Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

العرب والحركة الصهيونية إذ كانت وسائل التنظيم تفتقرها من قبل، وقد سبقت هذه المحاولات بعض الوعود بذلت لهم، نفر من الساسة والكتاب في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا، إلى أن حدثت الاضطهادات الدينية في روسيا القيصرية، حتى صدور وعد بلفور المشتوم في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷، ثم نعرض لموقف العرب من تطور القضية الفلسطينية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى المواجهة العسكرية عام ١٩٤٨م. عرفت الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الصهيونية تحت مادة zionism‏ بأنها حركة يهودية تهدف إلى حل المشكلة اليهودية، وإحياء الثقافة اليهودية، بأنها حركة استهدفت هدفين : الأول، أما الثاني، تختلف عن كل الحركات الإحيائية وحركات التحرر القومى في نقطة جوهرية، وهي كفيلة بأن تخرجها عن مجال الحركات الإحيائية، وتضعها في صف الحركات الاستعمارية. فالصهيونية حركة سياسية عنصرية استعمارية، قام بها متطرفوا اليهود في القرن التاسع عشر، بزعم أن الشعب اليهودى يؤلف عرقاً نقياً، وقد عارض هؤلاء المتطرفون اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، كحل لما أسمته بالمشكلة اليهودية، مسترشدة في ذلك بتراث الماضي القديم، بعيداً عن الأرض التي ترعم الصهيونية أنها وطنها القومى، واسترجاع عصر ذهبي، وإحياء حالة سابقة من الطهر والنقاء والسمو الاجتماعي، وهو ما لا تتوافر عند الصهيونية. ومن ثم فقد كان أحد أهداف الصهيونية لسد هذه الثغرة نقل كل اليهود من مختلف الدول والمجتمعات التي يعيشون فيها بالفعل، كأقلية دينية أو عرقية لتوطينهم في ارض صهيون، ولقد كان هناك أسباب أخرى هامة ساعدت على قيام الصهيونية، داخل بلدان أوروبا، واتخذ شكل الظاهرة العامة التي تعرف باسم "اللاسامية" أو معاداة السامية، واتخذوا من ذلك وسيلة لابتزاز الضمائر والعواطف لتحقيق مكاسب ومنافع لهم. وحقيقة الأمر أن اليهود الذين نزحوا إلى أوروبا قد تعرضوا للاضطهاد منذ أيام الإمبراطورية الرومانية، بسبب رفض الجماعات المتدينة الإندماج في المجتمع الروماني. وبعد انتشار المسيحية في أوروبا لم يتوقف اضطهاد اليهود، فقد أكسبهم نشاطهم التجارى والمالي، وقد ظل اليهود موضع احتقار وكراهية المجتمعات الأوروبية حتى أواخر القرن الثامن عشر، نتيجة انتشار مبادئ الثورة الفرنسية الخاصة بالحرية والأخاء والمساواة بين البشر، وما ترتب على ذلك من تأكيد حقوق الإنسان. وقد هيأ هذا المناخ الفكري الذي ساد أوروبا فرصة لتحرير اليهود وإنطلاقهم من حياة العزلة والإنطواء إلى التحرر والإندماج مع المجتمعات التي كانوا يعيشون بينها، ومن ثم فقد أصبح لهم وضع هام فى الحياة الاقتصادية والأنشطة المالية. فإن حالها كان يختلف تماماً، وكان اغتيال قيصر روسيا اسكندر الثاني فی ۱۳ مارس ۱۸۸۱، والذي حملت السلطات الروسية اليهود مسئوليته، فلم تمض بضعة أسابيع على اغتيال القيصر، على حد قول المؤرخ سيسيل روث (). وانتشرت حركة اضطهاد لليهود من روسيا إلى بولندا ورومانيا، ولمواجهة هذه المشكلة، رأى بعض المفكرين اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون بينها، فعلى سبيل المثال، وأن يأخذ بعاداته وثقافته، وبذلك يرد عن نفسه الاضطهاد. وموسى هم ١-١٨٧٥)، وليوبنسكر ‏(۱۸۹۱-۱۸۲۱) Pinsker‏ فقد رأى كالبشر في كتابه البحث عن صهيون Seeking Zion أن حل المشكلة اليهودية يكون عن طريق استيطان اليهود لفلسطين بمساعدة دولية، لأن معاداة السامية - على حد قوله - لا يمكن أن يزول طالما أن اليهود لا يملكون وطناً قومياً خاصا بهم، أما موسى هس، فقد دعا فى كتابا روما وأورشليم Rom and Jarusalem‏ إلى ما أسماه بالقومية اليهودية، ورأى أن إندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية لا يشكل حلاً عملياً للمشكلة اليهودية، مرتبط تلقائياً بالتضامن مع أمته كلها. وذهب ليوبنسكر في كتابه بعنوان التحرير الذاتي Auto Emancipation‏ الذي صدر عام ۱۸۸۲ ، إلى ضرورة اعتماد اليهود على أنفسهم للخلاص من ظروف حياتهم المهينة، وأضاف بأن المشكلة اليهودية العالمية يجب أن تجد حلاً قومياً. على أية حال، فليس ثمة شك في أن مؤسسى ما يسمى بالصهيونية السياسية ابتداء من موسى هس Hess مروراً بهرتزل، كانوا يعتقدون أنه لا يمكن لليهود تحقيق إمكاناتهم وقدراتهم، كشعب وليس فقط كأفراد إلا في وطن قومي خاص بهم، وأنه إذا كان يتعين على اليهود أن يعيشوا كامة، بعد كل هذا التشتت والتفرق وحياة "الجيتو"، فإن هويتهم القومية لن تتبلور إلا ضمن إطار جغرافي محدد وواضح المعالم، لن يتم إلى في المكان الذي بدأت فيه أصولهم العرقية والثقافية أي أرض إسرائيل. ومن هنا كان رفض اليهود الاقتراحات التي قدمت لهم بإقامة وطن قومي لهم في مناطق أخرى من العالم غير فلسطين، فالدين اليهودى - من وجهة نظرهم - لن يكون له معنى على الإطلاق بالنسبة لمؤسسي الصهيونية، أن قيام إسرائيل في فلسطين، كان يؤكد الظاهرة الإستعمارية التي عاشتها أوروبا طوال القرنين التاسع عشر والعشرين. فقد لاحظ جمال حمدان في كتابه استراتيجية الاستعمار، ألا وهي، أن الاستعمار، وقد أدركت الصهيونية مدى أهمية هذا الحل الاستعماري، في أواخر القرن التاسع عشر - كما أشرنا من قبل - في أوروبا، بفضل الجهود التي بذلها مؤسسها وعقلها المفكر، وانتقل مع أسرته إلى فيينا، وهناك تخرج من كلية الحقوق، وبدأ حياته العملية بممارسة الكتابة الأدبية، وفى عام ۱۸۹٦ ، نشر كتابه المشهور دولة اليهود"، الذي يعد إنجيل الصهيونية وكتابها المقدس، كما يعد هرتزل نفسه أبو الصهيونية والمسئول الأول عن تحويل نشاطات اليهود إلى حركة منظمة تعرف ب الصهيونية السياسية. ومن الملاحظ أن هرتزل لم يحدد فلسطين بالذات لإنشاء "دولة اليهود" على أرضها، بل اكتفى بتحديد هدفه، وأراد أولاً أن يجد "الأرض" في أي مكان، ثم تقام بعد ذلك دولة اليهود، عقب انتهاء المفاوضات الدبلوماسية وسائر الخطوات التمهيدية، بل رأى من الضرورى أن تنتقل المسألة من مرحلة الدعوة والتخطيط إلى مرحلة عملية تبدأ باجتماع المؤمنين بالحركة الصهيونية في مؤتمر يتدارسون فيه قيام دولة اليهود، حضره ۱۹۷ مندوباً من يهود أوروبا وشمال أفريقيا، وفيه تم تحديد هدف الصهيونية بأنه تأسيس وطن للشعب اليهودي في فلسطين يؤمنه القانون العام. ولتحقيق هذا الهدف، ومن هنا بدأ في إنشاء بعض المستعمرات الزراعية في فلسطين والتي كان يمولها البارون أدمــون دي روتشيلد، مع تبرعات أخرى من أثرياء اليهود، ومن ثم بدأت مرحلة جديدة من التخطيط المنظم، بدعم وتأييد من شخصيات وجمعيات خيرية يهودية. وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (۱۸۷۶-۱۹۰۹)، حاولت الصهيونية العالمية بالطرق الدبلوماسية الحصول على موافقته بالتنازل عن فلسطين لليهود، أو مساومة السلطان العثماني بهدف الحصول على قرارات ذات صبغة قانونية يسمح من خلالها بالاستيطان اليهودى الجماعي في فلسطين، مقابل تسديد الديون المتراكمة على الدولة العثمانية، وإخراجها من أزمتها المالية التي كانت تمر بها آنذاك، إلا أن السلطان عبد الحميد اثاني رفض ذلك العرض رفضاً مطلقاً، كما أصدرت الدولة العثمانية عدة مراسيم تحظر بشدة شراء الأراضي الفلسطينية في مدينة القدس. فاتجه هرتزل إلى ألمانيا التي كانت أقرب حلفاء العثمانيين في أوروبا لدفعها للضغط على السلطان العثماني. وبعد حركة الانقلاب التي قامت بها تركيا الفتاة عام ۱۹۰۹، وكانوا معارضين بشدة، وبصفة خاصة المناقشات التي جرت بين الحكومة العثمانية وقادة الحركة الصهيونية فيما بين عامی ۱۹۱۲، ۱۹۱۳، بهدف السماح لهم بشراء أراضي الحكومة العثمانية في وادى بيسان على طول نهر الأردن. ويصور الاجتماع الذي عقد بين العرب الفلسطينيين وهؤلاء الصهاينة في ربيع عام ۱۹۱٤ ، مدى المصاعب التي واجهت هذا الاجتماع. فقد أراد العرب منهم تزويدهم بوثيقة تقرر أشكال طموحهم السياسي بدقة واستعدادهم لفتح مدارس للعرب، وباندلاع الحرب العالمية الأولى (أغسطس (۱۹۱٤)، انتقل مركز ثقل الحركة الصهيونية من أوروبا الغربية بوجه عام إلى بريطانيا بوجه خاص، حيث كان يعيش هناك الدكتور حاييم وايزمان Chaim Weizmann، وهو من أصل روسي وكان يعمل أستاذاً للكيمياء بجامعة مانشستر، وهما أرثر جيمس بلفور Balfour النائب في مجلس العموم عن مدينة مانشستر ووزير الخارجية البريطانية فيما بعد في وزارة لويد جورج، وقد تكللت مساعى وايزمان لدى الحكومة البريطانية بالنجاح بعد إعلان ذلك التصريح المشئوم، وكان ذلك في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷، وقد تضمن هذا التصريح تعهدين، وستبذل أقصى مساعيها لتسهيل هذا الهدف. أما القسم الثاني من الإعلان فقد تضمن تعهد الفلسطينيين جاء فيه أنه من المفهوم تماماً عدم عمل أي شئ يكون من شأنه الإضرار بالحقوق الدينية والمدنية للطوائف الموجودة في فلسطين من غير اليهود". كان اليهود يمثلون نحو %7% من عدد السكان في فلسطين وكان العرب يمثلون نحو 93% ، فقد أعطى "الوعد الحركة الصهونية كيانها الشرعي الذي بحثت عنه طويلاً، منح بريطانيا القدرة على تنفيذ ذلك الوعد وقدم الحماية الضرورية للصهاينة لتحقيق أهدافهم. وحقيقة الأمر أن الحكومة البريطانية قد صدقت على