Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (76%)

(Using the AI)

لقد شهد جبران خليل جبران تحولاً في أعوامه العشرة الأخيرة، من روح شعرية حالِمة إلى شخصية أقوى تتجاوز الخيال المحض نحو تعانق الحقيقة المجردة. لم يعد جبران اليوم هو جبران الأمس، فكاتب "دمعة وابتسامة" الرقيق قد تبدل إلى رجل متين، وهذا التحول واضح في أعماله اللاحقة. لكن "دمعة وابتسامة" حملت أهمية خاصة كونها أول نغمة من نوعها في الأدب العربي، خالفت ما سبقها، وأحدثت حركة تجديد شعر بها الجميع، وقد غيرت نظرة الناس للشعر والكاتب الحقيقي، وبدأ كثيرون بتقليدها.

عندما طُلب من جبران جمع "دمعة وابتسامة" لنشرها، أجاب بأنها تمثل "عهداً من حياتي قد مضى". لكنه أقرّ بأن روح الشاب الذي كتبها "ترنم بأغنية علوية قبل أن يموت"، وأن هذه الروح قد تقمصت رجلاً يوازن بين حبه للقوة والعزم وحبه للظرف والجمال، يميل للهدم كالبناء، فهو صديق الناس وعدوهم.

يعبر المؤلف في "دمعة وابتسامة" (المقال) عن رغبته في حياة تمزج بين "الدمعة" لتطهير قلبه وفهم أسرار الحياة، و"الابتسامة" لتقربه من الناس وتمجيد الآلهة. يتوق إلى مجاعة للحب والجمال، مقارناً حياته ودورة النفس في الوجود بدورة الأزهار والغيوم، حيث الشوق والوصال، والفراق واللقاء، والعودة إلى الله (بحر المحبة والجمال). يتناول الفصول الأربعة رمزياً؛ فالربيع يمثل بعث الحياة وتجدد الحب، والصيف يرمز للحصاد وجمع ثمار السعادة، والخريف للوداع والتأمل في حكمة الأجيال، والشتاء للعزلة والدفء والمواجهة الصامتة للظلمة، حيث تتجسد الوحدة والترقب في عناق الأحبة قبل سبات النوم العميق.

في "حكاية" (قصة) يتأمل ابن زراع فقير في حبه لابنة الأمير. تتجسد فيها مأساة الطبقات، حيث يشعر الفتى أن الحب قد هزأ به، ولعنته الآمال المستحيلة. يشكو قسوة الحب وظلمه، ويتمنى الموت لإنقاذه من هذه الأرض. تظهر ابنة الأمير سراً، معترفة بحبها له، وتتخلى عن مجد والدها لتتبعه إلى البرية البعيدة. يمشي الحبيبان متخفيين في الليل، وتُكتشف جثتيهما لاحقاً مع قلادة ونقش يقول: "قد جمعنا الحب فمن يفرقنا، وأخذنا الموت فمن يرجعنا؟".

في "مدينة الأموات"، يقارن الراوي بين صخب مدينة الأحياء المادي وصراعها الدائم، وبين سكينة وسلام مدينة الأموات حيث المساواة. يرى جنازة غني قوية تبعها خطباء وشعراء، ثم جنازة فقير بائس تتبعها زوجته وطفلها وكلبه، مما يدفعه للتساؤل عن موطن الفقير الضعيف في النهاية، فيأتيه صوت داخلي مجيباً: "هناك".

أما في "موت الشاعر حياته"، فيصور جبران شاعراً يحتضر جوعاً في كوخ متداعٍ وسط مدينة غنية لاهية، ويحتضن الموت كمنقذ وحبيبة. يتخلى عنه الإنسان لأنه لم يطمع بالمال، فيدعوه الموت الجميل ليحل قيوده المادية ويضمه إلى صدره. يظهر طيف امرأة جميلة تمثل الموت، تعانقه وتمنحه قبلة اكتفاء، تاركة ابتسامة على شفتيه، ويصبح البيت خالياً. لاحقاً، وبعد أن يستفيق البشر من سباتهم، يجدون الشاعر الحقيقي فيقيمون له تمثالاً، في دلالة على جهل الإنسان وتأخره.

في "بنات البحر"، تكتشف حوريات البحر جثة شاب في الأعماق. يتساءلن عن الحرب وقسوة الإنسان الذي طمع في السيادة على البحر، مما أغضب إله البحار. يجدن رسالة من حبيبته، تعبر عن ألمها وتشكو من الواجب والوطنية الزائفة التي تفرق المحبين وتدمر الأوطان، متمنية أن يجمعها به الحب في الحياة الآخرة. تستنتج بنات البحر أن قلب الإنسان أقسى من قلب نبتون.

في "النفس"، يصف جبران خلق الإله للنفس بجمال ورقة ومحبة وعلم وبصيرة وشوق، ثم خلق الإنسان من عناصر الغضب والجهل والأنانية، منحه قوة عمياء وحياة (خيال الموت)، ثم جمعه بالنفس في محبة لا حدود لها.

في "ابتسامة ودمعة" (قصة أخرى)، يراقب الراوي زوجين. الأول غني، يعد حبيبته بحياة مترفة ومادية، لا يبالي بالأزهار التي تدوسها أقدامهما. الثاني فقير، يعزي حبيبته الصابرة، مؤكداً أن حبهما العميق، الذي هو الله، سيمكنهما من تحمل الفقر والفراق. يفترقان مع وعد باللقاء مستقبلاً، أو في الحياة الآتية. يستنتج الراوي أن الحب هو القوة الأبدية التي تتجلد وتثمر في كل الفصول، ولا يمكن شراؤها بالمال.

