرآن، وهم أهل البلاغة والفصاحة، من كفار قريش، كان في تأثير عاطفي، كان في تأثر وانفعال، ولكن لم يكن بالدرجة الكافية لأجل أن يحدث فيهم الاستقامة. قال: "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". تدبروا معي في المعنى وفي عظمة القرآن، وفي عظمة اختيار، واتساق، وتناسب المفردات في الآيات. يستقيم، إذاً التأثير الذي هو مطلوب منك من هذا الذكر، ومن التفاعل مع القرآن، كلمة واحدة: يستقيم. الاستقامة والتي هي ليست مجرد انفعال، وليست مجرد خشوع وخشية ودموع تنسكب من الأعين، ولكنها منهج حياة. الاستقامة منهج حياة. تدبر معي في هذا المعنى العظيم. كلمة واحدة، مفردة واحدة: يستقيم. أنت تقرأ القرآن، جميل. أنت يُتلى عليك القرآن، عظيم. يبقى السؤال: استقمت؟ هل أقامك القرآن؟ هل عدل القرآن فيك اعوجاج؟ هل صوب فيك خطأ؟ هل أوقف فيك اعتداء؟ هل منعك من ظلم، من اعتداء، من تسويف، من طول أمل؟ هل أيقظك من غفلة؟ تدبر في هذه المعاني.
[continue]# الاستقامة: ثمرة التفاعل مع القرآن
"وَلَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ" لكن الناس يتفاوتون في التعامل والتفاعل مع ذاك الذكر. أعظم الدرجات، والتي هي مقصودة، مطلوبة من تفاعلك مع القرآن أن تتحقق فيك الاستقامة، أن تستقيم. وتدبر في دقة المفردة: يستقيم، الألف والسين هنا، يستقيم، يعني بمعنى أي شيء يكون هكذا قائمًا، قائمًا حول أي شيء، قائمًا بالقرآن، قائمًا بآيات القرآن، قائمًا بأوامر القرآن، قائمًا واقفًا عند نواهي القرآن، عند زواجره يرتجع، عند رواجعه وزواجره ونواهيه فلا يتقدم ولا يتأخر على كلمة في كتاب الله. يستقيم، من القيام، خط المستقيم، والصراط المستقيم الذي ندعو ليل نهار ونقول: اهدنا الصراط المستقيم. وهنا قال: يستقيم. فتكون حياته، وسلوكه، وعطاؤه، ومنعه وفق الصراط المستقيم، بدون انحراف، بدون اعوجاج. من أين يحدث الانحراف والاعوجاج؟ من الغفلة، من النسيان. ولكن ليس المطلوب فقط أن تسمع، ولا أن تتلو، ولا أن تحفظ، ولا، هذه كلها مطلوبة، صحيح، ولكن المقصد الأعظم من كل هذه الأفعال: تستقيم. لأن طبيعة هذه الآيات، وصفات هذه الآيات، وما حوت من الأوامر، والزواجر، والنواهي، والوعد، والوعيد، والتخويف، والأساليب التي جاءت فيها، تحدث فيك استقامة. هذه ثمرة الانفعال بالقرآن. المرة الماضية وذكرنا في أكثر مرة: أن أسلوب السورة فيه ترهيب، وتخويف، ووعيد، لأولئك المُجادلين، المكذبين، المعاندين، المصرين على الافتراء على رسالة القرآن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم. تقول لي: طيب ما ثمرة التخويف والترهيبة؟ أقول لك: الاستقامة. تخويف، ترهيب، لا بد أن يحدث استقامة. إذا ما أحدث استقامة، في إشكالية.