وعود ثلاثة متناقضة ومتباينة من أجل مستقبل فلسطين، مع اقتراح من الحكومتين الفرنسية والروسية بأن توضع فلسطين تحت الإدارة الدولية، ١٩١٦، وفي ذات الوقت جاء وعد بلفور ليشجع استعمار اليهود لفلسطين تحـــت الحماية البريطانية، مما يؤكد مدى تناقض هذه الوعود من قبل الحكومة البريطانية. فقد قيل أسباب عديدة حول الدوافع التي حدت ببريطانيا الإصدار تصريح بلفور المشتوم منها، وفي ذات الوقت استغلال النفوذ المالي والسياسي لليهود في جر الولايات المتحدة لدخول الحرب إلى جانب الحلفاء، قبل أن الحكومة البريطانية أصدرت التصريح مكافأة للدكتور حاييم وايزمان على استنباطه مادة "الأسيتون Acetone في أدق مراحل الحرب، وهي مادة سريعة الاشتعال وتدخل في صناعة الذخائر والمتفجرات، والخلاصة أن تصريح بلفور كان وليد ظروف الحرب، بعد أن سقطت غزة المدخل الجنوبي لفلسطين في ۷ نوفمبر ۱۹۱۷، وتبعا لذلك، فقد تأسست إدارة عسكرية في فلسطين، باعتبارها جزءاً من بلاد العدو، عندما أعطى مؤتمر سان ريمو المنعقد في إيطاليا في أبريل ۱۹۲۰ لبريطانيا حق الانتداب على فلسطين، فطت في أول يوليو من نفس العام حكومة مدنية محل الإدارة العسكرية وعينت بريطانيا هربرت صمويل Herbert Samuel ، ذو الميول ١٩١٤ إلى ٢٨% عام ١٩٣٦، ٣٢ عام ١٩٤٧، وعلى حساب شعب فلسطين. اتخذت عصبة الأمم بجنيف قراراً بوضع فلسطين تحت انتداب بريطانيا، مع استصدار صك الانتداب" في ذات التاريخ. وبهذا أدمج صك الانتداب في صلبه تعهد بريطانيا بإنشاء الوطن القومي اليهودي، وفقاً لتصريح بلفور السابق الإشارة إليه. وفضلاً عن ذلك، فقد جاء في صك الانتداب أيضاً ما يشير إلى الخطوات المؤدية لتحقيقه، والحال هكذا، والحال هكذا، أن يعتبر حاييم وايزمان استصدار صك الانتداب بمثابة نهاية للفصل الأول من نضال الصهيونية الطويل. ۱۹۳۱ ، وكذلك حركة الشيخ عز الدين القسام في نوفمبر ۱۹۳۵ ، ثم ثورة ۱۹۳٦ بقيادة اللجنة العربية العليا التي تألفت في ٢٥ أبريل من نفس العام برئاسة مفتى فلسطين الحاج أمين الحسيني. و كرد فعل للثورة الفلسطينية في عام ۱۹۳٦، أرسلت الحكومة البريطانية وبعد أن استمعت اللجنة الملكية لوجهة النظر العربية، نشرت الحكومة البريطانية في ٧ يوليه من العام التالي تقرير اللجنة، مع وجود منطقة ثالثة محايدة تشمل القدس وبيت لحم والناصرة، تبقى تحت الانتداب البريطاني. ثم تطورت الأحداث سريعاً، حتى نوفمبر ١٩٤٧، عندما وضعت الأمم المتحدة خطتها في التقسيم وبموجبها منح اليهود ٥٠% من مساحة فلسطين وهي منطقة تضم عدداً كبيراً من العرب مساوياً لعدد اليهود هناك. وبالرغم من تنديد الحكام العرب بقرار التقسيم الذي أعلنته الأمم المتحدة دون سلطة قانونية مخولة بها، لكي تأخذ نصف إقليم فلسطين من سكانه الأصليين وتقوم بمنحه السلالة أجنبية من المهاجرين، إلا أن ذلك لم يحل دون استمرار اليهود في الاستيلاء على المزيد من الأراضي، مما ترتب عليه اندلاع المواجهة العسكرية بين العرب وإسرائيل في عام ١٩٤٨ ، وما أسفرت عنها من توقيع اتفاقيات الهدنة في العام التالي، بعد أن تقلصت مساحة المناطق العربية إلى ٢٣% فقط من المساحة الكلية لفلسطين. الولايات المتحدة وفلسطين لهذا ناشدوا الدول العربية الأخرى المساعدة ومساندة القضية بكل صراحة. وخلال الجلسة الحماسية التي قبل فيها بتقسيم فلسطين، قررت الدول العربية مقاطعة المفاوضات، الأمر الذى أدى إلى عدم طرح قضية عرب فلسطين على الجمعية العامة للأمم المتحدة. بعد ما بدأت سلطة النفوذ الصهيوني تأخذ مكانها في الولايات المتحدة ذاتها، الأمر الذى أدى إلى قيام إدارة البيت الأبيض بتوجيه النصائح للرئيس ترومان من أجل مساندة اليهود حتى يساعدوه في كسب تأييد الرأى العام الأمريكي، مما دفع ترومان إلى إرسال برقيات إلى الحكومة البريطانية عام ١٩٤٥ يطالبهم فيها بمنح التسهيلات اللازمة لهجرة اليهود الأوروبيون إلى فلسطين وفقاً لوعد بلفور. وفى نفس العام عقدت اللجنة الأنجلو أمريكية اجتماعاً بخصوص الاتفاق على سياسة موحدة للدولتين تجاه فلسطين لا تتعارض مع مصالحهم في الشرق الأوسط أو تؤثر على علاقتهم الثنائية. وتأسيساً على ذلك ، فقد أصبحت جماعات الضغط الصهيونية الأمريكية عقب ضرورة بذل جهود فعالة لفتح فلسطين أمام أفواج من الهجرة الصهيونية، ومنذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا هذا والدعم الأمريكي لإسرائيل يزداد يوما بعد يوم، وقد أكد ذلك جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أزينهاور عندما صرح في عام ١٩٥٣ بعد زيارته للمنطقة قائلاً : لقد اتضح لي بعد جولة سريعة قمت بها في منطقة الشرق الأوسط أن العرب يخشون الصهيونية أكثر من الشيوعية وذلك من واقع إدراكهم العميق للتأييد الأمريكي التام لإسرائيل في كل ما تقوم به من أعمال وما تقدم عليه من تصرفات. وهكذا بدأ رصيد إسرائيل الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة الأمريكية يتصاعد بداية من موقعها الجيو - استراتيجي المتميز في هذه البقعة المهمة من العالم، كما أن إمكانات البحث والتطوير التي تمتلكها إسرائيل، كان راجع إلى رغبتها في أن يوفر قيام إسرائيل جسر من الصداقة بين الشرق والغرب، ورد اعتبار ذا قيمة تاريخية، وغير ذلك من العبارات المتشحة بمسحة إنسانية زائفة، يرددها، وبالرغم من عدم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بصفة رسمية في شئون الشرق الأوسط فيما بين الحربين العالميتين تنفيذاً لسياسة العزلة، إلا أنها لم تكن بعيدة عن تطور القضية الفلسطينية، نتيجة لتفوق النفوذ الصهيوني وتغلغله في دوائرها السياسية والمالية والثقافية، على أية حال، فقد أكد الرئيس الأمريكي ويلسون لوزير الخارجية البريطانية عن طريق القاضي برانديس، أكد موافقته على مثل هذه الخطوة، ثم أعلن صراحة موافقته على وعد بلفور في أغسطس ۱۹۱۷، عندما بعث برسالة تحية إلى اليهود الأمريكيين ، ومن الملاحظ أنه حتى قيام إسرائيل سنة ١٩٤٨ ، ووافقت بمقتضاء الولايات المتحدة - باعتبارها دولة غير مشتركة في عصبة الأمم على انتداب بريطانيا على فلسطين، وعندما تقرر الانتداب تضمنت بنوده شروط إنشاء وطن قومي لليهود وإقامة وكالة يهودية مهمتها تقديم النصح والمعونة للإدارة الفلسطينية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تتصل بإقامة الوطن القومى لليهود كما نص صك الانتداب على تسهيل هجرة اليهود وإقامتهم دون إضرار بحقوق وأوضاع العناصر الأخرى من السكان - كما أشرنا سابقاً - ولكن عرب فلسطين قاوموا المخططات البريطانية - الصهيونية منذ البداية، وظهر ذلك بوضوح في عام ۱۹٣٦ ، عندما نشبت الثورة الفلسطينية الكبرى والتي استمرت حتى إندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939 وكان على بريطانيا أن تتخذ بعض الإجراءات لتهدئة العالم العربي، وخاصة بعد أن اشتدت الدعاية النازية والفاشية في التنديد بسياستها في العالم العربي، مما وضعها في موقف أكثر حرجاً أمام العالم العربي، لذا فقد أصدرت - أى بريطانيا ما سمى بالكتاب الأبيض في يناير ۱۹۳۹، اشتمل على المقترحات الجديدة التي كانت تهدف إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في غضون عشر سنوات على أن تحدد علاقاتها ببريطانيا بمعاهدة تكفل لكل من الدولتين احتياجاتها التجارية والاستراتيجية في المستقبل. وفيما يتعلق بالهجرة، فقد أشار الكتاب إلى ضرورة تحديدها بإضافة ٧٠ ألف يهودي خلال السنوات الأربع التالية، بالمعارضة من جانب كل من العرب واليهود، بالرغم من تحيزه الواضح لليهود. وبدأت تعد عدتها للضغط على البيت الأبيض وأعضاء الكونجرس الأمريكي لمساندة أهدافها، والوقوف بجانبها، عندئذ سعى اليهود لكسب مساندة وتأييد الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ذلك المؤتمر الذي عقد فيما بين ۹، كما اشترك فيه أيضاً كثير من زعماء الصهاينة الأوروبيين، إضافة إلى ثلاثة من أعضاء اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، منهم حاييم و ايزمان وديفيد بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية لهذه الوكالة. وقد ناقش المؤتمر شكاوى اليهود من الإدارة البريطانية، وتقرر الإصرار على أن يقوم في فلسطين كومنولث يهودى أصبح جزءاً – على حد زعمهم - من كيان العالم الديمقراطي الجديد. كما طالب المؤتمر بإقامة دولة يهودية يميل إلى العطف على الحركة الصهيونية، نتيجة وقوعه تحت تأثير الدعاية اليهودية، وقد حظى هذا القرار بتأييد كل من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، فكان ذلك يمثل منعطفاً جديداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بوجه عام وعلى إسرائيل بوجه خاص. أصبح لمن إسرائيل يمثل مصلحة حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وأن أي هجوم عليها يعتبر تهديداً للوضع الاستراتيجيي للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. منذ نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، واثر قيام دولة اسرائيل على انقاض الشعب الفلسطيني واعتراف الولايات المتحدة بها بشكل سريع ومفاجئ، اتسمت السياسة الأمريكية في المنطقة بصفة العدوانية والمؤيدة لاسرائيل، كانت ثورة الثالث والعشرين من تموز / يوليو ١٩٥٢، الذي دعمها وساعد على انشائها واصر على مدها بكل اشكال العون المادي والمعنوي.

