Online English Summarizer tool, free and accurate!
صفاته وأخلاقه عليه السلام من خلال استعراض مواضع الآيات التي ذكر فيها نوح عليه السلام وفيما يخص صفاته وأخلاقه فقد اهتديت إلى أن هذه الصفات والأخلاق يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام، وبيان ذلك فيما يأتي: أولًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه مع الله تعالى: وبيان ذلك فيما يأتي: الإخلاص. وشدة خضوعه وانقياده وتسليمه لأوامر الله عز وجل، فاستثنى عباد الله الذين أخلصهم للإيمان برسله من المنذرين الذين وقع بهم عقاب الله تعالى فأخلص العمل والإيمان لله تعالى. الثانية: بفتح لام (المُخْلَصين)، وقال أبو زهرة في تفسير قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) ) [الإسراء:٣]: بل كان خاضعًا لله سبحانه وتعالى. والخضوع لله تعالى وحده هو العزة التي لا ذل فيها ولا استكبار» ومن إبقاء الثناء الحسن له على جميع ألسنة الناس، ومن إجابة دعوته، لأنه كان محسنًا لله عز وجل في أقواله وأفعاله، ومعروفًا بهذه الصفة، فقال جل جلاله: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ). والصبر الطويل على أذى قومه، وغير ذلك من ألوان عبادته عليه السلام وأفعاله وأقواله اتصف نوح عليه السلام بهذه الصفة، وتخلق بهذا الخلق، ولم يمل، فقد دعاهم إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عامًا، سالكًا وآخذًا جميع السبل في ذلك -كما سيأتي في أساليب دعوته- فقال الله تعالى عنه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) ) [نوح:٥-١٠]. فلما أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا هذا العدد القليل، ورأى أنه لم تعد هناك من فائدة في دعوة قومه، فقد حان الآن وقت المفاصلة، وبالرجوع إلى تفسير هذه الآية الذي مر معنا نجد أن نوحًا عليه السلام قد واجه قومه، ولم يمتلك سوى رصيد الاعتماد والتوكل على الله عز وجل الذي أرسله إلى هؤلاء القوم، ولكنهم لم يستجيبوا فقول نوح عليه السلام: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ) نجد أنه حصر من يتوكل عليه وما يعتمد عليه في دعوة قومه على الله عز وجل وحده، وهذا مستفادٌ من تقديم شبه الجملة (على الله) على الفعل (توكلت). وفي هذا الكلام منه عليه السلام ما يدل على مدى وثوقه بنصر ربه الذي أرسله، كما يدل على عدم مبالاته بما يتوعده به قومه ثم إن قوله عليه السلام: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ) يظهر التحدي الكبير، ثم ينفذوا ما اتفقوا عليه دون تهاون أو تردد أو تأجيل، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئٌ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه، فليس هذا التحدي غرورًا، وليس انتحارًا، إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية، التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان » ويخلص من هذا إلى أن الدعاة إلى الله عز وجل يجب عليهم أن يتخذوا من التوكل زادًا لهم في سبيل تبليغ هذه الدعوة، ولهم في ذلك أسوة بجميع الأنبياء والرسل وخاصة نوح عليه السلام، فيجب عليهم أن يقفوا في وجه الطغاة، ولن يضرهم هؤلاء الطغاة إلا أذىً من أجل الابتلاء الذي يمحص القلوب حتى تعود الكرة للمؤمنين ويحق وعد الله تعالى لهم بالنصر والتمكين وأخيرًا فقد أعجبني كلام محمد رشيد رضا الذي عقب به على تفسير هذه الآية فقال: «هذه الآية من أبلغ آيات القرآن عبارة، وأجمعها على إيجازها للمعاني الكثيرة من علم النفس، ودرجة إيمان الأنبياء المرسلين وثقتهم بالله عز وجل، وشجاعتهم واحتقارهم لكل ما في الحياة الدنيا من أسباب الخوف من غيره والرجاء فيما سواه، فهو يضرب لحاله ومقامه معهم مثل نوح مع قومه في غرور كل منهم بكثرتهم وقوتهم وتكذيبهم واحتقارهم لرسوله ولمن آمن معه من الضعفاء والفقراء، ونجاة المؤمنين المتبعين له بجعلهم خلائف الأرض وأصحاب السلطان فيها» وقد وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام في الآية المذكورة بوصفين: الأول: أنه عبدٌ لله تعالى، غير متكبر بالإشراك، بل كان خاضعًا لله تعالى وحده، فسمي عبدًا شكورًا) وأغرق غيرهم فنوح عليه السلام وإن كان من الأنبياء الذين هم معصومون من الخطأ والذنب والزلل فإنه لا يسعه إلا حلم الله تعالى وعفوه ورحمته أسألك أن تغفر لي ذنوبي. فكان عليه السلام دائم الاستغفار لله عز وجل، وكذلك هو سبب لحصول الرزق، فهما أحق بالدعاء من غيرهما، ثم بعد ذلك عمم بالدعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ ليكون ذلك أبلغ في الدعاء أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ثانيًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه: وبيان ذلك فيما يأتي: الإيمان بالدعوة. لقد أثنى الله تعالى على نوح عليه السلام لما قال فيه: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ) [الصافات:٨١]. هذا الإيمان هو الدافع المحرك للقوى الكامنة في نفس المؤمن، فهذا الإيمان لا يترك صاحبه يهدأ حتى يرى جميع الناس قد دخلوا في دين الله تعالى، وهي قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) ) [يونس:٧١-٧٢]. وقد تقدم تفسير