Online English Summarizer tool, free and accurate!
موقف أمراء أوروبا من الدعوة إلى الحرب الصليبية: أي قبل أن يدعو الباب أوربان الثاني عام ١٠٩٥م للحملة التي عرفت في التاريخ باسم الحملة الصليبية الأولى. فمنذ توسع المسلمين في حوض البحر المتوسط والحروب لم تنقطع بينهم وبين المسيحين الأوروبيين. واشتهرت من بين ميادينها آسيا الصغرى منذ عام ۱۰۷۱م وشبه جزيرة اليريا منذ عام ۱۰۸٥م وجنوب إيطاليا منذ عام ١٠٦٠ م ثم صقلية ثم شمال أفريقيا ، على أنه بحلول القرن الحادي عشر واتجاه الغرب الأوروبي نحو إرسال حملات كبرى لاسترداد بيت المقدس من المسلمين، ووعد ميخائيل بأن يرد الجميل للبابوية بالعمل على إزالة الخلاف بين الكنيستين الشرقية والغربية. وأرسل إلى ملوك أوروبا وأمرائها يوضح لهم سوء موقف المسيحيين في الشرق، وعندما واجه الإمبراطور الكسيوس الأول كومنين مشكلة الأتراك السلاجقة وجد أنه لا قبل له بهم، وهنا يبدو أن فكرة إرسال حملة صليبية إلى الشرق بالصورة التي تم عليها الأمر فعلاً، هذه الفكرة لم تكن من ابتكار الإمبراطور الكسيوس كومنين، بنفس الجهد والعزيمة التي يجرى بها طردهم من إسبانيا، فتح البابا أوربان الثاني باب المفاوضات مع الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين لتسوية المشاكل المعلقة بين الطرفين كما رفع قرار الحرمان الذي كان موقعاً على ذلك الإمبراطور، الأمر الذي أدى إلى نوع من التقارب بين الكنيستين الشرقية والغربية. كانت الخطط التي وضعها البابا أوربان الثاني لتوجيه الحملة الصليبية لم تكتمل بعد، فكل الذين احتشدوا بالمجمع كانوا من الفقراء والعامة. يحرصون على أن يتخذوا الصليب. وأول من علم بالحملة وأول من وعد بالاشتراك في الحرب الصليبية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي أعلن فيها ذلك الأمير الحرب على المسلمين، إذ سبق له أن شارك في حربهم في إسبانيا، وكان الأمير ريموند أول من نصح البابا أوربان إلى ضرورة الاعتماد على مساندة قوة بحرية، برسالتين إلى جمهورية جنوا، ووافقت الجمهورية على تقديم اثنتي عشرة سفينة كبيرة، وبذلك حققت جنوا لنفسها سبقاً كبيراً مكنها من اكتساب حقوق في بلاد الشام. واشترك في الحرب الصليبية عدد غير قليل من كبار النبلاء كيما يعطوها مساندة عسكرية قوية. وأبن خالته روبرت دوق نرمنديا، وصهره ستيفن كونت بلوا. كما أنضم إلى الحملة رجال، اشتدت صلتهم بالإمبراطور الألماني هنري الرابع ومن أشهر هؤلاء الرجال جودفري Godfrey دوق اللورين الأدنى وحاكم مدينة بوايون Bouillon الذي اتخذ الصليب، وفي تلك الأثناء وصلت أنباء الحملة إلى جنوب إيطاليا فاستقبلها النورمان في حماس شديد على أن الأمراء النورمان ترددوا أول الأمر، غير أن بوهيموند Bohemond أمير ترنتو Taranto ابن روبرت جسكارد قد ورث عن أبيه كل شجاعته وبراعته، فاتخذ الصليب مع عدد كبير من أفراد أسرته وأصدقائه وكان من بينهم ابن أخيه تنكرد الهوتفيلي Tancred of Hauteville الذي كان بهي الطلعة شجاعاً لا يهاب الموت، يعجب به الناس كافة ويرنه المثل الأعلى للفارس المسيحي، وترتب على اشتراكهم في الحرب الصليبية، أن انضم إلى الحركة الصليبية عدد كبير من الجنود النورمان، وأنضم الآلاف من المتشردين إلى القائمين بهذه الرحلة المقدسة، ومنهم المغامرون التواقون إلى الاندفاع في مغامرات جريئة في بلاد الشرق، ومنهم الأبناء الصغار للنبلاء الذين يرجون أن تكون لهم إقطاعيات في تلك البلاد، والمعاملات الوحشية التي يلقونها على أيدي المسلمين، وقد بلغ من أمر هذا الخليط أن النساء والأطفال أصروا في كثير من الحالات على الانضمام إلى صفوف المحاربين ليقوم النساء بخدمة أزواجهن، وكان على رأس هؤلاء الدعاة راهب يدعى بطرس الناسك Peter the Hermit وهو رجل طاعناً في السن حاول أن يقوم بالحج إلى بيت المقدس ولكنه تعرض في الطريق للأذى من قبل الأتراك السلاجقة فأرغموه على العودة دون أن يؤدي الحج، جعلت منه شخصية ذات تأثير خطير على جماهير العامة والدهماء في غرب أوروبا، وخرج من هذه الأقاليم بعدد ضخم من الأتباع - حوالي خمسة عشر ألفاً – لم يكن من بينهم إلا ثمانية من الفرسان، وحشد بطرس الناسك من مريديه من أنفذهم إلى المناطق التي لم يكن بوسعه أن يزورها ومن أبرزهم ولتر المفلس Walter the Prnniless الذي قاد أتباعه إلى بلاد المجر، كان ولتر المفلس يعبر بلاد المجر دون ان يعترضه حادث من الأحداث ، ثم اتجه إلى أراضي الدولة