وتختتم المجموعة بـ "رؤيا" حيث يرى الراوي قفصاً فيه عصفور ميت عطشاً وجوعاً رغم قربه من الماء والحقول. يتحول القفص إلى هيكل إنسان شفاف والعصفور إلى قلب بشري ينزف، يتحدث عن سجنه بقيود قوانين الإنسان وشرائعه التي تعتبر رغباته الطبيعية عاراً، وكيف مات مهملاً بينما الإنسانية تبتسم. تتلاشى الرؤيا، ويعود الراوي إلى الواقع.


Original text

قد انتقل جبران خليل جبران في الأعوام العشرة الأخيرة من ربيع الحياة إلى صيفها، فنمت أمياله ونضجت أفكاره، وتدرجت روحه من عالم الخيال الشعري إلى عالم أسمى وأوسع يتعانق فيه الخيال المطلق والحقيقة المجردة، وتلتقي في جنباته أشباح العواطف الدقيقة بجبابرة المبادئ الأساسية الصحيحة.


جبران اليوم ليس بجبران الأمس، فالشباب الحساس الذي كتب دمعة وابتسامة» بقلم محبر بالدمع قد تحول إلى رجل قوي يكتب برءوس الحراب المغموسة بالدماء والفرق بين مقالة جمال الموت» وحكاية حفار القبور» هو الفرق بين جبران الأمس وجبران اليوم، فالنفس اللطيفة التي كانت ترتعش لهبوب نسيمات السحر قد تشددت اليوم بالعزم فلم تعد تهتز إلا للعواصف، فالعواصف هي من حاضر جبران بمقام النسيم من ماضيه.


ولكن لو تمعنا مليا بمجموع كتابات جبران وتأليفه، وعلاقتها بالنهضة الأدبية الحديثة لوجدنا أن لدمعة وابتسامة مقالاً خاصا بها لأنها كانت أول نغمة من نوعها في العالم العربي، فقد خالفت بما فيها من التراكيب ودقة البيان كل ما جاء قبلها من


دمعة وابتسامة


الكتابات؛ لأنها أتت كتوطئة لحركة عربية جديدة يشعر بها ويتأثر لها الطالب في مدرسته والمتأدب في مكتبته والصحافي في إدارته.


عندما ظهرت دمعة وابتسامة كان الكتاب والشعراء في مصر وسوريا والمهجر يملأون الصحف والمجلات بمقالات ورسائل وقصائد عقيمة بليدة خالية من الشعور بعيدة عن القلب، وكان أكثر الناس يحسبون كل من وزن الكلام شاعرًا وكل من رتب الفقرات كاتبا، ولكن لما ابتدأ جبران بنشر دمعة وابتسامة غير الناس أفكارهم وعلموا للمرة الأولي أن الشاعر الحقيقي هو الذي يضرب بأصابعه السحرية على أوتار قلوبهم، ويعيد على مسامعهم في اليقظة ما تسمعه أرواحهم في المنام، ومن ذلك الحين ابتدأ فتيان الكتاب والشعراء بتقليد دمعة وابتسامة والنسج على منوالها، فلم يمر عامان أو ثلاثة


على ظهورها حتى كان لجبران تلاميذ وأتباع منتشرون في كل مكان من العالم العربي. عندما طلبنا إلى جبران جمع دمعة وابتسامة ونشرها في كتاب، أجابنا ببيت من


أحد موشحاته قائلا:


ذاك عهد من حياتي قد مضي بين تشبيب وشكوى ونواح


فقلنا له ذاك عهد من حياتك قد مضى، ولكنه لم يزل حاضرا في حياة محبيك


ومريديك».


فأجابنا «إن الشاب الذي كتب قد ترنم بأغنية علوية قبل أن يموت».


قلنا له: «وعلينا أن نحفظ تلك الأغنية كي لا تتلاعب بها أيدي الضياع..


فأجابنا افعلوا ما شئتم، ولكن لا تنسوا أن روح ذلك الشاب قد تقمصت في جسد رجل يحب العزم والقوة مَحَبَّتَهُ للظرف والجمال، ويميل إلى الهدم ميله إلى البناء، فهو صديق الناس وعدوهم في وقت واحد.


فقلنا له سوف لا ننسى وإن حاولنا التناسي ففي حفار القبور ما ينبهنا


ويذكرنا».أنا لا أبدل أحزان قلبي بأفراح الناس، ولا أرضى أن تنقلب الدموع التي تستدرها الكآبة من جوارحي وتصير ضحكا، أتمنى أن تبقى حياتي دمعة وابتسامة، دمعة تطهر قلبي وتفهمني أسرار الحياة وغوامضها، وابتسامة تدنيني من أبناء بجدتي وتكون رمز تمجيدي الآلهة، دمعة أشارك بها منسحقي القلب، وابتسامة تكون عنوان فرحي بوجودي.


أريد أن أموت شوقا ولا أحيا مثلا، أريد أن تكون في أعماق نفسي مجاعة للحب والجمال؛ لأني نظرت فرأيت المستكفئين أشقى الناس وأقربهم من المادة، وأصغيت فسمعت تنهدات المشتاق المتمني أعذب من رنات المثاني والمثالث.


يأتي المساء فتضم الزهرة أوراقها وتنام معانقة شوقها، وعندما يأتي الصباح تفتحشفتيها لاقتبال قبلة الشمس، فحياة الأزهار شوق ووصال، دمعة وابتسامة.