الآية سابقًا بالإضافة إلى إبراز صفة التوكل عند نوح عليه السلام، ولا يعرف التردد والتراجع، ولا يهاب الموت في سبيل دعوته، ويتحدى جميع الخلق فيما يريدون أن ينفذوه فيه، هذا كله؛ الذي لم يكن باستطاعته أن يتخذ موقفًا أو قرارًا حاسمًا بشأن نوح عليه السلام، القدوة الحسنة. إن الداعية يكسب لدعوته بسلوكه الحسن وأخلاقه الحسنة ما لا يكسبه بكلماته وخطبه ومواعظه العديدة، فالناس يتأثرون بسلوك الدعاة العملي أكثر من الخطب الرنانة، فكيف يطلب الدعاة من الناس تنفيذ أمر معين وهم لا يفعلونه، فكأنه يقول لهم: أنا أول داخل في هذا الدين الذي أدعوكم إليه، وأول فاعل لما أمرتكم به العمل والقدرة على الكسب. فنوح عليه السلام قد أمره الله تعالى بصناعة السفينة التي سوف يسلك فيها طريق النجاة هو ومن آمن معه. يقول الله تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) ) [هود:٣٧-٣٨]. وكان نوح نجارًا، وكان موسى راعيًا وفي ذلك إعلاءٌ لشأن العمل ودليلٌ على شرف العاملين، كما في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) علو الهمة. هذا وقد أثنى الله عز وجل على أصحاب الهمم العالية وفي طليعتهم ومقدمتهم الأنبياء والرسل عمومًا، وأولو العزم خصوصًا، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونوح عليه السلام هو أحد أولي العزم من الرسل، وتجلت همته العالية في مجاهدته في إعلاء كلمة الله عز وجل، فهو عليه السلام لم يتوان لحظةً، ولم يقصر طرفة عين في دعوة قومه إلى توحيد الله تعالى، فطال مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وفي هذا دعوة إلى الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بعلو همتهم في هذا المجال. الثبات. وأنهم أصحاب جاه وبطش، وأنهم قادرون على إنفاذ تهديدهم، فقالوا له: إذا لم تنته عن دعوتك هذه فسوف نرجمك بالحجارة حتى الموت. ولكن نوحًا عليه السلام لم يخفه هذا التهديد فظل ثابتًا على موقفه ومبدئه، فما كان منه إلا أن شكا قومه إل الله تعالى طالبًا منه أن يفصل بينه وبينهم فقال: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ) [الشعراء:١١٧-١١٨]. فقال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) [هود:٤٥]. فأجابه الله عز وجل بقوله: (يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) ) [هود:٤٦] لأنه بكفر ابنه وجحوده انقطعت الولاية بينه وبين ابنه، وبذلك صار ليس من أهله، فاستعلى نبي الله نوح عليه السلام على عاطفته، ورضي بحكم الله تعالى، والبراء والعداء لمن حاد الله تعالى، ولو كان ابنه وزوجته التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) ) [التحريم:١٠]. الصدق. ونوح عليه السلام أحد أولي العزم الخمسة الذين قال الله تعالى فيهم: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) ) [الأحزاب:٧-٨]. وأن يجاهدوا في سبيل تحقيق تلك الغاية بإخلاص العبادة لله جل جلاله، وقد أخذ الله تعالى هذا العهد والميثاق منك أيها الرسول ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام الذين هم أولو العزم من الرسل، الذين تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى أكثر مما تحمله غيرهم من الأنبياء، والسبب في أخذ الله عز وجل هذا الميثاق الغليظ ليسأل الأنبياء عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم، الأولى: أن في هذا السؤال تشريفًا لهؤلاء الرسل وتكريمًا لهم، فيثيبهم جنات النعيم الثانية: فيه توبيخ للمكذبين لأنبيائهم فيما جاءهم به هؤلاء الأنبياء من كلام صادق وإرشاد حكيم، ومما ينبغي الإشارة إليه أن يكون الداعية صادقًا في دعوته؛ لأن المقصد من هذه الدعوة هو هداية الناس إلى البر والتقوى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، هذا من ناحية، لأنه يبلغ دعوة الله تعالى كما جاءت، كصدق محمد صلى الله عليه وسلم وأمانته في قريش قبل بعثته. فتصدقونني في جميع ما أخبركم به، فما بالكم لا تصدقونني الآن لما أخبرتكم أني رسول الله إليكم؟! أمينٌ على وحيه إلي بإرساله إياي إليكم، وأؤدي الأمانة شئتم أم أبيتم، قبلتم الدعوة أم توليتم، فقد وضح لكم صدقي، فأنا لا أخاف ما تتوعدونني به ومما تجدر الإشارة إليه أن الداعية يجب عليه أن يكون مشهورًا بالأمانة بين الناس؛ والشفقة عليهم، والرأفة بهم، والحرص على إنقاذهم من الضلالة إلى الهداية؛ ليدعوهم إلى إفراد الله تعالى وحده بالعبودية؛ لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، فإن لم تفعلوا وبقيتم على ما أنتم عليه من الكفر والجحود فإني أخاف عليكم أن يحل عليكم يومٌ يعظم فيه بلاؤكم ويقصد بهذا اليوم يوم الطوفان الذي هلكوا فيه جميعًا في الدنيا، فقول نوح عليه السلام: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يعد من «نصحه عليه السلام وشفقته عليهم، كما أن قوله عليه السلام: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) يعني: أن وظيفتي هي أن أبلغكم ما أرسلني به الله عز وجل إليكم ببيان توحيده وأوامره ونواهيه؛ أني أقصد لكم الصلاح والخير والفلاح في الدنيا والآخرة فهو يعلم عن طريق الوحي من أمر الله وسنته في خلقه وما يتبع هذه الدنيا من أحوال