Online English Summarizer tool, free and accurate!
طعم الإهانات التي تلقاها من سعيد : الاعتقال ثم إصدار حكم الإعدام، والتهديد بالتنفيذ كل يوم. وأخيراً حين وافق مضطراً قال إنه يفعل ذلك إكراماً للقنصل لأن الآغا يستحق الإعدام أكثر من مرة! أما حين أرسل إلى البصرة ليقضي باقي أيام سجنه هناك، استعاد الآغا هذا الشريط من الذكريات فامتلأت نفسه بالمرارة والحقد، بدا لكل من رآه كأنه خائف وملاحق أبلغ قائد حرس القلعة أن لديه أخباراً هامة لا بد من إبلاغها إلى سعيد باشا، وأن الأمر خطير ولا يحتمل أي تأخير. إذ أن مجيء عليوي بنفسه، بد أن يعتبر أمراً استثنائياً وربما خطيراً، وبعد مشاورات لم إن كان قادراً على تحملها وحده. تطل تقرر إدخال عليوي إلى القلعة . لقد وضع أقدامه على بداية الطريق، ثم تتبعه وهو يتوجه إلى غرفة عزمي أفندي، كان المشوار طويلاً، وقد مر بها سابقاً عشرات المرات، أما الجو المخيم فهو بين الرطوبة والكثافة اللزجة. كان يريد أن يصل إلى غرفة عزمي بأسرع وقت ممكن. أما وهو يدخل الغرفة فعلاً فقد قابلته عينان حمراوان، هل لدى عليوي أخبار لا تحتمل التأجيل حتى الصباح ؟ هل جاء ليتفاوض ؟ ليسلم؟ وهل من المعقول أن يأتي بنفسه لولا الاضطراب والانقسام في معسكر داود؟ بكلمات قليلة، أبلغ عليوي المرافق أنه يطلب مقابلة الباشا على الفور، فقد غادر السراي لتوه ولديه أخبار يريد إبلاغها سعيد باشا شخصياً، وأشار إلى أن كل دقيقة تأخير سيكون ثمنها غالياً، وقد تتحول الأمور بين لحظة وأخرى، إقناع عليوي أن الأمر متعذر في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وإذا كان لا بد من عمل شيء فإما الانتظار حتى الصباح، لا يمكن تحديد قسوة تلك اللحظات ومدى طولها، والذي مضى على حصاره في القلعة أيام عديدة متواصلة، يزداد حيرة وارتباكاً وخوفاً مع كل لحظة تمر ، خاصة في مواجهة الحزم المتزايد الذي يبديه عليوي. ريثما يفكر بطريقة مناسبة، قابلها عليوي باعتذار أقرب إلى الرفض، مع إصرار يتعاظم أن الأمر لا يحتمل أي تأخير . ثم جاءت كلمة قالها عليوي، ستكون كارثة إذا لم أر الوالي فوراً . كانت السكينة تخيم على القلعة، تخلف دوياً يولد الرهبة. وإلى وجوه رجاله الأربعة الذين يرافقونه، كان يحمل في صدره أملاً يائساً بالوصول. أكثر من ذلك شعر أنه ارتكب حماقة سيدفع ثمنها فوراً. لام نفسه على هذا التهور بدخول القلعة، أو أمر جنوده بالقبض عليه . أو تفقد قدرتها على التمييز . كما أن اليائس يمكن أن يتحول إلى وحش، وهي رائحة دم شاخب وكثيف ستكون رائحة دمه، حتى طلب من رجاله الأربعة وبطريقة الأمر، رد عليوي بشكل واثق أن هؤلاء رأوا بأعينهم، وتقبلها عزمي دون أن يفكر بها ، قال خورشيد لعدد من أصدقائه بعد أيام، وكان واحداً من الأربعة الذين رافقوا الآغا : كان وجه سيد عليوي يتبدل كل لحظة . كنت لا أصدق ما تراه عيني وما تسمعه أذني. كان عزمي يهز رأسه وكأن الآغا سحره، وفي الأخير وافق على كل طلباته . وأي مخبل لا يفعل ما فعله سيد عليوي ! يبتسم بحزن وهو يتذكر أشياء عديدة، ثم يضيف بلهجة لا تخلو من تهكم : يا جماعة، وضحكة الآغا شبر ! وما أدري صحت أو تو همت روحي أصيح: وين رايحين يا معودين؟ لكن لما الآغا باوع علينا و خنزر صارت سنطة وكأن الكل موتى. وطب وطبينا على سعيد، لازم نمشي !كل واحد من الرجال الأربعة الذين رافقوا سيد عليوي يروي القصة بطريقته الخاصة، وإذا صدف أن سمع أحداً يرويها، بأن يبتسم ويهز رأسه، مما يعني أن ذلك ليس صحيحاً أو ليس دقيقاً ! وكان في لحظات التجلي يطلب من أحد رجاله الأربعة أن يروي ما حدث ، ولفرط ما فعل ذلك بعضهم أصبح أكثر مهارة وبدل أن يصحح يكتفي بالشتائم أو بالسخرية من هؤلاء الذين رأوا كل شيء بأعينهم ولم يشاهدوا شيئاً وكان يختم مثل هذا الحديث بأن يقول : البني آدم ما يشوف بعينه بس. وبعدها شلون يحجي ويقول ! وحين يرى الإعجاب في عيون الذين يسمعون، يضيف بفخامة : ولازم تعرفون : الكلب اللي ينبح ما يعض ! أما كيف وقعت الأمور فأغلب الظن أن الموت إذا اقترب ينشر رائحة لا يمكن أن يفلت منها أحد، أو منع ما يقع تحت عينيه . حين دخل إلى جناح سعيد باشا، ترامى إلى سمع عليوي صوت نسائي يقول : بالعجل، كانت نابي خاتون نصف مستلقية، فآثار النوم تزال تملأ عينيها ووجهها، خلال اللحظات القصيرة التي مرت تحاول إيقاظ سعيد. كانت تفعل ذلك بطريقة قاسية لكن مليئة بالحنان. ما إن رأت نابي خاتون البلطة تلتمع في الهواء، وهي بين الخوف والرجاء والتهديد، وربما احتضنت بقوة رأس سعيد، هز رأسه أكثر من مرة وبسرعة، كر إلى الجهة الأخرى من السرير، للحظة فكر عليوي أن يقضي على نابي خاتون وعزمي، إذ التمعت عيناه وهو ينظر إليهما بسرعة، لكن وهو يعاود النظر إلى نابي، توقف استجمع نفسه ونظر إلى رجاله، قال وخرجت الكلمات من بين أسنانه : لفوا الرأس . اكو شي بعد؟كان الدم يتدفق كنافورة ليملأ السرير، يفرك وكأنه يقاوم أو يحاول النهوض . وامتلأت الغرفة فجأة ببخار لزج، لأن خطواتهم وهم يتحركون بحثاً عن شيء يلفون به الرأس، وأخيراً سحب أحد الرجال بساطاً أحمر له حواش سوداء وألقاه على الرأس، لكي يلفه به قبل أن يلتقطه ! وامتلأت الغرفة فجأة ببخار لزج، لأن خطواتهم وهم يتحركون بحثاً عن شيء يلفون به الرأس، وأخيراً سحب أحد الرجال بساطاً أحمر له حواش سوداء وألقاه على الرأس، لكي يلفه به قبل أن يلتقطه. أما يداها فكانت تنتقل بين ثقب الرقبة تحاول سده وإيقاف الدماء، وبين شعرها الذي أخذت تنتزعه خصلة بعد أخرى. يديها اللتين كانتا لا تكفان عن الانتقال من مكان إلى آخر، وقد يكون منظرها هذا خاصة العينان، بقية الرحلة كانت سهلة بالنسبة لعليوي : قبل أن يعيد البلطة إلى مكان خفي داخل ملابسه هزها في الهواء. بدت قطرات الدم التي لم تجف بعد، إذ فقدت لمعانها الأول، وخرجت الكلمات من بين أسنانه : شفت شلون انكسرت رقبته . وتقول عيني وآغاتي . صارت أمراً :كان عزمي أفندي يسير بخطوات متعثرة، وعليوي يشد سترته بين لحظة وأخرى لئلا يسهو عما هو مطلوب منه، أو يرتكب حماقة ويخالف تعليمات الآغا في آخر لحظة، لكن الرعب الذي ملأه تماماً جعله يسير في الدهليز كسفينة وانتها الريح، إذ سار باستقامة، بعد أن تم اجتياز الدهليز الأول، وقبل الوصول إلى نقطة الحراسة، قال عليوي بهمس : خليك سبع وما راح ننساها لك . ولم يتردد سيد عليوي في الرد على تحيات الحرس، مع ابتسامة وكانت العيون مركزة عليه، بدا عزمي أفندي متهالكاً على وشك السقوط، لكن عليوي مد إليه يدا صلبة ليجعله قادراً على التماسك في اللحظات الأخيرة. وقال له وهو يبتسم بغل :