تتبخر مياه البحر وتتصاعد ثم تجتمع وتصير غيمة، وتسير فوق الطلول والأودية حتى إذا ما لاقت نسمات لطيفة تساقطت باكية نحو الحقول، وانضمت إلى الجداول ورجعت إلى البحر موطنها. حياة الغيوم فراق ولقاء دمعة وابتسامة.


كذا النفس تنفصل عن الروح العام وتسير في عالم المادة، وتمر كغيمة فوق جبال الأحزان وسهول الأفراح فتلتقي بنسيمات الموت فترجع إلى حيث كانت، إلى بحر المحبة والجمال، إلى الله.الربيع هلمي يا محبوبتي نمشي بين الطلول، فقد ذابت الثلوج وهبت الحياة من مراقدها وتمايلت في الأودية والمنحدرات، سيري معي لنتتبع آثار أقدام الربيع في الحقل البعيد، تعالي لنصعد إلى أعالي الربى ونتأمل في تموجات اخضرار السهول حولها.


ها قد نشر فجر الربيع ثوبا طواه ليل الشتاء، فاكتست به أشجار الخوخ والتفاحفظهرت كالعرائس في ليلة القدر واستيقظت الكروم وتعانقت قضبانها كمعاشر العشاق، وجرت الجداول راقصة بين الصخور مرددة أغنية الفرح، وانبثقت الأزهار من قلب الطبيعة انبثاق الزبد من البحر.


تعالي لنشرب بقايا دموع المطر من كثوس النرجس، ونملأ نفسينا بأغاني العصافير المسرورة، ونغتنم استنشاق عطر النسيمات.


لنجلس بقرب تلك الصخرة حيث يختبئ البنفسج، ونتبادل قبلات المحبة.


الصيف هيا بنا إلى الحقل يا حبيبتي فقد جاءت أيام الحصاد، وبلغ الزرع مبلغه وأنضجته حرارة محبة الشمس للطبيعة، تعالي قبل أن تسبقنا الطيور فتستغل أتعابنا، وجماعة النمل فتأخذ أرضنا، هلمي نجن ثمار الأرض مثلما جنت النفس حبوب السعادة من بذور الوفاء التي زرعتها المحبة في أعماق قلبينا، ونملأ المخازن من نتاج العناصر كما ملأت الحياة أهراء عواطفنا.


هلمي يا رفيقتي نفترش الأعشاب ونلتحف السماء ونوسد رأسينا بضغث من القش الناعم، فنرتاح من عمل النهار وتسمع مسامرة غدير الوادي.


دمعة وابتسامة


الخريف لنذهب إلى الكرمة يا محبوبتي ونعصر العنب ونوعيه في الأجران مثلما توعي النفس حكمة الأجيال، ونجمع الأثمار اليابسة ونستقطر الأزهار ونستعيض عن العين بالأثر.


لترجع نحو المساكن، فقد اصفرت أوراق الأشجار ونثرها الهواء كأنه يريد أن يكفن بها أزهارا قضت لوعة عندما ودعها الصيف، تعالي فقد رحلت الطيور نحو الساحل وحملت معها أنس الرياض، وخلفت الوحشة للياسمين والسيسبان فبكي باقي الدموع على أديم التراب.


لنرجع فالجداول قد وقفت عن مسيرها، والعيون نشفت دموع فرحها، والطلول خلعت باهي أثوابها تعالي يا محبوبتي، فالطبيعة قد راودها الناس فأمست تودع اليقظة بأغنية نهاوندية مؤثرة.


الشتاء: اقتربي يا شريكة حياتي، اقتربي مني ولا تدعي أنفاس الثلوج تفصل جسمينا، اجلسي بجانبي أمام هذا الموقد، فالنار فاكهة الشتاء الشهية، حدثيني بمآتي الأجيال فآذاني قد تعبت من تأوه الأرياح وندب العناصر، أوصدي الأبواب والنوافذ، فمرأى وجه الجو الغضوب يُحزن نفسي، والنظر إلى المدينة الجالسة كالثكلى تحت أطباق الثلوج يدمي قلبي اسقي السراج زيتا يا رفيقة عمري، فقد أوشك أن ينطفئ، وضعيه بالقرب منك لأرى ما كتبته الليالي على وجهك، إيتي بجرة الخمر لنشرب ونذكر أيام


العصر.


اقتربي اقتربي مني يا حبيبة نفسي فقد خمدت النار وكاد الرماد يخفيها. ضميني فقد انطفأ السراج وتغلبت عليه الظلمة، ها قد أثقلت أعيننا خمرة السنين. ارمقيني بعين كحلها النعاس، عانقيني قبل أن يعانقنا الكرى، قبليني فالثلج قدتغلب على كل شيء إلا قبلتك آه يا حبيبتي ما أعمق بحر النوم! آه ما أبعد الصباح في


هذا العالم


١٦


حكاية


على ضفة ذلك النهر، في ظل أشجار الجوز والصفصاف جلس ابن زراع يتأمل في المياه الجارية بسكينة وهدوء، فتى ربي بين الحقول حيث يتكلم كل شيء عن الحب، حيث الأغصان تتعانق والأزهار تتمايل والطيور تتشبب حيث الطبيعة بأسرها تكرز بالروحابن عشرين رأى بالأمس على الينبوع صبية جالسة بين الصبايا فأحبها، ثم علم أنها ابنة الأمير فلام قلبه وشكا نفسه إلى نفسه، ولكن الملامة لا تميل بالقلب عن الحب والعذل لا يصرف النفس عن الحقيقة، والإنسان بين قلبه ونفسه كغصن لين في مهب ريح الجنوب وريح الشمال


