Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (28%)
وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا أَمْكَنَنِي فِي هَذَا الْوَقْتِ ضَبْطٌ فَرَأَيْتُهُ تَكَلُّفًا، مَسْأَلَةُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى مُرَاغَمًا كَثِيرًا]الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) هَذِهِ لَفْظَةٌ وَرَدَتْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَإِشْكَالٌ، الثَّانِي: الْمُرَاغَمُ: الْمُتَحَوِّلُ، الثَّالِثُ: الْمُرَاغَمُ: الْمَنْدُوحَةُ. حَتَّى يُقَالَ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ، وَأَفْعَلَ كَذَا وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّفْظَةَ تَرْجِعُ إلَى الرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ. مَسْأَلَة السَّفَرِ فِي الْأَرْضِ]الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101]: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي السَّفَرِ فِي الْأَرْضِ: تَتَعَدَّدُ أَقْسَامُهُ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ، فَتَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصُودِ بِهِ إلَى هَرَبٍ أَوْ طَلَبٍ. وَحَرَامٌ. وَيَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ التَّنْوِيعِ فِي الْمَقَاصِدِ إلَى أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: الْهِجْرَةُ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنْ بَقِيَ فَقَدْ عَصَى، الثَّانِي: الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضِ الْبِدْعَةِ. فَإِنَّ الْمُنْكَرَ إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَغْيِيرِهِ نُزِلَ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]. وَقِلَّةُ الْعَقْلِ، وَيَلْحَقُ بِهِ، وَقَدْ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْخُرُوجَ مِنْ الطَّاعُونِ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْدَ أَنِّي رَأَيْت عُلَمَاءَنَا قَالُوا هُوَ مَكْرُوهٌ. فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ قِسْمِ الْهَرَبِ. وَأَمَّا قِسْمُ الطَّلَبِ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: طَلَبُ دِينٍ وَطَلَبُ دُنْيَا؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ. وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى». هَذَا أَصْلُهَا الَّتِي تَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ. وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ إلَّا فَرْضٌ. الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ، مِنْهُمْ ابْنُ حَنْبَلٍ. كَمَا قَدْ بَيَّنَّا أَنْوَاعَهُ، حَتَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ، وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى أَصْلِهَا». السَّادِسُ: أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْخَوْفِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَائِشَةُ قَالَتْ: أَتِمُّوا، لِأَنَّ عُمُومَ الْقُرْآنِ لَمْ يَخُصَّ مِنْهَا وَاجِبًا مِنْ نَدْبٍ، لِأَنَّهُ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ قُرْبَةً مِنْ مُبَاحٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَقْصُرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَلِأَنَّهَا فَرْضٌ مُعَيَّنٌ لِلسَّفَرِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ، يُعَارِضُهُ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ؛ وَكَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ». وَالْعَزَائِمُ لَا تَتَغَيَّرُ بِسَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَقَدْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيرِهِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدَّرُونَهُ بِيَوْمٍ. مَسْأَلَة آرَاءٍ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ الْقَصْرِ فِي الصَّلَاةِ]الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101]: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا؛ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهَا قَصْرُ الْحُدُودِ وَتَغْيِيرُ الْهَيْئَاتِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْآيَةُ تَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ وَأَمَّا الْقَصْرُ مِنْ عَدَدِهَا إلَى ثِنْتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلًا فِي حَالَةِ الْأَمْنِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ بِالْفِعْلِ؛ وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِاللُّغَةِ وَلَا بِالْكِتَابِ. قَالَ: عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ. فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ. فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْنَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَقَدْ انْتَهَى الْجَهْلُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ إلَى أَنْ قَالُوا: إنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ: {مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] وَإِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} [النساء: 102] وَهَذَا كُلُّهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ عُمَرُ وَلَا ابْنُهُ وَلَا يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مَعَهُمَا. فَهَؤُلَاءِ لَمَّا جَهِلُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ تَكَلَّمُوا بِرَأْيِهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَقَوْلٍ مَذْمُومٍ، أَوْ مُبْتَدِعٍ مُتَخَلِّفٍ. وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْقَصْرَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةَ وَهِيَ: مَسْأَلَة الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ]الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ،