في اليوم الأول استراح سيد عليوي، وخلال هذه الاستراحة استعاد الماضي كله. تذوق من جديد، طعم الإهانات التي تلقاها من سعيد : الاعتقال ثم إصدار حكم الإعدام، والتهديد بالتنفيذ كل يوم. ثم تدخل الباليوز لتخفيف حكم الإعدام، وكيف رفض سعيد أول مرة، ورفض في المرة الثانية، وأخيراً حين وافق مضطراً قال إنه يفعل ذلك إكراماً للقنصل لأن الآغا يستحق الإعدام أكثر من مرة! أما حين أرسل إلى البصرة ليقضي باقي أيام سجنه هناك، فقد ترافق ذلك مع الإهانات . استعاد الآغا هذا الشريط من الذكريات فامتلأت نفسه بالمرارة والحقد،وقرر ألا ينتظر، وأن ينتقم بنفسه . قبل أن ينتهي ذلك اليوم وضع خطة جريئة، أقرب إلى التهور، وقرر تنفيذها .ما كاد الليل ينتصف حتى وصل إلى القلعة .بدا لكل من رآه كأنه خائف وملاحق أبلغ قائد حرس القلعة أن لديه أخباراً هامة لا بد من إبلاغها إلى سعيد باشا، وأن الأمر خطير ولا يحتمل أي تأخير. ارتبك قائد الحرس، إذ أن مجيء عليوي بنفسه، وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل، والحاحه في طلب مقابلة الوالي، سعيد باشا، بد أن يعتبر أمراً استثنائياً وربما خطيراً، وقد تترتب عليه نتائج لا يعرف الا خلال فترة قصيرة ارتبكت القلعة كلها واضطربت، وبعد مشاورات لم إن كان قادراً على تحملها وحده. تطل تقرر إدخال عليوي إلى القلعة .
لقد وضع أقدامه على بداية الطريق، ولا بد أن ينجح. كان يمشي بثقة وبخطوات واسعة. كانت العيون جميعها منصبة عليه من الحرس والمرافقين، وكانت تسير معه تلك العيون، ثم تتبعه وهو يتوجه إلى غرفة عزمي أفندي، مرافق سعيد باشا . كان المشوار طويلاً، أو هكذا تراءى له . فالدهاليز التي يعرفها جيداً، وقد مر بها سابقاً عشرات المرات، تبدو له الآن أكثر ضيقاً وأطول. أما الجو المخيم فهو بين الرطوبة والكثافة اللزجة. كان يريد أن يصل إلى غرفة عزمي بأسرع وقت ممكن. أما وهو يدخل الغرفة فعلاً فقد قابلته عينان حمراوان، وكأنها استيقظت تواً من النوم. بدا عزمي خائفاً مرتبكاً، إذ يمكن أن يتوقع أشياء كثيرة عدا هذه الزيارة. هل لدى عليوي أخبار لا تحتمل التأجيل حتى الصباح ؟ هل جاء ليتفاوض ؟ ليسلم؟ وهل من المعقول أن يأتي بنفسه لولا الاضطراب والانقسام في معسكر داود؟ بكلمات قليلة، لكن واضحة، أبلغ عليوي المرافق أنه يطلب مقابلة الباشا على الفور، فقد غادر السراي لتوه ولديه أخبار يريد إبلاغها سعيد باشا شخصياً، وأشار إلى أن كل دقيقة تأخير سيكون ثمنها غالياً، وقد تتحول الأمور بين لحظة وأخرى، خاصة إذا عرف داود .حاول عزمي أفندي، وقد تحول ارتباكه إلى ما يشبه الهلع، إقناع عليوي أن الأمر متعذر في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وأن لا أحد يستطيع إيقاظ الباشا. وإذا كان لا بد من عمل شيء فإما الانتظار حتى الصباح، أو أن يبلغه بالرسالة وسيقوم هو بنقلها . لا يمكن تحديد قسوة تلك اللحظات ومدى طولها، لأن شكل عليوي تغير مرات عديدة. لكن إصراره على لقاء الباشا، وبسرعة، لم يتراجع ولم يتزعزع لحظة واحدة .