نظر الفتى فرأى زهرة البنفسج قد نبتت بقرب زهرة الأقحوان، ثم سمع الهزاز يناجي الشحرور فبكى لوحدته وانفراده، ثم مرت ساعات حبّه أمام عينيه مرور الأشباحفقال وعواطفه تسيل مع كلماته ودموعه


هو ذا الحب يستهزئ بي ها قد جعلني سخرية وقادني إلى حيث الآمال تعد عيوبا والأماني مذلة الحب الذي عبدته قد رفع قلبي إلى قصر الأمير وخفض منزلتي إلى كوخ الزراع، وسار بنفسي إلى جمال حورية تحيط بها الرجال ويحميها الشرف الرفيع، أنا طائع أيها الحب فماذا تريد؟ قد اتبعتك على سبل نارية فلذعني اللهيب، قد فتحت عيني فلم أر غير الظلمة، وأطلقت لساني فلم أتكلم بغير الأسى، قد عانقني الشوق أيها الحب بمجاعة روحية لن تزول بغير قبل الحبيب، أنا ضعيف أيها الحب فلم تخاصمني وأنت القوي؟ لماذا تظلمني وأنت العادل وأنا البريء؟ لماذا تذلني ولم يكن غيرك ناصري؟ لماذا تتخلى عني وأنت موجدي ؟ إن جرى دمي بغير مشيئتك فأهرقه، وإنتحركت قدماي على غير طرقك فشلها. افعل مشيئتك بهذا الجسد وخل نفسي تفرح بهذه الحقول المستأمنة بظل جناحيك الجداول تسير إلى حبيبها البحر والأزهار تتنسم لعشيقها النور، والغيوم تهبط نحو مريدها الوادي، وأنا -وبي ما لا تعرفه الجداول ولا تسمع به الأزهار ولا تدركه الغيوم - قد رأيتني وحيدا في محنتي، منفردًا في غرامي، بعيدًا عن التي لا تريدني جنديا في كتائب أبيها ولا ترضاني خادمًا في قصرها.


وسكت الفتى هنيهة كأنه يريد أن يتعلم الكلام من خرير النهر وحفيف أوراق الغصون ثم عاد فقال:


وأنت يا من أخاف من أمها أن أدعوها باسمها، أيتها المحبوبة عني بستائر العظمة وجدران الجلال، أيتها الحورية التي لا أطمع بلقائها إلا في الأبدية حيث المساواة، يا من تطيعها الصوارم وتنحني أمامها الرقاب وتتفتح لها الخزائم والمساجد قد ملكت قلبا قدسه الحب، واستعبدت نفسا شرفها الله وخلبت عقلاً كان بالأمس حرا بحرية هذه الحقول، فصار اليوم أسيرًا بقيود هذا الغرام، رأيتك أيتها الجميلة فعرفت سبب مجيئي إلى هذا العالم، ولما عرفت رفعة منزلتك ونظرت إلى حقارتي علمت أن للآلهة أسرارًا لا يعرفها الإنسان، وسبلا تذهب بالأرواح إلى حيث المحبة تقضي بغير الشرائع البشرية أيقنت لما نظرت إلى عينيك أن هذه الحياة فردوس بابه القلب البشري، ولما رأيت شرفك وذلي يتصارعان صراح مارد ورتبال علمت أن هذه الأرض لم تعد وطنا لي، ظننت لما وجدتك جالسة بين نسائك كالوردة بين الرياحين، أن عروس أحلامي قد تجسدت وصارت بشرا مثلي، ولما تخبرت مجد أبيك وجدت أن دون اجتناء الورد أشواكا تدمي الأصابع، وأن ما تجمعه الأحلام تفرقه اليقظة ......


وقام إذ ذاك ومشى نحو الينبوع منخفض الجناح، كسير القلب، مجسما الأسي والقنوت


بهذه الكلمات


تعال يا موت وأنقذني، فالأرض التي تخنق أشواكها أزهارها لا تصلحللسكن، هلم وخلصني من أيام تخلع الحب عن كرسي مجده وتقيم الشرف


۱۸


حكاية


العالي مكانه، خلصني يا موت فالأبدية أجدر ببقاء المحبين من هذا العالم هناك أنتظر حبيبتي، وهناك أجتمع بها.


بلغ الينبوع وقد جاء المساء وأخذت الشمس تلم وشاحها الذهبي عن الحقل، فجلس يذرف الدموع على حضيض وطئته أقدام ابنة الأمير وقد حنى رأسه على صدره كأنه يمنع قلبه عن الخروج.


في تلك الدقيقة ظهرت من وراء أشجار الصفصاف صبية تجر أذيالها على الأعشاب ووقفت بجانب الفتى ووضعت يدها الحريرية على رأسه، فنظر إليها نظرة نائم أيقظه شعاع الشمس، فرأى ابنة الأمير واقفة حذاءه فجثا على ركبتيه مثلما فعل موسى عندما رأى العليقة مشتعلة أمامه، ولما أراد الكلام أرتج عليه فنابت عيناه الطافحتان بالدمع عن لسانه.ثم عانقته الصبية وقبلت شفتيه، وقبلت عينيه راشقة المدامع السخينة، وقالت بصوت الطف من نغمة الناي


قد رأيتك يا حبيبي في أحلامي، ونظرت وجهك في وحدتي وانقطاعي، فأنت رفيق نفسي الذي فقدته، ونصفي الجميل الذي انفصلت عنه عندما حكم علي بالمجيء إلى هذا العالم، قد جئتُ سرا يا حبيبي لألتقي بك، وها أنت الآن بين ذراعي فلا تجزع قد تركت مجد والدي لأتبعك إلى أقاصي الأرض وأشرب معك كأس الحياة والموت، قم يا حبيبي فنذهب إلى البرية البعيدة عن الإنسان.