Original text
﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَلَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن یَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱلۡكَـٰفِرِینَ كَانُوا۟ لَكُمۡ عَدُوࣰّا مُّبِینࣰا﴾ [النساء ١٠١]
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ:قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101]. فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ:الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ} [النساء: 101]: اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ بِنَاءَ " ضَرَبَ " يَتَصَرَّفُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنْهَا السَّفَرُ، وَمَا أَظُنُّهُ سُمِّيَ بِهِ إلَّا لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا سَافَرَ ضَرَبَ بِعَصَاهُ دَابَّتَهُ، لِيَصْرِفَهَا فِي السَّيْرِ عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ مُسَافِرٍ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا أَمْكَنَنِي فِي هَذَا الْوَقْتِ ضَبْطٌ فَرَأَيْتُهُ تَكَلُّفًا، فَتَرَكْتُهُ إلَى أَوْبَةٍ تَأْتِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى مُرَاغَمًا كَثِيرًا]الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) هَذِهِ لَفْظَةٌ وَرَدَتْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِهَا سَنَذْكُرُهَا مَعَهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَدِّمَ شَرْحَ اللَّفْظَةِ، لِتَكُونَ إلَى جَانِبِ أُخْتِهَا. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَإِشْكَالٌ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:الْأَوَّلُ: الْمُرَاغَمُ: الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: الْمُرَاغَمُ الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ.الثَّانِي: الْمُرَاغَمُ: الْمُتَحَوِّلُ، يُعْزَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.الثَّالِثُ: الْمُرَاغَمُ: الْمَنْدُوحَةُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَتَقَارَبُ.وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ التُّرَابُ.وَقَالَتْ أُخْرَى: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْهُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ أَنْفِ الشَّاةِ. وَالرُّغَامُ بِضَمِّ الرَّاءِ يُرْجَعُ إلَى الرَّغَامِ بِفَتْحِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ كَرِهَ رَجُلًا قَصَدَ ذُلَّهُ، وَأَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى يَقَعَ أَنْفُهُ عَلَى الرَّغَامِ، وَهُوَ التُّرَابُ، فَضُرِبَ الْمِثْلُ بِهِ، حَتَّى يُقَالَ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ، وَأَفْعَلَ كَذَا وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ سُمِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَنْفُ وَمَا يَسِيلُ مِنْهُ بِهِ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّفْظَةَ تَرْجِعُ إلَى الرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ. الْمَعْنَى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مَكَانًا لِلذَّهَابِ، وَضَرَبَ التُّرَابَ لَهُ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ.
[مَسْأَلَة السَّفَرِ فِي الْأَرْضِ]الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101]: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي السَّفَرِ فِي الْأَرْضِ: تَتَعَدَّدُ أَقْسَامُهُ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ، فَتَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصُودِ بِهِ إلَى هَرَبٍ أَوْ طَلَبٍ. وَتَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، وَهِيَ مِنْ أَحْكَامِ أَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ الشَّرْعِيَّةِ: وَاجِبٌ، وَمَنْدُوبٌ، وَمُبَاحٌ، وَمَكْرُوهٌ، وَحَرَامٌ. وَيَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ التَّنْوِيعِ فِي الْمَقَاصِدِ إلَى أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: الْهِجْرَةُ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهَا بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاَلَّتِي انْقَطَعَتْ بِالْفَتْحِ هِيَ الْقَصْدُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ كَانَ، فَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ بَقِيَ فَقَدْ عَصَى، وَيُخْتَلَفُ فِي حَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.