Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (66%)

(Using the AI)

الفصل الرابع اللمبارديون والبابوية

بعد انسحاب القوط الغربيين من شمال إيطاليا، سيطر اللمبارديون على المنطقة. هاجر اللمبارديون من وادي نهر الأودر إلى بانونيا، حيث حاربوا الشعوب الجرمانية الأخرى، ونتيجة لتحالفهم مع الآفار، خرجوا منتصرين.

في البداية، عمل اللمبارديون كجند مرتزقة في جيوش جستنيان، ولكنهم أصبحوا تهديدا جديا للإمبراطورية بعد اتحاد قبائلهم تحت زعامة ملك واحد.

في ربيع عام 568م، غزت جموع اللمبارديين بقيادة ملكهم ألبوين إيطاليا، في وقت كانت الإمبراطورية البيزنطية ضعيفة ولا تستطيع الدفاع عن نفسها. سرعان ما انتشر اللمبارديون في سهول نهر البو واستولوا على فيرونا وميلان.

استطاع اللمبارديون اخضاع بافيا بعد حصار دام ثلاث سنوات، واتخذوها عاصمة مملكتهم. بعد مقتل ألبوين، واصل اللمبارديون توسعهم، وسيطروا على تسكانيا والأجزاء الوسطى من إيطاليا، بالإضافة إلى السهول الشمالية.

أخذ اللمبارديون جميع الأراضي المفتوحة وأذلوا الملاك الأصليين، واختلفوا عن الشعوب الجرمانية الأخرى في شدة تعصبهم لتقاليدهم الجرمانية.

حاول موريس إمبراطور الدولة البيزنطية (٥٨٢-٦٠٢م) مقاومة الغزو اللمباردي، وأعاد تنظيم الإدارة الإمبراطورية في إيطاليا، بإنشاء نظام دوقيات تخضع للنائب الإمبراطوري في رافنا. ومع ذلك، ظلت الأملاك البيزنطية متناثرة مما أضعف موقفهم.

بدأ أوثاري ملك اللمبارديين (٥٨٤-٥٩٠م) توحيد قواهم، ثم تزوج من ابنة دوق بافاريا، وهي أميرة كاثوليكية، مما أدى إلى اعتناقه للمذهب الكاثوليكي، وبدأ ينتشر بين اللمبارديين في القرن السابع.

أجلولف ( ٥٩٠ - ٦١٦م ) ملك اللمبارديين، استغل انشغال الفرنجة بالمنازعات الداخلية، و انتزع أجزاء جديدة من أملاك الدولة البيزنطية في إيطاليا.

وعلى الرغم من المعاهدة التي تم توقيعها بين اللمبارديين والإمبراطورية البيزنطية في عام 568 م، نقضها النائب الإمبراطوري في إيطاليا، مما أدى إلى معركة بين اللمبارديين والبيزنطيين في حوض البو.

استطاع اللمبارديون الاستيلاء على بادوا ثم مانتوا، ولجأ الإمبراطور فوقاس لشراء مسالمة اللمبارديين مقابل تعهده بدفع جزية سنوية ضخمة لهم.

خلال عهد ملكهم أجيلولف، واجه اللمبارديون بعض المتاعب والثورات الداخلية، بالإضافة إلى التهديدات الخارجية من جانب الآفار والسلاف.

يُعتبر عهد روتاری (٦٣٦-٦٥٢م) دور النضج بالنسبة للمبارديين وحضارتهم في إيطاليا. أتموا غزو شمال إيطاليا واستولوا على ليجوريا والمنطقة المحيطة بمدينة أودرزو.

شهد عهد روثاري إنشاء أول قانون مدون للمبارديين، "Edictum Rotharis"، التي تتناول بشكل أساسي مسائل الفدية وحقوق الوراثة، و تُعتبر دليلاً على التطور الحضاري لللمبارديين في إيطاليا.

بعد وفاة روثاري، حاول البيزنطيون استرداد أراضيهم في إيطاليا، واستولوا على بنفنتوم لكن اللمبارديين اتحدوا واختاروا جريمولد دوق بنفنتوم ملكا عليهم (٦٦٢ - ٦٧١م)، مما أدى إلى صدّ البيزنطيين.