الآخرة ما لا يعلمون، ولم يبق إلا من آمن مع نوح. ناصحًا بالله، فإنه يتبين لدى المدعوين مدى حرصه على هدايتهم؛ لئلا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، ويسمعوا منه، عند الاطلاع على قصة نوح عليه السلام في مخاطبته لقومه نجده يقول: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) [يونس:٧٢]. فإنه يؤكد على أن عدم استجابتهم لدعوته لا يعود إلى سؤاله المال منهم، فيثقل عليهم مكافأته عند استجابتهم، وكذلك نجد في قصص الأنبياء مع أقوامهم أن جميع الأنبياء والرسل عندما كانوا يخاطبون أقوامهم يبينون لهم أنهم لم يطلبوا من وراء دعوتهم مالًا أو أجرًا على ذلك أو مقابل استجابتهم، فيقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا. فيمتنعون عن قبول الدعوة. لكنا لا نريد منكم أنتم أجرًا، وعليه، فإن هذه الصفة هي سنة مطردة عند جميع الأنبياء والمرسلين، فهم لا يطلبون لأنفسهم أجرًا مقابل دعوتهم، فلا يسمع أو يستجيب له أحد؛ لذلك يجب على الداعية أن يزهد عما في أيدي الناس فضلًا عن أن يكون كريمًا حتى يجمع الناس حوله ولا ينفرهم. تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق الرفيع، فقد تحمل أذى قومه تسعمائة وخمسين عامًا وهي أطول فترة دعوة، واستخدم معهم جميع الأساليب والوسائل الدعوية إلا أنهم كانوا يكذبونه ويزجرونه، ويتهمونه بالجنون والسخرية والاستهزاء، فلما بلغ السيل الزبى دعا ربه فقال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) [القمر:١٠]. وانتصر له من قومه، فقال جل جلاله: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) ) [الصافات:٧٥-٧٦]. وعليه، ليصل إلى بغيته ويحقق به آماله وطموحاته. وبما أن دعوته فيهم طالت فلنا أن نتخيل حجم هذا الإيذاء طيلة هذه القرون، وعندما كان نوح عليه السلام يواجههم ويخاطبهم في أمر الدعوة كان لا يلقى منهم إلا الكذب والزجر والاتهام بالسخرية والاستهزاء، هذا بالإضافة إلى التهديد الصريح المباشر الذي كانوا يلجؤون إليه عندما لا يجدون منطقًا سليمًا وحجة قوية يردون بها على نوح عليه السلام، ومع ذلك لم نجده عليه السلام قد ثأر لنفسه ولو مرة واحدة فقط، وقال بكل بساطة: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ) [الشعراء:١١٧-١١٨]. لأنه يواجه أقوالًا وتصرفاتٍ كثيرةً من شأنها أن تثير غضبه، تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق الرفيع أيضًا، فمن خلال الحوار الذي دار بينه وبين قومه لأجل الدعوة نجد أنهم اشترطوا على نوح عليه السلام أن يطرد الذين آمنوا معه من الضعفاء والفقراء، أو أن يخصص لهم مجلسًا خاصًّا بهم لا يلتقون فيه مع هؤلاء الضعفاء والفقراء الذين سموهم أراذل القوم، وهذا من باب استكبارهم وأنفتهم وترفعهم، وليس بالموازين الوضعية الحقيرة التي يزنون بها من الغنى والثراء بل تواضع لهم،
صفاته وأخلاقه عليه السلام
من خلال استعراض مواضع الآيات التي ذكر فيها نوح عليه السلام وفيما يخص صفاته وأخلاقه فقد اهتديت إلى أن هذه الصفات والأخلاق يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه مع الله تعالى:
لقد اتصف نوح عليه السلام بصفات أخلاقية مع ربه عز وجل، وبيان ذلك فيما يأتي:
الإخلاص.
لقد وصف الله تعالى نبيه نوحًا عليه السلام بخالص الإيمان، وكمال العبودية لله تعالى، وشدة خضوعه وانقياده وتسليمه لأوامر الله عز وجل، ووصفه تعالى بهذه الصفة في معرض الحديث عن إهلاك الأمم السابقة التي كذبت أنبياء الله تعالى ورسله، فاستثنى عباد الله الذين أخلصهم للإيمان برسله من المنذرين الذين وقع بهم عقاب الله تعالى
.
فيقول الله عز وجل: (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ) [الصافات:٧١-٨١].
ومن جملة عباد الله تعالى نوح عليه السلام، فقد مدحه الله تعالى بقوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ )، أي: كان نوح مخلصًا لله تعالى في عبوديته، كامل الإيمان واليقين
.
وكلمة (المخلصين) فيها قراءتان:
الأولى: بكسر لام (المُخْلِصين)، والمعنى: من آمن بالرسل من الأمم، فأخلص العمل والإيمان لله تعالى.
الثانية: بفتح لام (المُخْلَصين)، والمعنى: من آمن بالرسل، وكان قد أخلصه الله تعالى بالإيمان والتصديق في سابق علمه، فوفقه له
.
ويتبين أيضًا أن نداء نوح عليه السلام لله عز وجل بإخلاص كان سببًا في إجابة الله تعالى لدعوته
.
وقال أبو زهرة في تفسير قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) ) [الإسراء:٣]:
«أنه كان عبدًا يحس بنعمة العبودية لله تعالى، فلم يكن ذا جبروت، بل كان خاضعًا لله سبحانه وتعالى. والخضوع لله تعالى وحده هو العزة التي لا ذل فيها ولا استكبار»
.
الإحسان.
وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام بصفة الإحسان هذه بعد تعداده للنعم التي أنعمها الله تعالى عليه من جعل الدنيا مملوءةً من ذريته، ومن إبقاء الثناء الحسن له على جميع ألسنة الناس، ومن إجابة دعوته، فهذه التكرمة لنوح عليه السلام وهذه التشريفات الرفيعة له؛ لأنه كان محسنًا لله عز وجل في أقواله وأفعاله، ومعروفًا بهذه الصفة،
فقال جل جلاله: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ).