Original text

العرب والحركة الصهيونية


هدفت الحركة الصهيونية إلى استيطان اليهود أرض فلسطين، ولم تبدأ الخطوات العملية لتحقيق هذا الهدف قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ كانت وسائل التنظيم تفتقرها من قبل، ولم يكن لهم تأثير بعد في الدوائر السياسية داخل أوروبا.


وقد سبقت هذه المحاولات بعض الوعود بذلت لهم، مثل وعد نابليون بونابرت بإعادتهم إلى فلسطين إذا لبوا دعوته وانضموا تحت لوائه، ثم أيد هذا الاتجاه فيما بعد، نفر من الساسة والكتاب في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا، إلى أن حدثت الاضطهادات الدينية في روسيا القيصرية، فتألفت منذ ذلك الحين جمعيات عشاق صهيون (*) التي كانت رسالتها تقوم على استنهاض الهمم والعزيمة في سبيل استيطان اليهود أرض فلسطين. وسوف نتابع فيمايلي جذور نشأة الحركة الصهيونية، كحركة سياسية، حتى صدور وعد بلفور المشتوم في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷، ثم نعرض لموقف العرب من تطور القضية الفلسطينية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى المواجهة العسكرية عام ١٩٤٨م.


عرفت الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الصهيونية تحت مادة zionism‏ بأنها حركة يهودية تهدف إلى حل المشكلة اليهودية، وأنها أنت في آخر الأمر إلى قيام دولة إسرائيل، فإن الأركان الأساسية للحركات الإحيائية تتمثل في الصهيونية في بعث اللغة القومية (العبرية)، وإحياء الثقافة اليهودية، وإنشاء وطن قومي محدد والعمل على تنميته والارتقاء به وتحقيق سيادة الدولة القومية.


لما ناحوم جولدمان فقد عرف الصهيونية في أبريل ۱۹۷۰، بأنها حركة استهدفت هدفين : الأول، انقاذ اليهود الذين يعانون التفرقة والاضطهاد باتاحة فرصة الحياة اللائقة ذات المعنى لهم في وطن خاص بهم. أما الثاني، فهو ضمان بقاء الشعب اليهودي حياً في مواجهة التهديد بالتفتت والذوبان في تلك البلاد من العالم التي يتمتع فيها اليهود بالمساواة التامة في الحقوق.


إلا أن الصهيونية، ووفقاً للتعريفين السابق الإشارة إليهما، تختلف عن كل الحركات الإحيائية وحركات التحرر القومى في نقطة جوهرية، وهي كفيلة بأن تخرجها عن مجال الحركات الإحيائية، وتضعها في صف الحركات الاستعمارية. فالصهيونية حركة سياسية عنصرية استعمارية، قام بها متطرفوا اليهود في القرن التاسع عشر، بهدف جمع شتات اليهود من شتى أرجاء العالم حول قومية منتحلة هي القومية اليهودية، بزعم أن الشعب اليهودى يؤلف عرقاً نقياً، وقد عارض هؤلاء المتطرفون اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، كحل لما أسمته بالمشكلة اليهودية، ودفعتهم إلى الهجرة إلى فلسطين، بإدعاء أن لهم فيها حقوقاً
تاريخية ودينية.