وعزمي أفندي المرتبك الخائف، والذي مضى على حصاره في القلعة أيام عديدة متواصلة، يزداد حيرة وارتباكاً وخوفاً مع كل لحظة تمر ، خاصة في مواجهة الحزم المتزايد الذي يبديه عليوي. حتى دعوة الجلوس التي وجهها له، ريثما يفكر بطريقة مناسبة، وبهدوء، قابلها عليوي باعتذار أقرب إلى الرفض، مع إصرار يتعاظم أن الأمر لا يحتمل أي تأخير . ثم جاءت كلمة قالها عليوي، وكأنه ندم لأنها أفلتت منه، ما لبثت أن أصبحت مفتاحاً أو جسراً إلى غرفة سعيد باشا . قال له عليوي، وهو يهزرأسه بندم :
ستكون كارثة إذا لم أر الوالي فوراً ... كارثة عليه وعلي و ... غاب عزمي لحظات، بدت كأنها الدهر. كانت السكينة تخيم على القلعة، وبعض الأصوات التي تصدر عن فتح باب، أو خطوات تجتاز الممر، تخلف دوياً يولد الرهبة. وعليوي الذي نظر بسرعة إلى جدران الغرفة الداخلية، وإلى وجوه رجاله الأربعة الذين يرافقونه، كان يحمل في صدره أملاً يائساً بالوصول. أكثر من ذلك شعر أنه ارتكب حماقة سيدفع ثمنها فوراً. لام نفسه على هذا التهور بدخول القلعة، وتسليم نفسه بهذه السهولة، ولا يعرف الآن ما إذا كان قادراً على الخروج والإفلات من هذا الفخ، خاصة إذا رفض سعيد باشا استقباله، أو أمر جنوده بالقبض عليه . لكن البصيرة، في أحيان كثيرة، تعمى، أو تفقد قدرتها على التمييز . كما أن اليائس يمكن أن يتحول إلى وحش، وقد تغريه أية بارقة أمل، وهذا ما حصل تماماً. إذ ما كاد عزمي يعود، وقد تهللت أساريره، حتى أدرك عليوي أن لحظته قد حانت، وأنه بمقدار تماسكه، بل وسيطرته، حتى على الهواء، ولو للحظات، يمكن أن يظفر، وإلا فإن الرائحة التي تملأ الفضاء المحيط، وهي رائحة دم شاخب وكثيف ستكون رائحة دمه، لا دم أحد سواه .
ما كاد يشير إليه عزمي كي يتبعه، حتى طلب من رجاله الأربعة وبطريقة الأمر، أن يرافقوه حين أبدى عزمي استغرابه من مرافقة الرجال، رد عليوي بشكل واثق أن هؤلاء رأوا بأعينهم، ولا بد أن يسمع الباشا البشارة من أفواههم أيضاً . لم يقل عليوي كل هذا بكلمات واضحة، لكن هكذا فهمها، وتقبلها عزمي دون أن يفكر بها ، ولم يتوقف عندها مرة أخرى . قال خورشيد لعدد من أصدقائه بعد أيام، وكان واحداً من الأربعة الذين رافقوا الآغا : كان وجه سيد عليوي يتبدل كل لحظة . كان يتحول من لون الشوندر إلى لون الكركم، إلى لون التراب، ثم يصير بلون وجوه الموتى. كنت لا أصدق ما تراه عيني وما تسمعه أذني. كان عزمي يهز رأسه وكأن الآغا سحره، وفي الأخير وافق على كل طلباته ..