الثَّانِي: الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضِ الْبِدْعَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ بِبَلَدٍ سُبَّ فِيهَا السَّلَفُ. وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ الْمُنْكَرَ إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَغْيِيرِهِ نُزِلَ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]. وَقَدْ كُنْت قُلْت لِشَيْخِنَا الْإِمَامِ الزَّاهِدِ أَبِي بَكْرٍ الْفِهْرِيِّ: ارْحَلْ عَنْ أَرْضِ مِصْرَ إلَى بِلَادِك. فَيَقُولُ: لَا أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ بِلَادًا غَلَبَ عَلَيْهَا كَثْرَةُ الْجَهْلِ، وَقِلَّةُ الْعَقْلِ، فَأَقُولُ لَهُ: فَارْتَحِلْ إلَى مَكَّةَ أَقِمْ فِي جُوَارِ اللَّهِ وَجُوَارِ رَسُولِهِ؛ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَرْضٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْحَرَامِ، فَيَقُولُ: وَعَلَى يَدِي فِيهَا هُدًى كَثِيرٌ، وَإِرْشَادٌ لِلْخَلْقِ، وَتَوْحِيدٌ، وَصَدٌّ عَنْ الْعَقَائِدِ السَّيِّئَةِ، وَدُعَاءٌ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَعَالَى الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِيهَا إلَى حَدٍّ شَرَحْنَاهُ فِي تَرْتِيبِ [لُبَابِ] الرِّحْلَةِ وَاسْتَوْفَيْنَاهُ.الثَّالِثُ: الْخُرُوجُ عَنْ أَرْضٍ غَلَبَ عَلَيْهَا الْحَرَامُ؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْحَلَالِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.الرَّابِعُ: الْفِرَارُ مِنْ الْإِذَايَةِ فِي الْبَدَنِ؛ وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْخَصَ فِيهِ، فَإِذَا خَشِيَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَوْضِعٍ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ، وَالْفِرَارِ بِنَفْسِهِ؛ لِيُخَلِّصَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ. وَأَوَّلُ مَنْ حَفِظْنَاهُ فِيهِ الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا خَافَ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت: 26].وَقَالَ: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] وَمُوسَى قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 21]. وَذَلِكَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ. وَيَلْحَقُ بِهِ، وَهُوَ:الْخَامِسُ: خَوْفُ الْمَرَضِ فِي الْبِلَادِ الْوَخِمَةِ، وَالْخُرُوجُ مِنْهَا إلَى الْأَرْضِ النَّزِهَةِ. وَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلرِّعَاءِ حِينَ اسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ أَنْ يَتَنَزَّهُوا إلَى الْمَسْرَحِ، فَيَكُونُوا فِيهِ حَتَّى يَصِحُّوا، وَقَدْ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْخُرُوجَ مِنْ الطَّاعُونِ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْدَ أَنِّي رَأَيْت عُلَمَاءَنَا قَالُوا هُوَ مَكْرُوهٌ. وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.السَّادِسُ: الْفِرَارُ خَوْفَ الْإِذَايَةِ فِي الْمَالِ؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، وَالْأَهْلُ مِثْلُهُ أَوْ آكَدُ، فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ قِسْمِ الْهَرَبِ. وَأَمَّا قِسْمُ الطَّلَبِ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: طَلَبُ دِينٍ وَطَلَبُ دُنْيَا؛ فَأَمَّا طَلَبُ الدِّينِ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِهِ، وَلَكِنَّ أُمَّهَاتِهِ الْحَاضِرَةَ عِنْدِي الْآنَ تِسْعَةٌ:الْأَوَّلُ: سَفَرُ الْعِبْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [يوسف: 109]. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَيُقَالُ: إنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ إنَّمَا طَافَ الْأَرْضَ لِيَرَى عَجَائِبَهَا. وَقِيلَ: لَيُنْفِذَ الْحَقَّ فِيهَا.الثَّانِي: سَفَرُ الْحَجِّ. وَالْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَهَذَا فَرْضٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ.الثَّالِثُ: سَفَرُ الْجِهَادِ، وَلَهُ أَحْكَامُهُ.الرَّابِعُ: سَفَرُ الْمَعَاشِ؛ فَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الرَّجُلِ مَعَاشُهُ مَعَ الْإِقَامَةِ، فَيَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ احْتِطَابٍ أَوْ احْتِشَاشٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ.الْخَامِسُ: سَفَرُ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى الْقُوتِ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] يَعْنِي: التِّجَارَةَ. وَهَذِهِ نِعْمَةٌ مَنَّ بِهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ، فَكَيْفَ إذَا انْفَرَدَتْ.السَّادِسُ: فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ.السَّابِعُ: قَصْدُ الْبِقَاعِ الْكَرِيمَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَسَاجِدُ الْإِلَهِيَّةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى».الثَّانِي: الثُّغُورُ لِلرِّبَاطِ بِهَا، وَتَكْثِيرُ سَوَادِهَا لِلذَّبِّ عَنْهَا؛ فَفِي ذَلِكَ فَضْلٌ كَثِيرٌ.الثَّامِنُ: زِيَارَةُ الْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.التَّاسِعُ: السَّفَرُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ،.وَسَيَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَبَعْدَ هَذَا فَالنِّيَّةُ تَقْلِبُ الْوَاجِبَ مِنْ هَذَا حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا بِحَسَبِ حُسْنِ الْقَصْدِ وَإِخْلَاصِ السِّرِّ عَنْ الشَّوَائِبِ.وَقَدْ تَتَنَوَّعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ إلَى تَفْصِيلٍ؛ هَذَا أَصْلُهَا الَّتِي تَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ هَاهُنَا عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ:الْأَوَّلُ: أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ إلَّا فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ، وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ إلَّا فَرْضٌ.الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ ابْنُ حَنْبَلٍ. وَتَعَلَّقُوا بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ».الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا أَنْوَاعَهُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ.الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ، حَتَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ، بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ بِعَيْنِهِ. وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى أَصْلِهَا».السَّادِسُ: أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْخَوْفِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَائِشَةُ قَالَتْ: أَتِمُّوا، فَقَالُوا لَهَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْصُرُ. قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي حَرْبٍ، وَكَانَ يَخَافُ؛ فَهَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ؟أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْقُرْآنِ لَمْ يَخُصَّ مِنْهَا وَاجِبًا مِنْ نَدْبٍ، «وَقَدْ قَصَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِهَا».وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا تَقْصُرْ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ فَعُمُومُ الْقُرْآنِ أَيْضًا يَقْضِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ قُرْبَةً مِنْ مُبَاحٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ: الصَّحِيحُ.وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَقْصُرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَلِأَنَّهَا فَرْضٌ مُعَيَّنٌ لِلسَّفَرِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَعَلَّقَتْ لَهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الْعِرَاقِيِّينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ فَسَادهَا. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْحَدِيثِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ، يُعَارِضُهُ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ فِي كِتَابِهِ الْقَصْرَ تَخْفِيفًا، وَالتَّمَامَ أَصْلًا، وَيُعَارِضُ أَيْضًا الْأُصُولَ الْمَعْقُولَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِقَامَةَ فِي الْقُرْآنِ أَصْلًا، وَهُوَ الْوَاجِبُ وَقَلَبَهَا فِي الْحَدِيثِ الرَّاوِي؛ وَأَقْوَاهُ «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَرَ وَأَتْمَمْت، وَأَفْطَرَ وَصُمْت، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ، وَكَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ». وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَأَشْكَلُ دَلِيلٍ فِيهِ لَهُمْ أَنْ قَالُوا: إنَّا بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَلَيْسَ بِرُخْصَةٍ، وَالْعَزَائِمُ لَا تَتَغَيَّرُ بِسَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ كَالتَّيَمُّمِ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَعَلَيْهِ تَنْبَنِي الْمَسْأَلَةُ، وَالرُّخْصُ لَا تَجُوزُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: تَلَاعَبَ قَوْمٌ بِالدِّينِ؛ فَقَالُوا: إنْ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ إلَى ظَاهِرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَكَلَ. وَقَائِلُ هَذَا أَعْجَمِيٌّ لَا يَعْرِفُ السَّفَرَ عِنْدَ الْعَرَبِ، أَوْ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ؛ وَلَوْلَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوهُ مَا رَضِيت أَنْ أَلْمَحَهُ بِمُؤَخِّرِ عَيْنِي، وَلَا أَنْ أُفَكِّرَ فِيهِ بِفُضُولِ قَلْبِي؛ وَقَدْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيرِهِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدَّرُونَهُ بِيَوْمٍ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ بِأَنَّ السَّفَرَ كُلُّ خُرُوجٍ تُكَلِّفَ لَهُ وَأُدْرِكَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةِ.
[مَسْأَلَة آرَاءٍ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ الْقَصْرِ فِي الصَّلَاةِ]الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101]: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَصْرَ قَصْرُ عَدَدٍ، وَهُمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهَا قَصْرُ الْحُدُودِ وَتَغْيِيرُ الْهَيْئَاتِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الْقَصْرَ فِي الْعَدَدِ قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى اثْنَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يَقْصُرُ مِنْ اثْنَيْنِ إلَى وَاحِدَةٍ.وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْآيَةُ تَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ فَأَمَّا الْقَصْرُ مِنْ هَيْئَتِهَا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلًا حَالَةَ الْخَوْفِ، وَأَمَّا الْقَصْرُ مِنْ عَدَدِهَا إلَى ثِنْتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلًا فِي حَالَةِ الْأَمْنِ. وَأَمَّا الْقَصْرُ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ إلَى وَاحِدَةٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً. وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَيَانُهُ.