نتيجة للغزو اللمباردي، انتهت الوحدة الإيطالية التي أحيها جستنيان، وأصبحت إيطاليا مقسمة بين اللمبارديين والدولة البيزنطية والبابوية.

ازدياد نفوذ البابوية:

ازداد نفوذ البابوية خلال عصر استقرار اللمبارديين في إيطاليا، وأصبحت أحد القوى الحاكمة.

شهدت هذه الفترة تضاعف ممتلكات الكنيسة في إيطاليا، مما حقق لها نفوذا معنويا وماديا.

استغل أساقفة إيطاليا الفوضى السياسية والاجتماعية وامتلكوا أراضي وأصبحوا حكام علمانيين.

ساعدت رجال الكنيسة صغار ملاك الأراضي في إيطاليا، الذين أصبحوا شبه مستأجرين مقابل حصولهم على نوع من الحماية والأمان، على زيادة نفوذ الكنيسة.

في حين ظل البابا تابعًا للنائب الإمبراطوري، أصبح هذا الأخير غير فعال، خاصةً بعد إقامته في رافنا بدلاً من روما.

ازدادت ممتلكات البابوية في مختلف أنحاء إيطاليا، حتى امتدت إلى صقلية، و أصبحت الموارد الإقتصادية الواسعة سر قوة الكنيسة.

أظهر البابا جريجوري العظيم (٥٩٠-٦٠٤م) تواضعاً جمًّا ومع ذلك اتصف بالكبرياء في مباشرة وظيفته البابوية.

أخذ جريجوري العظيم ينظم وسائل الدفاع ضد اللمبارديين، وتوجيه الهجمات، واستطاع عقد صلحا نهائيا مع ملكهم أجيلولف سنة 598م، مما أنهى الحروب التي استمرت ثلاثين سنة.

استغل جريجوري العظيم إيرادات البابوية في مختلف الأغراض الخيرية، مثل فدية أسرى المسيحيين، وتخفيف آلام المجاعات، و إنشاء المستشفيات، و إصلاح الكنائس التي تعرضت للعَبَث.

على الرغم من تبعية الكنيسة لِلإمبراطور، أظهر جريجوري تمسكا بسيادة كرسي روما على بقية الكراسي الأسقفية في الشرق والغرب، و حاول فرض سيادة البابوية في الناحية القضائية على الأساقفة الشرقيين بما فيهم بطريرك القسطنطينية.

أدى ضعف النائب الإمبراطوري في إيطاليا إلى ازدياد نفوذ البابوية المدني في بقيه أنحاء إيطاليا.

وسّع جريجوري نفوذ البابوية إلى إفريقية وغاليا و أسبانيا وانجلترا، و عمل على نشر المذهب الكاثوليكي بين القوط الغربيين، و أرسل بعثة القديس أوغسطين إلى إنجلترا، مما أدى إلى انتشار المسيحية فيها و سيادة البابا على كنيستها.

حظيت رغبات جريجوري العظيم بالتّرحيب من ملوك الفرنجة، و أصبح له كلمة مسموعة في جميع أنحاء غاليا، و طلب العون من الإمبراطورية البيزنطية عند الحاجة.

ترك جريجوري لخلفائه بناء بابويا شامخا و نفوذا روحيا واسعا وسلطة زمنية قوية.

أدت المكانة السامية التي أصبحت فيها البابوية إلى نوع من التنافس بينها و بين الإمبراطورية، مما أدى إلى الصدام أكثر من مرة في العصور الوسطى.

بدأ الاحتكاك أول مرة بين الإمبراطور قنسطانز الثاني (٦٤١-٦٦٨م)، و البابا مارتن الأول (٦٤٩-٦٥٥م)، و استمرت العلاقات شبه متوترة بين الطرفين.

كانت آخر محاولة جدية بذلتها الإمبراطورية البيزنطية لاسترداد نفوذها المفقود في إيطاليا هي الحملة التي أعدها ليو الثالث عام ۷۳۲م، ولكن الطبيعة أبت إلا أن تعاكس الإمبراطور، فهدّت زوبعة في البحر الأدرياتي الأسطول الإمبراطوري.