فجملة (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) تعليلٌ لاستحقاق نوح عليه السلام تلك التشريفات الرفيعة بكونه عليه السلام من زمرة المعروفين بالإحسان، ثم علل الله عز وجل هذا الاستحقاق للإحسان بأنه كان عبدًا لله تعالى مؤمنًا.
فهذا الوصف هو أقصى صفات المدح والتعظيم
، ففيه بيان أن أعظم الدرجات وأرفعها إلى الله تعالى هو الإيمان بالله عز وجل والانقياد لطاعته الذي ينبثق عنه كل الصفات الجليلة والأخلاق الحميدة.
كما تمثل إحسان نوح عليه السلام في مجاهدته لأعداء الله تعالى بالدعوة إلى دينه، والصبر الطويل على أذى قومه، ومطاولته لهم في سبيل الله تعالى، وغير ذلك من ألوان عبادته عليه السلام وأفعاله وأقواله
.
التوكل والثقة.
اتصف نوح عليه السلام بهذه الصفة، وتخلق بهذا الخلق، حيث دعا قومه على هذا الأساس فلم ييأس، ولم يمل، فقد دعاهم إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عامًا، سالكًا وآخذًا جميع السبل في ذلك -كما سيأتي في أساليب دعوته- فقال الله تعالى عنه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) ) [نوح:٥-١٠].
فلما أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا هذا العدد القليل، ورأى أنه لم تعد هناك من فائدة في دعوة قومه، وأنهم مصرون على كفرهم وجحودهم، فقد حان الآن وقت المفاصلة، فقال لقومه: (يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) ) [يونس:٧١].
وبالرجوع إلى تفسير هذه الآية الذي مر معنا نجد أن نوحًا عليه السلام قد واجه قومه، ولم يمتلك سوى رصيد الاعتماد والتوكل على الله عز وجل الذي أرسله إلى هؤلاء القوم، فقد حاول هدايتهم كثيرًا، ولكنهم لم يستجيبوا
. فقول نوح عليه السلام: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ) نجد أنه حصر من يتوكل عليه وما يعتمد عليه في دعوة قومه على الله عز وجل وحده، وهذا مستفادٌ من تقديم شبه الجملة (على الله) على الفعل (توكلت). وفي هذا الكلام منه عليه السلام ما يدل على مدى وثوقه بنصر ربه الذي أرسله، كما يدل على عدم مبالاته بما يتوعده به قومه
.
ثم إن قوله عليه السلام: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ) يظهر التحدي الكبير، فهو يطلب منهم أن يجتمعوا وشركاءهم على أمر واحد، وألا يكون هذا الأمر فيه خفاء أو غموض، ثم ينفذوا ما اتفقوا عليه دون تهاون أو تردد أو تأجيل، فهل هناك تحدٍّ للخصم أكثر من هذا؟!
.
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب «إنه التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئٌ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه! فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميعًا؟ كان معه الإيمان القوة التي تتصاغر أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير، وكان وراءه الله الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان! إنه الإيمان بالله وحده، ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه، فليس هذا التحدي غرورًا، وليس كذلك تهورًا، وليس انتحارًا، إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية، التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان »
.
ويخلص من هذا إلى أن الدعاة إلى الله عز وجل يجب عليهم أن يتخذوا من التوكل زادًا لهم في سبيل تبليغ هذه الدعوة، ولهم في ذلك أسوة بجميع الأنبياء والرسل وخاصة نوح عليه السلام، الذي مكث طويلًا وهو يدعو قومه دون سأمٍ أو ملل، فيجب عليهم أن يقفوا في وجه الطغاة، ولن يضرهم هؤلاء الطغاة إلا أذىً من أجل الابتلاء الذي يمحص القلوب حتى تعود الكرة للمؤمنين ويحق وعد الله تعالى لهم بالنصر والتمكين
.
وأخيرًا فقد أعجبني كلام محمد رشيد رضا الذي عقب به على تفسير هذه الآية فقال: «هذه الآية من أبلغ آيات القرآن عبارة، وأجمعها على إيجازها للمعاني الكثيرة من علم النفس، ودرجة إيمان الأنبياء المرسلين وثقتهم بالله عز وجل، وشجاعتهم واحتقارهم لكل ما في الحياة الدنيا من أسباب الخوف من غيره والرجاء فيما سواه، وبيان خاتمهم لسنته تعالى فيهم وفي أقوامهم، وحسن وعظه لهم بوحي ربه تعالى، فهو يضرب لحاله ومقامه معهم مثل نوح مع قومه في غرور كل منهم بكثرتهم وقوتهم وتكذيبهم واحتقارهم لرسوله ولمن آمن معه من الضعفاء والفقراء، ولما يعتز به كلٌ من الرسولين من التوكل على الله والاعتماد عليه في النصر والعزة وحسن العاقبة، والجزم بإهلاك المصرين على تكذيبه، ونجاة المؤمنين المتبعين له بجعلهم خلائف الأرض وأصحاب السلطان فيها»
.
الشكر.
أثنى الله تعالى على نوح عليه السلام في قوله عز وجل: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) ) [الإسراء:٣].
وقد وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام في الآية المذكورة بوصفين:
الأول: أنه عبدٌ لله تعالى، معترفٌ له بالعبودية، غير متكبر بالإشراك، فكان يحس بنعمة العبودية لله جل جلاله، فلم يكن ذا جبروت، بل كان خاضعًا لله تعالى وحده، وهذا الخضوع هو الذي يحمل معنى العزة لنوح عليه السلام.