ومشى الحبيبان بين الأشجار تخفيهما ستائر الليل ولا يخيفهما بطش الأمير ولا أشباحالظلمة.


هناك في أطراف البلاد عثر رواد الأمير على هيكلين بشريين في عنق أحدهما قلادة


ذهبية، وبقربهما حجر كتبت عليه هذه الكلمات


قد جمعنا الحب فمن يفرقنا، وأخذنا الموت فمن يرجعنا؟».في مدينة الأموات


تَمَلَّصْتُ بالأمس من غوغاء المدينة، وخرجت أمشي في الحقول الساكنة حتى بلغت أكمة عالية ألبستها الطبيعة أجمل حلاها، فوقفت وقد بانت المدينة بكل ما فيها من البنايات الشاهقة والقصور الفخمة تحت غيمة كثيفة من دخان المعامل.


جلست أتأمل عن بعد في أعمال الإنسان فوجدت أكثرها عناء، فحاولت في قلبي آلا أفتكر بما صنعه ابن آدم وحولت عيني نحو الحقل، كرسي مجد الله، فرأيت في وسطه مقبرة ظهرت فيها الأجدات الرخامية المحاطة بأشجار السرو.


هناك بين مدينة الأحياء ومدينة الأموات جلست أفكر، أفكر في كيفية العراك المستمر والحركة الدائمة في هذه، وفي السكينة السائدة والهدوء المستقر في تلك، من الجهة الواحدة آمال وقنوط ومحبة وبغضة، وغنى وفقر، واعتقاد وجحود، ومن الأخرى تراب في تراب تقلب الطبيعة بطنه ظاهرًا وتبدع منه نباتا ثم حيوانا، وكل ذلك يتم في سكينة الليل.


بينا أنا مستسلم لعوامل هذه التأملات استلفت ناظري جمع غفير يسير الهويناء تتقدمه الموسيقى وتملأ الجو ألحانا محزنة موكب جمع بين الفخامة والعظمة وآلف بين أشكال الناس، جنازة غني قوي، رفات ميت تتبعها الأحياء وهم يبكون ويُوَلُّولُونَ ويبثون بالهواء الصراخ والعويل.


بلغوا الجبانة فاجتمع الكهان يصلون ويبخرون، وانفرد الموسيقيون ينفخون الأبواق، وبعد قليل انبرى الخطباء فأبنوا الراحل بمنتقيات الكلام، ثم الشعراء فَرَثَوْهُ بمنتخبات المعاني، وكل ذلك كان يتم بتطويل ممل، وبعد قليل انقشع الجمع عن حدث تسابق في صنعه الحفارون والمهندسون وحوله أكاليل الأزهار المنمقة بأيدي المتقنين. رجع الموكب نحو المدينة وأنا أنظر من بعيد وأفتكر ومالت الشمس نحو الغروب


واستطالت خيالات الصخور والأشجار، وأخذت الطبيعة تخلع أثواب النور.


دمعة وابتسامة


في تلك الدقيقة نظرت فرأيت رجلين يقلان تابوتا خشبيا، وراءهما امرأة ترتدي أطمارًا بالية وهي حاملة على منكبيها طفلا رضيعًا، وبجانبها كلب ينظر إليها تارة وإلى التابوت أخرى، جنازة فقير حقير وراءها زوجة تذرف دموع الأسى، وطفل يبكي لبكاء أمه، وكلب أمين يسير وفي مسيره حزن وكآبة.


وصل هؤلاء إلى المقبرة وأودعوا التابوت حفرة في زاوية بعيدة عن الأحداث الرخامية ثم رجعوا بسكينة مؤثرة والكلب يلتفت نحو محط رحال رفيقه حتى اختفوا عن بصري وراء الاشجار.


فالتفت إذ ذاك نحو مدينة الأحياء وقلت في نفسي تلك للأغنياء الأقوياء. ثم نحو مدينة الأموات وقلت هذه للأغنياء الأقوياء فأين موطن الفقير الضعيف يا رب؟


قلت هذا ونظرت نحو الغيوم المتلبدة المتلونة أطرافها بذهب من أشعة الشمس الجميلة، وسمعت صوتا من داخلي يقول: هناك.موت الشاعر حياته


خيم الليل بجنحه فوق المدينة وألبسها الثلج ثوبًا، وهزم البرد ابن آدم من الأسواق فاختبأ في أوكاره، وقامت الأرياح تتأوه بين المساكن كمؤبن وقف بين القبور الرخامية يرثي فريسة الموت.