تتغير لهجة خورشيد وهو يتابع : والله وحده سبحانه، كتب لنا حياة ثانية، وأي مخبل لا يفعل ما فعله سيد عليوي ! يبتسم بحزن وهو يتذكر أشياء عديدة، ثم يضيف بلهجة لا تخلو من تهكم : يا جماعة، وما أكذب عليكم صار قلبي يرفرف ووقع بين رجلي . كنا رايحين لموت مؤكد، وضحكة الآغا شبر ! وما أدري صحت أو تو همت روحي أصيح: وين رايحين يا معودين؟ لكن لما الآغا باوع علينا و خنزر صارت سنطة وكأن الكل موتى. وطب وطبينا على سعيد، وبلمح البصر خلص كل شيء . قال : يا الله، لازم نمشي !كل واحد من الرجال الأربعة الذين رافقوا سيد عليوي يروي القصة بطريقته الخاصة، وبشكل يختلف عن الآخرين. أما عليوي نفسه فلا يحب، أو لا يعرف كيف يجب أن تروى القصة. وإذا صدف أن سمع أحداً يرويها، وكان يحب أن يسمع الآخرين وهم يتحدثون عن ذلك، فكان يكتفي، أغلب الأحيان، بأن يبتسم ويهز رأسه، مما يعني أن ذلك ليس صحيحاً أو ليس دقيقاً ! وكان في لحظات التجلي يطلب من أحد رجاله الأربعة أن يروي ما حدث ، ولفرط ما فعل ذلك بعضهم أصبح أكثر مهارة
في الرواية والحديث عن التفاصيل، لكن كل هذا لا يعجب الآغا، وبدل أن يصحح يكتفي بالشتائم أو بالسخرية من هؤلاء الذين رأوا كل شيء بأعينهم ولم يشاهدوا شيئاً وكان يختم مثل هذا الحديث بأن يقول : البني آدم ما يشوف بعينه بس. القلب يعرف شلون يشوف، وبعدها شلون يحجي ويقول !
وحين يرى الإعجاب في عيون الذين يسمعون، يضيف بفخامة : ولازم تعرفون : الكلب اللي ينبح ما يعض !
أما كيف وقعت الأمور فأغلب الظن أن الموت إذا اقترب ينشر رائحة لا يمكن أن يفلت منها أحد، وهذه الرائحة تخدر الحواس، تخلق حالة يصبح معها الإنسان عاجزاً عن التدخل، أو منع ما يقع تحت عينيه . خلال اللحظات التي غابها عزمي، حين دخل إلى جناح سعيد باشا، ترامى إلى سمع عليوي صوت نسائي يقول : بالعجل، خليهم يجون! لم يتأخر عليوي ورجاله اندفعوا كالبرق .كانت نابي خاتون نصف مستلقية، ويبدو أنها نهضت لتوها . فآثار النوم تزال تملأ عينيها ووجهها، ورائحة الغرفة مزيج من الرطوبة والهواء لا الساكن، وكأنها لم تفتح لأيام متواصلة. وكان يتمدد إلى جانبها، بشكل عرضاني، سعيد باشا. رأسه في حضنها وجسده يشغل الجانب البعيد من السرير . لا يُعرف من أين انتزع عليوي البلطة، أو أين كان يخبئها . فجأة التمعت في فضاء الغرفة وهو يرفعها بقوة وعصبية. كانت نابي، خلال اللحظات القصيرة التي مرت تحاول إيقاظ سعيد. كانت تفعل ذلك بطريقة قاسية لكن مليئة بالحنان. طبطبت على خده، وربما قالت، وهي تحاول أن ترفع رأسه، لكي يتلقى البشارة معها : «قوم، عيني، قوم، ترى الدنيا مقلوبة، وهذول رجالك جوا حتى يبشروك .. ما إن رأت نابي خاتون البلطة تلتمع في الهواء، حتى ماءت مثل قطة مخنوقة . كانت تصدر عنها أصوات عمياء متداخلة، وهي بين الخوف والرجاء والتهديد، وربما احتضنت