Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (10%)

وأنه "لا يوجد رسم واحد يمثل اللغة المتكلمة كما هي " (١) ، وإنما يتجاوزون هذا التفكير حين تكون لهم دولة، فيرمز إلى الألف المفخمة والألف الممالة برمز الألف، وإلى الهمزة المسهلة بين بين برمز الهمزة، وكان الأولون يرمزون إلى الألف الممالة نحو الياء بالياء، ولكن لأن أهلها يجعلونها مقابلة للجيم الفصحى في كل كلمة عربية فيها جيم، وحافظت على ما كانت عليه قبل أن يكون. بل أيضا لأنها لا تستطيع التغير بنفس السرعة التي تتغير بها اللغة الكلامية (العامية) . ولا يمكن المساس بها إلا بعد فوات الأوان، فمهما عنينا بجعل هذا الكساء مرنا مطابقا لحنايا الجسم الذي يكسوه، ولا تقوى على التصرف فيه بما يجعل المكتوب من كلامها يطابق المنطوق، بقي في رسمها من القصور والعجز عن مطابقة لغته بقدر ما يكون بين اللغتين من تباين. والسماء بنيناها بأبيد)، كما يفعل بعض العرب، فأبقى أهل الحجاز رسم الياء في المصحف على ما وجدوه في رسم أهل الحيرة، جعلا بعض المكتوب في الرسم العربي (1) يخالف المنطوق: وزادوا الألف الفارقة بعد واو الجماعة تمييزا لها من الواو التي هي من أصل الكلمة، وكما حذفوا الألف من "يا" إذا نودي بها اسم فيه ألفان، وحرصوا على استعمال رسم يقرؤه الناس جميعا، فكان ذلك سببا للتصحيف الواقع في الكلام، وأقل للالتباس والتصحيف، فلا تكاد تجد فيه كلمة، ويتكلم بها العلماء والأدباء تبعا لقراء اتهم، ومن اليسير على المرء أن تملى عليه الكلمة، كما يفعل في الرسم اللاتيني، وليس في رسمها ما في رسم الحركات اللاتينية من تباين بين المكتوب والمنطوق، فبمقدار اتساع الخلاف بين الفرنسية الأدبية والفرنسية الكلامية (العامية) تزداد حدة النشر (۳). ويبين بعد ما بين رسمها ورسم العربية؛ ويرميها بما هي منه براء، لا نملك معهما إلا التبعية لغيرنا باستعمال لغته على ما يكلفنا تعلمها من مال، بحيث لا تبدو بين المنطوق والمكتوب علاقة تسوع أن يرمز به إليه، ولكنهم عدلوا عنها إلى هذه الحروف التي لا تسب بينها وبين الفاء، ويزيد النفس منه نفورا أن تجهل أسباب مخالفته للمنطوق؛ إذا رأى الكلمة على خلاف ما يقتضي نطقها، مع أن لكل من الكاف والسين رمزا مستقلا، ما لم يتخيل رسمه، والسريانية (1). يسمعها أول مرة كتابة صحيحة، وما دام الرمز غير متعين الدلالة، ثم يراعى بعد ذلك حال كل مخاطب، فيشكل له الكلام أو بعضه على حسب حاله. فينبغي أن يبقى على الصورة المأثورة عن الصحابة، إن شاء الله. ورسم الهمزة، واللغة الحجازية هي الفصحى ؛ وعليها جرى رسم المصحف. فلهذا كان الكتب عليها أولى من الكتب على مذهب التحقيق "(1). حتى ظهرت المطابع في العصر الحديث، فمال ناشرو الكتب إلى إثبات الهمز في الخط كما يثبت في النطق فعمدوا إلى إحياء ما فعل الخليل بن أحمد من اقتطاع رأس العين والرمز به إلى الهمزة المحققة، فقد يشر على العرب أن يقرؤوا تراثهم من غير مشقة؛ خسروا خسارة ثقافية كبيرة (۳)، هذا إلى ما رأوا في الإبقاء على الرسم من العون على التواصل بين الذين يتكلمون لغة واحدة في أمكنة شتى، فإن إبقاء الإنجليزية على رسمها القديم، إذا قرأنا، وإنما تعني الغربيين الذي أرخوا العنان لعامياتهم حتى غلبتهم على لغاتهم الفضحى، فغدا ما بينها كما بين العربية الفصحى والعامية، فصينت عن التأثر بالعامية، وكلمات يوصل بعضها ببعض، على خلاف الأصل الذي يقضي أن ترسم كل كلمة مستقلة عن غيرها؛ كما يبدو من قول بعضهم: "الكتابة العربية لا تتبع ذلك المفروض في بعض كلماتها، فقد زيدت أحرف لا ينطق بها في كلمتي أولئك اهتدوا، "طه"، حتى أصبح الكبار لا يأمنون الخطأ، وحركاتها وحركات الحروف التي قبلها،