اضطر الأباطرة الشرقيون بعد ذلك إلى ترك البابوات وشأنهم في إيطاليا، في حين لم يعد للنائب الإمبراطوري نفوذ يذكر.

أصبحت ممتلكات البابوية أقوى وحدة مترابطة في إيطاليا، امتدت من البحر الأدرياتي ورافنا شرقا حتى روما غربا، في حين فشلت المملكة اللمباردية في محاولتها توحيد إيطاليا.

اكتسبت البابوية سلطانا زمنيا إلى جانب سلطانها الروحي، و ظلت عقبة كأداء في سبيل الوحدة الإيطالية حتى القرن التاسع عشر.


Original text

الفصل الرابع اللمبارديون والبابوية


لم تكد تمض سنوات قليلة على استسلام آخر القوات القوطية في شمال إيطاليا للقائد البيزنطي نارسيس ، حتى تعرضت إيطاليا لغزو اللمبارديين الذين تركوا أثر واضحا في كيانها السياسي و نظمها الإجتماعية وقوانينها العامة والخاصة ، وهؤلاء اللمبارديون كانوا آخر الشعوب الجرمانية التي اقتحمت الإمبراطورية الرومانية واستقرت داخل أراضيها . وقد أقاموا في القرن الأول عند وادي نهر الأودر والجزء الأدنى من نهر الألب وتحركوا جنوبا بعد قليل . ثم كان أن ظهروا في بانونيا في أوائل القرن السادس حيث دخلوا في صراع رهيب مع جيرانهم من الشعوب الجرمانية، وخرجوا منتصرين من هذا الصراع بفضل تحالفهم مع عنصر الآفار الذين خلفوا الهون في الأجزاء الشرقية والوسطى من أوروبا.


ويبدو أن اللمبارديين لم يشكلوا في هذه المرحلة خطرا على الإمبراطورية ، بل عملوا كجند مرتزقة في جيوش جستنيان حتى أن الجزء الأكبر من الجيش البيزنطي الذي عمل تحت قيادة نارسيس في إيطاليا لطرد القوط الشرقيين، كان مؤلفا من المبارديين ، ولم تلبث الظروف أن جعلت من اللمبارديين قوة خطيرة تهدد الإمبراطورية ، وذلك عندما اتحدت قبائلهم تحت زعامة ملك واحد . و كان ذلك في الوقت الذي اضطروا تحت ضغط الآفار إلى الجلاء من بانونيا ، وهنا تلفت اللمبارديون حولهم فلم


يجدوا بلدا أصلح لهم وأقرب إليهم من إيطاليا وهكذا أخذت جموع اللمبارديين تتدفق على إيطاليا في ربيع سنة 568م تحت زعامة ملكهم ألبوين Alboin في وقت كانت الإمبراطورية البيزنطية تحت حكم جستين الثاني - في حالة لا تسمح لها بارسال جيوش لصد هذا الخطر الداهم، لذلك تركز الدفاع عن إيطاليا ضد الخطر اللمباردى في المدن المحصنة ذات الأسوار المنيعة . وحتى هذه المدن لم تستطع الصمود ، فلم يكد يمض عام حتى انتشر اللمبارديون فوق سهول نهر البو ، واستولوا على فيرونا وميلان دون أن يصادفوا مقاومة


جديدة من الأهالي أو من الحامية البيزنطية.


ثم استطاع اللمبارديون اخضاع بافيا بعد حصار دام ثلاث سنوات فاتخذوها عاصمة مملكتهم الجديدة التي أخذت منذ ذلك الوقت في الاتساع السريع ذلك أن مقتل ألبوين أثناء حركة توسع اللمبارديين لم يؤثر في موقفهم وقوتهم ، إذ استطاع أشراف اللمبارديين وزعماء قبائلهم التفوق على القوات البيزنطية الضعيفة ، بل وأنزلوا الهزيمة بها ، حتى استولوا على تسكانيا والأجزاء الوسطى من إيطاليا حتى بنفنتوم ، فضلا