وكان في أطراف الأحياء بيت حقير تداعت أركانه وأثقلته الثلوج حتى أوشك أن يسقط، وفي إحدى زوايا ذلك البيت فراش بال عليه محتضر ينظر إلى سراج ضعيف يغالب الظلمة فتغلبه، فتى في ربيع العمر قد علم بقرب أجل انعتاقه من قيود الحياة فصار ينتظر المنية وعلى وجهه المصفر نور الأمل، وعلى شفتيه ابتسامة محزنة، شاعر جاء ليفرح قلب الإنسان بأقواله الجميلة يموت جوعًا في مدينة الأحياء الأغنياء، نفس شريفة هبطت مع نعم الآلهة لتجعل الحياة عذبة تودع دنيانا قبل أن تبتسم لها الإنسانية، منازع يلفظ أنفاسه الأخيرة وليس بقربه سوى سراج كان رفيق وحدته وأوراق عليها خيالات روحه اللطيفة.


جمع ذلك الفتى المنازع بقايا قوة قاربت الفناء، ورفع يديه نحو العلاء وحرك أجفانه الذابلة كأنه يريد أن يخرق بنظراته الأخيرة سقف ذلك الكوخ البالي ليرى النجوم من وراء الغيوم ثم قال:


تعالي أيتها المنية الجميلة فقد اشتاقتك نفسي اقتربي وحلي قيود المادة فقد تعبت من جَرَّهَا، تعالي إلي يا أيتها المنية الحارة وأنقذيني من بين البشر الذين يحسبونني غريبا عنهم لأني أترجم ما أسمعه من الملائكة إلى لغة البشر، أسرعي نحوي فقد تخلى عني الإنسان وطرحني في زوايا النسيان لأني لم أكن طامعا بالمال نظيره، ولا باستخدام من هو أضعف مني تعالي إلى أيتها المنية العذبة وخذيني فأولاد بجدَتِي لا يحتاجوني


دمعة وابتسامة


ضميني إلى صدرك المملوء محبة، قبلي شفتي التي لم تذق طعم قبلة الوالدة ولا لمست وجنة الأخت ولا لثمت ثغر المحبوبة، أسرعي وعانقيني يا حبيبتي المنية.


انتصب إذ ذاك بجانب فراش المنازع طيف امرأة ذات جمال غير بشري، ترتدي ثوبا ناصعًا كالثلج، وتحمل بيدها إكليل زنابق من نبت الحقول العلوية، ثم دنت منه وعانقته وأغمضت عينيه كي يراها بعين نفسه، وقبلت شفتيه قبلة محبة، قبلة تركت على شفتيه ابتسامة اكتفاء.


في تلك الدقيقة أصبح ذلك البيت خاليًا إلا من التراب وبعض أوراق منثورة في زوايا


الظلمة.


مرت الأجيال وسكان تلك المدينة غرقى في سبات الجحود والإهمال، ولما استفاقوا ورأت عيونهم فجر المعرفة أقاموا لذلك الشاعر تمثالاً عظيمًا في وسط الساحة العمومية وعيدوا له في كل عام عيدًا، آه ما أجهل الإنسانبنات البحر


في أعماق البحر الذي يحيط بالجزائر القريبة من مطلع الشمس، هنالك في الأعماق حيث الدر الكثير، جثة فتى هامدة بقربها بنات البحر ذوات الشعور الذهبية، قد جَلَسْنَ بين بنات المرجان ينظرن إليها بعيونهن الزرقاء الجميلة، ويتحدثن بأصوات موسيقية حديثا سمعته اللجة فحملته الأمواج إلى الشواطئ فجاء به النسيم إلى نفسي.


قالت واحدة: هذا بشري هبط بالأمس إذ كان البحر حانقا».


فقالت الثانية: لم يكن البحر حانقا ولكن الإنسان . وهو الذي يدعي بأنه من سلالة الآلهة - كان في حرب حامية أُهْرقَتْ فيها الدماء حتى صار لون الماء قرمزيا.


وهذا البشري هو قتيل الحرب.


فقالت الثالثة: لا أدري ما هي الحرب، ولكني أعلم أن الإنسان بعد أن تغلب على اليابسة طمع بالسيادة على البحر فابتدع الآلات الغربية، ومَخَرَ العباب قدرى نبتون إله البحار وغضب من هذا التعدي، فلم ير الإنسان بدا إذ ذاك من إرضاء مليكنا بالذبائحوالهدايا، فالأشلاء التي رأيناها بالأمس هابطة هي آخر تقدمة من الإنسان إلى نبتون


العظيم».


قالت الرابعة: ما أعظم نبتون ولكن ما أقسى قلبه لو كنت أنا سلطانة البحار لما رضيت بالذبائح الدموية تعالي لنرى جثة هذا الشاب فربما أفادتنا شيئًا عن طائفة البشر».


اقتربت بنات البحر من جثمان الشاب وبحثن في جيوب أثوابه فعثرن على رسالة في


الثوب الملاصق قلبه، فأخذت الرسالة واحدة منهن وقرأت


دمعة وابتسامة


يا حبيبي ها قد انتصف الليل وأنا ساهرة وليس لي مسل غير دموعي، ولا مُعَذِّ سوى أملي برجوعك إلي من بين مخالب الحرب، ولا أقدر أن أفتكر إلا بما قلته لي عند الوداع بأن عند كل إنسان أمانة من الدم لا بد من رَدَّهَا يوما ... لا أدري يا حبيبي ماذا أكتب، بل أترك نفسي تسيل على الورق، نفس يعذبها الشقاء ويعزيها الحب الذي يجعل الألم لذة والأحزان مسرة، لما وحد الحب قلبينا وصرنا نتوقع ضم جسمين تجول فيهما روح واحدة، نادتك الحرب فاتبعتها مدفوعا بعوامل الواجب والوطنية، ما هذا الواجب الذي يفرق المحبين ويرمل النساء وييتم الأطفال؟ ما هذه الوطنية التي من أجل أسباب صغيرة تدعو الحرب لتخريب البلاد؟ ما هذا الواجب المحتوم على القروي المسكين والذي لا يحفل به القوي وابن الشرف الموروث ؟ إذا كان الواجب ينفي السلم من بين الأمم، والوطنية تزعج السكينة حياة الإنسان فسلام على الواجب والوطنية لا لا يا حبيبي لا تحفل بكلامي بل كن شجاعًا ومحبا لوطنك، ولا تسمع كلام ابنة أعماها الحب وأضاع بصيرتها الفراق، إذا كان الحب لا يرجعك إلى هذه


الحياة فالحب يضمني إليك في الحياة الآتية».