Original text

المنطوق والمكتوب
الأصل في المكتوب من الحروف أن يطابق المنطوق من أصوات اللغة؛ فيكون لكل صوت رمز خطي واحد، لا يتعدد، ولا يشارك فيه، ولا يُحذف ما دام الصوت الذي يرمز إليه ينطق، ولا يزاد ما دام الصوت معدوما؛ إذ المكتوب رمز للمنطوق، ولا معنى لأن يكون رمزا له ما لم يخصه دون غيره، ويقترن به في وجوده وعدمه، فيثبت بثبوته في نطقه، ويحذف بحذفه. بيد أن الواقع قد يخالف الأصل، وأنه "لا يوجد رسم واحد يمثل اللغة المتكلمة كما هي " (١) ، وإنما يخترع أهل اللغة رموزا لأصول الأصوات، ثم يرمزون بها إلى ما يتفرع منها، لقرب الشبه بين الأصل والفرع، ولكون الأصول - في تفكير الناس وثقافتهم - تقوم مقام الفروع وتغني عنها. هذا إلى أن الذين يخترعون الأبجدية أو ينقلونها عن غيرهم ربما كانوا بدائيين، كأهل الحيرة، وأهل مكة في الجاهلية، لا يفكرون إلا فيما يعرفون من لغتهم، ولا يعنون إلا بما يخصهم دون ما يشاركهم
فيه غيرهم، وإنما يتجاوزون هذا التفكير حين تكون لهم دولة، وتكون للدولة لغة مشتركة، ويظهر فيها من
يعنى بدراسة اللسان، فيرى ما بين لهجاته من اختلاف، وما في بعضها من أصوات، ليست لها رموز في
أبجديته، فيرمز إلى الصوت برمز الصوت الذي يقاربه، أو يقابله، أو يرى أنه أصله.
ومن طبع اللغة أنها في سيرورة أبدا، وكثيرا ما يجد فيها من الأصوات ما لم يكن فيها، غير أن ما يجد لا يخرج عن أن يكون فرعا من تلك الأصول؛ لأنه إما تفخيم لها، وإما ترقيق، وإما مزج بينها وبين حروف تقاربها في الصفات، ونحو ذلك. ومن أمثلة ذلك في العربية الألف المفخمة، والألف الممالة نحو الياء،
والهمزة المسهلة بين بين والجيم التي كالشين والقاف المجهورة القريبة من الكاف، وغيرها من الأصوات الأربعة عشر الزائدة على الأصوات التسعة والعشرين التي هي أصول الحروف العربية )، فإن هذه الأصوات يرمز إليها في العربية برموز أصولها التي تفرعت منها، فيرمز إلى الألف المفخمة والألف الممالة برمز الألف، وإلى الهمزة المسهلة بين بين برمز الهمزة، وإلى الجيم التي كالشين برمز الجيم الفصحى، وإلى القاف المجهورة القريبة من الكاف برمز القاف. وكان الأولون يرمزون إلى الألف الممالة نحو الياء بالياء، فيكتبون "مجراها": مجريها، لقرب الشبه بين صوتها وصوت الياء، ويرمزون إلى الجيم اليمنية (٢) بالكاف. ويرمز اليوم بالكاف إلى الصوتين اللذين بين السين والتاء (تس)، والشين والتاء (تش) في نحو: كان، وكلب، في لهجة أهل وسط الجزيرة، وسمك في لهجة أهل الخليج العربي، ويرمز إلى الجيم اليمنية القاهرية برمز الجيم
الفصحى، لا لأن صوتها قريب من صوتها، ولكن لأن أهلها يجعلونها مقابلة للجيم الفصحى في كل كلمة عربية فيها جيم، ولما كانت العربية الفصحى هي الأصل، جعل غيرها من اللهجات فرعا عنها، فرمز إلى الفرع برمز الأصل، وربما رمز بعض الرسوم إلى الصوت بأكثر من حرف من غير أن يخصه برمز يخترعه له، كما يرمز في بعض اللغات الأوروبية إلى الخاء بـ kh، وإلى الغين بـ gh، وإلى الثاء والذال بـ th، وإلى الصوت الذي بين الشين والتاء بـ ch، وإلى الشين بـ sh و sch).
ومن دأب اللغة المكتوبة (الفصحى) ألا تعترف بما يجد في اللغة المنطوقة (العامية)؛ لأنه خطأ، كحذف و e و w من الكلمات الإنجليزية know و Knife و large ، و write ، نطقا، لا خطا ) ، فإن اللغة المكتوبة لم تعترف بصحته، ولم تتقبله، في طور من أطوارها، حتى غدا واقعا، لكن الكتابة بقيت على خلافه، وحافظت على ما كانت عليه قبل أن يكون. ومن دأب اللغة المتكلمة أن تتطور دون توقف، أما اللغة المكتوبة، فمحافظة بطبعها؛ لا لأنها تعبير مشخص للغة المشتركة، وقد قنها النحاة، فحسب، بل أيضا لأنها لا تستطيع التغير بنفس السرعة التي تتغير بها اللغة الكلامية (العامية) .... فالثبات ضروري للغة المكتوبة؛ لأنها تعتبر لغة مثالية، حددت معالمها نهائيا، ولا يمكن المساس بها إلا بعد فوات الأوان، فمهما عنينا بجعل هذا الكساء مرنا مطابقا لحنايا الجسم الذي يكسوه، فلن نستطيع مطلقا أن تخضعه لنزوات الطبيعة، وأن نجعله ينمو بنمو الجسم؛ لأنه شيء ميت يغطي كائنا حيا" (٢). وكلما كانت اللغة أسرع تغيراً، كان البون بين منطوقها والمكتوب أكبر، وكان رسمها أصعب، وأكثر حشوا، أما اللغات التي هي أبطأ منها تغيرا، فتكون أقرب إلى أصولها، ويكون رسمها أسهل؛ لأن نطقها ما يزال قريبا من رسمها، أول ما وضع (4).
ومن دأب الشعوب في حداثة عهدها بالحضارة ألا تكون بارعة في الفنون والصنائع؛ فيكون خطها رديئا، ولا تقوى على التصرف فيه بما يجعل المكتوب من كلامها يطابق المنطوق، لعدم معرفتها بالعلاقة الدقيقة بين المنطوق والمكتوب، كما أن قراءة حديث العهد بتعلم الهجاء لا تكون دقيقة، ولا مطابقة للمكتوب، بل يشوبها الوهم، وتعتمد على الظن أكثر مما تعتمد على معرفة، تلزم القارئ أن يتقيد بما يرى، دون ما يظن، أو يسبق إلى وهمه. وإذا أخذ الشعب الرسم عن لغة، لا يطابق نظامها الصوتي نظام لغته، بقي في رسمها من القصور والعجز عن مطابقة لغته بقدر ما يكون بين اللغتين من تباين. هذا إلى أن من خلائق المجتمعات البدائية تحيب مخالفة السلف والجبن عن الاستدراك عليه، لما جبلت عليه من اعتقاد الكمال فيه، والشعور بالقصور عنه على ما في طبع الأشياء من أنها لا تخلق تامة ناضجة، وإنما تتدرج في الكمال بالنقد وطول التمحيص والاستدراك، فإن تملك الإجلال، وغلب التقديس، كان الجمود على العادة وما يوجد عند الآباء؛ فكان من الخلل والقصور ما في أبجديات العالم. ومن أمثلة ذلك ما كان عليه الخط العربي في الجاهلية وصدر الإسلام، فقد كان أكثر العرب أميين، ومن قرأ منهم أو كتب كان خطه قاصرا، وقراءته ضعيفة، وأخذوا الخط عن أهل الحيرة، ولم يكن حظ أهل الحيرة من التحضر وإتقان الصنائع بأحسن من حظ العرب (۱).