الثاني: أنه شديد الشكر لله تعالى على ما أنعم به عليه في سرائه وضرائه
.
وكلمة (شكور) هي صيغة مبالغة على وزن (فعول) التي تفيد الكثرة. فنوح عليه السلام كان دائم الحمد لله تعالى في كل فعل يقوم به، فقد روي عنه أنه: (كان نوح إذا طعم طعامًا أو لبس ثوبًا حمد الله، فسمي عبدًا شكورًا)
.
وفي هذه الآية تذكير لبني إسرائيل بأن الله تعالى قد نجى نوحًا عليه السلام من الهلاك بسبب شكره هو وشكر الذين معه في السفينة، ففيها تحريضٌ وحثٌّ لذريته على التأسي والاقتداء بنوح عليه السلام في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم لما أبقاهم واستخلفهم في الأرض،وأغرق غيرهم
.
الاستغفار.
ورد طلب نوح عليه السلام المغفرة من الله عز وجل في قوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) ) [نوح:٢٨].
فنوح عليه السلام وإن كان من الأنبياء الذين هم معصومون من الخطأ والذنب والزلل فإنه لا يسعه إلا حلم الله تعالى وعفوه ورحمته
، فكأنه يقول: يا رب، أسألك أن تغفر لي ذنوبي. فكان عليه السلام دائم الاستغفار لله عز وجل، فإن الاستغفار دواء الذنوب، وشفاء القلوب، وبه النجاة والأمان من الهلاك، كما أنه نعمةٌ وسببٌ في التخلص من كل بلاء ومصيبة، وكذلك هو سبب لحصول الرزق، بالإضافة إلى أنه سبب لحصول رضا الله جل جلاله.
وقد أمر نوح عليه السلام قومه بالاستغفار حين قال: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ) [نوح:١٠-١٢].
ولا يعقل أن يأمر قومه بفعلٍ ولا يأتيه، فهو أكثر الناس في زمانه عبودية لله تعالى، ومن ضمن خضوعه لله عز وجل طلبه المغفرة منه سبحانه وتعالى.
بر الوالدين.
لما طلب نوح عليه السلام المغفرة من الله عز وجل لنفسه لم يقتصر على ذلك، فطلبها أيضًا لمن كانا سببًا في وجوده، وهما والداه، فقال في دعائه: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) ) [نوح:٢٨].
ويذكر المفسرون أنهما كانا مؤمنين
.
وفي تخصيصهما بالذكر تأكيد حقهما، وتقديم برهما، فهما أحق بالدعاء من غيرهما، ثم بعد ذلك عمم بالدعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ ليكون ذلك أبلغ في الدعاء
.
ويؤكد هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)
.
فيعتبر دعاء نوح عليه السلام لوالديه بالمغفرة من باب البر لهما.
ثانيًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه:
لقد اتصف نوح عليه السلام بصفات وأخلاق، وبيان ذلك فيما يأتي:
الإيمان بالدعوة.
لقد أثنى الله تعالى على نوح عليه السلام لما قال فيه: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ) [الصافات:٨١].
هذا الإيمان هو الدافع المحرك للقوى الكامنة في نفس المؤمن، فيجعله دائمًا في شوقٍ للعمل بما يرضي الله عز وجل، كما يدفع صاحبه إلى تحقيق هدفه وغايته التي آمن بها، وإلى إخلاص العمل ليتحقق له ما يسعى إليه، فهذا الإيمان لا يترك صاحبه يهدأ حتى يرى جميع الناس قد دخلوا في دين الله تعالى، ويرى راية الحق والإسلام عالية خفاقة في كل مكان وزمان
.
وتظهر هذه الصفة جليةً في شخصية نوح عليه السلام في الآية التي فاصل فيها قومه، وهي قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) ) [يونس:٧١-٧٢].
وقد تقدم تفسير الآية سابقًا بالإضافة إلى إبراز صفة التوكل عند نوح عليه السلام، وبالرجوع إلى تفسير الآية مرة أخرى يتجلى لنا الفرق الجذري بين موقف نوح عليه السلام وموقف قومه.
أما نوح عليه السلام فقد كان يمثل موقف المؤمن الجريء الجسور الذي لا يخشى الصعاب، ولا يعرف التردد والتراجع، ولا يهاب الموت في سبيل دعوته، ويتحدى جميع الخلق فيما يريدون أن ينفذوه فيه، هذا كله؛ لأنه مؤمن بدعوته. أما موقف قومه فكان موقف الهياب الضعيف الجبان المتخاذل المتردد، الذي لم يكن باستطاعته أن يتخذ موقفًا أو قرارًا حاسمًا بشأن نوح عليه السلام، الذي كانت هيبة الإيمان تعصمه وتحميه من مكائدهم ومخططاتهم الشريرة
.
القدوة الحسنة.
إن الداعية يكسب لدعوته بسلوكه الحسن وأخلاقه الحسنة ما لا يكسبه بكلماته وخطبه ومواعظه العديدة، فالقدوة الحسنة تعتبر دعوةً صامتة، فالناس يتأثرون بسلوك الدعاة العملي أكثر من الخطب الرنانة، فكيف يطلب الدعاة من الناس تنفيذ أمر معين وهم لا يفعلونه، وهذا مصداق قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ) [البقرة:٤٤].
وتظهر هذه الصفة واضحة في شخصية نوح عليه السلام عندما قال لقومه: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [يونس:٧٢].
فكأنه يقول لهم: أنا أول داخل في هذا الدين الذي أدعوكم إليه، وأول فاعل لما أمرتكم به
. فهو مستقيمٌ على شرع الله عز وجل.
العمل والقدرة على الكسب.