ولكن يبقى السؤال مطروحًا، هو قال: "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". مشيئة الله جل شأنه تقتضي الوجود، ما شاء الله كان، ولكن شاء الله سبحانه أن يجعل لي ولك مشيئة، وإرادة، واختيارًا. هذه مشيئته، "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله". تدبر معي في هذه المعاني العظيمة. بمعنى آخر، أن مشيئة الإنسان هي داخلة ضمن ما أراده الله جل شأنه، وما يشاء. هو شاء أن يعطيك هذا الاختيار. تدبر معي في هذه المعاني. أما مشيئته هو سبحانه، فما شاء الله كان، تقتضي الوجود. شاء أن تكون لك أنت مشيئة. تقول لي: ولكن ما معنى هذا الكلام؟ هذه الآية فيها رد على القدرية، وعلى الجبرية. ليس الإنسان بمسير، وليس له اختيار، وليس بمعنى أنه له كل الاختيار، وبالتالي كيف يحاسب؟ كيف لا يحاسب؟ أو كيف يكون هناك خطأ؟ وكيف تكون، يقع من الإنسان الخطأ، والتوبة، والكلام هذا كله الذي شغل عقول الفلاسفة والمفكرين المسلمين عبر الزمن، وما زال إلى اليوم. الآية رد على كل هؤلاء. شاء الله جل شأنه أن تكون لك إرادة، وأن يكون لك اختيار، وأن يعطيك هذا الاختيار، وهو سبحانه عالم بذلك. "هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"، على سبيل المثال. رسالة القرآن كما ذكرنا هي ذكر للعالمين، ولكن يبقى السؤال: هل كل العالمين القرآن يحدث فيهم استقامة؟ لا. لماذا؟ "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". البعض يُقرأ عليه القرآن، وربما حتى يفتح الله له من الأبواب ما يحفظ به آيات القرآن، ولكنه لا يعمل بها، يخالفها. هذه قضية مختلفة. إذا ربي سبحانه وتعالى جعل لك الاختيار: تؤمن ولا تؤمن، تكون عادلًا أو تكون ظالمًا، تكون مُحقًا أو تكون على غير ذلك، تكون مُنصفًا، تكون صادقًا، تكون كذا، تُصدق برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتتبعها، وتسير وراءها، أو لا تسير. ولكن عليك أن تفهم دومًا ربط هذه المشيئة كاملًا بالله جل شأنه. لا يكون في هذا الكون إلا ما أراده الله سبحانه وتعالى. ولكن الله جل شأنه ما أراد لك الكفر، ولكن شاء لك أن يعطيك الاختيار: أن تكون مؤمنًا، أو لا تكون. تدبر معي في هذه الآية العظيمة التي تبين، وتحسم النزاع والخلاف حول قضية الإيمان بالقضاء والقدر، حتى لا يحتاج إنسان على الله جل شأنه، ويقول: الله جعلني هكذا لا أؤمن، "لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ". شاء الله أن تكون لك مشيئة، وأعطاك، وأرسل لك، وأنزل عليك هذا القرآن.
أنا أسألك سؤال اليوم، يتفق تمامًا مع الأشياء التي نسمعها في هذه الأيام. حين يأتي شخص في الغرب، ويمسك بنسخة من المصحف، من القرآن، وعوضًا عن أن يقرأ هذا القرآن، ويفتح هذا المصحف ليرى ما فيه، يضع المصحف ويقوم بحرقه. هذا ماذا تُسميه؟ هو القرآن ذكر. لأن بعض الناس يقول لك: ولكن هؤلاء لم يصل إليهم القرآن. هذا يصل إليه القرآن، ويأبى إلا أن يحرق القرآن. تدبر معي في هذه المعاني العظيمة. "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". الله جعل لك مشيئة، ومشيئتك داخل ضمن مشيئة الله جل شأنه، ولكن نطلب منك أنت أن تختار أنت. لا تستطيع الآن، أي طالب من الطلبة، ولله المثل الأعلى، طالب يأتيك، أنت بحكم خبرتك، وفطنتك، وتعاملك كمدرس، وكأستاذ، تعرف الطالب الجيد من الطالب الكسول، المؤمن. ولكن هل هذه المعرفة، وهذا العلم، يجعلك تتدخل في درسه؟ يدفع بك، أو يجبره على أن، لا يدرس، يدرس أو ما يدرس، هذا أمر راجع له هو. ولله المثل الأعلى. أرسل الرسل، وأنزل القرآن، ذكر للعالمين. "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". أما من أبى، وما أراد أن يستقيم، هذا قراره الذي ينبغي أن يتحمل عواقبه ونتائجه. تدبر معي في آخر الآية: "وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ". العالمين، وجاء برب العالمين هنا، يشاء الله رب العالمين، لأن يُذكرك بالعلاقة التي تربط بينك وبين خالقك جل شأنه، علاقة الربوبية. الرب الذي يربيك، أنت ما خرجت لهذا العالم هكذا. ولذلك هذا السؤال فيه تقريع، وتوبيخ، لكل الظالمين، المعتدين، الذين يأبون أن يقرأوا في هذا الكتاب العظيم، أن يدرسوه، أن يفهموه، أن يعرفوه، أن يعلموا ما قد جاء فيه. تدبر معي في كل هذه المعاني العظيمة. هب أنهم، أن هؤلاء هكذا يفعلون، ألا يدركون، ويعلمون أن كل هذا البنيان الذي خلقه الله جل شأنه في عقولنا، في أجسامنا، في بنياننا، في حياتنا، في أنفسنا، في الآفاق، ألا يتساءلون من الذي خلق؟ "سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا". الله سبحانه وتعالى يُري الخلق آياته، أفلا يتفكر هذا الإنسان؟ أليس من العجب أن يتفكر الإنسان في معاشه، وماذا سيأكل بعد ساعة، ويجهز، ويحضر لطعامه، ولعشائه، وغدائه، ولكل شيء، ويحضر لما بعد سنة، وسنوات، ولا يعد لذلك اليوم الذي يحدثنا القرآن عنه: "إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ"؟ أليس من العجب؟ أليس من العجب أن يتفكر الإنسان ماذا سيأكل، ويجهز، ويعد له، ولا يتفكر من الذي خلق؟ لماذا خلق؟ أليس من التضارب في حياة الإنسان المعاصر الذي يدعي العلم، والتقدم، والتطور؟ أليس من العجب أن يفكر في كل شيء، ولا يفكر في الموت؟ هذا ماذا تُسميه؟ موجات الجحود، والإلحاد، والإنكار لوجود الله جل شأنه، وللإيمان، وللدين، ولكل ما يتعلق بهذا. هذه كيف جاءت؟ من أين جاءت؟ من هنا قال جل شأنه: "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". منكم، ليس كل الناس يريدون الاستقامة، ليس كل الناس يريدون الهداية، ليس كل الناس يؤثرون الإيمان، ولكن سيبقى القرآن لكل هؤلاء، من آمن ومن لم يؤمن، ذكر للعالمين. تدبر معي في هذا المعنى العظيم. أما القرار: كيف ستتفاعل، وتنفع بهذا الذكر؟ هذا الشيء راجع لك، لأن الله أراد أن تكون لك مشيئة، وقرار، واختيار.
قرأت منذ فترة من الزمن عن واحد في الغرب من العلماء، من علماء الأديان، الذين يدرسون في واحدة من الجامعات المرموقة، قال: أنا كنت أدرس عن مختلف الأديان، بما فيها الإسلام والقرآن، ولكني لم أفكر ولا في يوم من الأيام أن أفتح هذا القرآن. قرأت معظم الكتب، قرأت في الإنجيل، قرأت في التوراة، قرأت في العهد القديم، قرأت، وقرأت عنه، لكن القرآن لم أقرأ. فسُئل عن هذا الموضوع: طيب لماذا القرآن؟ يعني أنت قرأت كل الكتب، لماذا القرآن لا؟ كل ما كنت أفكر فيه أن هذا القرآن، هذا الكتاب لا يستحق أن يُقرأ. كيف حكمت على كتاب بأنه لا يستحق أن يُقرأ؟ قال: نظرت العالم العربي، والإسلامي، بازدراء، باحتقار، بامتهان، فقلت: هؤلاء يتشدقون، ويقولون: قال القرآن، وقال القرآن، وانظر إلى حالهم! مالي وللقرآن؟ حتى أقرأ القرآن! نحن نقول دومًا: إن مسؤولية المسلمين اليوم عظيمة إزاء هذه القضية، وأن لا بد لكل من يؤمن بهذا القرآن أن يُحسن عرض رسالته. تؤمن؟ أحسن العرض بأخلاقه، بسلوكه، بتصرفاته. ولكن ذلك ليس بالمبرر كذلك أن يجعل العالم يغض الطرف والنظر عن كل ما يتعلق بالقرآن. الشاهد في الموضوع، فيقول: مرت سنة، وأنا لم أقرأ القرآن، إلى أن فوجئت في واحدة من المحاضرات، قام لي طالب من المسلمين، مسلم، وفاجأني بآية في القرآن، وقال، فعرض الآية أولًا، قال: ما رأيك في هذا الكلام؟ قلت له: كلام جيد. فقال: هذا الكلام موجود في القرآن. يقول: فأُصبت بشيء من الخجل، والالتفات التي لم تحدث لي، رعشة لم تحدث لي من قبل في حياتي، فقررت أن أقرأ القرآن. فلما بدأت أقرأ، أقرأ، أقرأ، آية بعد آية، سورة بعد سورة، وجدت أن ما، ما في هذا القرآن حقائق، أشياء لا نختلف عليها، لا يختلف عليها العقلاء. قل: فزدت شوقًا، وإيثارًا، لأن أقرأ القرآن، لدرجة أني أصبحت لا أستطيع أن يمر علي يوم دون أن أقرأ في القرآن. شعرت بأن هذا القرآن، قرآن، أو كتاب، فيه علم يرفع من مستوايا العلمي، والثقافي، والمعرفي، إلى آخره، إلى أن شرح الله صدره للإيمان بهذا القرآن. يقول: ما ندمت على شيء ندمي على أني، كان القرآن موضوعًا على أرفف مكتبتي سنوات طوال، ولم تمتد يدي لأجل أن أمسك به، وأفتح. هذا حقيقة، والذي يؤلم أكثر أن يكون القرآن كذلك موضوعًا على أرفف المكتبات في بيوت كثير من الناس، والمسلمين اليوم، فلا يُمسك به إلا قليلًا، وإذا أمسك البعض منهم بالقرآن، قرأه هكذا بتعجل، يريد فقط أن ينتهي من الصفحة، يأخذ البركة وينتهي. القرآن ليس مجرد كتاب تأخذ منه بركة، صحيح، وفيه كل البركة، ولكن القرآن كتاب أُنزل لأجل أن يكون مُعلمًا، وباعثًا، ودافعًا لاستقامتك. كتاب أُنزل لأجل أن يقوم الاعوجاج في الفرد، والمجتمع، والعالم، يُصحح الخطأ، يُعدل الانحراف. هذه قابليات القرآن. فكيف لنا أن نتعامل معه بهذه الطريقة؟ "لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". وتحميل الإنسان المسؤولية يتسق تمامًا مع قوله جل شأنه في منتصف السورة: "عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ". لأنك لا تستطيع أن تعلم ما ستحضره، وما تحضره يوم القيامة بعيدًا عن القرآن. بعض الناس اليوم إذا أراد أن يذهب إلى أي مدينة للاستجمام، لقضاء وقت، نزهة، سفر، سياحة، يبحث في المواقع، وكذا، ويسأل: ما هي الملابس المناسبة التي ينبغي أن أحضرها؟ ما، كيف الأجواء؟ ما هي الأشياء التي سأحتاج إليها في رحلة؟ يعمل استعدادات! عجيب! عجيب أن تُسافر للآخرة، ولا تفتح كتاب الله جل شأنه الذي هو ذكر للعالمين، ليعلمك ما ينبغي أن تأخذه في رحلتك الطويلة هناك. ذكر للعالمين، يُذكرك بما ينبغي أن تأخذه معك، وما ينبغي أن تُحضره معك، وما ينبغي أن تتخفف منه، وتتخلص من أعبائه قبل فوات الأوان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تدبر سورة التكوير الحلقة العاشرة آية 27 - 29 - تدبر سورة التكوير - د.رقية العلواني
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التكوير ‹ حلقة 10 → جميع الحلقات حلقة ١٠ من ١٠ تدبر ...
أقام المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية، ممثلًا في مجالس المقاومة الشعبية بالمحافظات، برئاسة الشيخ حمود ...
حضرت ورشة عمل أساسيات إدارة السلامة على منصة UniAthena. استمرت ورشة العمل ما يقرب من أربع إلى ست ساع...
rykjssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssssss...
والمرشدين، والأسرة، لضمان اتخاذ قرارات تربوية تستند إلى احتياجات المتعلم الفعلية، وليس إلى تصنيفه ...
في يوم الثلاثاء الموافق 14 يوليو/تموز 2026، استقبل الفريق أول زيفيرين مامادو، رئيس هيئة الأركان العا...
بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور عبدالله العليمي، في العاصمة البريطانية لندن، مع وزيرة القوات ا...
Complications Sleep disturbances A lot of people with Retts Disorder have trouble sleeping. In fac...
صدر عن النائب غياث يزبك رئيس لجنة البيئة النيابية البيان الآتي: يأسف النائب يزبك للخطأ غير المقصود و...
2.1.1. الهيدروجين الغازي المضغوط نظرًا لأن كثافة الهيدروجين في الظروف المحيطة منخفضة جدًا لدرجة لا ت...
تمر المقابلة الإرشادية بثلاث مراحل رئيسية هي: مرحلة الإعداد (تهيئة البيئة وجمع السجلات)، مرحلة البنا...
In an established business There are two schools of thought on management in an established business...