والشعب أو الأمة الذي تهدف الصهيونية إلى تحريره أو تخليصه من ربقة الواقع المرير، مسترشدة في ذلك بتراث الماضي القديم، بكل ما فيه من شعائر وطقوس وتعاليم وغيبيات وأساطير، شعب يعيش في المنفى منذ آلاف السنين، بعيداً عن الأرض التي ترعم الصهيونية أنها وطنها القومى، ولا تربط يهود الشتات بتلك الأرض سوى روابط عاطفية يعملون على إيقاظها بشتى الطرق والوسائل، وذلك بعكس الحال في الحركات الإحيائية الأخرى، والتي تهدف رفقا للموسوعة المشار إليها - إلى العودة إلى عهد سابق مجيد، واسترجاع عصر ذهبي، وإحياء حالة سابقة من الطهر والنقاء والسمو الاجتماعي، وهو ما لا تتوافر عند الصهيونية. ومن ثم فقد كان أحد أهداف الصهيونية لسد هذه الثغرة نقل كل اليهود من مختلف الدول والمجتمعات التي يعيشون فيها بالفعل، كأقلية دينية أو عرقية لتوطينهم في ارض صهيون، أى في موطنهم الأصلي القديم كما يزعمون ذلك.


ولقد كان هناك أسباب أخرى هامة ساعدت على قيام الصهيونية، وهي أسباب وعوامل تتعلق بالظروف الاجتماعية التي عاش فيها اليهود في الشتات، داخل بلدان أوروبا، وهناك كان الاضطهاد الذي رزح تحته اليهود خلال معظم تاريخهم وحتى العصر الحديث، فضلاً عن التمييز الذي كانت الشعوب المختلفة تمارسه ضدهم، واتخذ شكل الظاهرة العامة التي تعرف باسم "اللاسامية" أو معاداة السامية، ومع التسليم بوجود التفرقة في المعاملة وبتعرض اليهود للأذى والاضطهاد والتعذيب والقتل، فالثابت أن اليهود كانوا ولا يزالون يبالغون في إبراز وتضخيم النزعات المعادية للسامية، وإعطائها حجماً أكبر من حجمها الحقيقي، واتخذوا من ذلك وسيلة لابتزاز الضمائر والعواطف لتحقيق مكاسب ومنافع لهم.


وحقيقة الأمر أن اليهود الذين نزحوا إلى أوروبا قد تعرضوا للاضطهاد منذ أيام الإمبراطورية الرومانية، بسبب رفض الجماعات المتدينة الإندماج في المجتمع الروماني. وبعد انتشار المسيحية في أوروبا لم يتوقف اضطهاد اليهود، إذ اعتبر هؤلاء مسئولين عن دم السيد المسيح عليه السلام. وفضلاً عن ذلك، فقد أكسبهم نشاطهم التجارى والمالي، وما كان يتصل بذلك من عمليات الإقراض بالربا الفاحش، أكسبهم سخط المجتمعات الأوروبية، باعتبار أن تسلطهم التجاري وجشعهم المالي، هما مصدر ما تعانيه الطبقات الكادحة من بؤس وفاقة.
وقد ظل اليهود موضع احتقار وكراهية المجتمعات الأوروبية حتى أواخر القرن الثامن عشر، حين ظهرت معانى جديدة في العلاقات الإنسانية، نتيجة انتشار مبادئ الثورة الفرنسية الخاصة بالحرية والأخاء والمساواة بين البشر، وما ترتب على ذلك من تأكيد حقوق الإنسان. وقد هيأ هذا المناخ الفكري الذي ساد أوروبا فرصة لتحرير اليهود وإنطلاقهم من حياة العزلة والإنطواء إلى التحرر والإندماج مع المجتمعات التي كانوا يعيشون بينها، بعد أن خفت حدة الاضطهادات الموجهة لهم في غرب أوروبا، وأصبحوا يتولون الوظائف الهامة في بعض الدول، بل أصبح أحدهم رئيساً للوزراء فى بريطانيا، وهو بنيامين دزرائيلي، الذي تولى رئاسة الوزارة البريطانية مرتين، الأولى عام ۱۸٦٨، والثانية بين عامي ١٨٧٤، ۱۸۸۰. كما نشأت بيوت مالية كبيرة لهم في فرنسا وإنجلترا على وجه الخصوص كان أكبرها بيت روتشيلد Rothschild ذلك المالي المعروف، ومن ثم فقد أصبح لهم وضع هام فى الحياة الاقتصادية والأنشطة المالية.


لما التجمعات اليهودية في شرق أوروبا، فإن حالها كان يختلف تماماً، حيث ظلت ترزح تحت وطأة التمييز والاضطهاد المستمر من قبل القياصرة الروس مثلما كان يحدث للأقليات الأخرى فيها. وكان اغتيال قيصر روسيا اسكندر الثاني فی ۱۳ مارس ۱۸۸۱، والذي حملت السلطات الروسية اليهود مسئوليته، هو الشرارة التي أشعلت جذوة الأعمال المعادية لليهود، أو ما أطلق عليه - كما أشرنا سابقاً - حركة معاداة السامية - The Anti Semitic Movement. فلم تمض بضعة أسابيع على اغتيال القيصر، حتى فتحت أبواب الجحيم على مصراعيها لتبتلع اليهود، على حد قول المؤرخ سيسيل روث (). وانتشرت حركة اضطهاد لليهود من روسيا إلى بولندا ورومانيا، مما أوجد ما عرف بـ "المشكلة اليهودية" ويقصد بها إمكانية بقاء اليهود دون اضطهاد في المجتمعات التي يعيشون فيها. ولمواجهة هذه المشكلة، رأى بعض المفكرين اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون بينها، فعلى سبيل المثال، نادى المفكر الألماني اليهودي موسى هنداسون Hendelsohn (۱۷۸-۱۷۲۹) بأن اليهودية عقيدة دينية فحسب، لليهودي أن يتبعها في حياته الخاصة، ولكن عليه أن يندمج في الشعب الذي يعيش وسطه، وأن يأخذ بعاداته وثقافته، وبذلك يرد عن نفسه الاضطهاد. وقد لقيت دعوته هذه معارضة قوية من مفكرى اليهود المتعصبين، أمثال زفای هیرش کالیشر ‏Kalischer (۱۷-۱۹)، وموسى هم ١-١٨٧٥)، وليوبنسكر ‏(۱۸۹۱-۱۸۲۱) Pinsker‏


فقد رأى كالبشر في كتابه البحث عن صهيون Seeking Zion أن حل المشكلة اليهودية يكون عن طريق استيطان اليهود لفلسطين بمساعدة دولية، لأن معاداة السامية - على حد قوله - لا يمكن أن يزول طالما أن اليهود لا يملكون وطناً قومياً خاصا بهم، موضحاً أن خلاص اليهود لن يتم على يد مسيح منتظر" بل عن طريق جهودهم الذاتية، وحث أغنياء اليهود على تأسيس جمعية تتولى استعمار فلسطين وتشجيع الهجرة اليهودية إليها وبناء المستعمرات الزراعية فيها.


أما موسى هس، فقد دعا فى كتابا روما وأورشليم Rom and Jarusalem‏ إلى ما أسماه بالقومية اليهودية، ورأى أن إندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية لا يشكل حلاً عملياً للمشكلة اليهودية، وإنما يكمن الحل الحقيقي لهذه المشكلة في الاقتناع بوجود قومية يهودية، وأن الدين اليهودى هو القومية اليهودية ، لأن كل یهودی ، بفضل مولده، مرتبط تلقائياً بالتضامن مع أمته كلها.


وذهب ليوبنسكر في كتابه بعنوان التحرير الذاتي Auto Emancipation‏ الذي صدر عام ۱۸۸۲ ، إلى ضرورة اعتماد اليهود على أنفسهم للخلاص من ظروف حياتهم المهينة، وأضاف بأن المشكلة اليهودية العالمية يجب أن تجد حلاً قومياً. وبالرغم أن ليوبنسكر لم يحدد فلسطين بالذات لتكون وطناً قومياً لليهود، إلا أنه في ذات الوقت لم يغلق الباب تماماً أمام عودة اليهود إليها.


على أية حال، فليس ثمة شك في أن مؤسسى ما يسمى بالصهيونية السياسية ابتداء من موسى هس Hess مروراً بهرتزل، وصولا إلى بن جوريون، كانوا يعتقدون أنه لا يمكن لليهود تحقيق إمكاناتهم وقدراتهم، كشعب وليس فقط كأفراد إلا في وطن قومي خاص بهم، وتحت مظلة نظم سياسية قومية خاصة بهم أيضاً، وأنه إذا كان يتعين على اليهود أن يعيشوا كامة، بعد كل هذا التشتت والتفرق وحياة "الجيتو"، وهي تلك المناطق السكنية المغلقة التي استوطن فيها اليهود بأوروبا، فإن هويتهم القومية لن تتبلور إلا ضمن إطار جغرافي محدد وواضح المعالم، وأن ذلك


لن يتم إلى في المكان الذي بدأت فيه أصولهم العرقية والثقافية أي أرض إسرائيل. ومن هنا كان رفض اليهود الاقتراحات التي قدمت لهم بإقامة وطن قومي لهم في مناطق أخرى من العالم غير فلسطين، ظهر ذلك بوضوح عندما اقترحت عليهم بريطانيا الإقامة في أوغندة ) . فالدين اليهودى - من وجهة نظرهم - لن يكون له معنى على الإطلاق بالنسبة لمؤسسي الصهيونية، ما لم يكن هناك رابطة حية تربطهم بالأرض أو الوطن القومي الأصلي - كما يدعون - أرض إسرائيل.