وضعت بنات البحر تلك الرسالة تحت أثواب الشاب وسبحن بسكينة محزنة، ولما بعدنوضعت بنات البحر تلك الرسالة تحت أثواب الشاب وسبحن بسكينة محزنة، ولما بعدن


قالت واحدة منهن


إن قلب الإنسان أقسى من قلب نبتون


٢٦


النفس


وفصل إله الآلهة عن ذاته نفسًا وابتدع فيها جمالاً، وأعطاها رقة نسيمات السحر وعطر أزاهر الحقل ولطف نور القمر.


ووهبها كأس سرور وقال: لن تشربي منها إلا إذا نسيت الماضي وأهملت الآتي


وكأس حزن وقال: تشربين منها فتدركين كنه فرح الحياة.


وبث فيها محبة تفارقها مع أول تنهدة استكفاء، وحلاوة تخرج منها مع أول كلمة


ترفع.


وأسقط عليها علما من السماء ليرشدها إلى سبل الحق.


ووضع في أعماقها بصيرة ترى ما لا يُرى.


وابتدع فيها عاطفة تسيل مع الخيالات وتسير مع الأشباح، وألبسها ثوب شوق حاكته الملائكة من تموجات قوس القزح، ثم وضع فيها ظلمة الحيرة وهي خيال النور.


وأخذ الإله نارًا من مصهر الغضب، وريحا تهب من صحراء الجهل، ورملا من على شاطئ بحر الأنانية، وترابًا من تحت أقدام الدهور.


وجبل الإنسان، وأعطاه قوة عمياء تثور عند الجنون وتخمد أمام الشهوات، ثم وضع فيه الحياة وهي خيال الموت.


وابتسم إله الآلهة وبكى، وشعر بمحبة لا حَدَّ لها ولا مدى، وجمع بين الإنسان


ونفسه.ابتسامة ودمعة


لمت الشمس أذيالها عن تلك الحدائق الناضرة، وطلع القمر من وراء الأفق وسكب عليها نورا لطيفا، وأنا جالس هنالك تحت الأشجار أتأمل في انقلاب الجو من حالة إلى حالة وأنظر من خلايا الأغصان إلى النجوم المنشورة كالدراهم على بساط أزرق، وأسمع من بعيد خرير جداول الوادي.


ولما استأمنت الطيور بين القضبان المورقة، وأغمضت الأزهار عيونها وسادت السكينة، سمعت وقع أقدام خفيفة على الأعشاب فحولت نظري، وإذا بفتى وفتاة يقتربان مني ثم جلسا تحت شجرة غضة وأنا أراهما ولا أرى.


وبعد أن تلفت الفتى إلى كل ناحية سمعته يقول: «اجلسي بجانبي يا حبيبتي واسمعيني، ابتسمي لأن ابتسامتك هي رمز مستقبلنا، وافرحي لأن الأيام قد فرحت من أجلنا، حدثتني نفسي بالشك الذي يخامر قلبك، والشك في الحب إثم يا حبيبتي، عن قريب تصيرين سيدة هذه الأملاك الواسعة التي ينيرها ذلك القمر الفضي، وربة هذ القصر المضاهي قصور الملوك، تجرك خيولي المطهمة في المتنزهات وتذهب بك مركباتي الجميلة إلى المراقص والملاهي، ابتسمي يا حبيبتي كما يبتسم الذهب في خزائني، وارمقيني كما ترمقني جواهر والدي، اسمعي يا حبيبتي فقد أبي قلبي ألا يسكب أمامك مخباته، أمامنا سنة العسل، سنة نصرفها مع الذهب الكثير على شواطئ بحيرات سويسرا، وفي متنزهات إيطاليا، وقرب قصور النيل، وتحت أغصان أرز لبنان، سوف تلتقين بالأميرات والسيدات فيحسدنك على حلاك وملابسك، كل ذلك لك مني، فهلا رضيت! آه ما أحلى ابتسامتك تحاكي ابتسام دهري.


دمعة وابتسامة


وبعد قليل رأيتهما يمشيان على مهل ويدوسان الأزهار بأقدامهما كما تدوس قدم الغني قلب الفقير.


غابا عن بصري وأنا أفكر بمنزلة المال عند الحب أفكر بالمال مصدر شرور الإنسان وبالحب منبع السعادة والنور.