البيزنطية وفي الطريق نست تلك الجموع أنهم يخترقون بلاداً مسيحية، فأخذوا ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهالي الآمنين. ومع ذلك فقد رحب الحكام البيزنطيون في البلقان بتلك الجموع الصليبية رغم مظهرها الرث الذي يدل على سوء تنظيمها وجهل أفرادها بأبسط مبادئ القتال. وهكذا شق الصليبيون طريقهم إلى فيليبوبوليس وأدرنة حتى بلغوا القسطنطينية في العشرين من يوليو عام ١٠٩٦م، وهناك سمح لهم الامبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين بالانتظار خارج أسوار العاصمة القسطنطينية حتى وصول بطرس الناسك. أما بطرس الناسك فقد غادر مدينة كلونيا في ابريل عام ١٠٩٦م على رأس حشوده من الرجال والنساء التي بلغت حوالي عشرين ألف، أن أعدوا أنفسهم للحاق به فيما بعد، خوفاً من أعمال السلب والنهب والقتل التي ارتكبتها تلك الحشود في طريقها إلى الأراضي البيزنطية، وإن كان اتباع بطرس الناسك قد استمروا في طريقهم إلى البسفور ينهبون ويسلبون كل ما وصل إلي أيديهم، حتى وصلوا في نهاية المطاف إلى أسوار القسطنطينية في الثلاثون من يوليو عام ۱۰۹٦م حيث وجدوا والتر المفلس وجموعه في انتظارهم. إلا أن الإمبراطور البيزنطي قدم للراهب بطرس الناسك ولأتباعه النصح، ولكن جموع العامة لم يستطيعوا ضبط أنفسهم والكف عن النهب والسلب، فاستمروا يعتدون على المزارع والقرى والكنائس القريبة، فدفعه الخوف على عاصمته إلى الإسراع بنقل الصليبين إلى الشاطئ الآسيوي للبسفور وبدأت هذه العملية فعلاً في الخامس من أغسطس عام ١٠٩٦م. بعد أن نهبها السلاجقة منذ خمسة عشر عاماً . وبعد ذلك أغار الصليبيون على الأراضي الزراعية، فقاموا بالإغارة عليها، وفي منتصف سبتمبر بلغوا أبواب مدينة نيقية، عاصمة السلطان السلجوقي قلج أرسلان بن سليمان، سرية من جيش السلاجقة لقتالهم، غير أنها أرتدت على أعقابها بعد قتال عنيف، وبعد ذلك استولى الصليبين على قلعة اكسيريجوردن ولما علم السلطان السلجوقي بذلك أرسل أحد كبار القادة العسكريين على رأس جيش كثيف لاسترداد القلعة. وفي هذه المرحلة فقد بطرس الناسك سلطانه على الصليبيين، فذهب إلى القسطنطينية، للحصول على معونة مادية من قبل الإمبراطور ليسترد هذه السلطة. سار الصليبيون دون أن يلتزموا النظام، ولما سادت بينهم الفوضى والاضطراب، فأعمل فيهم الأتراك السلاجقة ذبحاً وتقتيلاً وكان ولتر المفلس من بين القتلى. أن يعثر على قارب فأقلع به إلى القسطنطينية، ليروي خبر المعركة إلى كل من بطرس الناسك والإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين. وقد بادر الإمبراطور الكسيوس كومنين بإصدار الأمر بأن يقلع عدد من السفن الحربية تقل قوات ضخمة لنجدة من تبقى حياً من الصليبيين، فحملتهم السفن وعادت بهم إلى القسطنطينية، كان الزعماء والسادة الإقطاعيون الذين حملوا الصليب قد جمع كل منهم رجاله في إقليمه. ولم يكن من بين هؤلاء الزعماء ملوك، فقد كان فيليب الأول ملك فرنسا، وهنري الرابع ملك ألمانيا مطرودين من رحمة الكنيسة، في حين كان أوربان الثاني يدعو إلى الحرب الصليبية، ولكن كثيرين من النبلاء انضموا إلى صفوف المقاتلين، وبهذا كانت الحرب الصليبية الأولى في الأغلب الأعم مغامرة فرنسية، يعتدون على الشعوب الأوربية المسيحية التي سلكوا أراضيها، وهو الشطر المعروف بحملة الأمراء والواقع أن الشطر الخاص بالأمراء في الحملة الصليبية الأولى تألف من عدة حملات أو جيوش، لكل منها طابعها المميز الذي لازمها منذ أول الأمر، إذ تولى زعامتها عدة أمراء لكل منهم اتجاهاته وجنده وسياسته الخاصة، إذ أبدوا استعدادهم لأن يلتزموا بالموعد الذي حدده البابا. ويتحتم عليهم أن يرتبوا أمر الحكومة التي تتولى شئون بلادهم، ولم يكن أحد منهم مستعداً للرحيل قبل نهاية أغسطس. كان الجيش الصليبي الأول من حملة الأمراء بقيادة جود فري اف بوايون الذي استجاب للحرب الصليبية نظراً لأنه لم يكن كبير الأمل في مستقبل له باللورين، أتم جوفري تجهيزاته على أحسن وجه، عزم جودفري على ألا يسلك الطريق الذي اتفق الأمراء الصليبيون على أن يتخذوه وهو الذي يجتاز إيطاليا، ولعل ذلك راجع إلى ما أحس به من الحرج في علاقته مع البابوية، ولذا عزم على أن يتخذ الطريق الذي يخترق بلاد المجر. وعندما وصل جودفري إلى حدود الدولة البيزنطية في أواخر نوفمبر عام ١٠٩٦م، حدث اتفاق بينه وبين الإمبراطور البيزنطي تعهد فيه الأول بعدم قيام رجاله بأي عمليات للسلب في مقابل ذلك