بقوة رأس سعيد، وكأنها تريد أن تحميه، لأن سعيد، وهو يتحرك، دفع يدها بنزق يريد أن يتخلص منها. فتح عينيه لحظة، لحظة خاطفة، لأنه عاد وأغلقهما بقوة، وكأنه يبعد النوم أو يعود إليه. لا يدرى إن رأى شيئاً خلال تلك اللحظة، لأن خطوات عليوي الواسعة السريعة، لم تمكنه من استيعاب المشهد. هز رأسه أكثر من مرة وبسرعة، لكن يد عليوي كانت أسرع وهي تهوي. كانت الضربة عميقة، حتى بدا صوتها مثل خبطة في ماء عميق، أو في عجين لم يختمر . زهذه الضربة وحدها كانت كافية، لكن سيد عليوي اتبعها بأخرى، فانفصل الرأس وتدحرج ، كر إلى الجهة الأخرى من السرير، ثم سقط بين رجلي عزمي، الذي بدا شاحباً وأخذ يرتجف .للحظة فكر عليوي أن يقضي على نابي خاتون وعزمي، إذ التمعت عيناه وهو ينظر إليهما بسرعة، لكن وهو يعاود النظر إلى نابي، وبتأثير العينين المرعوبتين، وربما المخيفتين أيضاً، لم يستطع أن يواصل لعبته . توقف استجمع نفسه ونظر إلى رجاله، كانت النظرات قاسية كالريح الشتائية . قال وخرجت الكلمات من بين أسنانه : لفوا الرأس .وبعد قليل : ها .. اكو شي بعد؟كان الدم يتدفق كنافورة ليملأ السرير، وكان الجسد ينتفض، يفرك وكأنه يقاوم أو يحاول النهوض . كان الجسد يحاول شيئاً. وامتلأت الغرفة فجأة ببخار لزج، أو هكذا أحس الرجال، وبدت الأرض زلقة، لأن خطواتهم وهم يتحركون بحثاً عن شيء يلفون به الرأس، كانت حذرة متباعدة، وكأنها لا تريد أن تطأ الدم. أما حركات الأيدي، وهي تشد بعض الأغطية فكانت خائفة مرتبكة. وأخيراً سحب أحد الرجال بساطاً أحمر له حواش سوداء وألقاه على الرأس، لكي يلفه به قبل أن يلتقطه !
وكأنه يقاوم أو يحاول النهوض، كان الجسد يحاول شيئاً. وامتلأت الغرفة فجأة ببخار لزج، أو هكذا أحس الرجال، وبدت الأرض زلقة، لأن خطواتهم وهم يتحركون بحثاً عن شيء يلفون به الرأس، كانت حذرة، متباعدة، وكأنها لا تريد أن تطأ الدم. أما حركات الأيدي، وهي تشد بعض الأغطية فكانت خائفة مرتبكة. وأخيراً سحب أحد الرجال بساطاً أحمر له حواش سوداء وألقاه على الرأس، لكي يلفه به قبل أن يلتقطه. كانت نابي، في هذه الأثناء، مصعوقة مجنونة . خرجت العينان من المحجرين، وبدت نظراتها آلية بحركتها السريعة. أما يداها فكانت تنتقل بين ثقب الرقبة تحاول سده وإيقاف الدماء، وبين شعرها الذي أخذت تنتزعه خصلة بعد أخرى. كانت تفعل كل ذلك، وتصدر من الحنجرة أصوات مخنوقة كأنها المواء أو العواء . حاولت أكثر من مرة أن تنهض، لكن ثقل الجسد، تدفق الدماء، يديها اللتين كانتا لا تكفان عن الانتقال من مكان إلى آخر، برتابة وقسوة، كل ذلك جعلها عاجزة، أو لا تدري ماذا تفعل ، وقد يكون منظرها هذا خاصة العينان، ما جعل عليوي يوقف لعبة الدم . بقية الرحلة كانت سهلة بالنسبة لعليوي : قبل أن يعيد البلطة إلى مكان خفي داخل ملابسه هزها في الهواء. بدت قطرات الدم التي لم تجف بعد، قائمة، إذ فقدت لمعانها الأول، وقال لعزمي، وخرجت الكلمات من بين أسنانه : شفت شلون انكسرت رقبته .