عن السهول الشمالية التي لصق بها اسم اللمبارديين ولم تكن هذه أول مرة تتعرض فيها إيطاليا لمحنة الغزو الجرماني كما سبق أن رأينا ، ولكن الفارق هو أن الشعوب الجرمانية التي غزت إيطاليا من قبل لم تنتزع كل الأراضي من أصحابها الرومان ، وانما اكتفت باغتصاب مساحة تتراوح بين ثلث الأراضي ونصفها ، وتركت الباقي لأصحاب البلاد الأصليين. أما اللمبارديون فقد وضعوا أيديهم على جميع الأراضي المفتوحة وأنزلوا الملاك الأصليين إلى مرتبة التبعية ، كما أذاقوا الفلاحين كثيرا من ألوان الظلم . إذ كان اللمبارديون أعنف العناصر الجرمانية التي غزت إيطاليا وأشدها قسوة. هذا إلى أن اللمبارديين امتازوا عن غيرهم من الشعوب الجرمانية بشدة تعصبهم لنظمهم وتقاليدهم الجرمانية وتمسكهم بها ، وربما كان من أسباب هذه الظاهرة أنهم دخلوا إيطاليا فاتحين لا حلفاء معاهدين للإمبراطورية، ولم توجد روابط قوية تربطهم بالحضارة الرومانية مثلما كان الحال مع القوط من قبل، فضلا عن أن اعتناقهم للمذهب الأريوسي من جهة وقلة عددهم بالنسبة لأهالي البلاد من جهة أخرى ، جعلهم شديدى التعصب لأصلهم الجرماني ونظمهم الجرمانية . ومن أمثلة هذا التعصب الواضح أن الملكية اللمباردية ظلت انتخابية في حين أصبحت وراثية في جميع ما عداها من


الممالك الجرمانية


وقد وجد موريس إمبراطور الدولة البيزنطية (٥٨٢-٦٠٢م) أن مقاومة الغزو اللمباردي لإيطاليا غير مجدية ، فلجأ إلى وسيلة أكثر نفعا من الناحية العملية وهي إعادة تنظيم الإدارة الإمبراطورية في إيطاليا ، على أساس اقامة نظام الدوقيات في روما وبيروجيا ونابلي و كالبريا ، بحيث تخضع كلها للنائب الإمبراطوري في رافنا . وكان النائب الامبراطوري يجمع في يده السلطتين الحربية والمدنية وكذلك كان الدوقات كل في دوقيته ، حتى يتمكن الجميع من مواجهة تهديد اللمبارديين. وأهم ما يلاحظ على الأملاك البيزنطية في إيطاليا عندئذ هو تناثرها وعدم ارتباطها ، مما جعل أباطرة القسطنطينية يشعرون بعجزهم عن مواجهة الموقف ويطلبون مساعدة الفرنجة ضد اللمبارديين ، وكان ذلك في الوقت الذي أخذ أوثاري Authari ملك اللمبارديين (٥٨٤-٥٩٠م) يعمل على توحيد قواهم تحت سيادته ، حتى إذا ما تم له ذلك بدأ يوجه كل جهوده نحو حرب الفرنجة و صد خطرهم ، وثمة تطور آخر حدث في عهد أوثاري هو زواجه من ابنة دوق بافاريا ، وهي أميرة كاثوليكية ، الأمر الذي نشأ عنه اعتناق زوجها للمذهب الكاثوليكي الذي أخذ ينتشر بين اللمبارديين في القرن السابع. وبعد أوثاري جاء أجيلولف Agilulf الذي حكم اللمباردين ( ٥٩٠ - ٦١٦م ) وحينئذ كان الفرنجة قد شغلوا بالمنازعات الداخلية فيما بينهم عن اللمبارديين مما مكن الملك اللمباردى من انتزاع أجزاء جديدة من أملاك الدولة البيزنطية في إيطاليا ، حتى توسط البابا جريجوري العظيم في عقد اتفاقية بين اللمبارديين والإمبراطورية البيزنطية سنة 568 م على أن نقض النائب الإمبراطوري في إيطاليا لهذه الاتفاقية جعل اللمبارديين ينزلون خسارة جسيمة ، البيزنطية في حوض البو بالإمبراطورية ، إذ انتزعوا بادوا سنة ٦٠٢م ثم مانتوا - آخر المعاقل في السنة نفسها، وهنا لجا الإمبراطور فوقاس - إزاء الأخطار الجسيمة التي تهدد دولته عندئذ ، وبخاصة من جانب الفرس إلى شراء مسالمة اللمبارديين مقابل تعهده بدفع جزية