[مَسْأَلَة الْخَوْفَ مِنْ الْقَصْرِ]الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101]: فَشَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَوْفَ فِي الْقَصْرِ.وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ بِالْفِعْلِ؛ هَلْ يَقْتَضِي ارْتِبَاطُ الْفِعْلِ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ بِثُبُوتِهِ وَيَسْقُطَ بِسُقُوطِهِ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ، وَهُمْ نُفَاةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِاللُّغَةِ وَلَا بِالْكِتَابِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمَحْصُولِ بَيَانًا شَافِيًا. وَعَجَبًا لَهُمْ. «قَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] فَهَا نَحْنُ قَدْ أَمِنَّا. قَالَ: عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ.» وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ يَعْنِي نَجِدُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْنَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ؛ فَهَذِهِ الصَّحَابَةُ الْفُصَّحُ، وَالْعَرَبُ تَعْرِفُ ارْتِبَاطَ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ، وَتُسْلِمُ فِيهِ وَتَعْجَب مِنْهُ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ الْعَرَبِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِيهَا، فَلْيُنْظَرْ تَحْقِيقُهُ فِي كَلَامِنَا عَلَيْهِ.وَلَقَدْ انْتَهَى الْجَهْلُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ إلَى أَنْ قَالُوا: إنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ: {مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: 101] وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] وَإِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} [النساء: 102] وَهَذَا كُلُّهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ عُمَرُ وَلَا ابْنُهُ وَلَا يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مَعَهُمَا. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرُهُ رَكْعَتَيْنِ»؛ فَهَؤُلَاءِ لَمَّا جَهِلُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ تَكَلَّمُوا بِرَأْيِهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَهَذَا نَوْعٌ عَظِيمٌ مِنْ تَكَلُّفِ الْقَوْلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَوْلٍ مَذْمُومٍ، وَلَيْسَ بَعْدَ قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ مَطْلَبٌ لِأَحَدٍ إلَّا لِجَاهِلٍ مُتَعَسِّفٍ أَوْ فَارِغٍ مُتَكَلِّفٍ، أَوْ مُبْتَدِعٍ مُتَخَلِّفٍ. وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْقَصْرَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةَ وَهِيَ:
[مَسْأَلَة الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ]الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ، «وَإِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَتَمَّ بِمِنًى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ».
(أحكام القرآن لابن العربي — ابن العربي (٥٤٣ هـ))
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
يُعدّ التحدي الأكبر الذي واجهته خلال النصف الأول من فترة التدريس الميداني هو العمل على تصميم بيئة صف...
نشأة المدرسة ال...نشأة المدرسة التقليدية في علم الآثار الجذور (القرنان 15–18): بدأت باهتمام أوروبا في عصر النهضة بالآث...
1. باب التاسيس ...1. باب التاسيس التشريعي:- الاحتياج التشريعي لتطوير القائم حتميا ، فقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم...
المستخلص هدف ال...المستخلص هدف البحث الحالي إلى الوقوف علي أهم المعوقات التي تواجه تطبيق برامج التأهيل المهني للأشخاص ...
أكدت وزيرة الخا...أكدت وزيرة الخارجية اليمنية، الدكتورة أفراح الزوبة، السبت، أن طرح إيران نفسها وسيطاً لإنهاء الحرب في...
[14/10، 12:22 ...[14/10، 12:22 م] weaam: خطة تسويقية متكاملة لمؤسسة تعليمية مدارس – ضيافة جوية – إدارة أعمال – دبل...
دعت الجمهورية ا...دعت الجمهورية اليمنية، دول أعضاء منظمة التعاون الإسلامي، إلى اتخاذ موقف حازم وتصنيف الميليشيات الحوث...
بناءً على طلب ا...بناءً على طلب الواجب الظاهر في الصورة الأولى (إشرح التكييف القانوني لجريمة الرشوة موضحاً المذهبين)، ...
: تعزيز وعي الش...: تعزيز وعي الشباب والرواد الجدد بالبرامج الرقمية المحدثة لدعم الابتكار والتحول الرقمي للشركات الناش...
عداقة األنث ر و...عداقة األنث ر وبولوجيا بعلم الجيولوجيا والجغرافيا -خامسا ً راسات الجيولوجية التاريخية ف ي تحديد الف...
تتمثل التحديات ...تتمثل التحديات التقنية واللوجستية وأزمات البنية التحتية التي تواجه قطاع النفط الصخري في ليبيا في شبك...
الغزل الصّريح و...الغزل الصّريح وهو غزل مكشوف، نراه عند الشعراء الذين اتخذوا الغزل طريقاً إلى اللهو والمتعة، ووصف المر...