وبعد قليل، وبغضب : ترى الحبل يلحق الدلو ، فإما توصلنا للباب سلامات، وترفع لنا تمني، وتقول عيني وآغاتي .. أو .... صير آدمي وسبع وامش قدامنا .وتغيرت لهجة عليوي، صارت أمراً :كان عزمي أفندي يسير بخطوات متعثرة، وعليوي يشد سترته بين لحظة وأخرى لئلا يسهو عما هو مطلوب منه، أو يرتكب حماقة ويخالف تعليمات الآغا في آخر لحظة، لكن الرعب الذي ملأه تماماً جعله يسير في الدهليز كسفينة وانتها الريح، إذ سار باستقامة، بإيقاع لا يتغير . بعد أن تم اجتياز الدهليز الأول، وبدأ هبوط الأدراج، وقبل الوصول إلى نقطة الحراسة، قال عليوي بهمس : خليك سبع وما راح ننساها لك .
ولم يتردد سيد عليوي في الرد على تحيات الحرس، مع ابتسامة وكانت العيون مركزة عليه، وهو يخرج أكثر مما كانت مركزة أثناء الدخول. ولم تر تلك العيون، وهي تتابع الآغا، عزمي أفندي ! عند الباب الخارجي، بدا عزمي أفندي متهالكاً على وشك السقوط، لكن عليوي مد إليه يدا صلبة ليجعله قادراً على التماسك في اللحظات الأخيرة. شد على يده، وقال له وهو يبتسم بغل :
ترى .. رجع الهوا غربي .. فاحترس وراجعني !
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
فالتوسع في إقامة المشروعات العامة يؤدي إلى زيادة النفقات العامة، كما أن محاربة الكساد بكل آثاره الضا...
أسفر انقلاب طقم عسكري تابع لمليشيا الحوثي الإرهابية في محافظة ريمة عن مقتل مواطن وإصابة ثمانية آخرين...
الفنانون العالميّون والأجانب الذين استخدموا أسلوب التزاوج الجمالي بتقنية التجميع بين الخامات المعدني...
تضمن القانون التجاري النص على طريقة التصفية الاختيارية أو الودية وذلك من خلال ما يستشف نص المادة 782...
وهو نظام دولاب موازنة فولاذي معياري يعمل دون استخدام عناصر كيميائية. صُمم هذا الجهاز خصيصًا لمراكز ب...
استخدام الذكاء الاصطناعي في الأدب والفن ان استخدام الذكاء الاصطناعي في الأدب والفن، فأراه أداة قوية ...
مقدمة تُعدّ الحضارة الإسلامية واحدة من أعمق الظواهر التاريخية أثراً في مسيرة البشرية، حيث لم تكن مج...
ضربة موجعة ومؤلمة تلقتها القيادات العليا لميليشيا الحوثي عقب صدور بيان رسمي حاسم ادخل الفرح والسرور ...
أعادت وفاة طفل في منطقة الصباحة بالعاصمة المختطفة صنعاء، إثر إصابته بداء الكلب بعد تعرضه لعضة كلب شا...
العَقيدةُ والإيمانُ والتَّوحيدُ: هي في الجُملةِ ألفاظٌ مُتقارِبةٌ عند أهل السُّنَّةِ، إلَّا أنَّهم ق...
كلُّ شخصٍ يرى غيرَه ينتمي إلى فرقةٍ ضالّةٍ و الفئة باغية بس في الحقيقة هو الذي ينتمي إلى هذه الفئة ل...
لما كانت الفكرة النظامية تتخطى الأركان الموضوعية للشركة وتنظر اليها كمجموعة أجهزة متعددة تتكامل وظائ...