سنوية ضخمة لهم . وقد تعرض اللمبارديون في عهد ملكهم أجيلولف لبعض المتاعب والثورات الداخلية ، فضلا عن التهديدات الخارجية التي واجهت دولتهم من جانب الآفار والسلاف على الحدود الشمالية الشرقية . ولكن على الرغم من كل ذلك فإن هذا العصر يمثل دور النضج بالنسبة للمبارديين وحضارتهم في إيطاليا ، إذ أخذوا بعد استقرارهم في وطنهم الجديد واعتناقهم المسيحية الغربية يهتمون ببناء الكنائس وينصرفون نحو كثير من المشروعات السلمية ، وكان أشهر ملوك اللمبارديين وأهمهم في التاريخ روتاری Rothari (٦٣٦-٦٥٢م) الذي شهد عصره اتمام غزو شمال إيطاليا وانتزاع المنطقتين اللتين كانتا لا تزالان تحت سيطرة البيزنطيين ، وهما منطقة ليجوريا الممتدة من نيس إلى لونا بما فيها مدينة جنوا العظيمة - والمنطقة المحيطة بمدينة أودرزو Oderzo على


شاطيء البندقية


ولا ترجع أهمية روثاري في التاريخ إلى انتصاراته السابقة فحسب ، بل يرجع جانب كبير من شهرته إلى أنه شكل القانون اللمباردى ونظمه ، فأصدر سنة 643م مجموعة القوانين العرفية الخاصة بالشعب اللمباردي والتي لم يسبق تدوينها أبدا من قبل . حقيقة أن القوانين والتشريعات التي أصدرها روثاري (Edictum Rotharis) لا تعدو أن تكون مجموعة بدائية تصور أحوال شعب جرماني يعيش على الفطرة وسط الأحراش والغابات ، أكثر من تصويرها الشعب الذي أصبح يحيا في قلب إيطاليا، وعلى الرغم من أن الشطر الأكبر منها يتناول المسائل المتعلقة بالفدية والتزامات الأتباع نحو سادتهم، وتنظيم حقوق الوراثة ، دون أن تحوي شيئا عن حياة الحضر والكنيسة ، فان أهمية هذه المجموعة عظيمة من حيث دلالتها التاريخية وقيمتها في تصوير أوضاع الشعوب الجرمانية ،


فضلا عن كونها أول قانون مدون للمبارديين. و بعد أن فرغ البيزنطيون من حروب هرقل ضد الفرس ثم العرب ، حاولوا في عهد الإمبراطور قنسطانز الثاني ( ٦٤١-٦٦٨م) أن يقفوا موقفا قويا تجاه اللمبارديين في إيطاليا ، ويستغلوا حالة التفكك والانقسام والفوضى التي أمسي فيها اللمبارديون عقب وفاة ملكهم روثارى سنة ٦٥٢م لاسترداد ما فقدته الإمبراطورية في شبه الجزيرة الايطالية، لذلك هجم البيزنطيون على بنفنتوم ( ٦٥٠-٦٦٣م) ولكن اللمبارديين اتحدوا واختاروا جريمولد دوق بنفنتوم ملكا عليهم (٦٦٢ - ٦٧١م) وبذلك تمكنوا


من مقاومة البيزنطيين.


وهكذا نجح الغزو اللمباردي في القضاء على الوحدة الإيطالية التي أجهد الإمبراطور جستنيان نفسه في احيائها ، فظلت إيطاليا حتى القرن التاسع عشر مجرد اصطلاح جغرافي دون أن تقوم لها وحدة سياسية تنظم أمورها . والواقع أن إيطاليا غدت في القرن السابع مقسمة بين ثلاث قوى اللمبارديون والدولة البيزنطية والبابوية . وصار من الصعب في كثير من الحالات أن تتصل الممتلكات البيزنطية في إيطاليا بعضها ببعض


إلا عن طريق البحر .


ازدياد نفوذ البابوية :


ترجع الأهمية الكبرى لعصر استقرار اللمبارديين في إيطاليا إلى ما شهده


ذلك العصر من ازدياد نفوذ البابوية وسلطانها السياسي ، حتى غدت تمثل احدى القوى الحاكمة في إيطاليا إلى جانب اللمبارديين والدولة البيزنطية. وخير ما يوضح ازدياد نفوذ البابوية في هذه الفترة هو تضاعف ممتلكات الكنيسة في إيطاليا ، وهي الأملاك التي لم تضمن للبابوية موردا ماليا ضخما فحسب بل حققت لها نوعا من النفوذ المعنوي والمادي في البلاد، ذلك أن أساقفة إيطاليا استغلوا فرصة الفوضى السياسية والاجتماعية التي سادت إيطاليا في ذلك العصر وأخذوا يمتلكون الأراضي ويتخذون لأنفسهم صفة الحكام العلمانيين ، فيعينون موظفي البلديات في المدن و يشرفون على الأعمال العامة و يجمعون الضرائب ، وغير ذلك من الأعمال التي في الواقع من صميم اختصاص الحكام العلمانين. وقد ساعد رجال الكنيسة على تحقيق أغراضهم و مطامعهم في الاستيلاء على الأراضي، أن صغار ملاك الأراضي في إيطاليا بحثوا عن سلطة قوية يدخلون تحت حمايتها ، فلم يجدوا خلال هذه الفوضى الناجمة عن النزاع بين اللمبارديين والبيزنطيين سوى الكنيسة ، فسلموها أراضيهم مختارين وأصبحوا شبه مستأجرين مقابل حصولهم على نوع من الحماية والأمان، أما البابا فكان لا يختلف - من الوجهة النظرية - عن غيره من الرعايا البيزنطيين، وذلك من حيث


تبعيته للنائب الإمبراطوري .


ولكن نفوذ هذا النائب الإمبراطوري أخذ يتضاءل تدريجيا حتى أصبح


غير ملموس ، ولا سيما أن نواب الإمبراطور البيزنطي لم يحاولوا أن


يتخذوا روما مركزا للدفاع ضد الخطر اللمباردى ، وانما آثروا الإقامة في رافنا وبذلك تركوا روما وليس فيها إلا سيد واحد هو البابا، وهنا نلاحظ أنه إذا كان البابا قد أصبح أعظم ملاك الأراضي في إيطاليا فإن الممتلكات البابوية لم تقتصر على المنطقة المحيطة بروما ، وإنما انتشرت في مختلف أنحاء شبه الجزيرة الإيطالية ، وازدادت عن طريق الهبات والعطايا حتى امتدت إلى صقلية، فضلا عن ممتلكات البابا خارج إيطاليا ، بحيث أنه يمكن القول بأن الموارد الإقتصادية الواسعة التي نعمت بها البابوية كانت السر في القوة الزمنية التي تمتعت بها. وقد تعرضت البابوية في عهد البابا جريجوري العظيم ( ٥٩٠-٦٠٤م) لخطر اللمبارديين الذين استولوا على الأملاك البابوية في شمال إيطاليا ، كما أدى توسعهم في أواسط إيطاليا إلى تهديد الأراضي البابوية في تلك الجهات . وربما كان الخطر اللمباردي هو الذي جعل البابوية تحافظ على علاقتها الودية مع الدولة البيزنطية في ذلك الدور حتى تعثر على نصير آخر يحميها من أخطار الدولة البيزنطية واللمبارديين معا.


وقد اتخذت البابوية صبغتها العالمية القوية التي ميزتها طوال العصور الوسطى في عهد البابا جريجوري الأول أو العظيم، الذي ولد في روما سنة 540م وينتمي لأسرة عريقة من النبلاء ، ولكنه أظهر منذ حداثته نزعة دينية قوية فاستغل الثروة التي ورثها عن أهله في تأسيس ستة أديرة في صقلية ودير سابع في روما ، ولم يلبث أن استقال من المنصب الكبير الذي عينه فيه الإمبراطور جستين الثاني ، ووزع ما تبقى لديه من مال على الفقراء والمحتاجين مفضلا الانقطاع للحياة الديرية، وعندما أجمع رجال الدين على اختياره لمنصب البابوية سنة ٥٩٠ م - على الرغم أخذت تظهر شخصية هذا البابا على حقيقتها ، من تمنعه الشديد لتعبر عن كثير من الصفات التي امتاز بها أهالى العصور الوسطى ، مثل ولعه بالاهوت واعتقاده في المعجزات و بغضه للتراث الكلاسيكي وحماسته للديرية. وإلى جانب كل ذلك اتصف جريجوري العظيم بالتواضع الجم ، زيادة على بساطته المتناهية ، ولكنه في مباشرة وظيفته البابوية اتصف بالكبرياء والاعتزاز بنفسه. وتبدو عظمة جريجوري الأول في النواحي السياسية والإدارية والتبشيرية ، فحكومته في روما كانت أقرب إلى الحكومة الدنيوية منها إلى الحكومة الدينية . ذلك أنه أخذ ينظم وسائل الدفاع ضد اللمبارديين مثل اعداد الجند وتحصين الأسوار وشحن القلاع، بل وتوجيه الهجمات وفي حالات أخرى كان هو الذي يفاوض اللمبارديين باسم الشعب الروماني حتى عقد معهم هدنة سنة ٥٩٢ م كما عقد صلحا نهائيا مع ملكهم أجيلولف سنة 598م أنهى به الحروب المتواصلة التي استمرت ثلاثين سنة منذ الغزو اللمباردي


لإيطاليا .


وقد أراد جريجوري الأول أن يستغل ايراد البابوية الضخم في مختلف الأغراض التي تعود على أبناء العالم المسيحي بالخير، مثل فدية أسرى المسيحيين، وتخفيف آلام المجاعات وانشاء المستشفيات للعناية بالمرضى والجرحى، وتدعيم الكنائس أو اصلاحها بعد أن تعرض كثير منها لعبث اللمبارديين، وعلى الرغم من أن اختيار جريجوري العظيم لمنصب البابوية تطلب موافقة الإمبراطور البيزنطي وقبول جميع قرارات المجامع الدينية السابقة ، إلا أن جريجوري أظهر دائما تمسكا بسيادة كرسي روما على بقية الكراسي الأسقفية في الشرق والغرب، حتى أنه حاول دون جدوى فرض سيادة البابوية في الناحية القضائية على الأساقفة الشرقيين بما فيهم بطريرك القسطنطينية . ويبدو أن ضعف النائب الإمبراطوري في إيطاليا ، وافتقاره في معظم الحالات إلى المال والرجال ، ساعد على ازدياد نفوذ البابوية المدني في بقية أنحاء إيطاليا ، فضلا عما فعله جريجوري من مد نفوذ البابوية الفعلي إلى إفريقية وغاليا وأسبانيا وانجلترا، حيث عمل على نشر المذهب الكاثوليكي بين القوط الغربيين ، وبذلك أدخل أسبانيا في دائرة الكنيسة الغربية ، كما أرسل بعثة القديس أوغسطين إلى إنجلترا الأمر الذي أدى إلى انتشار المسيحية فيها من جهة وإلى سيادة البابا على كنيستها من جهة أخرى .


وفي غاليا كانت رغبات جريجوري العظيم تقابل بالترحاب والقبول من ملوك الفرنجة ، حتى أصبح لهذا البابا كلمة مسموعة في جميع أنحاء غاليا، ولم يتردد جريجوري في طلب العون من الإمبراطورية البيزنطية عند الحاجة، وعندما توفي سنة ٦٠٤م ترك لخلفائه بناء بابويا شامخا و نفوذا روحيا واسعا وسلطة زمنية قوية ، كما حقق للمنصب البابوي قسطا


من السمو لم يسبق أن حظيت به البابوية من قبل.