وقد ترتب على هذا أمران:
-1- كتابة بعض مفردات القرآن الكريم على خلاف ما يقتضي نطقها، بإسقاط بعض ما ينطق من الحروف، وزيادة ما لا ينطق، كما أسقطوا الألف في "الرحمن"، وزادوا الألف في (لا أذبحنه)، والياء في
(والسماء بنيناها بأبيد)، إلخ.
2- تأثر رسم القرآن الكريم والإملاء العربي القديم بلغة أهل الحيرة، فقد ولد أهل الخيرة خطهم من الخط الحميري الذي يُدعى "المسند"، كما يرى بعض القدماء (٢) ، وكتبوا به لغتهم، فلما أخذته عنهم قريش، أبقت عليه كما وجدته لعدم مهارتها بالخط، وقلة إحكامها صناعته (۳) ، فكتبوا "الربا" - مثلا - الربوا؛ لأنها تنطق في لغة أهل الحيرة "الربو" (٤) ، وكتبوا الألف واوا في الصلوة، والزكوة، والغدوة، والحيوة والمشكوة"؛ لأن أهل الحيرة كانوا ينطقونها واوا أو كالواو (٥). أي إن أهل الحجاز أبقوا على خط أهل الحيرة كما وجدوه، ولم يدخلوا عليه من التغيير ما يجعله يوافق لغتهم، لقلة مهارتهم بالكتابة، وحداثة عهدهم بالخط. وكذلك فعلوا بالألف المتطرفة المنقلبة عن ياء ، كتبوها ياء؛ لأن أهل الحيرة كانوا يميلونها - فيما يبدو - إمالة شديدة، حتى تصير كالياء، كما يفعل بعض العرب، ولا سيما أهل نجد، فأبقى أهل الحجاز رسم الياء في المصحف على ما وجدوه في رسم أهل الحيرة، مع أن قريشا ما كانت تميل (٢). هذا إلى أمرين آخرين، جعلا بعض المكتوب في الرسم العربي (1) يخالف المنطوق:
أولهما أن تشابه بعض المفردات العربية في الكتابة، وتجردها - قبل العصر الأموي - من النقط والشكل جعل الكتاب يزيدون في بعض هذه المفردات ما ليس منها، لتمييز بعضها من بعض، كما زادوا الواو في "عمرو" تمييزا له من "عمر"، وفي أولئك " تمييزا له من "إليك" (٢)، والألف في "مائة" تمييزا لها من "منه"، و "فئة "(٢)، وزادوا الألف الفارقة بعد واو الجماعة تمييزا لها من الواو التي هي من أصل الكلمة، كالواو في يدعو (٤).
ثانيهما حرص بعض الكتاب على الاختصار، وحذف ما تقوم الأدلة عليه من حروف الهجاء، كحذف الألف من "عبد السلام"، وكتابتها "عبد السلم" لوضوح المراد منه، والاكتفاء بأحد الحرفين إذا كرر مرتين أو ثلاثا، كما اكتفوا بألف واحدة في رسم "آدم"، وآزر، وأمن وأمين، وأنفا، و السموات"، وكان الأصل أن تكتب: أادم، وأارز، وأأمن وأمين، وأانفا، والسماوات. وكما حذفوا الألف من "يا" إذا نودي بها اسم فيه ألفان، نحو "بإبراهيم"، و"ياسحق" (٥) ، وكذلك فعلوا في براءات، ومساءات، وأصلها برااات ومسارات ).
إلا أن بعض العلماء والكتاب - منذ العصر العباسي - مالوا إلى التخلص من عادات بعض الكتاب في الحذف والزيادة، وترك النقط والإعجام، وحرصوا على استعمال رسم يقرؤه الناس جميعا، يطابق فيه المكتوب المنطوق، وعاب بعضهم ما في الهجاء العربي من تشابه الحروف تشابها جعل التصحيف
والتحريف يكثران في الكتابة العربية كثرة لا نظير لها في سائر اللغات، كابن السيد البطليوسي الذي قال: " وقد اضطربت آراء الكتاب والنحويين في الهجاء، ولم يتلزموا فيه القياس، فزادوا في مواضع حروفا خشية اللبس، نحو واو عمرو، و"يا أوخي"، وألف "مائة"، وحذفوا في مواضع ما هو في نفس الكلمة، نحو خالد ومالك، يكتبونها خلد وملك، فأوقعوا اللبس بما فعلوه؛ لأن الألف إذا حذفت من "خالد" صار خلدا، وإذا حذفت من "مالك" صار ملكًا، وجعلوا كثيرا من الحروف على صورة واحدة، كالدال والذال، والجيم والحاء والخاء، وعولوا على النقط في الفرق بينها ؛ فكان ذلك سببا للتصحيف الواقع في الكلام، ولو جعلوا لكل حرف صورة، لا تشبه صورة صاحبه، كما فعل سائر الأمم، لكان أوضح للمعاني، وأقل للالتباس والتصحيف، لذلك صار التصحيف للسان العربي أكثر منه في سائر الألسنة "(1).
وظل هذا التوجه يقوى مع الأيام، حتى تخلص الرسم العربي من أكثر عيوبه التي كانت بها في العصر العباسي وما قبله؛ فغدا من أيسر الرسوم، وأكثرها موافقة للمكتوب، فلا تكاد تجد فيه كلمة، يخالف رسمها نطقها. وزاده يسرا تمييز العلماء رسم المصحف من الرسم الإملائي، وتجاوز اللهجات العربية القديمة التي كان يقرأ بها بعض القراء، ويتكلم بها العلماء والأدباء تبعا لقراء اتهم، والاقتصار على وجه واحد من العربية، ليس فيه صوت يزيد على الأصوات التسعة والعشرين التي توافق أصول الأبجدية العربية، وهي أبجدية سهلة ليست فيها صعوبة على المبتدئين، فضلا عن المتعلمين، وليس في حروفها حرف له أكثر من صورة ما عدا الهمزة، والألف اللينة المتطرفة، في بعض الأحوال، ومن اليسير على المرء أن تملى عليه الكلمة، لم يسمعها ولم يرها، فيكتبها كتابة صحيحة؛ لأن الرسم يطابق المكتوب فيه المنطوق.
وإذا تبين هذا، تبين أن الشكوى من الإملاء العربي شكوى مصطنعة لها غايات، ربما لا يدركها بعض من بيتها، وقد تكون مدفوعة بالكسل والرغبة عن العلم، مع الحرص على ما يجنى منه من منافع مادية، وتمحل الذرائع التسويغ الإعراض عن تعلم العربية، جهلا بمزاياها الفريدة، وفضائلها الجليلة، ومكانتها من الإسلام، مع أن بعض أصحاب هذه الشكوى يجيدون لغات أجنبية، في رسمها من الصعوبة ما لا نظير له في العربية، وقد تجشموا في تعلمها ما يرغبون عن تحشم بعضه في تعلم العربية؛ لأنهم يرجون من معرفة اللغات الأجنبية، من الامتياز والمنافع ما لا يرجون من معرفة العربية.