ظللت تائها في مسارح هذه الأفكار حتى لمحت شبحين مرا من أمامي وجلسا على الأعشاب، فتى وفتاة أتيا من جهة الحقول حيث أكواخ الفلاحين في المزارع، وبعد هنية من سكينة مؤثرة سمعت هذا الكلام صادرًا مع تنهدات عميقة من فم مصدور: «كفكفي الدمع يا حبيبتي، إن المحبة التي شاءت ففتحت أعيننا وجعلتنا من عبادها تهبنا نعمة الصبر والتجلد، كفكفي الدمع وتَعَزَّي لأننا تحالفنا على دين الحب، ومن أجل الحب العذب نحتمل عذاب الفقر ومرارة الشقاء وتباريح الفراق ولا بد لي من مصارعة الأيام حتى أظفر بغنيمة تليق بأن أضعها بين يديك تساعدنا على قطع مراحل العمر، إن المحبة يا حبيبتي - وهي الله تقتبل منا هذه التنهدات وهذه الدموع كبخور عاطر وهي تكافئنا عليها بقدر ما نستحق أودعك يا حبيبتي فأنا راحل قبل أن يغيب القمر». ثم سمعت صوتاً رقيقا تقاطعه زفرات أنفاس ملتهبة، صوت عذراء لطيفة أودعته


كل ما في جوارحها من حرارة الحب ومرارة التفرق وحلاوة التجلد تقول: «الوادع ياحبيبي".


ثم افترقا وأنا جالس تحت أغصان تلك الشجرة تتجاذبني أيدي الشفقة وتتساهمني أسرار هذا الكون الغريب.


ونظرت تلك الساعة نحو الطبية الراقدة، وتأملت مليا فوجدت فيها شيئًا لا حد له ولا نهاية، شيئًا لا يشترى بالمال، وجدت شيئًا لا تمحوه دموع الخريف ولا يميته حزن الشتاء، شيئًا لا توجده بحيرات سويسرا ولا متنزهات إيطاليا، وجدت شيئًا يتجلد فيحيا في الربيع ويثمر في الصيف، وجدت فيها المحبة.


رؤيا


هناك في وسط الحقل على ضفة جدول بلوري رأيت قفصا حبكت ضلوعه يد ماهرة وفي إحدى زوايا القفص عصفور ميت، وفي زاوية أخرى جرن جف ماؤه وجرن نفدت بذوره.


فوقفت وقد امتلكتني السكينة، وأصغيت صاغرا كأن في الطائر الميت وصوت الجدول عظة تستنطق الضمير وتستفسر القلب، وتأملت فعلمت أن ذلك العصفور الحقير قد صارع الموت عطشا وهو بجانب مجاري المياه وغالبه جوعًا وهو في وسط الحقول التي هي مهد الحياة، كغني أقفلت عليه أبواب خزائنه فمات جوعًا بين الذهب. وبعد هنيهة رأيت القفص قد انقلب فجأة وصار هيكل إنسان شفافا، وتحول


الطائر الميت إلى قلب بشري فيه جرح عميق يقطر دما قرمزيًا، وقد حاكت جوانب الجرحشفتي امرأة حزينة.


ثم سمعت صوتا خارجا من الجرح مع قطرات الدماء قائلا:


أنا هو القلب البشري أسير المادة، وقتيل شرائع الإنسان الترابي في وسط حقل الجمال، على ضفة ينابيع الحياة أسرتُ في قفص الشرائع التي سَنَّهَا الإنسان للشواعر على مهد محاسن المخلوقات بين أيدي المحبة من مهملاً؛ لأن ثمار تلك المحاسن ونتاج هذه المحبة قد حرَّمًا علي كل ما يشوقني، صار كل ما يشوقني بعرف الإنسان عارا وجميع ما أشتهيه أصبح في قضائه مذلة.


أنا القلب البشري قد حبست في ظلمة سنن الجامعة فضعفت، وقيدت بسلاسل الأوهام فاحتضرت، وأهملْتُ في زوايا في المدينة فقضيت، ولسان الإنسانية منعقد وعيونها ناشفة وهي تبتسم.


دمعة وابتسامة


سمعت هذه الكلمات ورأيتها خارجة مع قطرات الدم من ذلك القلب الجريح، وبعد ذلك لم أعد أرى شيئًا ولم أسمع صوتا فرجعت الحقيقتي.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

ما يصحب به السل...

ما يصحب به السلطان قال ابن المقفع: ينبغي من خدم السلطان أن لا يغتر به إذا رضي ولا يغير له إذا سخط، ...

ConspiracyTheor...

ConspiracyTheory.net​ بيت / العلوم والتكنولوجيا / التستر على معاهدة أنتاركتيكا غير محلول 🔬 العلوم و...

( إِنْ هِيَ إِل...

( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْ...

لذا، لم تكن الت...

لذا، لم تكن التوجهات السياسية للهوية الإسلامية متطابقة مع توجهات الهوية الإسلامية. فقد اعتمدت الأولى...

الفرع الاول : ا...

الفرع الاول : الحماية الجنائية للتجارة الالكترونية في جرائم النصب: إن دراسة أي جريمة تتطلب التعرض لع...

في الحضارات الق...

في الحضارات القديمة كان العلم يخضع لهيمنة دينية وفكرية قوية -خاصة في أوروبا- من قبل الكنيسة الكاثولي...

نظرية التعلم ال...

نظرية التعلم السلوكي تبرر استخدام الدعم الإلكتروني الثابت في التعليم. هذه النظرية تركز على تعزيز الس...

ما يصحب به السل...

ما يصحب به السلطان قال ابن المقفع: ينبغي من خدم السلطان أن لا يغتر به إذا رضي ولا يغير له إذا سخط، ...

قبل التطرق لتعر...

قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...

تتواصل حالة الج...

تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...

نفّذ مكتب الصحة...

نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...

المتمعن في المو...

المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...