على أن هذه المكانة السامية التي أضحت فيها البابوية منذ عهد


جريجورى الأول ، سرعان ما أدت إلى نوع من التنافس بينها وبين


الإمبراطورية نتيجة لاعتزاز كل من الطرفين بسمو مركزه ، وهو تنافس أدى إلى الصدام أكثر من مرة في العصور الوسطى . وقد بدأ الاحتكاك أول مرة بين الإمبراطور قنسطانز الثاني (٦٤١-٦٦٨م)، والبابا مارتن الأول (٦٤٩-٦٥٥م) ، وأسفر عن عداء بين الطرفين ، واستمرت العلاقات شبه متوترة بين الطرفين يتخللها في بعض الأحيان محاولة محاباة من أحد الطرفين للآخر رغبة في تحقيق بعض المصالح، وآخر محاولة لاسترداد الإمبراطورية البيزنطية لأملاكها من اللمبارديين كانت الحملة التي أعدها ليو الثالث عام ۷۳۲م، ولكن الطبيعة أبت إلا أن تعاكس الإمبراطور، فهبت زوبعة في البحر الأدرياتي حطمت الأسطول الإمبراطوري وقضت على المشروع البيزنطي.


وتعتبر هذه آخر محاولة جدية بذلتها الإمبراطورية البيزنطية لاسترداد نفوذها المفقود في إيطاليا ، إذ اضطر الأباطرة الشرقيون بعد ذلك إلى ترك البابوات وشأنهم في إيطاليا، في حين لم يعد للنائب الإمبراطوري نفوذ يذكر . أما البابوية فقد غدت أملاكها أقوى وحدة مترابطة في إيطاليا ، إذ امتدت من البحر الأدرياتي ورافنا شرقا حتى روما غربا ، في حين فشلت المملكة اللمباردية في محاولتها توحيد إيطاليا . وهكذا اكتسبت البابوية سلطانا زمنيا إلى جانب سلطانها الروحي ، حتى ظلت عقبة كأداء في سبيل الوحدة الإيطالية حتى القرن التاسع عشر .


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

قالت جماعة الحو...

قالت جماعة الحوثي، المصنفة دوليًا ضمن قوائم الإرهاب، الجمعة 3 يوليو/تموز 2026، إن طيرانًا حربيًا تاب...

استقبل رئيس مجل...

استقبل رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني، اليوم الخميس، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ا...

المبحث الأول: م...

المبحث الأول: مفهوم القيادة والقيادة النسوية تمهيد: تعد القيادة الركيزة الأساسية التي تستند إليها ال...

Statistics will...

Statistics will be essential for my future career in medicine because they help doctors make decisio...

تساهم المنصات ا...

تساهم المنصات الرقمية المدعمة بالذكاء الاصطناعي في رفع مستوى طموح الطالبات من خلال التفاعل المستمر، ...

أثار تأخر صرف م...

أثار تأخر صرف مرتبات منتسبي اللواء الثاني مشاة بحري بمنطقة بالحاف موجة استياء وغضب واسعة في أوساط ال...

أكد رئيس حلف قب...

أكد رئيس حلف قبائل دهم في محافظة الجوف "الشيخ عبد الرحمن مرعي"، (الخميس)، أن قضية "الشيخ حمد بن فدغم...

إليكم أبرز الأع...

إليكم أبرز الأعمال بإدارة المشاريع بالقطاع الجنوبي للنصف الثاني من شهر يونيو 2026، حيث تم تنفيذ أطوا...

في مجال يقوم عل...

في مجال يقوم على الحزم والرحمة معاً، وتتشابك فيه القوانين مع قصص الناس وأوجاعهم، اخترت أن أكون حاضرة...

برزت مزايا الفص...

برزت مزايا الفصول الافتراضية مع توافر العديد من الأدوات المرونة هي الميزة الأبرز في باقة مزايا الفصو...

اعادة كتابة هدا...

اعادة كتابة هدا التقرير بصيغة اخرىالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة سوس ماسة المديرية الإقليمي...

ترأس وزير الدول...

ترأس وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، عبد الرحمن شيخ، اليوم الأربعاء، اجتماعًا موسعًا للمكتب التنفيذي...