وكثيرا ما تكون الشكوى تافهة، وما تسوع به متهافت، فهم يضحون من العربية، ويذمونها، ويرون أن التقدم مشروط بأن تصطنع مكانها لغة أجنبية؛ لأنها غير صالحة للعصر، هذا مع قلة معرفتهم بما يعيبون من العربية، وما يعظمون من غيرها، فيشتكون من الحركات، ويرون أن إسقاطها من الكتابة، وعدم الرمز إليها بحروف قائمة بذاتها، كما يفعل في الرسم اللاتيني، من أسباب صعوبتها على المتعلمين (۲)، ويستصعبون الإعراب، واختلاف علاماته باختلاف العوامل الإعرابية (۳)، مع أن الطفل العربي لا يجد صعوبة في تعلم الحركات؛ لأنها قليلة في عددها، واحدة في صورتها ونطقها، وليس في رسمها ما في رسم الحركات اللاتينية من تباين بين المكتوب والمنطوق، حتى إن رمز الحركة منها لا يمكن أن يتوقع كيف ينطق، وله في كل كلمة نطق، لا يعرف إلا بالمشافهة، أو ما في حكمها من الكتابة الصوتية، أما علامات الإعراب، فقليلة ومعدودة، وهي مسببة عن عوامل معدودة، ولها قواعد سهلة ومطردة.
والخلاف بين الكتابة والنطق "لا يوجد شعب لا يشكو منه، إن قليلا وإن كثيرا، غير أن ما تعانيه الفرنسية والإنجليزية من جرائه يفوق ما في غيرهما، حتى إن بعضهم يعد مصيبة الرسم عندنا (الفرنسيين)
كارثة وطنية " (1). وقد كان برنارد شو الكاتب الإنجليزي الشهير، كثير الشكوى والسخرية من الرسم الإنجليزي، وأوصى بجزء من ماله لإصلاحه، وقال اللغوي الإيطالي ماريو باي إن "طريقة الهجاء الحديث للغة الإنجليزية .. تعطي صورة جزئية، وكثيرا ما تكون مضللة لطريقة النطق اليوم" (1)، أما الكاتب الفرنسي، ج. فندريس، فيقول متبرما من الرسم الفرنسي، منتقدا ما فيه من عيوب ومصاعب، تتحدد: " وإذا أردنا أن نعدد هنا آثام الرسم في الفرنسية، فلن نستطيع الانتهاء منها . وإن المناقشات التي دارت حديثا حول هذا الموضوع قد سمحت بتسجيل قوائم بهذه الآثام، وإن في مادتها من الغزارة ومن الشهرة ما يعفينا من محاولة ذكرها في هذا المكان، وهي دائما في سبيل الزيادة ؛ لأن أزمة الرسم تتوقف على الظروف الاجتماعية التي تتطور فيها اللغة، فبمقدار اتساع الخلاف بين الفرنسية الأدبية والفرنسية الكلامية (العامية) تزداد حدة النشر (۳).
ويحسن أن نضرب مثالا لهذا، تبين به جانبا مما يلقى أهل هذه اللغات من عنت في تعلم رسمها، ويبين بعد ما بين رسمها ورسم العربية؛ حتى نعلم ما في تلك الشكوى من تجن، وتعلم كيف تستسهل الشعوب تعلم لغاتها، غيرة على تراثها، واعتدادا بثقافتها، وصونا لهويتها، وكيف يستهين بعضنا بلغته، ويرميها بما هي منه براء، بغية تبغيضها إلى أبنائها، وتنفيرهم منها، لننتهي إلى حال من الفوضى الثقافية، والشتات الفكري، لا نملك معهما إلا التبعية لغيرنا باستعمال لغته على ما يكلفنا تعلمها من مال، ووقت وجهد، مع القصور عن استيعاب ما يكتب بها من علوم وآداب كما يستوعبه أهلها، ونتخلى عن لغتنا، على جمالها وسهولتها، مع ما يترتب على التخلي عنها من تبعية وتخلف واضمحلال هوية، وانحلال عصبية، وعجز عن
الاستقلال بشأن من شؤون الحياة.
ففي بعض اللغات الأوروبية حروف تكتب ولا تنطق، وحروف تكتب وينطق غيرها، بحيث لا تبدو بين المنطوق والمكتوب علاقة تسوع أن يرمز به إليه، ككلمة enough الإنجليزية، تنطق enaf، وما ينطق منها هو الحروف الثلاثة الأولى، أما سائرها، فينطق فاء، مع أن في الإنجليزية ثلاثة رموز للفاء، هي ، للفاء المهموسة، و ، للفاء المجهورة، و ph، ولكنهم عدلوا عنها إلى هذه الحروف التي لا تسب بينها وبين الفاء، و measure تنطق السين منها حيما، ولا ينطق الحرفان a و الأخير، وينطق 11 فتحة و night تنطق nait، ويحذف منها gh و wrought تنطق rot، ويحذف سائرها (أربعة أحرف).
وثم كلمات تتفق في النطق، ولكنها تختلف في الرسم، كما تختلف في المعنى، مثل: write. ومن أمثلة هذا في الفرنسية oiseau ، فإنها تنطق wazo (وازو)، وهو نطق ليس فيه حرف واحد من حروف الكلمة المكتوبة ) ، و beaucoup، تنطق بك boku . ومن أمثلته في الإيرلندية: rite, right, و sil فإنها تنطق على الترتيب ،cathughadh, oidhche, lanamhain, saoghal lanun و I و cahu، ولا يخفى بعد ما بين المكتوب والمنطوق، وأن الكلمة الثالثة - مثلا -oidhche لم ينطق منها سوى حرف واحد، وحذف ما قبله وما بعده، وهو ستة أحرف.
ويزيد هذا الرسم صعوبة، ويزيد النفس منه نفورا أن تجهل أسباب مخالفته للمنطوق؛ فإن الجهل بها يشعر المتعلم، ولا سيما المبتدئ بأنه رسم اعتباطي توقيفي، وأن عليه أن يحفظه كما وجده، وألا يحيد عنه، على جهله بحقيقته، وأن لكل كلمة، يسمعها رسما، لا يمكن توقعه. ولو عرف أن سبب ما يرى هو تطور نطق الكلمة في اللهجات الدارجة عما كانت عليه في اللغة الفصحى، التي لم يبق منها إلا هذه الحروف "الصامتة، أو الخامدة" silent التي يدل صمتها أو حمودها على موت اللغة الفصحى أكثر مما يدل على حياتها، لو عرف ذلك، لكانت صعوبات الرسم أيسر عليه؛ لأن في وسعه، إذا رأى الكلمة على خلاف ما يقتضي نطقها، أن يقدر كيف كانت تنطق، ولماذا كان فيها ما ليس منها.
وثم مشكلة أخرى ليست دون هذه هي أن الثابت من أبجديات هذه اللغات هو صور حروفها، أما نطقها، فليس بثابت، وأن الرمز تشترك فيه أصوات شتى، ولا يحدد الصوت الذي يرمز إليه إلا المشافهة، أو المعجمات التي تعنى بالرسم الصوتي، على أن "هذا الرسم لا يتيح معرفة النطق الحقيقي معرفة تامة الشخص، لم يسمع الكلام باللغة التي يقرؤها؛ ومن ثم كان ثم كان من المعتاد في كتب الأصوات أن تصور الأصوات اعتمادا على لغة معروفة للقارئ، لا على الجهاز الصوتي للإنسان ....، فيقال إن هذه العلامة أو تلك تمثل الى th (ث) الإنجليزية الرخوة، أو الراء الباريسية، أو الـ ch الألمانية الصلبة (خ)، وأفضل من ذلك أن يقال مثلا إن الحركة الفلانية هي الـ a الفتحة) الفرنسية في كلمة كذا، إذا نطقت على الطريقة الباريسية، وإن كان لا يستفيد من هذا التحديد من لم يسمع كلام إنجليزي أو ألماني أو باريسي" ). فـ a في الإنجليزية - مثلا - ينطق ألفا في : can و ran، وهمزة ممدودة في at، وألفا ممالة نحو الياء في:
و ،walk و ،author :وضمة ممالة في ،alone وفتحة، في ،dangrous و ،rate و date war، إلخ. ولم ينطق فتحة في run و rub ، وضمة في put و push ، وكسرة في build، وياء مضمومة في unit وياء ممدودة بالواو في pure، وألفا ممالة إمالة كبيرة، في ugent. وه ينطق فتحة في other و done ، و author ، وألفا في round، وهمزة ممدودة (أ) في out، وضمة ممالة في .الخ ،orange
و " يكتبون حروف الحركة أحيانا على نمط واحد، ويخالفون بين النطق بها في درجة المد، وفي مخارج الصوت، كما يفعلون على سبيل التمثيل في sour و loud ، و soup ، وفي speak و great ، و good و ، moon و doorو ،done و ،bone وفي ،breadth
والصوت الواحد، في بعض هذه اللغات، قد يرمز إليه بأكثر من رمز، كما يرمز بالرمز إلى أكثر من صوت كما يرمز إلى الفاء المهموسة بـ f، وبالحرفين ph، وإلى السين بـ ، و ، وإلى الكاف بـ c و و q، و و cqu، وإلى الجيم بـ ع و أ . و C ينطق في سياق كافا، نحو can، وفي سياق آخر سينا، نحو city و g ينطق مرة جيما في نحو general و George، وقافا معقودة في نحو cqu و ،ck و ،qu ch g و television وجيما في نحو ،sure و tissue و ينطق سينا، وشينا في نحو garden
u pleasure و t ينطق تاء، وشينا نحو nation ويرمز إلى الياء بـ 1 ول، والحرفان th يشترك فيهما الذال والثاء. وثم أصوات تبلغ رموزها خمسة عشر رمزا، كرموز الشين (۳). و X يرمز إلى صوتين معا، هما الكاف والسين، مع أن لكل من الكاف والسين رمزا مستقلا، كما قد يرمز إلى الياء والضمة، والياء والواو المادة لها، ويرمز 2 إلى الهمزة والألف معا، كما في at مثلا فدلالة الرمز - إذن - غير ثابتة، كما أن الصوت ليس له رمز ثابت ومما يترتب على هذا أن الكلام إذا كان شفهيا لم يفهم بعضه، ما لم يتخيل رسمه، وأن الكلمة لا يؤمن الخطأ في رسمها إذا لم يكن الكاتب قد رآها من قبل على الصورة التي تكتب بها. ف"كان" في الإنجليزية - مثلا - إذا سمعها المرء أول مرة لم يدر أتكتب kan، أم can، وإذا سمع "فون" لم يدر أتكتب foon أم phone، وإذا سمع "شور"، و"أوشن"، و"هاي" لم يدر كيف تكتب إلا أن يكون قد رآها مكتوبة على الصورة التي تعورف عليها في الإنجليزية ) high)، وهكذا. وهذا بخلاف الأبجدية العربية، فإن لكل رمز منها صوتا واحدا، يدل عليه، ولكل صوت رمز واحد يرمز إليه ونطق حروف المد فيها والحركات ثابت، كما أن صورتها واحدة، لا تتغير، وهي ocean sure معدودة (ثلاثة أحرف، وأربع حركات، مع أن الحركات لا تستقل في الرسم عن الحروف الصامتة، وإنما توضع فوقها أو تحتها، ويشاركها في ذلك رسم اللغات السامية، كالعبرية، والسريانية (1). ومن اليسير على المرء أن يكتب الكلمة منها، يسمعها أول مرة كتابة صحيحة، من غير أن يكون قد رآها من قبل. كما ترتب عليه، من الناحية المعجمية، أن تكتب معجمات اللغات التي تستعمل الحرف اللاتيني المفردة مرتين مرة بحروفها كلها، ما ينطق منها وما لا ينطق، ومرة بالحروف التي يؤول إليها نطق الكلمة دون التي تكتب ولا تنطق، أو تكتب وينطق غيرها، وهو ما يضيف تعقيدات أخرى في القراءة والإملاء مستعصية على الغالبية العظمى من الناطقين بالإنجليزية والفرنسية، ونحوهما من اللغات الأوربية (٢).
ومن هذا يتبين عدم دقة ما يذهب إليه من يرى أن الرسم اللاتيني أضبط من الرسم السامي، وقراءته أسهل؛ لأن الرسم اللاتيني - في نظره - يجعل حركات الحروف في صلب السطر، بصورة الحروف، كأنها منها " (٣)، فإن هذا لم يفد الرسم اللاتيني إلا طولا، وصعوبة ضبط، ولم يفده دقة ولا وضوحا، فإن ما
يسمى الحروف الصائتة vowels، وإن ميزت من الحروف الصامتة consonant، وجعلت معها على سمت واحد في السطر، مستقلة عنها في الخط، ليس بينها وبين مدلولها الصوتي ارتباط ثابت، وما دام الرمز غير متعين الدلالة، فإن الضبط والسهولة والوضوح لا تتأتى.
وعدم كتابة حركات الحروف على الطريقة اللاتينية مما ينبغي أن يعد من مزايا الخط العربي، فقد استغنى عما لا يحتاج إليه من الحركات الوضوحه وتعينه، ولا سيما الكلمات التي يكثر استعمالها، فإن الناس من كثرة تردادها لا يحتاجون إلى أن تشكل لهم، وإنما ينبغي أن يُشكل منها ما يُشكل دون ما لا يشكل. والناس -بعد - ليسوا سواء، منهم المتعلم والشادي والمبتدئ، فليس من اللائق أن يشكل كل شيء للمتعلم، وهو في غنى عن شكله، فإن ذلك من إضاعة الوقت والجهد في غير فائدة، وإنما يحتاج إلى الشكل المبتدئون. ثم يراعى بعد ذلك حال كل مخاطب، فيشكل له الكلام أو بعضه على حسب حاله.
وليس لهذه الظاهرة والتي قبلها عدم تعين مدلول الرمز، وكثرة الحشو من الحروف، أثر في العربية، إلا ما ذكرنا أنها من تأثر رسم المصحف والرسم الإملائي بلغة أهل الحيرة، بيد أن العلماء لما ميزوا رسم المصحف من الرسم الإملائي، وقرروا أنه توقيفي (1)، و"سنة متبعة مقصورة عليه، فلا يقاس، ولا يقاس عليه )، فينبغي أن يبقى على الصورة المأثورة عن الصحابة، وأن الإملاء ينبغي أن تكون له قواعد وأصول مبنية على قواعد اللغة، وما يقتضي النطق، وألا يتقيد برسم المصحف الذي لا تعرف لبعضه أسباب بينة، لما كان ذلك، زالت بقايا لغة أهل الحيرة من الرسم الإملائي، ولم يبق فيه من آثار الرسم القديم إلا ما سنبين، إن شاء الله.
هذا إلى أن العربية الفصحى ظلت متميزة من العاميات، ولم تختلط بها كما اختلطت اللغات الأوروبية الفصحى بالعاميات؛ إذ كانت العربية الفصحى هي وعاء القرآن الذي أنزل فيه، وفهمه مشروط بفهمها كما كانت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل ذلك ميزت ألفاظها في زمن الاحتجاج من الألفاظ المولدة بعده، نطقا ودلالة، وكتابة، وتركت العاميات تتطور بمنأى عن الفصحى التي لم يحدث فيها من التطور إلا ما لا بد منه، بسبب الاستعمال المجازي، وظلت العاميات الأوروبية تزاحم الفصحى المكتوبة، حتى غلبتها، فلم يبق من نطقها إلا أطلال، تدل على اندثاره، وأن قد ثبت على دمنته نطق آخر؛ إذ لم يكن للغات الفصحى عند الأوروبيين من المزايا ما يجعلها آثر من العاميات، ولا أهلا لأن تصان من تأثيرها. وكان تمييز العربية الفصحى من العاميات مما أنحاها مما يشكوه بعض اللغات، من "الرسم المحشو بحروف لا فائدة فيها " (1) ، ومن مخالفة المكتوب للمنطوق. يستثنى من ذلك الألف اللينة المتطرفة، ورسم الهمزة، فقد تأثر رسم الألف اللينة بلغة أهل الحيرة، كما قد رأينا، أما رسم الهمزة، فتأثر بلغة قريش، التي "جرى عليها رسم المصحف " (٢)، فكان الغالب على الهمزة، إذا كانت في غير أول الكلمة، أن تكتب ألفا، أو واوا، أو ياء، نحو: راس ومومن وبير ليلا، رأس مؤمن بئر الثلاء؛ لأنها تبدل ألفا، أو واوا أو ياء، في هذه الكلمات ونحوها، أو ألا تكتب ألبتة؛ لأنها تسقط وصلا ووقفا، وذلك إذا كانت متحركة بعد ساكن، نحو يسل، قران يسأل، قرآن)، أو تسقط في الوقف فقط، وذلك إذا كانت متطرفة بعد ساكن، نحو: جز، سما، ضو، (جزء، سماء، ضوء؛ لأنها لا تثبت فيه عند الوقف" . ولهذا قال ابن درستويه: "الهمزة حرف لا صورة له في الخط، وإنما تكتب على صورة حروف اللين، فهي تلين في اللفظ، فينحو بها نحو حروف اللين، وتبدل وتحذف كما يفعل بحروف اللين، فصارت كأنها منها، وكتبت بصورها، إذ لم تكن لها صورة" (4). وقال أبو حيان الأندلسي: " والكتاب بنوا الخط في الأكثر - على حسب تسهيلها (الهمزة) لوجهين: أحدهما أن التسهيل لغة أهل الحجاز ، واللغة الحجازية هي الفصحى ؛ فكان الكتب على لغتهم أولى )، وقال الشيخ نصر الهوريني: "وإنما كتبت مرة واوا، ومرة ياء، وحذفت مرة، بحيث لا يكون لها صورة أصلا، ولا بدلا، بناء على مذهب التخفيف والتسهيل الجاري على لغة أهل (۳) الحجاز التي هي فصحى اللغات، وعليها جرى رسم المصحف. فلهذا كان الكتب عليها أولى من الكتب على مذهب التحقيق "(1).
وظل رسم الهمزة على هذه الصورة، بماشي نطقها في العالم الإسلامي الذي كان يطابق نطق قريش؛ لأنه نطق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن لغة قريش كانت أحظى لغات العرب بالاستعمال عند أهل العلم والأدب والسياسة، حتى غلب بعض القراءات التي يغلب عليها تحقيق الهمز، كقراءة حفص عن عاصم، وذهب جل القراءات التي تبدل الهمز، أو تحذفه، فغلب تحقيق الهمزة على العربية الفصحى؛
فاختلفت صورة الهمز المكتوبة عن منطوقها؛ إذ بقي الرسم على حاله قبل أن تتغلب قراءات التحقيق، حتى ظهرت المطابع في العصر الحديث، فمال ناشرو الكتب إلى إثبات الهمز في الخط كما يثبت في النطق فعمدوا إلى إحياء ما فعل الخليل بن أحمد من اقتطاع رأس العين والرمز به إلى الهمزة المحققة، فجعلوا على كل حرف من الحروف التي تبدل من الهمزة رأس عين فكتبوا مومن وبير وليلا، وراس، كما نكتبها اليوم مؤمن، وبئر، ولثلا، ورأس، وأثبتوا رأس العين بعد الحروف الساكنة متوسطة كانت أو متطرفة، فكتبوا: يسأل، وجزء، وسماء، وضوء؛ فغدت للهمزة - أينما كانت من الكلمة - صورة ثابتة، تجمع بين صورة الخط العربي القديمة الموافقة للغة قريش، وصورة الخط الموافقة للغة التحقيق، أي إنهم جمعوا بين الرسم القرشي، ولغة التحقيق، كما قال الشيخ نصر الهوريني: "أما وضع القطعة (رأس العين) في محلها (الهمزة)، إذا حذفت، أو فوق الياء أو الواو المصورتين بدل الهمز، فذلك حادث بعد حدوث الشكل مراعاة لتحقيق الهمز "(1).
رسم وقد كان لهذا الجمع فائدة عظيمة، فقد يشر على العرب أن يقرؤوا تراثهم من غير مشقة؛ لأن الرسم العربي الجديد لم يختلف اختلافا ذا بال عن الرسم العربي القديم الذي كان يسقط الهمزة، كما يبدو من الموازنة بين هذه الكلمات القديم، ورسمها الجديد: (مومن مؤمن، سما سماء، جز / جزء، قرآن / قرآن، إلخ). ومما ينبغي الحرص عليه ألا يغير الرسم تغييرا يحول بين الأجيال وتراثها المكتوب به، ولا سيما إذا كان وصل الحاضر بالماضي سهلا، وليست له تبعات كبيرة. وهذا مما يغفل عنه دعاة تيسير الإملاء العربي الذين لا يهمهم إلا الحاضر. والوصل بين الماضي والحاضر على وجه يمكن الأجيال من أن تنتفع بتراثها هو الذي جعل بعض الأوروبيين يبقون على رسومهم على ما قد رأينا فيها من صعوبة، ويعدونه من تراثهم الذي إذا غير؛ خسروا خسارة ثقافية كبيرة (۳)، هذا إلى ما رأوا في الإبقاء على الرسم من العون على التواصل بين الذين يتكلمون لغة واحدة في أمكنة شتى، كالإنجليزية التي يتكلمها البريطانيون، والأمريكيون، والأستراليون، والنيوزلنديون، وبعض الشعوب التي كانت تستعمرها بريطانية، كالهنود، والماليزيين، والنجيريين والسنغافوريين، فإن إبقاء الإنجليزية على رسمها القديم، مع الاختلاف في نطقها ييسر للمتكلمين بها التواصل بالكتابة، وإضفاء روح اللغة الأدبية المشتركة التي تتمتع باهتمام الدارسين (1)، ولو اختلفت الكتابة كما يختلف النطق، لأصبحت الإنجليزية إنجليزيات، لا يزيدها الزمان إلا تباعدا واختلافا.
وإذا كان دعاة تغيير الرسم يرون أن زيادة حرف في الكلمة ليس منها، وحذف آخر، هو منها، مما لا يقتضيه العقل، فليس العقل هو الذي ينظم حياتنا الاجتماعية، بل العادة، وحجج الفلسفة كلها عبث في عبث، أمام قدرة العادة" (1). وقد تعودنا أن نكتب بعض الكلمات على صورة بعينها، وإن خالفت ما يقتضي نطقها، حتى غدت الصورة المخالفة للأصل هي الصورة التي تألفها أيدينا، إذا كتبنا، وأعيننا، إذا قرأنا، ولو عدلنا إلى الأصل محته عيوننا، واستوحشت منه قلوبنا، كما لو كتبنا "طه"، و"لكن"، و"هؤلاء": طاها، ولاكن، وها ألاء. ولو رمنا تغيير هذا ونحوه عما عهدنا، لاحتجنا إلى وقت غير قصير لنتعوده على أن الكلمات التي من هذا القبيل قليلة، وليس في حفظها وضبطها مشقة. ومن الواجب علينا أن ننظر الماضينا كما ننظر لحاضرنا ومستقبلنا، وأن تخطط حياتنا العلمية والثقافية على أساس من العلم والمصلحة لا على أساس من العواطف المدفوعة بالجهل والكسل، وقصور الهمم، وضعف العزائم، الباحثة عن الأسهل، على أي وجه كان، وكائنة ما كانت عواقبه الحضارية والاجتماعية والسياسية.
على أن من الحق أن هذه القضية لا تعني العرب ولا العربية، وإنما تعني الغربيين الذي أرخوا العنان لعامياتهم حتى غلبتهم على لغاتهم الفضحى، فغدا ما بينها كما بين العربية الفصحى والعامية، وخالف المنطوق المكتوب المخالفة التي قد رأينا. أما العربية الفصحى، فصينت عن التأثر بالعامية، ولم يكن بين نطقها وكتابتها اختلاف يذكر، وما في رسم بعض الكلمات من زيادة وحذف، ووصل وفصل، لو عدل عنه إلى ضده، لم يؤثر في الإملاء وقواعد كتابته، ولم يخل بين العرب وقراءة تراثهم، إلا رسم الهمزة وحدها؛ فإن لها صورا شتى، إذا عدل عنها إلى صورة واحدة مقترحة، حال ذلك دون أن يقرأ التراث قراءة صحيحة.
والكلمات التي يخالف رسمها الأصل هي كلمات يحذف بعض حروفها، أو يزاد فيها ما ليس منها، وكلمات يوصل بعضها ببعض، على خلاف الأصل الذي يقضي أن ترسم كل كلمة مستقلة عن غيرها؛ لأن استقلال المعنى يقتضي استقلال المبنى، ورسم الألف اللينة المتطرفة المنقلبة عن ياء بألف مقصورة. ولرسم هذه الألف، ووصل الكلمات بعضها ببعض وفصلها عنها قواعد مطردة، تيسر ضبطها، أما الكلمات التي يزاد فيها ما ليس منها، أو يحذف منها ما هو منها، فمعدودة، ولا تكاد توجد في العربية
كلمة يزاد فيها أو يحذف منها أكثر من حرف واحد، بعكس ما في اللغات الأوروبية من كلمات، قد يزيد الحشو من حروفها على المنطوق. وما يزاد في المفردات العربية أو يحذف منها حرفان، هما الألف في "مائة"، وبعد واو الجماعة، والواو في "عمرو"، بشروط، و"أولى"، و"أولئك"، و"أولي"، و"أولات". وإنما تحذف أحرف أخرى قليلة همزة الوصل، والألف، وأل، والميم والنون، والواو)، في كلمات معدودة، سبب حذف بعضها إدغام الحرف المحذوف في حرف يماثله أو يقاربه، أو دخول حرف على آخر يلغيه من النطق، كما تدخل "إن" على "ما"، فتدغم النون في الميم، فتحذف من النطق، فتحذف من الخط، فتكتب "إما"، وكما تدخل اللام على همزة الوصل في "أل"، فتحذف من النطق، فتحذف من الخط، وهكذا، أي إن المحذوف إنما يحذف من الرسم - غالبا - تبعا لحذفه من النطق.
مثلا ومن عرف هذا عرف أن في الشكوى من الإملاء العربي مبالغة كبيرة، تتضح من ضعف حجج الشاكين الذين ليست لهم معرفة بالإملاء، ومن يريدون العربية وعلومها، من دون العلوم والفنون، تمرا يؤكل من غير عناء، كما يبدو من قول بعضهم: "الكتابة العربية لا تتبع ذلك المفروض في بعض كلماتها، فقد زيدت أحرف لا ينطق بها في كلمتي أولئك اهتدوا، وحذفت أحرف ينطق بها كما في "ذلك"، "لكن"، "طه"، وخولف رسم الألف اللينة التي تكتب ياء وألفا تارة أخرى، ولا شك أن المطابقة بين الكتابة والنطق سوف توفر كثيرا من الجهد والوقت" (1) " من المشكلات التي تسبب صعوبة في الإملاء تشعب قواعده، وتعقدها، وكثرة الاستثناءات فيها، حتى أصبح الكبار لا يأمنون الخطأ، فما بالنا بالصغار؟ فالهمزة المتوسطة فهي إما متوسطة بالأصالة، وإما متوسطة تأويلا، ثم هي بعد ذلك ساكنة، أو متحركة، والمتحركة متحركة بعد ساكن، أو بعد متحرك، والساكن إما صحيح، وإما معتل، والمتحرك من الهمزة أو مما قبلها مضموم أو مفتوح أو مكسور، ولكل حالة من هذه الحالات قاعدة، ولكل قاعدة - غالبا - استثناء" (٢)) ومن أسباب الصعوبة كثرة اختلاف العلماء في قواعد الإملاء واضطرابهم فيها، لذلك تعددت القواعد، وصعب رسمها، واختلفت الكتابة بين الأفراد وبين الشعوب العربية، فالهمزة المتوسطة في كلمة "يقرؤون" -مثلا - ترسم على ثلاثة أوجه: يقرأون، ويقرءون، ويقرؤون، وكلها رسم صائب ").
فلا يخفى وجه المبالغة في هذا الاستشكال، وما فيه من إيهام أن القضية معضلة، تسوع كل ما يعرف من الإعراض عن العربية وتعلم الإملاء، وتقتضي البحث عن طرق تجعل العربية والإملاء العربي خارجين عن طبيعة العلوم، بحيث يزول الخلاف منهما، فلا يبقى إلا وجه واحد واختلاف العلماء، ومذاهب الأمصار، والاستثناء، والشدود أمور معهودة في العلوم والآداب والفنون، بل في شؤون الحياة كلها، لأسباب معروفة، وليس من المتوقع أن يوجد علم ليس فيه سوى رأي واحد، ووجه واحد، وقاعدة مطردة، لا استثناء فيها ولا شدود. غير أن كثرة الخلاف لم تحل يوما بين الناس وتعلم العلم، ولا جعلتها ذريعة إلى الإعراض عنه، هذا إلى أن الكلمات التي يزاد فيها ما ليس منها، أو يحذف منها ما هو منها كلمات يسيرة، وليس فيها ما يجعل "مشكلات" الإملاء العربي تداني مشكلات الرسم الإنجليزي والفرنسي مثلا. ورسم الألف المتطرفة، وإن لم يكن له صورة واحدة، له صورتان فقط، ولكل صورة قواعد سهلة ومطردة، أما الهمزة، وحركاتها وحركات الحروف التي قبلها، فقد وقع فيها خلاف بين بعض العلماء والأمصار غير أنها آلت إلى قاعدة مقبولة، يمكن أن يتفق عليها، كما سوف نرى ليست فيها صعوبة، ولا شذوذ.
ومهما يكن من شيء، فإن المبتدئ ليس بملزم أن يتعلم ما بين اللغويين من خلاف في الإملاء، وإنما يكفيه أن يعرف وجها واحدا صحيحا، يقتصر عليه، إذا كتب. وقد حرصنا في هذا المقرر على تنكب الخلاف، واقتصرنا على وجه واحد، هو أقيس الأوجه وأيسرها، وإذا ضبطه المتعلم، أصاب، من غير أن نعْنته بالخلاف، وما يترتب عليه من صرف الذهن عن معرفة الحد الأدنى الذي من عرفه كفاه، وأغناه عما سواد.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

ما يصحب به السل...

ما يصحب به السلطان قال ابن المقفع: ينبغي من خدم السلطان أن لا يغتر به إذا رضي ولا يغير له إذا سخط، ...

قبل التطرق لتعر...

قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...

تتواصل حالة الج...

تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...

نفّذ مكتب الصحة...

نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...

المتمعن في المو...

المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...

يشرف الناظر على...

يشرف الناظر على الاستشارة التربوية و يراقبه وهذا تحت سلطة المدير ,كما يقوم بالتنسيق اليومي مع الأسات...

نصيحة السلطان و...

نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...

ويقول: ما ظنك ب...

ويقول: ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا.. فتنصرف تلك الفرقة دون أن تراهما. 65 . خر...

ثالثا : اإلضاءة...

ثالثا : اإلضاءة الخلةية تعطى اإلبااة الخلفية عمقا لمكان التصوير وذلم عن طريق زيادة اإلبااة، وفصل م...

کتاب اللؤلؤة في...

کتاب اللؤلؤة في السلطان السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدن...

آليات المساءلة ...

آليات المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية تتجسد في مجموعة متداخلة من الإجراءات القانونية التي تشمل المس...

اعتبر الباحث ال...

اعتبر الباحث اليمني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، الدكتور علي الذهب، أن تحليق الطائرات المسيّرة ...