إن من المروءة أن يكسب الإنسان رزقه من تعبه وجهده وعمل يده، وكان أنبياء الله تعالى ورسله يعملون، ولم يكن منهم أحدٌ عالة على أحد، وقد أرشدهم الله تعالى إلى الصناعات؛ لعظيم نفعها، فنوح عليه السلام قد أمره الله تعالى بصناعة السفينة التي سوف يسلك فيها طريق النجاة هو ومن آمن معه.
يقول الله تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) ) [هود:٣٧-٣٨].
هذا يعني أنه كان نجارًا، وإلا كيف يصنع السفينة وليس لديه علمٌ بهذه الصناعة؟! وقد روي من حديث ابن عباس أن داود كان زرادًا يصنع الزرد والدروع، وكان آدم حراثًا، وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا، وكان موسى راعيًا
.
وفي ذلك إعلاءٌ لشأن العمل ودليلٌ على شرف العاملين، كما في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)
.
علو الهمة.
ذكر الجرجاني في تعريف الهمة قوله: «توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق؛ لحصول الكمال له أو لغيره»
. هذا وقد أثنى الله عز وجل على أصحاب الهمم العالية وفي طليعتهم ومقدمتهم الأنبياء والرسل عمومًا، وأولو العزم خصوصًا، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
، فقال عنهم: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) [الأحقاف:٣٥].
ونوح عليه السلام هو أحد أولي العزم من الرسل، وتجلت همته العالية في مجاهدته في إعلاء كلمة الله عز وجل، والدعوة إلى الحق ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهرًا
. فهو عليه السلام لم يتوان لحظةً، ولم يقصر طرفة عين في دعوة قومه إلى توحيد الله تعالى، فطال مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وفي هذا دعوة إلى الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بعلو همتهم في هذا المجال.
الثبات.
لما عجز قوم نوح عليه السلام عن جداله وانهزموا أمام دعوته وحجته ومنطقه القوي السليم لجأوا إلى التهديد الصريح للرسول الذي جاءهم من عند الله تعالى ليدعوهم إلى الخير وإلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وهذا التهديد منهم يدل على أنهم كانوا أقوياء، وأنهم أصحاب جاه وبطش، وأنهم قادرون على إنفاذ تهديدهم، وهذا التهديد هو سلاح الطغاة دائمًا عندما لا يجدون حجة قوية يواجهون بها صاحب الحق، فقالوا له: إذا لم تنته عن دعوتك هذه فسوف نرجمك بالحجارة حتى الموت. ولكن نوحًا عليه السلام لم يخفه هذا التهديد فظل ثابتًا على موقفه ومبدئه، وقابل هذا التهديد بكل أدب وثبات، فما كان منه إلا أن شكا قومه إل الله تعالى طالبًا منه أن يفصل بينه وبينهم
، فقال: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ) [الشعراء:١١٧-١١٨].
الولاء والبراء.
عندما رفض ابن نوح أن يؤمن ويستجيب لدعوة أبيه عليه السلام وهلك وكان من الغارقين، دفعت عاطفة نوح عليه السلام إلى معرفة مصير ابنه، فقال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) [هود:٤٥].
فأجابه الله عز وجل بقوله: (يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) ) [هود:٤٦] لأنه بكفر ابنه وجحوده انقطعت الولاية بينه وبين ابنه، فقد عمل أعمالًا ليست صالحة، وبذلك صار ليس من أهله، وأرشده الله تعالى إلى عدم السير والانقياد وراء عاطفته وشفقته عليه، فاستعلى نبي الله نوح عليه السلام على عاطفته، ورضي بحكم الله تعالى، فما كان منه إلا التسليم المطلق والاتباع لما يحبه الله تعالى ويرضاه، والولاء كذلك لمن يحبه الله، والبراء والعداء لمن حاد الله تعالى، ولو كان ابنه وزوجته التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) ) [التحريم:١٠].
الصدق.
وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام بهذه الصفة في معرض الحديث عن أخذه الميثاق الغليظ من الأنبياء عمومًا، وخاصةً أولي العزم من الرسل، ونوح عليه السلام أحد أولي العزم الخمسة الذين قال الله تعالى فيهم: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) ) [الأحزاب:٧-٨].
والمعنى: اذكر أيها الرسول الكريم وقت أن أخذنا العهد الوثيق من جميع الأنبياء السابقين على أن يبلغوا دين الله عز وجل، وأن يجاهدوا في سبيل تحقيق تلك الغاية بإخلاص العبادة لله جل جلاله، وعلى أن يصدق بعضهم بعضًا في أصول الشريعة ومكارم الأخلاق، وقد أخذ الله تعالى هذا العهد والميثاق منك أيها الرسول ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام الذين هم أولو العزم من الرسل، الذين تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى أكثر مما تحمله غيرهم من الأنبياء، والسبب في أخذ الله عز وجل هذا الميثاق الغليظ ليسأل الأنبياء عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم، وماذا رد عليهم أقوامهم
.
ولكن الله تعالى يعلم أن هؤلاء الأنبياء صادقون، فلماذا سوف يسألهم يوم القيامة عن صدقهم في تبليغ الرسالة؟ والجواب على هذا السؤال يكمن في حكمتين:
الأولى: أن في هذا السؤال تشريفًا لهؤلاء الرسل وتكريمًا لهم، فيثيبهم جنات النعيم
.
الثانية: فيه توبيخ للمكذبين لأنبيائهم فيما جاءهم به هؤلاء الأنبياء من كلام صادق وإرشاد حكيم، وفيه وعيد لهم؛ لأنه إذا كان الأنبياء سوف يسألون فكيف بغيرهم؟! فيعذبهم العذاب الأليم
.