ومما لاشك فيه أيضاً، أن قيام إسرائيل في فلسطين، كان يؤكد الظاهرة الإستعمارية التي عاشتها أوروبا طوال القرنين التاسع عشر والعشرين. وأن مشروع إسرائيل كان يمثل ذروة النجاح كمشروع استعماري غربي في المنطقة، فقد لاحظ جمال حمدان في كتابه استراتيجية الاستعمار، لاحظ حقيقة هامة كانت تمثل حلا المشكلة اليهودية، ألا وهي، أن الاستعمار كله ما تم إلا على يد أوروبا وما تم إلا خارجها، ولم يحدث في التاريخ الحديث أن استعمر جزء من أوروبا، باستثناء مناطق من الاستعمار الاستراتيجيي في جبل طارق ومالطة وقبرص، وأضاف حمدان، أن الاستعمار، وبوضوح، ما هو إلا صناعة أوروبية مسجلة ولكنها للتصدير إلى خارج أوروبا فقط وغير قابلة للاستهلاك المحلى بحال من الأحوال. وقد أدركت الصهيونية مدى أهمية هذا الحل الاستعماري، الذي يتلخص في تصدير هذه الظاهرة الاستعمارية - أى إسرائيل - إلى آسيا وأفريقيا أو أي مكان آخر بخلاف أوروبا. ومن هنا كان التفكير فى مصر العريش في شبه جزيرة سيناء وكينيا وقبرص والكنغو وموزمبيق والأرجنتين والعراق وليبيا. وفي نهاية الأمر وقعت فلسطين لتكون الضحية الفعلية نظراً لبعض العوامل الخاصة بالاستعمار الصهيوني.


وقد ظهرت الحركة الصهيونية، كحركة سياسية، في أواخر القرن التاسع عشر - كما أشرنا من قبل - في أوروبا، متأثرة بذلك الشعور القومي الجياش الذي اجتاح القارة آنذاك. ففى بداية القرن التاسع عشر شهدت أوروبا نمو الحركات القومية والاستقلالية مما أثر على اليهود في أوروبا تأثيراً كبيراً حيث كانوا يحتفظون بكيان عرقي وثقافي منفصل عن الشعوب التي يعيشون بينها، فنشأت الحركات اليهودية المختلفة المنادية بوطن خاص لليهود، وكان مركز الحركة لندن، وأنشئت عام ١٨٩٦، بفضل الجهود التي بذلها مؤسسها وعقلها المفكر، الدكتور تيودور هرتزل Her (۱۹۹۰) بعد أن أعطى لها دفعة سياسية قوية. وهو من بودابست التابعة لإمبراطورية النمسا والمجر وقتئذ، وانتقل مع أسرته إلى فيينا، وهناك تخرج من كلية الحقوق، ثم حصل على درجة الدكتوراه، وبدأ حياته العملية بممارسة الكتابة الأدبية، ثم عمل مراسلاً لإحدى الصحف النمساوية في باريس عام ۱۸۹۱ . وفى عام ۱۸۹٦ ، نشر كتابه المشهور دولة اليهود"، الذي يعد إنجيل الصهيونية وكتابها المقدس، كما يعد هرتزل نفسه أبو الصهيونية والمسئول الأول عن تحويل نشاطات اليهود إلى حركة منظمة تعرف ب الصهيونية السياسية. ولم يكتف هرتزل بأن يقيم الدليل في كتابه على أن اليهود يمثلون أمة متميزة، وأن المشكلة اليهودية مشكلة قومية لا مناص من أن تأخذ طريقها إلى الحل كبقية القوميات المضطهدة، بل خطط أيضاً لمشروع إقامة دولة اليهود" عمليا.


ومن الملاحظ أن هرتزل لم يحدد فلسطين بالذات لإنشاء "دولة اليهود" على أرضها، بل اكتفى بتحديد هدفه، وأراد أولاً أن يجد "الأرض" في أي مكان، ثم تقام بعد ذلك دولة اليهود، عقب انتهاء المفاوضات الدبلوماسية وسائر الخطوات التمهيدية، وذلك عن طريق الهجرة الجماعية والاستيطان اليهودى الواسع النطاق. ولم يكتف هرتزل بوضع كتابه دولة اليهود الذي دعا فيه إلى إنشاء تلك الدولة وخطط لقيامها، بل رأى من الضرورى أن تنتقل المسألة من مرحلة الدعوة والتخطيط إلى مرحلة عملية تبدأ باجتماع المؤمنين بالحركة الصهيونية في مؤتمر يتدارسون فيه قيام دولة اليهود، فكان إنعقاد مؤتمر "بازل بسويسرا في ۲۹ أغسطس ۱۸۹۷ بزعامة تيودور هرتزل وهو المؤتمر الصهيوني الأول ، حضره ۱۹۷ مندوباً من يهود أوروبا وشمال أفريقيا، وفيه تم تحديد هدف الصهيونية بأنه تأسيس وطن للشعب اليهودي في فلسطين يؤمنه القانون العام.
ولتحقيق هذا الهدف، رأى المؤتمر العمل على تشجيع استعمار فلسطين بالطرق الملائمة على أيدى عمال زراعيين وصناعيين من اليهود، ومن هنا بدأ في إنشاء بعض المستعمرات الزراعية في فلسطين والتي كان يمولها البارون أدمــون دي روتشيلد، مع تبرعات أخرى من أثرياء اليهود، ومن ثم بدأت مرحلة جديدة من التخطيط المنظم، بدعم وتأييد من شخصيات وجمعيات خيرية يهودية.


وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (۱۸۷۶-۱۹۰۹)، حاولت الصهيونية العالمية بالطرق الدبلوماسية الحصول على موافقته بالتنازل عن فلسطين لليهود، أو مساومة السلطان العثماني بهدف الحصول على قرارات ذات صبغة قانونية يسمح من خلالها بالاستيطان اليهودى الجماعي في فلسطين، مقابل تسديد الديون المتراكمة على الدولة العثمانية، وإخراجها من أزمتها المالية التي كانت تمر بها آنذاك، إلا أن السلطان عبد الحميد اثاني رفض ذلك العرض رفضاً مطلقاً، كما أصدرت الدولة العثمانية عدة مراسيم تحظر بشدة شراء الأراضي الفلسطينية في مدينة القدس. فاتجه هرتزل إلى ألمانيا التي كانت أقرب حلفاء العثمانيين في أوروبا لدفعها للضغط على السلطان العثماني. وعندما صدر قرار للمؤتمر الصهيوني في عام ۱۹۰۵ يدعو إلى المزيد من الاستعمار الاستيطاني، حظرت الدولة العثمانية كل نقل الملكية الأرض إلى اليهود في سنجق القدس وولاية بيروت.


وبعد حركة الانقلاب التي قامت بها تركيا الفتاة عام ۱۹۰۹، استخدم العرب ممثليهم في البرلمان المركزى ونفوذهم في الصحف المحلية لإبراز مطالبهم والتعبير عن اهتماماتهم بهذه القضية، وكانوا معارضين بشدة، وبصفة خاصة المناقشات التي جرت بين الحكومة العثمانية وقادة الحركة الصهيونية فيما بين عامی ۱۹۱۲، ۱۹۱۳، بهدف السماح لهم بشراء أراضي الحكومة العثمانية في وادى بيسان على طول نهر الأردن. ويصور الاجتماع الذي عقد بين العرب الفلسطينيين وهؤلاء الصهاينة في ربيع عام ۱۹۱٤ ، مدى المصاعب التي واجهت هذا الاجتماع. فقد أراد العرب منهم تزويدهم بوثيقة تقرر أشكال طموحهم السياسي بدقة واستعدادهم لفتح مدارس للعرب، وفى تعلم العربية والإندماج أو التكامل مع السكان المحليين ، إلا أنهم رفضوا هذا مدركين أنهم لا يستطيعون أن يدلوا بأي بيان يرضى العرب الذين يتحاورون معهم.


وباندلاع الحرب العالمية الأولى (أغسطس (۱۹۱٤)، انتقل مركز ثقل الحركة الصهيونية من أوروبا الغربية بوجه عام إلى بريطانيا بوجه خاص، حيث كان يعيش هناك الدكتور حاييم وايزمان Chaim Weizmann، وهو من أصل روسي وكان يعمل أستاذاً للكيمياء بجامعة مانشستر، وهناك كرس جهوده من أجل تحقيق مطامع الصهيونية السياسية. وقد نجح وايزمان في إيجاد نصيرين قويين للصهيونية خارج الدوائر اليهودية، وهما أرثر جيمس بلفور Balfour النائب في مجلس العموم عن مدينة مانشستر ووزير الخارجية البريطانية فيما بعد في وزارة لويد جورج، ثم مستر سكوت Scott رئيس تحرير صحيفة "المانشستر جارديان" الليبرالية وذات النفوذ. وقد تكللت مساعى وايزمان لدى الحكومة البريطانية بالنجاح بعد إعلان ذلك التصريح المشئوم، وبه تعهدت بريطانيا لزعماء الحركة الصهيونية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان ذلك في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷، عندما أرسل بلفور وزير الخارجية آنذاك إلى اللورد روتشيلد خطاباً يفيد ذلك.
وقد تضمن هذا التصريح تعهدين، أولهما كان ينص على أن حكومة صاحبة الجلالة ترى الأذن بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل أقصى مساعيها لتسهيل هذا الهدف. أما القسم الثاني من الإعلان فقد تضمن تعهد الفلسطينيين جاء فيه أنه من المفهوم تماماً عدم عمل أي شئ يكون من شأنه الإضرار بالحقوق الدينية والمدنية للطوائف الموجودة في فلسطين من غير اليهود". وعقب وعد بلفور، كان اليهود يمثلون نحو %7% من عدد السكان في فلسطين وكان العرب يمثلون نحو 93% ، ثم حدث خلال الفترات التالية هجرات كثيرة من اليهود تنفقت إلى فلسطين، وقاموا بعمليات سلب لأراضي الفلسطينيين بشتى الطرق والوسائل غير المشروعة.


كان إعلان وعد بلفور ووصول القوات البريطانية إلى فلسطين بمثابة نقطة تحول جوهرية في الموقف السياسي، فقد أعطى "الوعد الحركة الصهونية كيانها الشرعي الذي بحثت عنه طويلاً، ومنح الاحتلال البريطاني الذي تم في المرحلة التالية، منح بريطانيا القدرة على تنفيذ ذلك الوعد وقدم الحماية الضرورية للصهاينة لتحقيق أهدافهم.


وحقيقة الأمر أن الحكومة البريطانية قد صدقت على وعود ثلاثة متناقضة ومتباينة من أجل مستقبل فلسطين، حيث كان هناك اتفاق سايكس بيكو عام ١٩١٦، مع اقتراح من الحكومتين الفرنسية والروسية بأن توضع فلسطين تحت الإدارة الدولية، وتضمنت المراسلات بين الشريف حسين والسير هنرى مكماهون في عامي ١٩١٥، ١٩١٦، والتي قامت على أساسها الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية ما يفيد أن فلسطين ستوضع في نطاق الاستقلال العربي، وهو ما لم يحدث مطلقاً. وفي ذات الوقت جاء وعد بلفور ليشجع استعمار اليهود لفلسطين تحـــت الحماية البريطانية، مما يؤكد مدى تناقض هذه الوعود من قبل الحكومة البريطانية. على أية حال، فقد قيل أسباب عديدة حول الدوافع التي حدت ببريطانيا الإصدار تصريح بلفور المشتوم منها، رغبة الحلفاء في كسب الحركة الصهيونية إلى جانبهم حتى تقوم بدور المغرب في ألمانيا والدول المتحالفة معها، فضلاً عن رغبة بريطانيا في احتواء الحركة الصهيونية لكي تضمن عطف يهود الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ذات الوقت استغلال النفوذ المالي والسياسي لليهود في جر الولايات المتحدة لدخول الحرب إلى جانب الحلفاء، وهو ما حدث بالفعل عندما أعلنت أمريكا دخولها الحرب ضد الألمان في السادس من أبريل ۱۹۱۷. أخيراً، قبل أن الحكومة البريطانية أصدرت التصريح مكافأة للدكتور حاييم وايزمان على استنباطه مادة "الأسيتون Acetone في أدق مراحل الحرب، وهي مادة سريعة الاشتعال وتدخل في صناعة الذخائر والمتفجرات، مما ساعد بريطانيا على كسب الحرب. والخلاصة أن تصريح بلفور كان وليد ظروف الحرب، وبما يخدم مصلحة بريطانيا الاستعمارية عن طريق السيطرة على فلسطين لحماية مركز الاحتلال البريطاني في مصر، ولتأمين المواصلات البريطانية في منطقة الشرق الأوسط.
الانتداب البريطاني على فلسطين


في أثناء الحرب العالمية الأولى استولت القوات البريطانية بقيادة اللنبي على فلسطين، بعد أن سقطت غزة المدخل الجنوبي لفلسطين في ۷ نوفمبر ۱۹۱۷، كما سلمت القدس في التاسع من ديسمبر، وتبعا لذلك، فقد تأسست إدارة عسكرية في فلسطين، باعتبارها جزءاً من بلاد العدو، واستمرت حتى عام ۱۹۲۰، عندما أعطى مؤتمر سان ريمو المنعقد في إيطاليا في أبريل ۱۹۲۰ لبريطانيا حق الانتداب على فلسطين، فطت في أول يوليو من نفس العام حكومة مدنية محل الإدارة العسكرية وعينت بريطانيا هربرت صمويل Herbert Samuel ، ذو الميول ١٩١٤ إلى ٢٨% عام ١٩٣٦، ٣٢ عام ١٩٤٧، وجاءت ردود الفعل على الهجرة اليهودية وشراء الأراضى من قبل العرب بالإصرار على أن نظل فلسطين دولة عربية لها نفس الحكم الذاتي والاستقلال اللذين منحتهما بريطانيا لمصر وشرق الأردن والعراق، كما نادى العرب بأن الأرض الفلسطينية لا يمكن ولا يجب أن تستخدم لحل مشكلة اضطهاد اليهود في أوروبا، وأن الأمال القومية اليهودية لا يجب أن تطفى على احتياجاتهم، وعلى حساب شعب فلسطين.


وفي ٢٤ يوليو ١٩٢٢، اتخذت عصبة الأمم بجنيف قراراً بوضع فلسطين تحت انتداب بريطانيا، مع استصدار صك الانتداب" في ذات التاريخ. وقد نصت المادة الثانية من صك الانتداب على أن الدولة المنتدبة مسئولة عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي، وترقية أنظمة الحكم الذاتي، وضمان الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بغض النظر عن الجنس والدين. وبهذا أدمج صك الانتداب في صلبه تعهد بريطانيا بإنشاء الوطن القومي اليهودي، وفقاً لتصريح بلفور السابق الإشارة إليه.


وفضلاً عن ذلك، فقد جاء في صك الانتداب أيضاً ما يشير إلى الخطوات المؤدية لتحقيقه، وتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وتوطنهم في الأراضي الزراعية وكذا الأراضى البور، وأراضي الحكومة غير المطلوبة للأعمال العمومية، وأن تكون اللغة العبرية إلى جانب الإنجليزية والعربية اللغة الرسمية للبلاد. وقد تضمنت مواد صك الانتداب ۲۸ مادة كانت بمثابة تهيئة الوسائل للدولة المنتدبة (إنجلترا) بما يجعل ممكناً إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لذا، فلم يكن غريباً، والحال هكذا، أن يعتبر حاييم وايزمان استصدار صك الانتداب بمثابة نهاية للفصل الأول من نضال الصهيونية الطويل.


كان هذا التعارض بين أغراض الانتداب، وفقاً لما جاء في مواده، وبين بما يجعل ممكناً إنشاء وطن قومي لليهود في فللسطين، لذا، فلم يكن غريباً، والحال هكذا، أن يعتبر حاييم وايزمان استصدار صك الانتداب بمثابة نهاية للفصل الأول من نضال الصهيونية الطويل.


كان هذا التعارض بين أغراض الانتداب، وفقاً لما جاء في مواده، وبين مطالب العرب المشروعة، من أهم الأسباب التي أدت إلى قيام عرب فلسطين بالعديد من الثورات والاضطرابات فيما بين عامى ۱۹۲۰ ، ۱۹۳۹، كان أخطرها تلك التي حدثت في أعوام ۱۹۲۱، ۱۹۲۹، ۱۹۳۱ ، بالإضافة إلى الإضراب العام الذي حدث في أكتوبر ۱۹۳۳ للاحتجاج ضد الحكومة البريطانية، وكذلك حركة الشيخ عز الدين القسام في نوفمبر ۱۹۳۵ ، ثم ثورة ۱۹۳٦ بقيادة اللجنة العربية العليا التي تألفت في ٢٥ أبريل من نفس العام برئاسة مفتى فلسطين الحاج أمين الحسيني. وكان ذلك راجع إلى سياسة الانتداب البريطاني التي هدفت تقوية قبضة اليهود على فلسطين، والحفاظ على أمن الإمبراطورية، وإبعاد المنافسين عن المناطق الشرقية من حوض البحر المتوسط والطرق المؤدية إلى الهند.


و كرد فعل للثورة الفلسطينية في عام ۱۹۳٦، أرسلت الحكومة البريطانية
اللجنة الملكية برئاسة اللورد بيل Peel، حيث وصلت إلى القدس في ١١ نوفمبر ١٩٣٦، وبعد أن استمعت اللجنة الملكية لوجهة النظر العربية، نشرت الحكومة البريطانية في ٧ يوليه من العام التالي تقرير اللجنة، وهو المعروف بتقرير بيل. وقد ذكر التقرير فكرة "التقسيم كوسيلة لتسوية المشكلة الفلسطينية، حيث رأت اللجنة تقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق، لإقامة دولة عربية وأخرى يهودية، مع وجود منطقة ثالثة محايدة تشمل القدس وبيت لحم والناصرة، تبقى تحت الانتداب البريطاني. ثم تطورت الأحداث سريعاً، حتى نوفمبر ١٩٤٧، عندما وضعت الأمم المتحدة خطتها في التقسيم وبموجبها منح اليهود ٥٠% من مساحة فلسطين وهي منطقة تضم عدداً كبيراً من العرب مساوياً لعدد اليهود هناك.
وبالرغم من تنديد الحكام العرب بقرار التقسيم الذي أعلنته الأمم المتحدة دون سلطة قانونية مخولة بها، لكي تأخذ نصف إقليم فلسطين من سكانه الأصليين وتقوم بمنحه السلالة أجنبية من المهاجرين، إلا أن ذلك لم يحل دون استمرار اليهود في الاستيلاء على المزيد من الأراضي، مما ترتب عليه اندلاع المواجهة العسكرية بين العرب وإسرائيل في عام ١٩٤٨ ، وما أسفرت عنها من توقيع اتفاقيات الهدنة في العام التالي، بعد أن تقلصت مساحة المناطق العربية إلى ٢٣% فقط من المساحة الكلية لفلسطين.


الولايات المتحدة وفلسطين


عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أدرك عرب فلسطين ضعفهم وعجزهم عن حل قضيتهم، لهذا ناشدوا الدول العربية الأخرى المساعدة ومساندة القضية بكل صراحة. وخلال الجلسة الحماسية التي قبل فيها بتقسيم فلسطين، قررت الدول العربية مقاطعة المفاوضات، الأمر الذى أدى إلى عدم طرح قضية عرب فلسطين على الجمعية العامة للأمم المتحدة. وسرعان ما دخلت الولايات المتحدة الأمريكية حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، بعد ما بدأت سلطة النفوذ الصهيوني تأخذ مكانها في الولايات المتحدة ذاتها، الأمر الذى أدى إلى قيام إدارة البيت الأبيض بتوجيه النصائح للرئيس ترومان من أجل مساندة اليهود حتى يساعدوه في كسب تأييد الرأى العام الأمريكي، مما دفع ترومان إلى إرسال برقيات إلى الحكومة البريطانية عام ١٩٤٥ يطالبهم فيها بمنح التسهيلات اللازمة لهجرة اليهود الأوروبيون إلى فلسطين وفقاً لوعد بلفور. وفى نفس العام عقدت اللجنة الأنجلو أمريكية اجتماعاً بخصوص الاتفاق على سياسة موحدة للدولتين تجاه فلسطين لا تتعارض مع مصالحهم في الشرق الأوسط أو تؤثر على علاقتهم الثنائية.


وتأسيساً على ذلك ، فقد أصبحت جماعات الضغط الصهيونية الأمريكية عقب ضرورة بذل جهود فعالة لفتح فلسطين أمام أفواج من الهجرة الصهيونية، ثم أعقبه ترومان الذي اعترف بدولة إسرائيل بعد قيامها بدقائق معدودة عام ١٩٤٨، ومنذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا هذا والدعم الأمريكي لإسرائيل يزداد يوما بعد يوم، والمعونات الاقتصادية والعسكرية تتدفق على إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى بده مرحلة ممتدة من التوتر والنفور في العلاقات الأمريكية العربية. وقد أكد ذلك جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أزينهاور عندما صرح في عام ١٩٥٣ بعد زيارته للمنطقة قائلاً : لقد اتضح لي بعد جولة سريعة قمت بها في منطقة الشرق الأوسط أن العرب يخشون الصهيونية أكثر من الشيوعية وذلك من واقع إدراكهم العميق للتأييد الأمريكي التام لإسرائيل في كل ما تقوم به من أعمال وما تقدم عليه من تصرفات.


وهكذا بدأ رصيد إسرائيل الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة الأمريكية يتصاعد بداية من موقعها الجيو - استراتيجي المتميز في هذه البقعة المهمة من العالم، بما يخدم المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والأهداف السياسية لهذا الوجود الأمريكي، توفرها القدرات الإدارية التي تتميز بها إسرائيل، فضلاً عن القدرة الدفاعية والهجومية والتي تحسب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية مما يدعم مصالحها في المنطقة، كما أن إمكانات البحث والتطوير التي تمتلكها إسرائيل، فضلاً عن أجهزة مخابرات على قدر كبير من التدريب والتقنية الحديثة، مما يوفر نحو ۲۰% من ميزانية الدفاع الأمريكية، ولكل هذه الأسباب، أصبحت إسرائيل تمثل الطيف الاستراتيجي لصانع القرار الأمريكي في المنطقة العربية برمتها في وقتنا الحاضر.


ولا يصح القول بأن مساندة الولايات المتحدة الأمريكية للصهيونية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان راجع إلى رغبتها في أن يوفر قيام إسرائيل جسر من الصداقة بين الشرق والغرب، ورد اعتبار ذا قيمة تاريخية، وبناء جديد في تاريخ الشرق الأوسط، وغير ذلك من العبارات المتشحة بمسحة إنسانية زائفة، يرددها، وبصفة مستمرة العديد من الكتاب الغربيين الموالين لإسرائيل.


وبالرغم من عدم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بصفة رسمية في شئون الشرق الأوسط فيما بين الحربين العالميتين تنفيذاً لسياسة العزلة، إلا أنها لم تكن بعيدة عن تطور القضية الفلسطينية، نتيجة لتفوق النفوذ الصهيوني وتغلغله في دوائرها السياسية والمالية والثقافية، الأمر الذي أسفر عن إقامة جسر من الصداقة ربط بين الرؤساء الأمريكيين والدوائر الصهيونية، يؤكد ذلك، تلك الزيارة التي قام بها وزير الخارجية البريطاني جيم أرثر بلفور إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد وقت قليل من دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء في أبريل ۱۹۱۷. وكان الهدف من هذه الزيارة هو الحصول على مساندتها للخطوة التي كان مجلس الوزراء البريطاني يفكر في اتخاذها لتحقيق آمال الصهيونيين في إقامة وطن قومى لهم على حساب العرب في فلسطين، وخاصة أن الولايات المتحدة قد حشدت قوتها العسكرية ومواردها الاقتصادية الضخمة لخدمة المجهود الحربي للحلفاء في أوروبا، وبالتالي فقد كان من المتوقع أن تلعب دوراً مهماً ورئيسياً في تسويات الصلح عقب انتهاء الحرب، ومن ثم فإن إصدار الرئيس الأمريكي تصريحاً قاطعاً موالياً للصهيونية من شأنه أن يبدد مخاوف البريطانيين من احتمال عزلة بلادهم السياسية بشأن القضية الفلسطينية.


على أية حال، فقد أكد الرئيس الأمريكي ويلسون لوزير الخارجية البريطانية عن طريق القاضي برانديس، وهو من أبرز الزعماء الصهيونيين الأمريكيين وكان صديقاً حميماً للرئيس ويلسون، أكد موافقته على مثل هذه الخطوة، ثم أعلن صراحة موافقته على وعد بلفور في أغسطس ۱۹۱۷، عندما بعث برسالة تحية إلى اليهود الأمريكيين ، الذين عقدوا اجتماعهم بمناسبة السنة الجديدة. ومن الملاحظ أنه حتى قيام إسرائيل سنة ١٩٤٨ ، كانت علاقات الولايات المتحدة بالقضية الفلسطينية تقوم على الأساس الرسمي الوارد في الاتفاق الأمريكي البريطاني الموقع عام ١٩٤٢، ووافقت بمقتضاء الولايات المتحدة - باعتبارها دولة غير مشتركة في عصبة الأمم على انتداب بريطانيا على فلسطين، وعندما تقرر الانتداب تضمنت بنوده شروط إنشاء وطن قومي لليهود وإقامة وكالة يهودية مهمتها تقديم النصح والمعونة للإدارة الفلسطينية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تتصل بإقامة الوطن القومى لليهود كما نص صك الانتداب على تسهيل هجرة اليهود وإقامتهم دون إضرار بحقوق وأوضاع العناصر الأخرى من السكان - كما أشرنا سابقاً - ولكن عرب فلسطين قاوموا المخططات البريطانية - الصهيونية منذ البداية، وظهر ذلك بوضوح في عام ۱۹٣٦ ، عندما نشبت الثورة الفلسطينية الكبرى والتي استمرت حتى إندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939


وكان على بريطانيا أن تتخذ بعض الإجراءات لتهدئة العالم العربي، الذي يتحكم في الطرق الحيوية لمواصلات إمبراطوريتها، وخاصة بعد أن اشتدت الدعاية النازية والفاشية في التنديد بسياستها في العالم العربي، كما استغلت فرصة ازدياد الهجرة اليهودية لتوجيه الانتقادات الحادة إلى بريطانيا، مما وضعها في موقف أكثر حرجاً أمام العالم العربي، لذا فقد أصدرت - أى بريطانيا ما سمى بالكتاب الأبيض في يناير ۱۹۳۹، اشتمل على المقترحات الجديدة التي كانت تهدف إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في غضون عشر سنوات على أن تحدد علاقاتها ببريطانيا بمعاهدة تكفل لكل من الدولتين احتياجاتها التجارية والاستراتيجية في المستقبل. وفيما يتعلق بالهجرة، فقد أشار الكتاب إلى ضرورة تحديدها بإضافة ٧٠ إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في غضون عشر سنوات على أن تحدد علاقاتها ببريطانيا بمعاهدة تكفل لكل من الدولتين احتياجاتها التجارية والاستراتيجية في المستقبل. وفيما يتعلق بالهجرة، فقد أشار الكتاب إلى ضرورة تحديدها بإضافة ٧٠ ألف يهودي خلال السنوات الأربع التالية، على أن تتوقف بعد خمس سنوات ويتحدد خلالها شراء اليهود للأراضي الفلسطينية. وقد قوبل الكتاب الأبيض


بالمعارضة من جانب كل من العرب واليهود، بالرغم من تحيزه الواضح لليهود. والأكثر غرابة أن الدوائر الصهيونية قد رفضت فحوى ما جاء بالكتاب الأبيض، وأعلنت سخطها على السياسة البريطانية، وبدأت تعد عدتها للضغط على البيت الأبيض وأعضاء الكونجرس الأمريكي لمساندة أهدافها، والوقوف بجانبها، ثم ما لبثت أن تطورت أحداث الحرب العالمية الثانية، بانحسار خطر الحرب على منطقة الشرق الأوسط، عندئذ سعى اليهود لكسب مساندة وتأييد الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ذلك المؤتمر الذي عقد فيما بين ۹، ۱۱ مايو سنة ١٩٤٢ بفندق بلتيمور بنيويورك عرف هذا المؤتمر بمؤتمر (بلتيمور حضره ستمائة مندوب أغلبهم من اليهود الأمريكيين ، كما اشترك فيه أيضاً كثير من زعماء الصهاينة الأوروبيين، إضافة إلى ثلاثة من أعضاء اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، منهم حاييم و ايزمان وديفيد بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية لهذه الوكالة.


وقد ناقش المؤتمر شكاوى اليهود من الإدارة البريطانية، وتقرر الإصرار على أن يقوم في فلسطين كومنولث يهودى أصبح جزءاً – على حد زعمهم - من كيان العالم الديمقراطي الجديد. وأكد بن جوريون على أن القوة ستستخدم لتنفيذ هذا الهدف، إذا ما اقتضى الأمر ذلك، وفتح باب الهجرة إلى فلسطين على مصراعيه أمام اليهود تحت إشراف الوكالة اليهودية، كما طالب المؤتمر بإقامة دولة يهودية يميل إلى العطف على الحركة الصهيونية، نتيجة وقوعه تحت تأثير الدعاية اليهودية، مما دعا الكونجرس إلى أن يتخذ قراراً في يناير ١٩٤٤ بتأييد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، بالإضافة إلى تشجيع الهجرة اليهودية غير المحدودة وقيام الدولة اليهودية. وقد حظى هذا القرار بتأييد كل من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، فكان ذلك يمثل منعطفاً جديداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بوجه عام وعلى إسرائيل بوجه خاص. فمنذ ذلك الوقت وحتى وقتنا هذا، أصبح لمن إسرائيل يمثل مصلحة حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، هذا بالإضافة إلى الالتزام العسكرى والسياسي والأخلاقي المبرم بين الطرفين والذي يقضى ببقاء الدولة اليهودية على قيد الحياة، كأقوى دولة في المنطقة ، وأن أي هجوم عليها يعتبر تهديداً للوضع الاستراتيجيي للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.


منذ نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، واثر قيام دولة اسرائيل على انقاض الشعب الفلسطيني واعتراف الولايات المتحدة بها بشكل سريع ومفاجئ، اتسمت السياسة الأمريكية في المنطقة بصفة العدوانية والمؤيدة لاسرائيل، حيث كانت تدعم اسرائيل وعدوانيتها المستمرة على الدول العربية وكانت تسعى إلى وضع دول الشرق الأوسط في مواجهة الاتحاد السوفيتي ابان الحرب الباردة.


كانت ثورة الثالث والعشرين من تموز / يوليو ١٩٥٢، التي قامت في مصر، بداية انطلاقة عربية جديدة، وتكوين تيار قومي عربي عرف فيما بعد بالتيار الناصري الذي اصطدم مع السياسة الأمريكية في المنطقة في مواجهته للسياسات الاستعمارية واسرائيل التي شكلت امتدادا ورأس حربة للاستعمار، الذي دعمها وساعد على انشائها واصر على مدها بكل اشكال العون المادي والمعنوي. وقد عزز هذا الموقف رفض الولايات المتحدة الأمريكية تمويل انشاء السد العالي قربم نسوان في جنوب مصر، والذي نظر اليه على اساس انه امل مصر في نهضتها الحديثة، وبالتالي اصبح الموقف وكان أمريكا ترفض مساعدة الدول العربية في تأمين حاجاتهم المستقبلية، وأنها تريد ان يبقى العرب ضعفاء، لكي يظلوا لقمة سائغة في فم اسرائيل، صنيعتها في المنطقة.


وبعد مضي سنة على توقيع اتفاقيات الهدئة بين اسرائيل والدول العربية، وفي ١٩٥٠/١٠/٢٥ اصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بيانا ثلاثيا، اعلنت فيه رغبتها في إعادة السلام والاستقرار في المنطقة، ومعارضتها لاي استخدام للقوة أو أي تهديد بالالتجاء اليها.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

Introduction Ap...

Introduction Appréciée par certains, redoutée par d'autres, la communication orale peut être très ut...

تشمل قنوات التس...

تشمل قنوات التسويق الإلكتروني محركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، والإعلانات...

أضافت د. أماني:...

أضافت د. أماني: «سعينا لخلق معايير تقييم موحدة تلائم تنوع حالات أصحاب الهمم بين الجسدية والذهنية؛ فع...

Hormones act on...

Hormones act on target glands or tissues and influence cellular activity, growth and maturation. The...

الفراشات التي ن...

الفراشات التي نستمتع بمشاهدتها وهي تطير في الحقول في فصل الربيع وتنتقل من زهره الى زهره تطورت من حال...

Interstitial (t...

Interstitial (tissue) fluid bathes nearly all body cells except the outer layers of skin. It is the ...

تبرز الحاجة إلى...

تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية تجعل المتحف الجزائري مؤسسة منفتحة على المجتمع، تواكب التحولات العلمي...

مرحبا ، قصتي رب...

مرحبا ، قصتي ربما تكون بعض الشي ، اسمى اسراء في الثامنه عشر من عمري ، جميله كما يقول الجميع ، طولي 1...

كان الأسد نائما...

كان الأسد نائماً في الغابة بسلام** ** مرّ فأر صغيرا وبدأ يلعب ويقفز فوق ظهر الأسد، مما أدى إلى استيق...

نظم السيطرة الإ...

نظم السيطرة الإلكترونية العالمية ووسائلها الحديثة للقوات البرية عـــــام 98. إن جذور بداية الحرب ...

يمتد وادي المخر...

يمتد وادي المخرور من أراضي بلدة بيت جالا غرباً باتجاه قرية بتير. يتميز الوادي بتضاريسه الجبلية الخلا...

حين يكشف الظلُّ...

حين يكشف الظلُّ ما كان سيُحاكمه الضوء لم أؤمن يوماً بأن السياسة مجرد صراعات تدور في الأروقة؛ بل لطال...

Tech news