تعهدت الإمبراطورية بإمداد الصليبيين بكل ما يلزمهم من تموين، وعلى أساس الاتفاقية السابقة استأنف الصليبيون طريقهم حتى وصلوا إلى شاطئ بحر مرمرة في منتصف ديسمبر عام ١٠٩٦م. وبعد ذلك وصل جودفري على رأس قواته إلى القسطنطينية في الثالث والعشرون من ديسمبر، وبعد حدوث عدة مناوشات بين الصليبين والبيزنطيين، وأخيراً اضطر جودفري إلى قبول شروط الكسيوس كومنين في إبريل عام ۱۰۹۷م، أما الجيش الصليبي الثاني من حملة الأمراء كان بقيادة بوهيموند النورماني الذي كان يحاصر مدينة أمالفي التي ثارت ضد النورمان في إيطاليا في مستهل عام ۱۰۹٦م، وفي تلك الأثناء ترامت إلى مسامع بوهيموند أن جيوشاً غفيرة خرجت من فرنسا وألمانيا في طريقها إلى بيت المقدس. ولم يكد بوهيموند يتأكد من طبيعة تلك الحركة وأهدافها حتى ترك حصار أمالفي وأسرع هو الآخر الخروج إلى الشرق على رأس حملة نورمانية كبيرة وبصحبته ابن أخيه تنكرد وخمسمائة أمير وعشرة آلاف فارس وعشرون ألف راجل. وفي نوفمبر عام ١٠٩٦م نزلت الحملة النورمانية، في أفلونا Avlona على شاطئ البانيا، لقد سببت حملة النورمان الصليبية فزعاً للبلاط البيزنطي لأن النورمان بالذات لهم سوابق خطيرة في الهجوم على أراضي الإمبراطورية البيزنطية، فضلاً عن أن هذه الحملة جاء على رأسها ابن روبرت جويسكارد الذي مازالت محاولته لغزو الدولة البيزنطية وتهديد القسطنطينية نفسها عام ۱۰۸۱م ماثلة في أذهان البيزنطيين. وأثناء سير جيش النورمان في البلقان نجح بوهيموند في كبحجماح جنوده، فمنعهم من الاعتداء على الأهالي وأموالهم، وبهذه السياسة الحكيمة نجح بوهيموند في كسب ثقة الإمبراطور الكسيوس كومنين، الذي أمر بإمداد القوات النورمانية بكل ما احتاجت إليه من ميرة طوال طريقها إلى القسطنطينية. وعندما اقترب النورمان من القسطنطينية في إبريل عام ۱۰۹۷ م طلب بوهيموند مقابلة الإمبراطور الكسيوس ليصالحه ويعبر له عن إخلاصه ونواياه الطيبة، فوافق الإمبراطور على ذلك وتمت المقابلة بينهما، وسرعان ما أقسم بوهيموند يمين الولاء للإمبراطور وأعلن تبعيته له، وهنا لبي الإمبراطور طلب بوهيموند فوعده بمنطقة واسعة حول أنطاكية طولها مسيرة خمسة عشر يوماً وعرضها مسيرة ثمانية أيام. وبذلك تكون هذه الاتفاقية قد حددت مولد إمارة أنطاكية النورمانية، وهي الإمارة التي صار لها شأن كبير فيما بعد في تاريخ الصليبيين ببلاد الشام. وبفضل سياسة بوهيموند وحسن تصرفه وبعد نظره، سارت الأمور بين السلطات البيزنطية من ناحية والنورمان من ناحية أخرى على خير ما يرام، فانتقلت حملة النورمان إلى الشاطئ الآسيوي في أواخر إبريل عام ۱۰۹۷م لتحتل مكانها إلى جانب جيش جودفري اف بوايون. والمندوب البابوي أدهيمار أف مونتيل Adhemar of Montel أسقف لوبوي Louboy وفي أكتوبر عام ۱۰۹٦م غادر الجيش غرب أوروبا واجتاز شمال إيطاليا إلى كرواتيا ومنها إلى دلماشيا ثم ألبانيا ومقدونيا ثم القسطنطينية في أواخر إبريل عام ١٠٩٧م، وعندما اقتربت قوات ريموند من القسطنطينية دعا الإمبراطور الكسيوس كومنين زعيمها ريموند تولوز لمقابلته في العاصمة، ولكنه وافق على أن يقسم على احترام حياة الإمبراطور وشرفه، وألا يقوم هو ورجاله بعمل يسيء إلى الإمبراطور، وبعد ذلك اجتاز ریموند بقواته البسفور . وصهره ستيفن كونت بلوا، وابن خالته روبرت كونت فلاندر. وبدء هذا الجيش سيره من شمال فرنسا في أكتوبر عام ١٠٩٦م، فاجتاز جبال الألب إلى إيطاليا، ثم اتجه إلى لوكا ومنها إلى روما ثم إلى أبوليا، ولم يمانع روبرت دوق نرمنديا ، وبعد ذلك عبر هؤلاء الصليبيون البسفور إلى آسيا الصغرى وأسرعوا في اللحاق ببقية الصليبيين الذين كانوا قد شرعوا فعلاً في حصار نيقية .
الفصل الثاني (الحملة الصليبية الأولى ۱۰۹۵ - ۱۰۹۷)
موقف أمراء أوروبا من الدعوة إلى الحرب الصليبية:
بدءت الحروب الصليبية بمعناها الشامل فعلاً قبل القرن الحادي عشر، أي قبل أن يدعو الباب أوربان الثاني عام ١٠٩٥م للحملة التي عرفت في التاريخ باسم الحملة الصليبية الأولى. فمنذ توسع المسلمين في حوض البحر المتوسط والحروب لم تنقطع بينهم وبين المسيحين الأوروبيين. وقد اتخذت تلك الحروب صيغة دينية في كثير من أدوارها ، واشتهرت من بين ميادينها آسيا الصغرى منذ عام ۱۰۷۱م وشبه جزيرة اليريا منذ عام ۱۰۸٥م وجنوب إيطاليا منذ عام ١٠٦٠ م ثم صقلية ثم شمال أفريقيا ، فضلاً عن بعض جزر البحر المتوسط ومن أبرزهم جزيرة قبرص منذ عام ۱۱۹۰م وجزيرة كريت منذ عام ١٢٠٤م .
على أنه بحلول القرن الحادي عشر واتجاه الغرب الأوروبي نحو إرسال حملات كبرى لاسترداد بيت المقدس من المسلمين، بدأت المرحلة النشطة في الحركة الصليبية. والواقع إنه منذ كارثة ما نزكرت التي حلت بالدولة البيزنطية عام ۱۰۷۱م وأباطرة الدولة البيزنطية لا ينقطعون عن طلب النجدة العاجلة من البابوية ضد الأتراك السلاجقة المسلمين. من ذلك أن الإمبراطور ميخائيل السابع (۱۰۷۱) ۱۰۷۹م) الح على البابا جريجوري السابع في إرسال نجدة سريعة لإنقاذ الإمبراطورية البيزنطية وأراضيها في آسيا الصغرى، ووعد ميخائيل بأن يرد الجميل للبابوية بالعمل على إزالة الخلاف بين الكنيستين الشرقية والغربية.
ويقال إن البابا جريجوري السابع - بما عرف عنه من حماسة دينية فائقة - استجاب لتلك الدعوة، وأرسل إلى ملوك أوروبا وأمرائها يوضح لهم سوء موقف المسيحيين في الشرق، وما تعانيه الإمبراطورية البيزنطية من آلام وأخطار نتيجة لتوسع السلاجقة المسلمين.
وعندما واجه الإمبراطور الكسيوس الأول كومنين مشكلة الأتراك السلاجقة وجد أنه لا قبل له بهم، فاتجه من جديد نحو البابوية. وهنا يبدو أن فكرة إرسال حملة صليبية إلى الشرق بالصورة التي تم عليها الأمر فعلاً، هذه الفكرة لم تكن من ابتكار الإمبراطور الكسيوس كومنين، وإنما الذي يرجع إليه الفضل في ابتكار هذه الفكرة وتنفيذها هو البابا أوربان الثاني نفسه. ففي ضوء ما سمعه هذا البابا عن اضطهاد الأتراك السلاجقة للمسيحيين والحجاج، بدأ أوربان الثاني يفكر في مشروع لطرد المسلمين من آسيا الصغرى ، بنفس الجهد والعزيمة التي يجرى بها طردهم من إسبانيا، بالإضافة إلى ذلك انتهاز البابا أوربان الثاني فرصة تلك الحرب ضد الأتراك السلاجقة لبسط سيطرتها على الكنيسة الشرقية.
فتح البابا أوربان الثاني باب المفاوضات مع الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين لتسوية المشاكل المعلقة بين الطرفين كما رفع قرار الحرمان الذي كان موقعاً على ذلك الإمبراطور، الأمر الذي أدى إلى نوع من التقارب بين الكنيستين الشرقية والغربية. وكان أن آمن البابا أوربان الثاني بضرورة معاونة الإمبراطورية البيزنطية ضد المسلمين فضلاً عما وجده في هذه الفكرة من توجيه جهود الأمراء والفرسان وجهة صالحة تخفف من الحروب والمنازعات المحلية الدائرة بينهم في غرب أوروبا.
كانت الخطط التي وضعها البابا أوربان الثاني لتوجيه الحملة الصليبية لم تكتمل بعد، لأن مجمع كليرمونت لم يشهد أحد من القوى العلمانية. فكل الذين احتشدوا بالمجمع كانوا من الفقراء والعامة.
وكان لابد للبابا أوربان أن يحظى بتأييد قوى من العلمانيين. ففي أول ديسمبر ، وبينما كان أوربان الثاني في كليرمونت، قدمت الرسل، وأخبرته أن الأمير ريموند Raymond الرابع كونت تولوز وبروفانس (۱۰۸۸ - ۱۱۰۵م) وطائفة كبيرة من النبلاء، يحرصون على أن يتخذوا الصليب. وبذلك أصبح الأمير ريموند أكبر الأمراء سناً ، وأول من علم بالحملة وأول من وعد بالاشتراك في الحرب الصليبية.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي أعلن فيها ذلك الأمير الحرب على المسلمين، إذ سبق له أن شارك في حربهم في إسبانيا، وكان الأمير ريموند أول من نصح البابا أوربان إلى ضرورة الاعتماد على مساندة قوة بحرية، كيما يتحقق تموين الحملة، فأرسل البابا أوربان الثاني مندوبان بابويان، برسالتين إلى جمهورية جنوا، يطلبان منها التعاون. ووافقت الجمهورية على تقديم اثنتي عشرة سفينة كبيرة، وسفينة نقل، وبذلك حققت جنوا لنفسها سبقاً كبيراً مكنها من اكتساب حقوق في بلاد الشام.
واشترك في الحرب الصليبية عدد غير قليل من كبار النبلاء كيما يعطوها مساندة عسكرية قوية. فإلى جانب ريموند كونت تولوز ، وهيوكونت فرماندو (أخو ملك فرنسا فليب الأول "١٠٦٠ ۱۱۰۸م) تجهز للخروج مع الحملة، روبرت كونت فلاندر، وأبن خالته روبرت دوق نرمنديا، وصهره ستيفن كونت بلوا. كما أنضم إلى الحملة رجال، اشتدت صلتهم بالإمبراطور الألماني هنري الرابع ومن أشهر هؤلاء الرجال جودفري Godfrey دوق اللورين الأدنى وحاكم مدينة بوايون Bouillon الذي اتخذ الصليب، مع أخويه يوستاش الثالث كونت بولونيا (الأخ الكبير ) وبولدوين (الأخ الصغير ) والتف حول هؤلاء القادة كثير من صغار النبلاء، وفي تلك الأثناء وصلت أنباء الحملة إلى جنوب إيطاليا فاستقبلها النورمان في حماس شديد على أن الأمراء النورمان ترددوا أول الأمر، غير أن بوهيموند Bohemond أمير ترنتو Taranto ابن روبرت جسكارد قد ورث عن أبيه كل شجاعته وبراعته، أدرك ما قد تهيؤه له الحرب الصليبية من فرص، فاتخذ الصليب مع عدد كبير من أفراد أسرته وأصدقائه وكان من بينهم ابن أخيه تنكرد الهوتفيلي Tancred of Hauteville الذي كان بهي الطلعة شجاعاً لا يهاب الموت، شهماً، كريماً يحب المجد والمال، يعجب به الناس كافة ويرنه المثل الأعلى للفارس المسيحي، وترتب على اشتراكهم في الحرب الصليبية، أن انضم إلى الحركة الصليبية عدد كبير من الجنود النورمان، من أشد الناس بأوروبا خبرة وميلاً إلى المغامرة.
الحملة الشعبية:
توسع البابا أوربان الثاني في سلطاته توسعاً جريئاً فأطلق سراح المسجونين، وخفف أحكام الإعدام عن المحكوم عليهم بها إذا خدموا طوال حياتهم في الأراضي المقدسة، وأنضم الآلاف من المتشردين إلى القائمين بهذه الرحلة المقدسة، وأقبل كثيرون من الاتقياء المخلصين منهم الفلاحون الذين سئموا الفقر والواثقون بمستقبل أفضل، ومنهم المغامرون التواقون إلى الاندفاع في مغامرات جريئة في بلاد الشرق، ومنهم الأبناء الصغار للنبلاء الذين يرجون أن تكون لهم إقطاعيات في تلك البلاد، ومنهم التجار الذين يبحثون عن أسواق لبضائعهم، والفرسان الذين غادر أرضهم أرقاؤها فأصبحوا لا عمل لهم، ومنهم ذوو النفوس الضعيفة الذين يخشون أن يرميهم الناس بالجبن وخور العزيمة.
ونشطت الدعاية المألوفة في الحروب فأخذت تؤكد الاضطهاد الذي يلقاه المسيحيون في فلسطين، والمعاملات الوحشية التي يلقونها على أيدي المسلمين، ورويت قصص خرافية عن ثروة الشرق، وعن الغانيات العربيات ينتظرن أن يأخذهن الرجال البواسل.
وهذه الدوافع المختلفة لا يمكن أن تجتمع من أجلها جموع متجانسة يستطاع إخضاعها لنظام عسكري. وقد بلغ من أمر هذا الخليط أن النساء والأطفال أصروا في كثير من الحالات على الانضمام إلى صفوف المحاربين ليقوم النساء بخدمة أزواجهن، والأبناء بخدمة آبائهن، ولعلهم كانوا على حق في هذا الإصرار لأن العاهرات سرعان ما تطوعن لخدمة المحاربين. وكان البابا أوربان الثاني قد حدد لبدء الرحيل شهر أغسطس من عام ١٠٩٦م، ولكن الفلاحين القلقين الذين كانوا أوائل المتطوعين لم يستطيعوا الانتظار إلى هذا الموعد، وفي هذه المرحلة ظهرت طائفة جديدة من الدعاة قاموا بجهد كبير واسع النطاق في الدعاية لمشروع الحرب المقدسة. وكان على رأس هؤلاء الدعاة راهب يدعى بطرس الناسك Peter the Hermit وهو رجل طاعناً في السن حاول أن يقوم بالحج إلى بيت المقدس ولكنه تعرض في الطريق للأذى من قبل الأتراك السلاجقة فأرغموه على العودة دون أن يؤدي الحج، مما ترك أثراً في نفسه ويبدو أن حماسة بطرس الناسك وفصاحته وهيئته الغريبة بثيابه المهلهلة وقدميه العارتين وحماره الأعرج، جعلت منه شخصية ذات تأثير خطير على جماهير العامة والدهماء في غرب أوروبا، بحيث أنهم كانوا لا يكادون يستمعون لحديثه حتى تغلب عليهم الحماسة فيجتمعون في سرعة غريبة ويشرعون في الزحف صوب الشرق، دون إعطاء البابا والأمراء أدنى فرصة لتنظيم الحركة الصليبية تنظيماً جدياً من الناحيتين السياسية والحربية.
وقد مضى بطرس الناسك في دعوته بقوة، فطاف بمختلف أقاليم فرنسا مثل أورليان وشامبني واللورين، وخرج من هذه الأقاليم بعدد ضخم من الأتباع - حوالي خمسة عشر ألفاً – لم يكن من بينهم إلا ثمانية من الفرسان، وحشد بطرس الناسك من مريديه من أنفذهم إلى المناطق التي لم يكن بوسعه أن يزورها ومن أبرزهم ولتر المفلس Walter the Prnniless الذي قاد أتباعه إلى بلاد المجر، والقس جوتشالك Qattschalck الذي قاد أتباعه من أرض ألمانيا وكان عدتهم خمسة آلاف، وإمكو كونت ليزنجن Emicoh of Leiningen الذي قاد أتباعه من أرض الرين.
وفي الوقت الذي كان بطرس الناسك ماضياً في دعوته في الغرب الأوروبي، كان ولتر المفلس يعبر بلاد المجر دون ان يعترضه حادث من الأحداث ، ثم اتجه إلى أرض الصرب والبلغار حيث جرت مناوشات بينهما ، ثم اتجه إلى أراضي الدولة البيزنطية وفي الطريق نست تلك الجموع أنهم يخترقون بلاداً مسيحية، فأخذوا ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهالي الآمنين. ومع ذلك فقد رحب الحكام البيزنطيون في البلقان بتلك الجموع الصليبية رغم مظهرها الرث الذي يدل على سوء تنظيمها وجهل أفرادها بأبسط مبادئ القتال. وهكذا شق الصليبيون طريقهم إلى فيليبوبوليس وأدرنة حتى بلغوا القسطنطينية في العشرين من يوليو عام ١٠٩٦م، وهناك سمح لهم الامبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين بالانتظار خارج أسوار العاصمة القسطنطينية حتى وصول بطرس الناسك.
أما بطرس الناسك فقد غادر مدينة كلونيا في ابريل عام ١٠٩٦م على رأس حشوده من الرجال والنساء التي بلغت حوالي عشرين ألف، وبلغ من شدة تأثر الألمان الآخرين بحماسه الديني، أن أعدوا أنفسهم للحاق به فيما بعد، بقيادة جوتشالك، وإمكو كونت ليزنجن، واخترق بطرس الناسك ألمانيا والمجر وسربيا وبلغاريا ثم إلي الأراضي البيزنطية ومروا بمدن فيليبوبوليس وأدرنة . وهناك تولى بعض الموظفين البيزنطيين قيادة الصليبيين سريعاً صوب القسطنطينية، خوفاً من أعمال السلب والنهب والقتل التي ارتكبتها تلك الحشود في طريقها إلى الأراضي البيزنطية، وإن كان اتباع بطرس الناسك قد استمروا في طريقهم إلى البسفور ينهبون ويسلبون كل ما وصل إلي أيديهم، فنهبوا بلجراد ونيش وغيرهما من المدن والقرى الأهلية، حتى وصلوا في نهاية المطاف إلى أسوار القسطنطينية في الثلاثون من يوليو عام ۱۰۹٦م حيث وجدوا والتر المفلس وجموعه في انتظارهم.
على الرغم من أن الصليبيين قاموا أثناء عبورهم أراضي الإمبراطورية الشرقية بأعمال العنف والنهب حتى أنهم لم يتورعوا عن سرقة الكنائس التي صادفوها، إلا أن الإمبراطور البيزنطي قدم للراهب بطرس الناسك ولأتباعه النصح، فأشار عليهم بالتجمع والانتظار عند أحد المراكز الحصينة قرب البسفور حتى تأتيهم الإمدادات والجيوش النظامية من الغرب. ولكن جموع العامة لم يستطيعوا ضبط أنفسهم والكف عن النهب والسلب، فاستمروا يعتدون على المزارع والقرى والكنائس القريبة، وأمام ذلك الخطر بدأ الكسيوس كومنين يعيد النظر في سياسته، فدفعه الخوف على عاصمته إلى الإسراع بنقل الصليبين إلى الشاطئ الآسيوي للبسفور وبدأت هذه العملية فعلاً في الخامس من أغسطس عام ١٠٩٦م.
ومن الشاطئ الأسيوي للبسفور اتخذ الصليبيين طريقهم، دون أن يلتزموا النظام، فصاروا ينهبون المنازل والقصور الواقعة على امتداد شاطئ بحر مرمرة، حتى نيقوميديا ، التي هجرها سكانها، بعد أن نهبها السلاجقة منذ خمسة عشر عاماً . وبعد ذلك أغار الصليبيون على الأراضي الزراعية، ثم أخذوا يزحفون في حذر على الأراضي التي بأيدي الأتراك السلاجقة المسلمين، فقاموا بالإغارة عليها، وسلب سكان القرى، وفي منتصف سبتمبر بلغوا أبواب مدينة نيقية، عاصمة السلطان السلجوقي قلج أرسلان بن سليمان، فنهبوا القرى بالضواحي واستولوا علي ما صادفوه من الماشية والأغنام فخرجت من المدينة، سرية من جيش السلاجقة لقتالهم، غير أنها أرتدت على أعقابها بعد قتال عنيف، وبعد ذلك استولى الصليبين على قلعة اكسيريجوردن ولما علم السلطان السلجوقي بذلك أرسل أحد كبار القادة العسكريين على رأس جيش كثيف لاسترداد القلعة. وفي أواخر سبتمبر استطاع الجيش السلجوقي أن ينزل الهزيمة بالصليبيين، ويسترد القلعة.
وفي هذه المرحلة فقد بطرس الناسك سلطانه على الصليبيين، فذهب إلى القسطنطينية، للحصول على معونة مادية من قبل الإمبراطور ليسترد هذه السلطة. وكان من المنتظر أن يعود بطرس الناسك خلال ثمانية أيام، غير أن بطرس لم يعد، في تلك الأثناء قرر كبار قادة الصليبيين في أواخر أكتوبر الزحف إلى نيقية، فاتجهوا إلى وادي ضيق زاخر بالغابات، وعند قرية اسمها دراكون نصب الأتراك السلاجقة كميناً . سار الصليبيون دون أن يلتزموا النظام، فانهال عليهم سيل من السهام فجأة من الغابة، فأصابت خيولهم أو قتلتها، ولما سادت بينهم الفوضى والاضطراب، وسقط الفرسان عن ظهور الخيل، هاجمهم السلاجقة ولم تمض لحظات، حتى أخذ الصليبيون في الهرب دون نظام، فأعمل فيهم الأتراك السلاجقة ذبحاً وتقتيلاً وكان ولتر المفلس من بين القتلى.
وبعد ذلك استطاع أحد البيزنطيين، وكان بصحبة الجيش، أن يعثر على قارب فأقلع به إلى القسطنطينية، ليروي خبر المعركة إلى كل من بطرس الناسك والإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين.
وقد بادر الإمبراطور الكسيوس كومنين بإصدار الأمر بأن يقلع عدد من السفن الحربية تقل قوات ضخمة لنجدة من تبقى حياً من الصليبيين، فحملتهم السفن وعادت بهم إلى القسطنطينية، حيث جرى إنزالهم بالضواحي، بعد نزع الأسلحة منهم حيث ظلوا في رعاية الإمبراطور حتى وصول حملة الأمراء . وهكذا أخفقت الحملة الشعبية التي قادها بطرس الناسك وولتر المفلس، وصارت وصمة سوداء في تاريخ الحركة الصليبية.
حملة الأمراء:
كان الزعماء والسادة الإقطاعيون الذين حملوا الصليب قد جمع كل منهم رجاله في إقليمه. ولم يكن من بين هؤلاء الزعماء ملوك، فقد كان فيليب الأول ملك فرنسا، ووليم الثاني ملك انجلترا، وهنري الرابع ملك ألمانيا مطرودين من رحمة الكنيسة، في حين كان أوربان الثاني يدعو إلى الحرب الصليبية، ولكن كثيرين من النبلاء انضموا إلى صفوف المقاتلين، وكانوا كلهم تقريباً من الفرنسيين أو الفرنجة. وبهذا كانت الحرب الصليبية الأولى في الأغلب الأعم مغامرة فرنسية، ومن أجل هذا ظل الشرق الأدنى إلى هذا اليوم إذا ذكر غربي أوروبا سماه بلاد الفرنجة (الإفرنج).
في الوقت الذي أخذت فيه الحملات الشعبية من المعدمين والغوغاء، يعتدون على الشعوب الأوربية المسيحية التي سلكوا أراضيها، جرى تنظيم الشطر الثاني من الحملة الصليبية الأولى، وهو الشطر المعروف بحملة الأمراء والواقع أن الشطر الخاص بالأمراء في الحملة الصليبية الأولى تألف من عدة حملات أو جيوش، لكل منها طابعها المميز الذي لازمها منذ أول الأمر، وميز نشاطها في الشرق. وبعبارة أخرى فإن الروح الإقطاعية بدت واضحة في الشطر النظامي من الحملة الصليبية الأولى، إذ تولى زعامتها عدة أمراء لكل منهم اتجاهاته وجنده وسياسته الخاصة، مما جعل تلك الحملة في حقيقة أمرها عبارة عن عدة حملات ربما عملت أحياناً في اتجاهات متعارضة.
والواقع أن أمراء الغرب الذين اتخذوا الصليب، كانوا أقل قلقاً من بطرس الناسك ورفاقه. إذ أبدوا استعدادهم لأن يلتزموا بالموعد الذي حدده البابا. فكان لابد أن تحتشد جنودهم، وأن يتجهزوا بأدوات الحرب، ولابد أن يجمعوا من المال ما يلزم لتحقيق غرضهم، ويتحتم عليهم أن يرتبوا أمر الحكومة التي تتولى شئون بلادهم، أثناء غيابهم الذي قد يستمر سنوات. ولم يكن أحد منهم مستعداً للرحيل قبل نهاية أغسطس.
كان الجيش الصليبي الأول من حملة الأمراء بقيادة جود فري اف بوايون الذي استجاب للحرب الصليبية نظراً لأنه لم يكن كبير الأمل في مستقبل له باللورين، أو لأنه كان شديد الحماس. أتم جوفري تجهيزاته على أحسن وجه، فبعد أن جمع ما يلزمه من الأموال، استطاع أن يعد جيشاً ضخماً، وكان برفقته أخويه يوستا شالثالث وبلدوين، فضلاً عن عدد كبير من كبار الأمراء .
عزم جودفري على ألا يسلك الطريق الذي اتفق الأمراء الصليبيون على أن يتخذوه وهو الذي يجتاز إيطاليا، ولعل ذلك راجع إلى ما أحس به من الحرج في علاقته مع البابوية، نظراً لأنه من أنصار الإمبراطور الألماني هنري الرابع. ولذا عزم على أن يتخذ الطريق الذي يخترق بلاد المجر. غادر جودفري اللورين في نهاية أغسطس ونجح في اجتياز بلاد المجر في هدوء وسلام، وعندما وصل جودفري إلى حدود الدولة البيزنطية في أواخر نوفمبر عام ١٠٩٦م، حدث اتفاق بينه وبين الإمبراطور البيزنطي تعهد فيه الأول بعدم قيام رجاله بأي عمليات للسلب في مقابل ذلك تعهدت الإمبراطورية بإمداد الصليبيين بكل ما يلزمهم من تموين، حتى وصولهم إلى جبهة الحرب ضد الأتراك السلاجقة. وعلى أساس الاتفاقية السابقة استأنف الصليبيون طريقهم حتى وصلوا إلى شاطئ بحر مرمرة في منتصف ديسمبر عام ١٠٩٦م. وبعد ذلك وصل جودفري على رأس قواته إلى القسطنطينية في الثالث والعشرون من ديسمبر، وعسكروا أمام سور العاصمة. وبعد حدوث عدة مناوشات بين الصليبين والبيزنطيين، لم يستطيع جوفري الصمود أمام الجيش البيزنطي، وأخيراً اضطر جودفري إلى قبول شروط الكسيوس كومنين في إبريل عام ۱۰۹۷م، فقصد القصر الإمبراطوري لتقديم ولاءه للإمبراطور البيزنطي وإعلان وضع حملته الصليبية وخدمة الإمبراطورية لاسترداد الأراضي التي أغتصبها السلاجقة من الإمبراطورية وبعد ذلك أمر الكسيوس كومنين بنقل جودفري وجيشه إلى الشاطئ الآسيوي حيث انتظر جودفري وصول الحملة النورمانية.
أما الجيش الصليبي الثاني من حملة الأمراء كان بقيادة بوهيموند النورماني الذي كان يحاصر مدينة أمالفي التي ثارت ضد النورمان في إيطاليا في مستهل عام ۱۰۹٦م، وفي تلك الأثناء ترامت إلى مسامع بوهيموند أن جيوشاً غفيرة خرجت من فرنسا وألمانيا في طريقها إلى بيت المقدس. ولم يكد بوهيموند يتأكد من طبيعة تلك الحركة وأهدافها حتى ترك حصار أمالفي وأسرع هو الآخر الخروج إلى الشرق على رأس حملة نورمانية كبيرة وبصحبته ابن أخيه تنكرد وخمسمائة أمير وعشرة آلاف فارس وعشرون ألف راجل. وفي نوفمبر عام ١٠٩٦م نزلت الحملة النورمانية، في أفلونا Avlona على شاطئ البانيا، ومنها اخترفت البلقان شرقاً عن طريق تراقيا إلى القسطنطينية.
لقد سببت حملة النورمان الصليبية فزعاً للبلاط البيزنطي لأن النورمان بالذات لهم سوابق خطيرة في الهجوم على أراضي الإمبراطورية البيزنطية، فضلاً عن أن هذه الحملة جاء على رأسها ابن روبرت جويسكارد الذي مازالت محاولته لغزو الدولة البيزنطية وتهديد القسطنطينية نفسها عام ۱۰۸۱م ماثلة في أذهان البيزنطيين.
وأثناء سير جيش النورمان في البلقان نجح بوهيموند في كبحجماح جنوده، فمنعهم من الاعتداء على الأهالي وأموالهم، وبهذه السياسة الحكيمة نجح بوهيموند في كسب ثقة الإمبراطور الكسيوس كومنين، الذي أمر بإمداد القوات النورمانية بكل ما احتاجت إليه من ميرة طوال طريقها إلى القسطنطينية.
وعندما اقترب النورمان من القسطنطينية في إبريل عام ۱۰۹۷ م طلب بوهيموند مقابلة الإمبراطور الكسيوس ليصالحه ويعبر له عن إخلاصه ونواياه الطيبة، فوافق الإمبراطور على ذلك وتمت المقابلة بينهما، وسرعان ما أقسم بوهيموند يمين الولاء للإمبراطور وأعلن تبعيته له، وطلب منه منحه إقطاعاً كبيراً في إقليم أنطاكية.
وهنا لبي الإمبراطور طلب بوهيموند فوعده بمنطقة واسعة حول أنطاكية طولها مسيرة خمسة عشر يوماً وعرضها مسيرة ثمانية أيام. وبذلك تكون هذه الاتفاقية قد حددت مولد إمارة أنطاكية النورمانية، وهي الإمارة التي صار لها شأن كبير فيما بعد في تاريخ الصليبيين ببلاد الشام.
وبفضل سياسة بوهيموند وحسن تصرفه وبعد نظره، سارت الأمور بين السلطات البيزنطية من ناحية والنورمان من ناحية أخرى على خير ما يرام، فانتقلت حملة النورمان إلى الشاطئ الآسيوي في أواخر إبريل عام ۱۰۹۷م لتحتل مكانها إلى جانب جيش جودفري اف بوايون.
وكان الجيش الصليبي الثالث من حملة الأمراء بقيادة الأمير ريموند الرابع كونت تولوز وبروفانس ، والمندوب البابوي أدهيمار أف مونتيل Adhemar of Montel أسقف لوبوي Louboy وفي أكتوبر عام ۱۰۹٦م غادر الجيش غرب أوروبا واجتاز شمال إيطاليا إلى كرواتيا ومنها إلى دلماشيا ثم ألبانيا ومقدونيا ثم القسطنطينية في أواخر إبريل عام ١٠٩٧م، دون أن تصادف عقبات كثيرة في الطريق فيما يختص بناحية التموين.
وعندما اقتربت قوات ريموند من القسطنطينية دعا الإمبراطور الكسيوس كومنين زعيمها ريموند تولوز لمقابلته في العاصمة، فتمت المقابلة في أواخر إبريل عام ۱۰۹۷م ، وعندئذ طلب الإمبراطور من ريموند أن يقسم له يمين الولاء والتبعية مثلما فعل من سبقه من أمراء القوات الصليبية. غير أن ريموند أبى أن يقسم يمين الولاء والتبعية للإمبراطور ، ولكنه وافق على أن يقسم على احترام حياة الإمبراطور وشرفه، وألا يقوم هو ورجاله بعمل يسيء إلى الإمبراطور، وبعد ذلك اجتاز ریموند بقواته البسفور .
أما الجيش الصليبي الرابع من حملة الأمراء كان بقيادة روبرت دوق نرمنديا ، وصهره ستيفن كونت بلوا، وابن خالته روبرت كونت فلاندر.
وبدء هذا الجيش سيره من شمال فرنسا في أكتوبر عام ١٠٩٦م، متوجهاً صوب الجنوب، فاجتاز جبال الألب إلى إيطاليا، ثم اتجه إلى لوكا ومنها إلى روما ثم إلى أبوليا، ثم اتجه إلى برنديزي، وعبر بحر الأدرياتي إلى دورازور في أوائل شهر إبريل عام ١٠٩٧م، ومنها اخترقت البلقان إلى القسطنطينية دون أن يعترضه حادث من الأحداث، ولم يمانع روبرت دوق نرمنديا ، وستيفن كونت بلوا، مطلقاً في أن يقسما يمين الولاء والتبعية للإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين، وبعد ذلك عبر هؤلاء الصليبيون البسفور إلى آسيا الصغرى وأسرعوا في اللحاق ببقية الصليبيين الذين كانوا قد شرعوا فعلاً في حصار نيقية .
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
المبحث الأول: ماهي حوادث العمل وتصنيفاتها المطلب الأول: مفهوم حوادث العمل يُعد تحديد مفهوم حوادث ا...
لقد حظي موضوع الشخصية بالقسط الأوفر من الدراسة في المجالين الأدبي والنقدي. إذ ورد حضورها على المستوى...
وفي ختام ندوتنا والتي بعنوان "بيئة مستدامة: أمان للأجبال القادمة"، يمكننا تلخيص ما قد تم تناوله في ا...
First of all it gives businesses to get customer satisfaction feedback on the products and services ...
أفادت مصادر محلية في وادي حضرموت بوقوع انفجارات عنيفة فجر اليوم داخل محيط معسكر المنطقة العسكرية الأ...
فقال سعد: اللهم اكفني يده ولسانه، فقطعت يده وبكم لسانه. ولما عزل عمر أبا موسى الأشعري عن البصرة وشا...
في النيجر، تظل الزراعة ركيزة الاقتصاد وهي في توسع مستمر مع وجود غالبية السكان في الريف، ويوفر القطاع...
بعد هذه الفضيحه التاريخيه والعالميه في بمناسبه افتتاح كاس العالم في الولايات المتحده الامريكيه وما ج...
يعد توصيل الأدوية المهمة في الوقت الانسب بكفاءة بمثابة لغز معقد في مجال توصيل الأدوية. يتطلب التغلب ...
הדילמה כוללת התנגשות בין מספר ערכים מקצועיים: שמירה על סודיות מקצועית ואמון. אחריות מקצועית לשלומה ...
حسن السياسة وإقامة المملكة كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته. فك...
ConspiracyTheory.net بيت / العلوم والتكنولوجيا / التستر على معاهدة أنتاركتيكا غير محلول 🔬 العلوم و...