ومما ينبغي الإشارة إليه أن يكون الداعية صادقًا في دعوته؛ لأن المقصد من هذه الدعوة هو هداية الناس إلى البر والتقوى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكيف يحقق الداعية هذا وهو غير صادق؟!. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن يكون صادقًا في قوله؛ لأنه يبلغ دعوة الله تعالى كما جاءت، فما يقوله ليس تعبيرًا عن رأيه الشخصي، فهذا يدفع المدعوين إلى تصديقه والاستجابة له.
الأمانة.
أخبر الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام لما كان يدعو قومه إلى توحيد الله عز وجل:(إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) ) [الشعراء:١٠٦-١٠٨].
وقول نوح عليه السلام: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) يخرج على قولين:
الأول: ذكر المفسرون أن نوحًا عليه السلام قد تخلق بهذا الخلق قبل بعثته، فإن قومه كانوا يعرفون صدقه وأمانته من قبل، كصدق محمد صلى الله عليه وسلم وأمانته في قريش قبل بعثته.
والمعنى: كنت أمينًا فيكم قبل دعوتي إياكم إلى الله تعالى، فتصدقونني في جميع ما أخبركم به، فما بالكم لا تصدقونني الآن لما أخبرتكم أني رسول الله إليكم؟!
الثاني: كأن نوحًا عليه السلام يقول: إني لكم رسول من الله تعالى، أمينٌ على وحيه إلي بإرساله إياي إليكم، جعلني الله تعالى أمينًا فيما بعثني به، أبلغكم رسالة ربي لا أزيد فيها، ولا أنقص منها شيئًا، وأؤدي الأمانة شئتم أم أبيتم، قبلتم الدعوة أم توليتم، فقد وضح لكم صدقي، وبانت أمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه، فأنا لا أخاف ما تتوعدونني به
.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الداعية يجب عليه أن يكون مشهورًا بالأمانة بين الناس؛ حتى يصدقوا ما يدعو إليه ولا يتهموه بما قد كان منه إذا لم يكن كذلك.
النصيحة.
هذا الخلق يتضمن الرحمة بالناس، والشفقة عليهم، والرأفة بهم، والحرص على إنقاذهم من الضلالة إلى الهداية؛ لئلا يتعرضوا لعذاب الله عز وجل وعقابه.
فهذا نوح عليه السلام يقول الله تعالى فيه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) ) [الأعراف:٥٩-٦٢].
والمعنى: أن الله عز وجل بعث نوحًا عليه السلام إلى قومه؛ ليدعوهم إلى إفراد الله تعالى وحده بالعبودية؛ لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، وما سواه عز وجل مخلوقٌ مدبرٌ له، ليس له من الأمر شيء. وكأنه يقول لهم: يجب عليكم أن تخضعوا لله تعالى بالطاعة وإخلاص العبادة له، فليس لكم من إله يستحق العبادة غيره، فإن لم تفعلوا وبقيتم على ما أنتم عليه من الكفر والجحود فإني أخاف عليكم أن يحل عليكم يومٌ يعظم فيه بلاؤكم
.
ويقصد بهذا اليوم يوم الطوفان الذي هلكوا فيه جميعًا في الدنيا، أو يوم القيامة الذي ينتظرهم فيه العذاب في الآخرة.
فقول نوح عليه السلام: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يعد من «نصحه عليه السلام وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي والشقاء السرمدي، كإخوانه المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم»
.
كما أن قوله عليه السلام: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) يعني: أن وظيفتي هي أن أبلغكم ما أرسلني به الله عز وجل إليكم ببيان توحيده وأوامره ونواهيه؛ أني أقصد لكم الصلاح والخير والفلاح في الدنيا والآخرة
، وأعلم من الله تعالى ما لا تعلمونه.
فهو يعلم عن طريق الوحي من أمر الله وسنته في خلقه وما يتبع هذه الدنيا من أحوال الآخرة ما لا يعلمون، ويعلم أن الله ذو القوة المتين، وأنه يبطش بالمكذبين المعاندين، وقوم نوح لا يعلمون ذلك لأنهم أول أمة عذبها الله بكفرها، فأزالها من على وجه الأرض، ولم يبق إلا من آمن مع نوح. قال ابن كثير: «وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا فصيحًا، ناصحًا بالله، لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات»
.
وهكذا عندما يتحلى الداعية بهذا الخلق، فإنه يتبين لدى المدعوين مدى حرصه على هدايتهم؛ لئلا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهذا يكون على وجه النصيحة لهم والشفقة عليهم فيلتفوا حوله، ويسمعوا منه، ويستجيبوا له. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)
.
الزهد.
عند الاطلاع على قصة نوح عليه السلام في مخاطبته لقومه نجده يقول: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) [يونس:٧٢].
وفي موضع آخر يقول: (وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) [هود:٢٩].
فإنه يؤكد على أن عدم استجابتهم لدعوته لا يعود إلى سؤاله المال منهم، فيثقل عليهم مكافأته
عند استجابتهم، أو يثقل عليه عند إعراضهم وتوليهم
.
وكذلك نجد في قصص الأنبياء مع أقوامهم أن جميع الأنبياء والرسل عندما كانوا يخاطبون أقوامهم يبينون لهم أنهم لم يطلبوا من وراء دعوتهم مالًا أو أجرًا على ذلك أو مقابل استجابتهم، فيقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا. فيمتنعون عن قبول الدعوة. فكأن الرسل عليهم السلام يقولون لأقوامهم: «لو أنكم فطنتم إلى حقيقة الأمر لكان من الواجب أن يكون لنا أجر على ما نقدمه لكم من منفعة، لكنا لا نريد منكم أنتم أجرًا، إنما سنأخذ أجرنا من رب العالمين؛ لأن المنفعة التي نقدمها لكم لا يستطيع بشر أن يقومها، وإنما القادر على تقييمها هو واضع المنهج سبحانه وتعالى ومنزله على رسله»
.
وعليه، فإن هذه الصفة هي سنة مطردة عند جميع الأنبياء والمرسلين، فهم لا يطلبون لأنفسهم أجرًا مقابل دعوتهم، ولا يؤملون لأنفسهم عند أقوامهم قدرًا ومكانة، فعملهم -الذي هو تبليغ الدعوة لله عز وجل - لا يطلبون عليه شيئًا من غيره جل جلاله، فمن سلك من الدعاة والعلماء سبيلهم ومسلكهم واقتفى أثرهم فإنه سوف يحشر في زمرتهم، ومن أخذ على إصلاحه عوضًا من أحد، أو اكتسب بسداد رأيه جاهًا لم ير من الله تعالى إلا ذلًّا وهوانًا وصغارًا
.
فهذه الصفة هي من أهم الصفات في نجاح الداعية في مهمته؛ لأنه إذا تعلق قلبه بالدنيا واشتغل بتحصيلها كان هذا حائلًا بين الداعية والناس، فلا يسمع أو يستجيب له أحد؛ لذلك يجب على الداعية أن يزهد عما في أيدي الناس فضلًا عن أن يكون كريمًا حتى يجمع الناس حوله ولا ينفرهم.
الصبر.
تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق الرفيع، فقد تحمل أذى قومه تسعمائة وخمسين عامًا وهي أطول فترة دعوة، واستخدم معهم جميع الأساليب والوسائل الدعوية إلا أنهم كانوا يكذبونه ويزجرونه، ويتهمونه بالجنون والسخرية والاستهزاء، فلما بلغ السيل الزبى دعا ربه فقال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) [القمر:١٠].
وقال في آية أخرى: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) ) [نوح:٢٦-٢٧].
فأجاب الله تعالى سؤاله، وانتصر له من قومه، فقال جل جلاله: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) ) [الصافات:٧٥-٧٦].
وعليه، فإن الصبر على الأذى هو سلاحٌ قويٌّ يجب على الداعية التسلح به؛ ليصل إلى بغيته ويحقق به آماله وطموحاته.
الحلم.
كثيرًا ما أوذي نوح عليه السلام من قومه أشد الإيذاء، وبما أن دعوته فيهم طالت فلنا أن نتخيل حجم هذا الإيذاء طيلة هذه القرون، وعندما كان نوح عليه السلام يواجههم ويخاطبهم في أمر الدعوة كان لا يلقى منهم إلا الكذب والزجر والاتهام بالسخرية والاستهزاء، هذا بالإضافة إلى التهديد الصريح المباشر الذي كانوا يلجؤون إليه عندما لا يجدون منطقًا سليمًا وحجة قوية يردون بها على نوح عليه السلام، فقد هدد عليه السلام بأنواع كثيرة من التهديدات، وأقسى ما هدد به هو الرجم حيث قالوا: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) ) [الشعراء:١١٦].
ومع ذلك لم نجده عليه السلام قد ثأر لنفسه ولو مرة واحدة فقط، وإنما كل ما فعله أن توجه إلى الله عز وجل بالدعاء، وقال بكل بساطة: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ) [الشعراء:١١٧-١١٨].
من أجل هذا يعد الحلم هو سيد الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتحلى بها؛ لأنه يواجه أقوالًا وتصرفاتٍ كثيرةً من شأنها أن تثير غضبه، فإذا لم يتحل الداعية بهذا الخلق نفر عنه الناس ولم يجتمع عتيه أحد، ومن ثم لن يستطيع أن ينجح في مهمته.
التواضع.
تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق الرفيع أيضًا، فمن خلال الحوار الذي دار بينه وبين قومه لأجل الدعوة نجد أنهم اشترطوا على نوح عليه السلام أن يطرد الذين آمنوا معه من الضعفاء والفقراء، أو أن يخصص لهم مجلسًا خاصًّا بهم لا يلتقون فيه مع هؤلاء الضعفاء والفقراء الذين سموهم أراذل القوم، وهذا من باب استكبارهم وأنفتهم وترفعهم، ولكن نوحًا عليه السلام رفض هذا الطلب، وبين لهم أنهم يجهلون الميزان الحقيقي الذي يوزن به الناس عند الله عز وجل، وهو الإيمان، فهؤلاء المؤمنون في رعاية الله تعالى وحمايته، وليس بالموازين الوضعية الحقيرة التي يزنون بها من الغنى والثراء
. فقال الله تعالى مصورًا هذا الموقف على لسان نوح عليه السلام: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) ) [هود:٢٩-٣٠].
فيظهر تواضع نوح عليه السلام في عدم طرده للمؤمنين معه الذين هم من طبقة الضعفاء والفقراء، بل تواضع لهم، وأجلسهم في مجلسه، يتدارس وإياهم سبل التقرب إلى الله عز وجل. وهكذا يكون نوح عليه السلام قد خفض جناحه وتودد لهؤلاء المؤمنين به وبدعوته.
ويتبين من هذا أن الداعية يجب عليه أن يتحلى بهذا الخلق؛ حتى يكون قادرًا على جمع الأنصار حوله، فبالتواضع يحبه الناس، ويلتفون حوله، ويستمعون إليه، ويتأثرون به؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: (وإن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ)
.
هذا على صعيد الناس، أما عند الله تعالى فإن صاحب هذا الخلق يزيده الله تعالى رفعةً وقدرًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...
تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...
السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...
يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...
Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...
لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...
لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...
يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...
The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...
فقد هدفت دراسة () الي سهولة استخدام استخدام بيئة تعليم إلكتروني مُدمجة بمقاطع فيديو للغة الإشارة، وع...
قادة الشباب في مجال المناخ يلتقون وزير الشباب قبيل مشاركتهم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP...