Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (Using the clustering technique)
لفضيلة الشيخ: سعيد الكَمَل ي بسم الله الرحمن الرحيم ، الحم د للِ ر بِ العالمين، والصلاة والسلا م على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين ؛ سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الموضوع -كما تعلمون- هو مدخل إلى مذهبِ الإمام مال ك -رحمه الله-، وقد جرت عادة الناسِ إذا أرادوا أ ن يتكلموا في موضو ع قب لَ أن ي ع رِجوا عليه؛ جرت عاد تم أن ي ع رفوا هذا الذي جعِلَ علمًا على ما يتناولونه . ولا بد إذا أن نسلكَ ما سلكوه، نتصور تص ور ا ما، ما المرا د بالمدخلِ؟ وما المرا د بالمذهب؟ المدخل: هذه الكلمة على وزنِ )مَفعَ ل( ، هذا الميزا ن يسميه أه ل الصر فِ المصدر الميم ي. ما الذي يرا د بمدخ ل؟ يراد به من جهة اللغة: إما المصدر تقول: دخل ت مَدخَ لًا، أي: دخل ت دخولًا . ويرا د به اسم المكانِ ، تقول: دخل ت هذا المدخلَ أي: من هذا المكان. وقد يرا د به الزمان أيضًا، }إن تََتَنب وا كَبائرَ مَا ت نْ هَوْنَ عَنْه ن كَ فِرْ عَن كمْ سَي ئاتِ كمْ وَن دْخِلْ كم مدْخَلًا كَريما{ ]النساء 31[ على قراءة نافع بفتح الميم، غيره يقرأ: } م دْخَلًا{ بضم المي م، وهذه لا شاهدَ فيها ، لكن نافعًا يقرأ: { وَن دْخِلْ كم مدْخَ لًا} بالفت ح، وهذه تحتمل: ندخلكم دخولاً كريما ، أو ندخلكم موضِعًا كريما . {لي دْخِلن ه م مدْخَلًا يَ رْضَوْنه } [الحج: 59] إما يقصد به الدخو لَ -ليدخلنهم دخولًا يرضون ه- أو ليدخلنهم موضعًا إذا دخل فيه الداخلون رضو ه . يمكنكم إذا أن تحملوا عنوانَ مجل سِنا هذ ا
- إما على المصدر : دخو ل إ لى مذهب مالك، فنحن إذ اً جلسنا لندخ لَ دخولًا نتعر ف به على مذهبِ الإمام مالك.
- أو تَعلونه اسم مكا ن ، جلسنا في هذا البيت ا لذي هو ظرف ندخل منه إلى مذهب الإمام .
- أو تَعلونه على الزما ن إن شئتم، احملوه على ما شئتم من هذه المحامل الثلاثة فالأمر واسع . والمذهب يقال فيه ما يقال في المدخل؛ لأنه من القاعدة نفسها، مما هو ليس مكسورَ العينِ في المضار عِ تقول: ذهبَ يذه ب فلا تكسِر عينه في المضار ع، لا تقول ذهِبَ يَ ذْ هِ ب . وهو صحيح الفاء ليس واو ي الفاءِ، ليس معت ل اللام، فالمذهب أيضًا ي طل ق على هذه المعاني. لكن الذي ينبغي أن ي فْهَمَ هو أ ن المذهبَ عندما يقا ل: هذا مذه ب مالك، أو مذهب أحمد، فهو ما اختاره إما م من الأئمة في المسائل الاجتهادية. لا يقال مثلًا: مذهب مالك وجوب الصلاة. لا يقال مثلًا: مذهب أحمد تحر ي الخمرِ، لا يقا ل مثلًا: مذه ب الشافع ي تحري الزنا، لا يقال مثلًا: مذهب أبي حنيفة تحري الربا، هذه الأمو ر ليست مذهبا لأحد ، هذه ن ص عليها الن ص نصًّا، فليست مذهبا لأحد. لكن الذي يقال فيه )مذهب فلان كذا ( هو ما اجتهد فيه اجتهادًا، ما استنبطه من النصوص، وهذه هي التي يقال فيها مذه ب فلا ن كذا، والمذه ب عندما يقا ل: مذه ب مال ك، مذه ب أحمد. هو الموضع الذي ذهب إليه في اجتهاده في مسألة من المسائل. كما قال النابغة في إحد ى اعتذارياته: حلفت فلم أترك لنفسي كريبةً وليس وراء اللِه للمرء مذه ب. أي ليس له موض ع يذه ب إليه، الله من ورائه محي ط . الأبواب التي سنل ج منها إلى مذهبِ مال ك أبواب أربعة: الباب الأول: تع رف على صاحبِ هذا المذهب. والباب الثا ني: تع رف على مدارس هذا المذهب. والباب الثال ث: تع رف على أمهات كتب هذا المذهب. والباب الرابع : تع رف على أصول هذا المذهب . وبهذه الأبواب الأربعة نكون -إن شاء الله- ولجنا، يعني دخلنا وتركنا الباب خلف ظهرنا، ما دخلنا دخولًا نحسب أننا أوغلنا في المذهبِ، لكن نتعرف عليه تع رفا . الباب الأول: التعريف بصاحب المذه ب صاحب هذا المذهبِ هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، الحار ث هذا هو ذو أصبح، وذ و أصبح اخ تَلف في نسبه المؤرخون اختلاف ا كبيرا . ومالك أصبح ي حمير ي عر بي مدني ؛ ول دَ في المدينةِ سنة ثلا ث وتسعين، وقيل غير هذا . ونشأ بها وأخذ عن علمائها، وكان له أ خ يقا ل له النضر، كان أخوه مشتغِ لًا بطلبِ الحدي ثِ حتى اشتهر ؛ فلما جاء مالك يدر س الحديثَ كان إذ ا أ ريدَ تعريفه قيل: مالك. فيقال: من مالك؟ يقال: مالك أخو النضر، بعد ذلك صار يقال: النضر أخو مالك. أبوه كان من روا ةِ الحديثِ لكن كان مقِ لًّا، أنس -والد الإمام مالك- كان مقِ لًّا في الحديثِ، وعمه كان من الم كثرين ، عمه أبو سهيل بن مالك، ومالك يروي عنه في الموط أ ، وهو من ا لم كثرين، وهو من شيوخ ال زهري. وج ده مالك بن أبي عامر أحد كبار التابعين من أهل المدينة روى عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعن عثمانَ بنِ عفانَ ، وعن عائشةَ، وعن طلح ةَ ب نِ عبيدِ اللِه -رضي الله عنهم جميعًا-، وكان أح دَ أربع ة دخلوا لي لًا فحملوا جثةَ عثما نَ -رضي الله عنه- بعد قتله فدفنوها ليلًا، وغبوا قبره عن أعين طالبيه. ومال ك هو المرا د في الحديث الذي يرويه أحم د، والترمذ ي، والحاك م عن أبي هرير ةَ -رضي الله عنه- أ ن رسولَ اللِه ﷺ قال: ))ي وشِ ك أن يضْربَ الن ا س أكبادَ الِإبلِ يطل ب ونَ العِلمَ فلاَ يََِ دونَ أَحَدًا أعلمَ مِن عَالِِ المدِينةِ (( . هذا حدي ث اختلف فيه المح دِ ثو ن، روا ه ال ترمذي وقال حس ن صحي ح، صححه الحاك م، وافقهالذه ب وصححه غيرهم، وض عفَه آخرون أيضًا، والخلا ف في ثبوتهِ، وفي تعيينِ المراد بعالِِ المدينةِ؛ قال بع ض العلماءِ: ليس المرا د بعاِلِِ المدينةِ الشخصَ، ولكن المراد به الجن س، جن س عاِ لِِ المدينةِ خ ير من جن سِ العالِِ من غ يرِها في ك لِ زما ن . وقالت طائفة : لا ، بل المرا د رج ل بعينهِ، فلما قالوا هذا تط ل بوا البحثَ : من هو؟ المدينة فيها علماء كث ر، مَنِ الذي يرمي إليه حدي ث الن بِ ﷺ؟ قالوا: لننظر، فاستع رَ ض وا الزم نَ: أما في عهدِ الصحاب ةِ فكان العلما ء فيها كث ر ، ثم إن ه لا يمك ن أنْ ي را دَ بحديثِ الن بِ ﷺ هذا رج ل من الصَحابةِ، لماذا؟ لأ ن الصحا بي لا يل ق ب بالعالِِ؛ لأ ن تلقيب ه بالصحا بِي أشر ف له من التلقي بِ له بالعالِِ، فالمرا د غيره قطعً ا. بدأوا البح ثَ في الطبق ةِ التي بعدهم؛ طبقة التابعين ، فكان في المدينةِ في زمنِ التابعين طوائف من العلماءِ، كان الفقهاء السبعة : سعي د ب ن المسيبِ، وعبي د اللِه ب ن عتبةَ بن مسعو د ، وسليما ن ب ن يسا ر، وعروة ب ن الزبيرِ، وأبو بك ر ب ن عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ ب ن هشا م، وخارجة ب ن زي د ب ن ثاب ت، وسالِ ب ن عبدِ اللِه ب ن عمرَ ، ونافع مولى ابن عمر وأضرابهم، ولِ ي نق لْ أ ن واحدًا منهم ضربت إليه آباط الإبلِ ؛ فإ ذًا ما استطعنا التعي ينَ في هذه الطبقةِ، جاءت الطبقة التي تلي هؤلاء كان فيها أيضً ا طائفة ، كان فيها زي د ب ن أسل م، وصفوا ن ب ن سليْم ، وأبو الزنا دِ عب د اللِه ب ن ذكوان ، وربيعة الرأ يِ -ربيعة ب ن أ بي عبدِ الرحمنِ - وأضرابه م، ومكثوا الى أَنْ تفانو ا، ولِ ي نقَ ل أ ن الإبلَ كانت تضر ب آباطها لواح د من هؤلاء، فما استطعنا التعيينَ. ثم جاءت طبقة مال ك فلم يكن مال ك المتف رد بالعلمِ في المدينةِ، كان فيها في زمنِ مال ك اب ن أ بي ذئ ب ، وكان فيها اب ن الماجشون ، وكا ن فيها الدراوردي ، وكان فيها طوائ ف، لكن الرحل ةَ لِ تكنْ ت عقَ د إلا لمال ك، وما كان يأتي النا س من الأقطار إلا إليه، لا يطلبه، لماذا؟ يتج م ل بالروايةِ عنه، يتزي ن أَنْ يقولَ : روي ت عن مال ك؛ كان من الزينةِ أنْ يقالَ: روي ت عن مال ك. فكانت ت ضرَ ب إليه الرحلة من الأقطارِ البعيدةِ جدًا. وأنت م تعلمون أ ن أبعدَ ق ط ر في ذلك الزمنِ هو الأندلس، وكان الأندلسيون لا يع رجون على العرا قِ مع أ نَّا أد ن إليهم من المدينة، ولكن كان قصدهم المدينة، فجاءت الطبقة التي بعد مال ك لِ ينفرد فيها واح د من أهل المدينةِ بالرحلةِ، فحَملَ شرا ح الحدي ثَ -الذين حكموا بصحته- الحديث على مالك رحمه الله . مال ك على عادة أهلِ المدينةِ في زمان هِ حَفِظَ كتابَ اللِه، ثم أرادَ أنْ يطل بَ العلمَ، وهذا فيه إشارة إلى أن ه لا ي طل ب العل مَ إلا بعد أنْ يُفَظَ كتاب اللِه، هذه كانت سن ة الناسِ يومئ ذ ، وهذه كانت سن ة كل مفل ح فِي العل مِ إلى زمنِ النا سِ هذا، وك ل من اتخذ كتا بَ اللِه ظهريًا ليطلبَ العلمَ فإن ه لا يطل ب علمًا ولا يشدو فيه ، ولا يكون فيه ذ ا شأ ن، وأقول: وإن كنتم ترون الأصولي ين عندما يتحدثون عن شرائ ط العلماءِ وعن أوصافه م -بل عن أوصاف المجتهدين- لا يشرطون فيها أنْ يكونَ حافظا لكتابِ اللِه، بل ولا أنْ يكونَ حافظا لآيا تِ الأحكام، ويكتفون فيها بأنْ يكونَ عالما بمظانَّا، فما ي ذكَ ر في الكتب شيء ، وما يكو ن في واق عِ الناسِ شيء آخر . مالك لما حف ظَ كتابَ اللِه أرا د أنْ يطلبَ العلمَ فقال لأمه المرأة الصالحة -رحمها الله-: أري د أنْ أذهبَ فاكتبَ العلمَ. قالت: تعال البس ثيابَ العلمِ، ثم اذهب فاكتبِ العلمَ. قال: ف ألبستني ثيابًا م ش مرة، وجعلت على رأسي الطويلة، وع ممتني فوقها، ثم قالت: الآن اذهب فاكتبِ العلمَ . وقالت له كلمتها المشهور ة: اذهب إ لى ربيعةَ فخ ذْ من أدبهِ قب لَ أ ن تأخ ذَ من علمِه. ومال ك لِ يترك له أبوه شيئا، وهذا الشأن لا بد له من ما ل ، هناك قصة جميلة تذكَ ر، يذكرون أ ن أبا مال ك -أنس بن مالك بن أبي عامر- قي دَ نفسَ ه في بعثِ الغزوِ، وتر كَ مالكًا في بط نِ أ مِهِ، ومكثَ غائبا أكثرَ من عشرين سنةً، هذا ليس ببعي د في تراجمِ الن اسِ، تَدونَ هذا في تراج مِ علماء كثيرين، يخرج الرج ل فيغيب فيأ تي وابنه قد بدأ الشي ب يخ ط لحيت ه ولِ يره قط؛ لكن القضي ةَ أن ه تركَ عند زوجت هِ مالًا، يقا ل: إن ه ترك عندها ثلاثين أل فَ دينا ر. وقال: هذه أمانة . قالمرأة ما عندها شيء تصر ف به على ولدها فأنفقت المال على ابنها، رجع أبوه بعد أكثرَ من عشرين سنة، مال ك لِ يرَ ق ط أباه، في الوقت الذي جاء الوال د كان مال ك في المسجد في الدرسِ فيحلقته، فذكروا أنه سألها عن الأمانةِ -وهذه أستغربها من أهل المدينة- فقالت: موجودة ما ضاعت، فأمرته أنْ يتهيأَ وأنْ يذهبَ للمسجدِ، فذهبَ، فإذا مال ك يعق د حلقته ، وإذا فيها كبراء أهلِ المدينةِ وشيوخهم و أشرافه م؛ فأعجبه ما رأى في تلك الحلقةِ، فلما رجع قالت: ما رأيت ؟ قال رأي ت شا بًّا قد اجتمع عليه الكبا ر والشِي ب . - ولِ تكن أخبرته بع د أ ن ذاك ابنه - فلما دخل وع رفته قال ت: مَال كَ صرفَ على هذا . وهي قصة طويلة وفيها أ ن مالكًا لما دخ لَ وج دَ رج لًا لا يعرفه دخل على أ مِهِ، وذاك رأى رج لًا دخل على أهلهِ، فتشاجرا حتى دخل ربيعة الرأيِ ، وفرقوا بينهما، هي قصة جميلة جدًا، لكن يشبه أن تكو ن موضوعة، يقول ابن القاس مِ - صاح ب مال ك الذي جالسه أكثر من عشرين عامًا - قال: أفضى بمال ك طل ب العلمِ إ لى أنْ نقضَ سقفَ بيتهِ فبا عَ خشبه ، ثم انَّالت عليه الدنيا بعد. وكان يُتا ل لطلبِ العلمِ ، وطال ب العلمِ يَ ب أنْ يكو نَ فيه شيء من الاحتيالِ، قال: كن ت آتي نافعًا -نافع مولى ابن عمر كان مشهو رًا بشدة الخ لق- قال: فكن ت آتي نافعًا نص فَ النهارِ ، لا يظلني منه شيء ، فأجل س عن دَ عتب ةِ بيت هِ، ح تى إذا خرجَ يري د المسجدَ مشي ت بإزائهِ أ ريه أ ني لا أقصده، فأماشيه ساعةً ، أسأله: ماذا قال اب ن عم رَ في كذا؟ فيجيب ني؛ فأنصرف. كم من الوق تِ يُتا ج مال ك وهو يسأله في ك لِ يو م سؤالًا ؟! قال: كان يأتي ابن هرمز بكر ةً فما ينصر ف منه إلا بالليلِ، وكان أحيا نًا يعطي أمة ابن هرمز شيئًا ، ويقول لها: إذا جاء أحد من الطلبة فقولي لهم: الشيخ مشغول واصرفيهم؛ لينفر دَ هو بالشيخِ ، وكان يُر ص على ملازمة الزهري، والزهري ديوان من دواوين العل م. أنت م تعرفون أ ن الحدي ثَ الغريبَ -الحدي ثَ الذي ينفر د به را و في طبق ة من الطبقا ت - الغال ب عليه الضع ف، ولذلك لما قيل لمال ك مرةً : إ ن فلانًا يُف ظ كذا وكذا من الغري بِ. قال: من الغريبِ نفِ ر . الغال ب على الغري ب أن ه ضعي ف ، أق ل الغري بِ يكون صحيحًا، ولذلك قال العراق ي في أَلْفيتهِ: وقال مسل م روى الزهر ي ** تسعين فردًا كلها قو ي. فلذلك كان مال ك يُر ص حرصًا شديدًا على الأخذ من الزهرِ ي. في يوم العيد قال مال ك في نفسه: اليوم أج د الزهر ي خاليا، فانصرف من صلاةِ العيدِ إلى دا رِ الزهر يِ. قال الزهري لأمَ ة له: انظري هل أح د من أصحابنا بالباب؟ فنظَ رَت فوجدَ تْ مالكًا؛ غلامك الأشقر، تحسبه من كثرة تردده على الزهري غلامًا له. قالت : غلامك الأشقر؛ فلما دخل قال له الزهر ي: ما أرا ك انقلبت إلى بيتك؟ قال: لا . قال: وما أحسب كَ طعمتَ؟ قال: ما طعم ت . قال : فاطعم، وق دم له طعامًا. قال: لا حاجة لي فيه . قا ل: ما تريد؟ قال أري د أنْ تحدثني . قال: اكت ب، فأخرج ألواحه؛ فح دثه الزهر ي أربعين حديثا، ثم انتهى من التحديث. فقال له مال ك: زدني؛ فقال له الزهر ي: اذهب. إنْ كنتَ روي تَ -أي حفظت- هذه الأحاديث؛ فأن ت حاف ظ . قال مالك: فأخذ الألواح ، فعرض عليه مالك الأربعين حديثا كل ها؛ قمْ فأنت وعاء من أوعيةِ العلمِ . وفي رواي ة أنه قال: قم ف لَ نِعم مستود ع العلمِ أنتَ . وأنت م تعلمون أ ن المحدثين اختلفوا في قضي ة -وقال العراقي الأولَى أ لا يخا ض فيها- أص ح الأسانيد . يقول العراقي: والمعتمد الإمساك عن حكمنا على سند أنه أصح مطلقً ا، هذا المختار - أنيمسك عن القول بأن الإسناد الفلاني أصح الأسانيد مطلقا- وإن كان ولا بد فيقال -مث لا- أصح أحاديث المدنيين كذا، فيقيد بالبلد، أو يقيد بالصحابي فيقال: أصح الأسانيد عن أبي هريرة كذا، أو يقيد بنحو هذا من التقييد، أما أن يترك الأمر على إطلاقه -أصح الأسانيد مطلقا- فهذا الأولى أن يمسك عن مثله، لكن قال العراقي: وقد خاض به قوم، فقيل: مالك عن نافع بما رواه الناسك مولاهم، هذا قول البخاري. البخار ي يقول أص ح الأسانيد مطلقًا ما رواه مال ك عن ناف ع عن ابن عم ر . زادوا ما رواه الشافع ي عن مال ك. زاد العراق ي ما رواه أحم د عن الشافع يِ عن مال ك عن ناف ع عن اب نِ عمر. الإمام أحمد ذهب إلى إسناد آخر. لكن اختيارَ البخار يِ ليس بالشيءِ الهينِ ، يقال: أص ح الأسانيد )سلسلة الذهبِ (. لما فرغ مال ك من طل بِ ما عند أه لِ المدينةِ من العلمِ، وتأ ه لَ للتعليمِ، هو يرى في نفسِهِ أهليةَ ذلك، لكنه لا يقنع برأي نفسِهِ في نفسه، ويُتا ج أن يرك نَ إ لى رأ يِ غير ه فيه، وهم شيوخه، وهم أهل الفضلِ والصلاح في المدينة، ولذلك قال: ليس كل من أح ب أ ن يَل سَ في المسجدِ للحديثِ وال فتيا جلس. لا ينبغي أن تَلسَ حتى تستشير أهلَ العلمِ والفضلِ فإن أشاروا عليك بالجلوس فاجل س. قال:" وما جلس ت حتى شهِدَ لي سبعون من أهل الفضل أني أه ل لذلك". وهؤلاء السبعون وإ ن شهدوا؛ فقد كان مال ك -رحمه الله- يستعظ م المسائ لَ جدًا، سأله مرة إنسا ن، يا أبا عب د الله إنَّا مسألة خفيفة ، فقال مالك -رحمه الله-: خفيفة ؟! ليس في العلم شي ء خفي ف، كان إذ ا سئلَ تري ثَ ونظرَ، فتكلم معه أصحابه في هذا فبكى -رحمه الله- وقال: إ ني أخاف أن يكو نَ لي من المسائلِ يو م وأي يو م. وأتاه آ ت -القصة مشهورة- من العراق سأله عن أربعين مسأل ة فأجابه في ثما نِ مسائل، وفي اثنتين وثلاثين مسألة يقول: لا أدري. وجاءه مرة إنسان من الأندلس فسأله مسألة، فما درى ما يَيب فيها؟ فقال: إ ن مَنْ ورائي أمروني أن آتي ك فماذا أقول لهم ؟ قال: ارجع إليه م من غ د، وكان الرج ل سيعود إلى بلده ، فرجع، وقد حزم أمتعته، وأر ى مالكً ا أنه راج ع ؛ ليقدح فكره ويعطيه حكمًا. فقال مال ك: لا أدري ، نظ ر فوجد نفسه لا يدري ، فقال هذا السائل: فماذا أقول للناس ؟ قال قل لهم : إن مالكًا لا يدري . قال: فإن كنت لا تدري فمن يدري؟ قال: مَ ن عل مَه الله ، وهذا كان يعطيه -رحمه الله- هيبةً عظيمةً، كان يهابه طلبت ه، تلاميذ مال ك هم شيو خ للبخار يِ ومسل م. فإذا عرفتم هذا علمت م عظمة هؤلاء الطلبة وك بَرَ قدرهم، ومع ذلك كانوا ين كِسون أبصارهم، ويخفضون أصوات م في مجلس مالك للهيبة العظيمة التي كان أوتيها. يذكرون أن مالكً ا كان في مجلس أبي جعفر المنصور الخليفة، وشاب صغ ير أو طفل يريد الدخول، فإذا أ ر اد الدخول خرج، فيعيد الدخول ثم يخرج، قال أبو جعفر المنصور لمال ك: تدري من هذا ؟ قال: لا يا أم ير المؤمن ين . قال : هذا ابني أهابَ من شيبتك ، يري د أ ن يدخلَ المجل سَ ثم يها ب فيخرج. وكان له مع ذلك عناية بمظهرهِ؛ يلب س الثياب الحسنة الفاخرة، يتأن ق في أكله، ويختار منه الجي د ، ويُب الموز لع ل ة، يقول: ليس شيء أشبه بفاكهة الجنة منه، تطلبه في الصيفِ تَده، تطلبه في الشتاءِ تَده، والله يقول عن فاكهة أهل الجنة: }أ كل هَا دَائ م وَظِل هَا{ ]الرعد 35[ وهذا يشبهها فكان يُبه لهذا . أصابته تلك المحنة المشهورة و ضر بَ بالسياطِ ، ضربه أم ير المدينةِ ، اختلف المؤرخون في هذه المحنة حتى قال ابن مهدي -رحمه الله-: اختلفوا في سبب ضربه، واختلفوا في مَ نْ ولي ضربه، واختلفوا في خلافةِ من ضرب. الذي يعنينا هو سب ب الضربِ، قيل : إن ه ضر بَ لأنه كان يق دِ م عثما نَ على عل ي -رضي الله عنهما- فوشى به العلو يون فضربَ . وقيل: إنم ا ضربَ لأنه كان يُ رِم نكاحَ المتعةِ . وقيل: ضر بَ -وهذا هو الأظهر- لأنهكا ن ي فتي بأ ن طلاق المكر هِ لا يق ع، الذي ألجِ ئَ إ لى تطليقزوجته طلاقه لا يق ع، هذا هو المشهور من مذهبه ويعرفه أصحابه الآن، لكن ما علاقة هذا بضربه؟ والغال ب أن الأمرا ءَ لا تضرب إلا لأم ر سياس ي، ولا تضر ب لأم ر فقه ي مح ض، وهذا كان له تعل ق بأم ر سياس ي، كان الذين خرجوا مع النفس الزكية -رحمها الله- على العباسيين أشاعو ا في الن ا سِ أن البيعةَ لأبي جعفر المنصورِ أخذت كرهًا، كانوا إذ ا أرادوا إنسانًا على البيعةِ، وأرادو ا إكراهه على ذلك حل فوه بأيما نِ الطلاقِ، يعني : إن نقضَ البيعةِ فك ل امرأ ة له طالقة وك ل عب د له ح ر إلى آخره؛ فيرى نفسه مقيدًا، وإن كان يريد أن يخرجَ على الخليفةِ لكن يرى نفسَ ه مقيدًا بهذا، فأتوا مالكًا يستفتونه ما حكم هذا الطلا ق؟ فأفتى بأنه ليس على مستكره طلا ق. هذه فت وى لا تقف عند باب المسجدِ، هذه فتوى يأخذها منك ويخر ج بها غدًا على الخليف ةِ ويشي ع المشاكلَ، فبعث إليه أم ير المدينة وقال: يا أبا عب دِ اللِه فتواك هذه يُِدث بها كذا وكذا ، فانظر لنفسِكَ ماذا ترى ؟ ثم س ر بَ إلى مجلسه من يسأله عنها ليرى ه ل امتثل مال ك أم لِ يمتثل ؟ فلما سئل قال مال ك - على رؤو سِ الن ا سِ-: ليس على مستكر ه طلا ق، فأمر أم ير المدينة فأ خِذَ مال ك -رحمه الله- و ضربَ بالسياطِ، و م د - أي ش دتْ يداه بالحبالِ ، و م د - حتى خ لعت كتف ه ، فما كان بع د يستطي ع أ ن يَع لَ رداء ه على كتفه، و ضربَ بالسياطِ حتى كان ظه ره مش رحًا بأث ر الضر بِ فيه ا، وطِي فَ به في المدينة على حما ر -أكرمكم الله-، ولما طِي فَ به قيل له: ع ر ف بنفسِكَ . فكان ينادي ويقول: من عَ رَفني فقد عَ رَفني، ليس على مستكر ه طلا ق. فبلغ هذا أم ير المدينة فقال: أدركوه وأنزلوه . الشاهد أنَّهم قالوا: ارتكب منه أمر عظي م، ولكن كأن تلك الأسواط كانت حليا حل يَ بها مال ك، فلم يز لْ أمره في ارتفاع بع د حتى قبضه الله إليه. بلغ هذا الخليفة أ با جعفر المنصور فجاء إ لى الحجاز حاجًّا ، وواعدَ مالكً ا ليلقاه، فلما دخل إلي ه أبو جعفر المنصور حلف بالل ما أمر بهذا ولا علم ه، وقال لمال ك: والله إني إخالك أمانًا من الفتنة لأهل الحرمين، فإنَّم أسر ع النا سِ في الفتن، وإخال مقامك بين ظهرانيهم أمانًا لهم من الفتن ، واعتذر إليه، وقال: وقد أمرت بفلا ن أن يؤتى به علقة، ووالله لأنزل ن به من العقوبة أضعاف ما أنزلَ بك، فقال مال ك: عفا الله عن أم ير المؤمنين وأكرمه وأحسن مثواه، لقد عفوت عنه لقرابتهمن رسول الله ﷺ ولقرابته منك، ف س ر أبو جعفر بهذا، وقال مالك لتلاميذه: خشي ت أن أمو ت أمس تحتَ الضربِ، خشي ت أن أموت أم س فألقى رسولَ اللِه ﷺ فأستحي من لقائه أن يدخ لَ أح د من أهله النارَ بسب ب. عاش بعد ذلك مك رمًا محفوفا بالعنايةِ والمهابةِ إ لى أن ماتَ -رحمه الله- بالمدينةِ سنةَ تس ع وسبعين ومئة. قل ت لكم: كان مهيبا جدًا. كان إذا دخل داخل مجلس مال ك فسل مَ يردون السلامَ همهمةً، ويشيرون إليه ألا تتكل م. وقعت قصة طريفة لأحد القرا ءِ )هشام قارئ أهل الشام وأحد الرواة عن القراء السبعة( من القراء السبعة عندكم ؟ نافع المدني يروي عنه ور ش الذي هو اختيار المغاربة، وقالون الذي يقرأ به النا س في ليبيا وفي السودا ن، وابن كث ير المك ي وهذا يروي قراءته البزي وقنبل. العا لَِ الإسلامي إما يقرأون بور ش -وهم من ذكرت لكم- أو بقالون -وهم من ذكرت لك م- وباقيهم يقرأون بحفص. أتدرون لماذا انتشر حفص؟ بسبب العثمانيين ، كل الرقعة التي حكمها العثمانيون اختاروا روايةَ حف ص؛ فقرأ الناس فيها بحف ص، وإلا فالمف ترض أ ن المكيين يقرأون برواي ةِ ابن كث ير لأنه مك ي ، والمدنيون يقرأو ن برواية ناف ع، والشاميون يقرأون برواية عبد الله الشامي، والعراقيون يقرأون بحمزة وبالكسائي وبعاصم، لكن الحال على م ا ذكرت لك م، ابن عامر الشامي له راويان ابن ذكوان وهشام، أراد هشام أن يذهب ليسمع الموطأ من مالك؛ فباع أبو ه بيت ا له ليج هِ زَ ابنه ليذهب إلى المدين ةِ ويأخذَ الموطأ عن مال ك، المحدثون بينه م خلا ف في مسألة من مسائل التحَ مل وهي العرض، هل الشيخ يقرأ على الطلبة أم يقرأ الطالب على الشيخ؟ الحجا زيون -ومنهم مالك- لا يف رِقون بين أن تسم عَ من لف ظِ الشيخِ، أو أن تقرأَ على الشي خِ وهو يسم ع، فيجوز أن تقول في كل صور ة من الصورتين: حَ دثَ نا أو أخبرنا . بخلاف الشاميين فه م يرون أن سماعك من الشيخ أعلى من قراءتك عليه ، هشام شامي وتَشم الرحل ةَ إ لى المدينةِ وهو لا علم له بالطقو سِ في مجل سِ مال ك، وشاب بلغ مبلغ الرجال فوصَلَ وسعي د أنه أتى المدينة، جرى جر يًا إلى مجلس مال ك فوجد المجل س فقام على الناس، وقال : يا أ باعبد الله جئ ت ك لتحدثني، ما هذا الكسر لأدب توارثه الناس في مجلس مالك؟ قال: ما هو إلا أن قلت ما قلت فأخذت ني المقار ع، مالك كان عنده الطلبة وكان عنده قو م من العبيد غلا ظ الأكتاف، مفتولو العضلات بأيديه م عصي - هي هذه المقار ع - وكل من أساء الأدبَ أ دِبَ. تأتي لتتعلم ، ولتتأدب ، وإن احتاج التأديب إلى الضرب ضربتَ . هشام رجل من أهل الله، من حملة كتابِ اللِه، والله -عز وجل- له اعتناء خا ص بحملة كتابه، لما ضربَ ذاك الضرب قال هشام: يا أ با عبد الله إ ن أبي باعَ بيت ا له وجهزني إليك وقال اذهب إ لى مال ك لتأخذ منه؛ فلما جئتك لقيتني بمثل هذا، والله لا أسامحك أبدًا، فتأث رَ مال ك جدًا بهذه الكلمةِ، وقا ل: بأ ي شيء أستحل؟ فقال هشام: ضربتني أربع عشرة مقرعة فحدثني بأربعة عشر حديثا؛ فحدثه مالك. مال ك لِ يُ دِث هارون الرشيد ، جاء هارو ن الرشيد ليسمعَ الموطأ، يا أم ير المؤمنين ما قرأ ت على أحد منذ كذا ، وكذا، إما أن تقرأَ أنت، أ و تأ تيَ بمن يقرأ لك ، ويُ دِ ث هشامً ا بأربعة عشر حدي ثًا، فلما ح دثه قال هشام لمال ك: زد في الضربِ، وزد في التحديثِ؛ قال انصرف .
Original text
الدرس الأو ل
لفضيلة الشيخ: سعيد الكَمَل ي
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحم د للِ ر بِ العالمين، والصلاة والسلا م على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين ؛ سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
الموضوع -كما تعلمون- هو مدخل إلى مذهبِ الإمام مال ك -رحمه الله-، وقد جرت عادة الناسِ إذا أرادوا أ ن يتكلموا في موضو ع قب لَ أن ي ع رِجوا عليه؛ جرت عاد تم أن ي ع رفوا هذا الذي جعِلَ علمًا على ما يتناولونه .
ولا بد إذا أن نسلكَ ما سلكوه، نتصور تص ور ا ما، ما المرا د بالمدخلِ؟ وما المرا د بالمذهب؟ المدخل: هذه الكلمة على وزنِ )مَفعَ ل( ، هذا الميزا ن يسميه أه ل الصر فِ المصدر الميم ي..... .
ما الذي يرا د بمدخ ل؟ يراد به من جهة اللغة: إما المصدر تقول: دخل ت مَدخَ لًا، أي: دخل ت دخولًا .
ويرا د به اسم المكانِ ، تقول: دخل ت هذا المدخلَ أي: من هذا المكان.
وقد يرا د به الزمان أيضًا، عندما يقول ربنا سبحانه:
}إن تََتَنب وا كَبائرَ مَا ت نْ هَوْنَ عَنْه ن كَ فِرْ عَن كمْ سَي ئاتِ كمْ وَن دْخِلْ كم مدْخَلًا كَريما{ ]النساء 31[ على قراءة نافع بفتح الميم، غيره يقرأ: } م دْخَلًا{ بضم المي م، وهذه لا شاهدَ فيها ، لكن نافعًا يقرأ: { وَن دْخِلْ كم مدْخَ لًا} بالفت ح، وهذه تحتمل: ندخلكم دخولاً كريما ، أو ندخلكم موضِعًا كريما .
{لي دْخِلن ه م مدْخَلًا يَ رْضَوْنه } [الحج: 59] إما يقصد به الدخو لَ -ليدخلنهم دخولًا يرضون ه- أو ليدخلنهم موضعًا إذا دخل فيه الداخلون رضو ه .
يمكنكم إذا أن تحملوا عنوانَ مجل سِنا هذ ا
- إما على المصدر : دخو ل إ لى مذهب مالك، فنحن إذ اً جلسنا لندخ لَ دخولًا نتعر ف به على مذهبِ الإمام مالك.
- أو تَعلونه اسم مكا ن ، جلسنا في هذا البيت ا لذي هو ظرف ندخل منه إلى مذهب الإمام .
- أو تَعلونه على الزما ن إن شئتم، احملوه على ما شئتم من هذه المحامل الثلاثة فالأمر واسع .
والمذهب يقال فيه ما يقال في المدخل؛ لأنه من القاعدة نفسها، مما هو ليس مكسورَ العينِ في المضار عِ تقول: ذهبَ يذه ب فلا تكسِر عينه في المضار ع، لا تقول ذهِبَ يَ ذْ هِ ب . وهو صحيح الفاء ليس واو ي الفاءِ، ليس معت ل اللام، فالمذهب أيضًا ي طل ق على هذه المعاني.
لكن الذي ينبغي أن ي فْهَمَ هو أ ن المذهبَ عندما يقا ل: هذا مذه ب مالك، أو مذهب أحمد، فهو ما اختاره إما م من الأئمة في المسائل الاجتهادية.
لا يقال مثلًا: مذهب مالك وجوب الصلاة. لا يقال مثلًا: مذهب أحمد تحر ي الخمرِ، لا يقا ل مثلًا: مذه ب الشافع ي تحري الزنا، لا يقال مثلًا: مذهب أبي حنيفة تحري الربا، هذه الأمو ر ليست مذهبا لأحد ،هذه ن ص عليها الن ص نصًّا، فليست مذهبا لأحد.
لكن الذي يقال فيه )مذهب فلان كذا ( هو ما اجتهد فيه اجتهادًا، ما استنبطه من النصوص، وهذه هي التي يقال فيها مذه ب فلا ن كذا، والمذه ب عندما يقا ل: مذه ب مال ك، مذه ب أحمد.... هو الموضع الذي ذهب إليه في اجتهاده في مسألة من المسائل.
كما قال النابغة في إحد ى اعتذارياته:
حلفت فلم أترك لنفسي كريبةً وليس وراء اللِه للمرء مذه ب.
أي ليس له موض ع يذه ب إليه، الله من ورائه محي ط .
الأبواب التي سنل ج منها إلى مذهبِ مال ك أبواب أربعة:
الباب الأول: تع رف على صاحبِ هذا المذهب.
والباب الثا ني: تع رف على مدارس هذا المذهب.
والباب الثال ث: تع رف على أمهات كتب هذا المذهب.
والباب الرابع : تع رف على أصول هذا المذهب .
وبهذه الأبواب الأربعة نكون -إن شاء الله- ولجنا، يعني دخلنا وتركنا الباب خلف ظهرنا، ما دخلنا دخولًا نحسب أننا أوغلنا في المذهبِ، لكن نتعرف عليه تع رفا .
الباب الأول: التعريف بصاحب المذه ب
صاحب هذا المذهبِ هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، الحار ث هذا هو ذو أصبح، وذ و أصبح اخ تَلف في نسبه المؤرخون اختلاف ا كبيرا . ومالك أصبح ي حمير ي عر بي مدني ؛ ول دَ في المدينةِ سنة ثلا ث وتسعين، وقيل غير هذا .
ونشأ بها وأخذ عن علمائها، وكان له أ خ يقا ل له النضر، كان أخوه مشتغِ لًا بطلبِ الحدي ثِ حتى اشتهر ؛ فلما جاء مالك يدر س الحديثَ كان إذ ا أ ريدَ تعريفه قيل: مالك. فيقال: من مالك؟ يقال: مالك أخو النضر، بعد ذلك صار يقال: النضر أخو مالك.
أبوه كان من روا ةِ الحديثِ لكن كان مقِ لًّا، أنس -والد الإمام مالك- كان مقِ لًّا في الحديثِ، وعمه كان من الم كثرين ، عمه أبو سهيل بن مالك، ومالك يروي عنه في الموط أ ، وهو من ا لم كثرين، وهو من شيوخ ال زهري.
وج ده مالك بن أبي عامر أحد كبار التابعين من أهل المدينة روى عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعن عثمانَ بنِ عفانَ ، وعن عائشةَ، وعن طلح ةَ ب نِ عبيدِ اللِه -رضي الله عنهم جميعًا-، وكان أح دَ أربع ة دخلوا لي لًا فحملوا جثةَ عثما نَ -رضي الله عنه- بعد قتله فدفنوها ليلًا، وغبوا قبره عن أعين طالبيه.
ومال ك هو المرا د في الحديث الذي يرويه أحم د، والترمذ ي، والحاك م عن أبي هرير ةَ -رضي الله عنه- أ ن رسولَ اللِه ﷺ قال: ))ي وشِ ك أن يضْربَ الن ا س أكبادَ الِإبلِ يطل ب ونَ العِلمَ فلاَ يََِ دونَ أَحَدًا أعلمَ مِن عَالِِ المدِينةِ (( .
هذا حدي ث اختلف فيه المح دِ ثو ن، روا ه ال ترمذي وقال حس ن صحي ح، صححه الحاك م، وافقهالذه ب وصححه غيرهم، وض عفَه آخرون أيضًا، والخلا ف في ثبوتهِ، وفي تعيينِ المراد بعالِِ المدينةِ؛ قال بع ض العلماءِ: ليس المرا د بعاِلِِ المدينةِ الشخصَ، ولكن المراد به الجن س، جن س عاِ لِِ المدينةِ خ ير من جن سِ العالِِ من غ يرِها في ك لِ زما ن .
وقالت طائفة : لا ، بل المرا د رج ل بعينهِ، فلما قالوا هذا تط ل بوا البحثَ : من هو؟ المدينة فيها علماء كث ر، مَنِ الذي يرمي إليه حدي ث الن بِ ﷺ؟ قالوا: لننظر، فاستع رَ ض وا الزم نَ: أما في عهدِ الصحاب ةِ فكان العلما ء فيها كث ر ، ثم إن ه لا يمك ن أنْ ي را دَ بحديثِ الن بِ ﷺ هذا رج ل من الصَحابةِ، لماذا؟ لأ ن الصحا بي لا يل ق ب بالعالِِ؛ لأ ن تلقيب ه بالصحا بِي أشر ف له من التلقي بِ له بالعالِِ، فالمرا د غيره قطعً ا.
بدأوا البح ثَ في الطبق ةِ التي بعدهم؛ طبقة التابعين ، فكان في المدينةِ في زمنِ التابعين طوائف من العلماءِ، كان الفقهاء السبعة : سعي د ب ن المسيبِ، وعبي د اللِه ب ن عتبةَ بن مسعو د ، وسليما ن ب ن يسا ر، وعروة ب ن الزبيرِ، وأبو بك ر ب ن عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ ب ن هشا م، وخارجة ب ن زي د ب ن ثاب ت، وسالِ ب ن عبدِ اللِه ب ن عمرَ ، ونافع مولى ابن عمر وأضرابهم، ولِ ي نق لْ أ ن واحدًا منهم ضربت إليه آباط الإبلِ ؛ فإ ذًا ما استطعنا التعي ينَ في هذه الطبقةِ، جاءت الطبقة التي تلي هؤلاء كان فيها أيضً ا طائفة ، كان فيها زي د ب ن أسل م، وصفوا ن ب ن سليْم ، وأبو الزنا دِ عب د اللِه ب ن ذكوان ، وربيعة الرأ يِ -ربيعة ب ن أ بي عبدِ الرحمنِ - وأضرابه م، ومكثوا الى أَنْ تفانو ا، ولِ ي نقَ ل أ ن الإبلَ كانت تضر ب آباطها لواح د من هؤلاء، فما استطعنا التعيينَ.
ثم جاءت طبقة مال ك فلم يكن مال ك المتف رد بالعلمِ في المدينةِ، كان فيها في زمنِ مال ك اب ن أ بي ذئ ب ، وكان فيها اب ن الماجشون ، وكا ن فيها الدراوردي ، وكان فيها طوائ ف، لكن الرحل ةَ لِ تكنْ ت عقَ د إلا لمال ك، وما كان يأتي النا س من الأقطار إلا إليه، بل كان يأتيه من يطلب الحدي ثَ ومن
لا يطلبه، لماذا؟ يتج م ل بالروايةِ عنه، يتزي ن أَنْ يقولَ : روي ت عن مال ك؛ ولذلك كانوا يقولو ن:
كان من الزينةِ أنْ يقالَ: روي ت عن مال ك. فكانت ت ضرَ ب إليه الرحلة من الأقطارِ البعيدةِ جدًا. وأنت م تعلمون أ ن أبعدَ ق ط ر في ذلك الزمنِ هو الأندلس، وكان الأندلسيون لا يع رجون على العرا قِ مع أ نَّا أد ن إليهم من المدينة، ولكن كان قصدهم المدينة، فجاءت الطبقة التي بعد مال ك لِ ينفرد فيها واح د من أهل المدينةِ بالرحلةِ، فحَملَ شرا ح الحدي ثَ -الذين حكموا بصحته- الحديث على مالك رحمه الله .
مال ك على عادة أهلِ المدينةِ في زمان هِ حَفِظَ كتابَ اللِه، ثم أرادَ أنْ يطل بَ العلمَ، وهذا فيه إشارة إلى أن ه لا ي طل ب العل مَ إلا بعد أنْ يُفَظَ كتاب اللِه، هذه كانت سن ة الناسِ يومئ ذ ، وهذه كانت سن ة كل مفل ح فِي العل مِ إلى زمنِ النا سِ هذا، وك ل من اتخذ كتا بَ اللِه ظهريًا ليطلبَ العلمَ فإن ه لا يطل ب علمًا ولا يشدو فيه ، ولا يكون فيه ذ ا شأ ن، وأقول: وإن كنتم ترون الأصولي ين عندما يتحدثون عن شرائ ط العلماءِ وعن أوصافه م -بل عن أوصاف المجتهدين- لا يشرطون فيها أنْ يكونَ حافظا لكتابِ اللِه، بل ولا أنْ يكونَ حافظا لآيا تِ الأحكام، ويكتفون فيها بأنْ يكونَ عالما بمظانَّا، أب رِزوا لنا عالما د ان النا س بأقوال هِ واتخذوا أقواله دينا يتقربون به إ لى اللِه ولِ يكن حافظ ا لكتا بِ اللِه !
فما ي ذكَ ر في الكتب شيء ، وما يكو ن في واق عِ الناسِ شيء آخر .
مالك لما حف ظَ كتابَ اللِه أرا د أنْ يطلبَ العلمَ فقال لأمه المرأة الصالحة -رحمها الله-: أري د أنْ أذهبَ فاكتبَ العلمَ. قالت: تعال البس ثيابَ العلمِ، ثم اذهب فاكتبِ العلمَ. قال: ف ألبستني ثيابًا م ش مرة، وجعلت على رأسي الطويلة، وع ممتني فوقها، ثم قالت: الآن اذهب فاكتبِ العلمَ .
وقالت له كلمتها المشهور ة: اذهب إ لى ربيعةَ فخ ذْ من أدبهِ قب لَ أ ن تأخ ذَ من علمِه.
ومال ك لِ يترك له أبوه شيئا، وهذا الشأن لا بد له من ما ل ، هناك قصة جميلة تذكَ ر، يذكرون أ ن أبا مال ك -أنس بن مالك بن أبي عامر- قي دَ نفسَ ه في بعثِ الغزوِ، وتر كَ مالكًا في بط نِ أ مِهِ، ومكثَ غائبا أكثرَ من عشرين سنةً، هذا ليس ببعي د في تراجمِ الن اسِ، تَدونَ هذا في تراج مِ علماء كثيرين، يخرج الرج ل فيغيب فيأ تي وابنه قد بدأ الشي ب يخ ط لحيت ه ولِ يره قط؛ لكن القضي ةَ أن ه تركَ عند زوجت هِ مالًا، يقا ل: إن ه ترك عندها ثلاثين أل فَ دينا ر. وقال: هذه أمانة . قالمرأة ما عندها شيء تصر ف به على ولدها فأنفقت المال على ابنها، رجع أبوه بعد أكثرَ من عشرين سنة، مال ك لِ يرَ ق ط أباه، في الوقت الذي جاء الوال د كان مال ك في المسجد في الدرسِ فيحلقته، فذكروا أنه سألها عن الأمانةِ -وهذه أستغربها من أهل المدينة- فقالت: موجودة ما ضاعت، فأمرته أنْ يتهيأَ وأنْ يذهبَ للمسجدِ، فذهبَ، فإذا مال ك يعق د حلقته ، وإذا فيها كبراء أهلِ المدينةِ وشيوخهم و أشرافه م؛ فأعجبه ما رأى في تلك الحلقةِ، فلما رجع قالت: ما رأيت ؟ قال رأي ت شا بًّا قد اجتمع عليه الكبا ر والشِي ب ...... - ولِ تكن أخبرته بع د أ ن ذاك ابنه - فلما دخل وع رفته قال ت: مَال كَ صرفَ على هذا .
وهي قصة طويلة وفيها أ ن مالكًا لما دخ لَ وج دَ رج لًا لا يعرفه دخل على أ مِهِ، وذاك رأى رج لًا دخل على أهلهِ، فتشاجرا حتى دخل ربيعة الرأيِ ، وفرقوا بينهما، هي قصة جميلة جدًا، لكن يشبه أن تكو ن موضوعة، لا تص ح كسائ رِ القصصِ الجميلِ يغل ب عليه أن ه مختل ق مصنو ع!
يقول ابن القاس مِ - صاح ب مال ك الذي جالسه أكثر من عشرين عامًا - قال: أفضى بمال ك طل ب العلمِ إ لى أنْ نقضَ سقفَ بيتهِ فبا عَ خشبه ، ثم انَّالت عليه الدنيا بعد.
وكان يُتا ل لطلبِ العلمِ ، وطال ب العلمِ يَ ب أنْ يكو نَ فيه شيء من الاحتيالِ، قال: كن ت آتي نافعًا -نافع مولى ابن عمر كان مشهو رًا بشدة الخ لق- قال: فكن ت آتي نافعًا نص فَ النهارِ ، لا يظلني منه شيء ، فأجل س عن دَ عتب ةِ بيت هِ، ح تى إذا خرجَ يري د المسجدَ مشي ت بإزائهِ أ ريه أ ني لا أقصده، فأماشيه ساعةً ، حتى إذ ا د نا من البلاطِ - موضع قريب من مسج دِ الن بِ ﷺ- قال:
أسأله: ماذا قال اب ن عم رَ في كذا؟ فيجيب ني؛ فأنصرف.
كم من الوق تِ يُتا ج مال ك وهو يسأله في ك لِ يو م سؤالًا ؟!
قال: كان يأتي ابن هرمز بكر ةً فما ينصر ف منه إلا بالليلِ، وكان أحيا نًا يعطي أمة ابن هرمز شيئًا ، ويقول لها: إذا جاء أحد من الطلبة فقولي لهم: الشيخ مشغول واصرفيهم؛ لينفر دَ هو بالشيخِ ، وكان يُر ص على ملازمة الزهري، والزهري ديوان من دواوين العل م.
أنت م تعرفون أ ن الحدي ثَ الغريبَ -الحدي ثَ الذي ينفر د به را و في طبق ة من الطبقا ت - الغال ب عليه الضع ف، ولذلك لما قيل لمال ك مرةً : إ ن فلانًا يُف ظ كذا وكذا من الغري بِ. قال: من الغريبِ نفِ ر .
الغال ب على الغري ب أن ه ضعي ف ، أق ل الغري بِ يكون صحيحًا، والزهر ي كان يُف ظ تسعين غريبا ك ل ها صحيحة ! إذ ا كا ن هذا حِفظ الزهري من الغري ب فما الذي يُفظه مما يعرفه النا س ويُفظونه؟!
ولذلك قال العراق ي في أَلْفيتهِ:
وقال مسل م روى الزهر ي ** تسعين فردًا كلها قو ي.
فلذلك كان مال ك يُر ص حرصًا شديدًا على الأخذ من الزهرِ ي.
في يوم العيد قال مال ك في نفسه: اليوم أج د الزهر ي خاليا، فانصرف من صلاةِ العيدِ إلى دا رِ الزهر يِ.
قال الزهري لأمَ ة له: انظري هل أح د من أصحابنا بالباب؟ فنظَ رَت فوجدَ تْ مالكًا؛ قالت:
غلامك الأشقر، تحسبه من كثرة تردده على الزهري غلامًا له. قالت : غلامك الأشقر؛ قال :
أدخِ ليه .
فلما دخل قال له الزهر ي: ما أرا ك انقلبت إلى بيتك؟ قال: لا . قال: وما أحسب كَ طعمتَ؟ قال: ما طعم ت . قال : فاطعم، وق دم له طعامًا. قال: لا حاجة لي فيه . قا ل: ما تريد؟ قال أري د أنْ تحدثني . قال: اكت ب، فأخرج ألواحه؛ فح دثه الزهر ي أربعين حديثا، ثم انتهى من التحديث.
فقال له مال ك: زدني؛ فقال له الزهر ي: اذهب. إنْ كنتَ روي تَ -أي حفظت- هذه الأحاديث؛ فأن ت حاف ظ .
قال مالك: قد رويتها.
قال مالك: فأخذ الألواح ، فعرض عليه مالك الأربعين حديثا كل ها؛ فقال الزهر ي لمال ك حينئ ذ:
قمْ فأنت وعاء من أوعيةِ العلمِ .
وفي رواي ة أنه قال: قم ف لَ نِعم مستود ع العلمِ أنتَ .
وأنت م تعلمون أ ن المحدثين اختلفوا في قضي ة -وقال العراقي الأولَى أ لا يخا ض فيها- أص ح الأسانيد .
يقول العراقي: والمعتمد الإمساك عن حكمنا على سند أنه أصح مطلقً ا، هذا المختار - أنيمسك عن القول بأن الإسناد الفلاني أصح الأسانيد مطلقا- وإن كان ولا بد فيقال -مث لا- أصح أحاديث المدنيين كذا، فيقيد بالبلد، أو يقيد بالصحابي فيقال: أصح الأسانيد عن أبي هريرة كذا، أو يقيد بنحو هذا من التقييد، أما أن يترك الأمر على إطلاقه -أصح الأسانيد مطلقا- فهذا الأولى أن يمسك عن مثله، لكن قال العراقي: وقد خاض به قوم، فقيل: مالك عن نافع بما رواه الناسك مولاهم، هذا قول البخاري.
البخار ي يقول أص ح الأسانيد مطلقًا ما رواه مال ك عن ناف ع عن ابن عم ر .
زادوا ما رواه الشافع ي عن مال ك.
زاد العراق ي ما رواه أحم د عن الشافع يِ عن مال ك عن ناف ع عن اب نِ عمر.
الإمام أحمد ذهب إلى إسناد آخر.
لكن اختيارَ البخار يِ ليس بالشيءِ الهينِ ، يقال: أص ح الأسانيد )سلسلة الذهبِ (.
لما فرغ مال ك من طل بِ ما عند أه لِ المدينةِ من العلمِ، وتأ ه لَ للتعليمِ، هو يرى في نفسِهِ أهليةَ ذلك، لكنه لا يقنع برأي نفسِهِ في نفسه، ويُتا ج أن يرك نَ إ لى رأ يِ غير ه فيه، وهم شيوخه، وهم أهل الفضلِ والصلاح في المدينة، ولذلك قال: ليس كل من أح ب أ ن يَل سَ في المسجدِ للحديثِ وال فتيا جلس.
لا ينبغي أن تَلسَ حتى تستشير أهلَ العلمِ والفضلِ فإن أشاروا عليك بالجلوس فاجل س.
قال:" وما جلس ت حتى شهِدَ لي سبعون من أهل الفضل أني أه ل لذلك". وهؤلاء السبعون وإ ن شهدوا؛ فقد كان مال ك -رحمه الله- يستعظ م المسائ لَ جدًا، سأله مرة إنسا ن، وقال ل ه :
يا أبا عب د الله إنَّا مسألة خفيفة ، فقال مالك -رحمه الله-: خفيفة ؟! ليس في العلم شي ء خفي ف، أمَا سمعتَ قول الله: }إ نا سَن لْقِي عَليْكَ قَ وْلًا ثقِيلًا{ ]المزمل 5[ ؟
كان إذ ا سئلَ تري ثَ ونظرَ، فتكلم معه أصحابه في هذا فبكى -رحمه الله- وقال: إ ني أخاف أن يكو نَ لي من المسائلِ يو م وأي يو م.
وأتاه آ ت -القصة مشهورة- من العراق سأله عن أربعين مسأل ة فأجابه في ثما نِ مسائل، وفي اثنتين وثلاثين مسألة يقول: لا أدري.
وجاءه مرة إنسان من الأندلس فسأله مسألة، فما درى ما يَيب فيها؟ فقال: إ ن مَنْ ورائي أمروني أن آتي ك فماذا أقول لهم ؟ قال: ارجع إليه م من غ د، وكان الرج ل سيعود إلى بلده ، فرجع، وقد حزم أمتعته، وأر ى مالكً ا أنه راج ع ؛ ليقدح فكره ويعطيه حكمًا. فقال مال ك: لا أدري ، نظ ر فوجد نفسه لا يدري ، فقال هذا السائل: فماذا أقول للناس ؟ قال قل لهم : إن مالكًا لا يدري . قال: فإن كنت لا تدري فمن يدري؟ قال: مَ ن عل مَه الله ، وهذا كان يعطيه -رحمه الله- هيبةً عظيمةً، كان يهابه طلبت ه، تلاميذ مال ك هم شيو خ للبخار يِ ومسل م. فإذا عرفتم هذا علمت م عظمة هؤلاء الطلبة وك بَرَ قدرهم، ومع ذلك كانوا ين كِسون أبصارهم، ويخفضون أصوات م في مجلس مالك للهيبة العظيمة التي كان أوتيها.
يذكرون أن مالكً ا كان في مجلس أبي جعفر المنصور الخليفة، وشاب صغ ير أو طفل يريد الدخول، فإذا أ ر اد الدخول خرج، فيعيد الدخول ثم يخرج، قال أبو جعفر المنصور لمال ك: تدري من هذا ؟ قال: لا يا أم ير المؤمن ين . قال : هذا ابني أهابَ من شيبتك ، يري د أ ن يدخلَ المجل سَ ثم يها ب فيخرج.
وكان له مع ذلك عناية بمظهرهِ؛ يلب س الثياب الحسنة الفاخرة، يتأن ق في أكله، ويختار منه الجي د ، ويُب الموز لع ل ة، يقول: ليس شيء أشبه بفاكهة الجنة منه، تطلبه في الصيفِ تَده، تطلبه في الشتاءِ تَده، والله يقول عن فاكهة أهل الجنة: }أ كل هَا دَائ م وَظِل هَا{ ]الرعد 35[ وهذا يشبهها فكان يُبه لهذا .
أصابته تلك المحنة المشهورة و ضر بَ بالسياطِ ، ضربه أم ير المدينةِ ، اختلف المؤرخون في هذه المحنة حتى قال ابن مهدي -رحمه الله-: اختلفوا في سبب ضربه، واختلفوا في مَ نْ ولي ضربه، واختلفوا في خلافةِ من ضرب.
الذي يعنينا هو سب ب الضربِ، قيل : إن ه ضر بَ لأنه كان يق دِ م عثما نَ على عل ي -رضي الله عنهما- فوشى به العلو يون فضربَ .
وقيل: إنم ا ضربَ لأنه كان يُ رِم نكاحَ المتعةِ .
وقيل: ضر بَ -وهذا هو الأظهر- لأنهكا ن ي فتي بأ ن طلاق المكر هِ لا يق ع، الذي ألجِ ئَ إ لى تطليقزوجته طلاقه لا يق ع، هذا هو المشهور من مذهبه ويعرفه أصحابه الآن، لكن ما علاقة هذا بضربه؟ والغال ب أن الأمرا ءَ لا تضرب إلا لأم ر سياس ي، ولا تضر ب لأم ر فقه ي مح ض، وهذا كان له تعل ق بأم ر سياس ي، كان الذين خرجوا مع النفس الزكية -رحمها الله- على العباسيين أشاعو ا في الن ا سِ أن البيعةَ لأبي جعفر المنصورِ أخذت كرهًا، كانوا إذ ا أرادوا إنسانًا على البيعةِ، وأرادو ا إكراهه على ذلك حل فوه بأيما نِ الطلاقِ، يعني : إن نقضَ البيعةِ فك ل امرأ ة له طالقة وك ل عب د له ح ر إلى آخره؛ فيرى نفسه مقيدًا، وإن كان يريد أن يخرجَ على الخليفةِ لكن يرى نفسَ ه مقيدًا بهذا، فأتوا مالكًا يستفتونه ما حكم هذا الطلا ق؟ فأفتى بأنه ليس على مستكره طلا ق.
هذه فت وى لا تقف عند باب المسجدِ، هذه فتوى يأخذها منك ويخر ج بها غدًا على الخليف ةِ ويشي ع المشاكلَ، فبعث إليه أم ير المدينة وقال: يا أبا عب دِ اللِه فتواك هذه يُِدث بها كذا وكذا ، فانظر لنفسِكَ ماذا ترى ؟ ثم س ر بَ إلى مجلسه من يسأله عنها ليرى ه ل امتثل مال ك أم لِ يمتثل ؟ فلما سئل قال مال ك - على رؤو سِ الن ا سِ-: ليس على مستكر ه طلا ق، فأمر أم ير المدينة فأ خِذَ مال ك -رحمه الله- و ضربَ بالسياطِ، و م د - أي ش دتْ يداه بالحبالِ ، و م د - حتى خ لعت كتف ه ، فما كان بع د يستطي ع أ ن يَع لَ رداء ه على كتفه، و ضربَ بالسياطِ حتى كان ظه ره مش رحًا بأث ر الضر بِ فيه ا، وطِي فَ به في المدينة على حما ر -أكرمكم الله-، ولما طِي فَ به قيل له: ع ر ف بنفسِكَ . فكان ينادي ويقول: من عَ رَفني فقد عَ رَفني، ومن لِ يعرفني فأنا مال ك ب ن أن س أقول:
ليس على مستكر ه طلا ق. فبلغ هذا أم ير المدينة فقال: أدركوه وأنزلوه .
الشاهد أنَّهم قالوا: ارتكب منه أمر عظي م، ولكن كأن تلك الأسواط كانت حليا حل يَ بها مال ك، فلم يز لْ أمره في ارتفاع بع د حتى قبضه الله إليه.
بلغ هذا الخليفة أ با جعفر المنصور فجاء إ لى الحجاز حاجًّا ، وواعدَ مالكً ا ليلقاه، فلما دخل إلي ه أبو جعفر المنصور حلف بالل ما أمر بهذا ولا علم ه، وقال لمال ك: والله إني إخالك أمانًا من الفتنة لأهل الحرمين، فإنَّم أسر ع النا سِ في الفتن، وإخال مقامك بين ظهرانيهم أمانًا لهم من الفتن ، واعتذر إليه، وقال: وقد أمرت بفلا ن أن يؤتى به علقة، ووالله لأنزل ن به من العقوبة أضعاف ما أنزلَ بك، فقال مال ك: عفا الله عن أم ير المؤمنين وأكرمه وأحسن مثواه، لقد عفوت عنه لقرابتهمن رسول الله ﷺ ولقرابته منك، ف س ر أبو جعفر بهذا، وقال مالك لتلاميذه: خشي ت أن أمو ت أمس تحتَ الضربِ، خشي ت أن أموت أم س فألقى رسولَ اللِه ﷺ فأستحي من لقائه أن يدخ لَ أح د من أهله النارَ بسب ب.
عاش بعد ذلك مك رمًا محفوفا بالعنايةِ والمهابةِ إ لى أن ماتَ -رحمه الله- بالمدينةِ سنةَ تس ع وسبعين ومئة. قل ت لكم: كان مهيبا جدًا. كان إذا دخل داخل مجلس مال ك فسل مَ يردون السلامَ همهمةً، ويشيرون إليه ألا تتكل م.
وقعت قصة طريفة لأحد القرا ءِ )هشام قارئ أهل الشام وأحد الرواة عن القراء السبعة( من القراء السبعة عندكم ؟
نافع المدني يروي عنه ور ش الذي هو اختيار المغاربة، وقالون الذي يقرأ به النا س في ليبيا وفي السودا ن، وابن كث ير المك ي وهذا يروي قراءته البزي وقنبل..... .
العا لَِ الإسلامي إما يقرأون بور ش -وهم من ذكرت لكم- أو بقالون -وهم من ذكرت لك م- وباقيهم يقرأون بحفص. أتدرون لماذا انتشر حفص؟ بسبب العثمانيين ، كل الرقعة التي حكمها العثمانيون اختاروا روايةَ حف ص؛ فقرأ الناس فيها بحف ص، وإلا فالمف ترض أ ن المكيين يقرأون برواي ةِ ابن كث ير لأنه مك ي ، والمدنيون يقرأو ن برواية ناف ع، والشاميون يقرأون برواية عبد الله الشامي، والعراقيون يقرأون بحمزة وبالكسائي وبعاصم، لكن الحال على م ا ذكرت لك م، ابن عامر الشامي له راويان ابن ذكوان وهشام، أراد هشام أن يذهب ليسمع الموطأ من مالك؛ فباع أبو ه بيت ا له ليج هِ زَ ابنه ليذهب إلى المدين ةِ ويأخذَ الموطأ عن مال ك، المحدثون بينه م خلا ف في مسألة من مسائل التحَ مل وهي العرض، هل الشيخ يقرأ على الطلبة أم يقرأ الطالب على الشيخ؟ الحجا زيون -ومنهم مالك- لا يف رِقون بين أن تسم عَ من لف ظِ الشيخِ، أو أن تقرأَ على الشي خِ وهو يسم ع، فيجوز أن تقول في كل صور ة من الصورتين: حَ دثَ نا أو أخبرنا .
بخلاف الشاميين فه م يرون أن سماعك من الشيخ أعلى من قراءتك عليه ، هشام شامي وتَشم الرحل ةَ إ لى المدينةِ وهو لا علم له بالطقو سِ في مجل سِ مال ك، وشاب بلغ مبلغ الرجال فوصَلَ وسعي د أنه أتى المدينة، جرى جر يًا إلى مجلس مال ك فوجد المجل س فقام على الناس، وقال : يا أ باعبد الله جئ ت ك لتحدثني، ما هذا الكسر لأدب توارثه الناس في مجلس مالك؟ قال: ما هو إلا أن قلت ما قلت فأخذت ني المقار ع، مالك كان عنده الطلبة وكان عنده قو م من العبيد غلا ظ الأكتاف، مفتولو العضلات بأيديه م عصي - هي هذه المقار ع - وكل من أساء الأدبَ أ دِبَ.
تأتي لتتعلم ، ولتتأدب ، وإن احتاج التأديب إلى الضرب ضربتَ .
هشام رجل من أهل الله، من حملة كتابِ اللِه، والله -عز وجل- له اعتناء خا ص بحملة كتابه، لما ضربَ ذاك الضرب قال هشام: يا أ با عبد الله إ ن أبي باعَ بيت ا له وجهزني إليك وقال اذهب إ لى مال ك لتأخذ منه؛ فلما جئتك لقيتني بمثل هذا، والله لا أسامحك أبدًا، فتأث رَ مال ك جدًا بهذه الكلمةِ، وقا ل: بأ ي شيء أستحل؟ فقال هشام: ضربتني أربع عشرة مقرعة فحدثني بأربعة عشر حديثا؛ فحدثه مالك.
مال ك لِ يُ دِث هارون الرشيد ، جاء هارو ن الرشيد ليسمعَ الموطأ، وقال له: اقرأ عل ي قا ل :
يا أم ير المؤمنين ما قرأ ت على أحد منذ كذا ، وكذا، إما أن تقرأَ أنت، أ و تأ تيَ بمن يقرأ لك ، ويُ دِ ث هشامً ا بأربعة عشر حدي ثًا، فلما ح دثه قال هشام لمال ك: زد في الضربِ، وزد في التحديثِ؛ قال انصرف .
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
دخل تركي ناظره فهد : خذه للتوقيف لين نخلص تحقيق ، ولف ع سلطان وبـ ابتسامه ساخره : إذا طلعت من هنا فك...
تهدف الندوة إلى...تهدف الندوة إلى تحويل "صدمة الحرب" إلى "فرصة استراتيجية" لإعادة بناء مفهوم الأمن الخليجي. فبعد أن أث...
تخيل أنك تعيش ف...تخيل أنك تعيش في العالم القديم، قبل أكثر من ألفي عام، وتسمع أن جيشًا غريبًا قادم من بعيد، يقوده قائد...
يمثل الذكاء الا...يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة متقدمة في مسار التحول الرقمي، لأنه لا يقتصر على رقمنة الإجراءات، بل يسمح...
ا ليتك صدقتني ....ا ليتك صدقتني .. يا طارق صالح المستشار محمد المسوري ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م في ديسمبر ٢٠٢٤م في الرياض كان...
أكدت عدد من منظ...أكدت عدد من منظمات المجتمع المدني، أن التصعيد المتواصل والانتهاكات الجسيمة لمليشيا الحوثي، أدى إلى ت...
يتناول النص سير...يتناول النص سيرة وجهود العالمة المغربية مارسيليا ألفرنسيس (التي أُشير إليها في بعض المواضع باسم سارة...
أكد مدير عام مك...أكد مدير عام مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن، المستشار أرسلان أحمد السقاف، أن توح...
مسك فهد ببرود ا...مسك فهد ببرود الملف للي فيه قضيه سلطان وفتحته وبدأ يقرأ بصوت عالي : سلطان بن سعود بن فهد متهم بحياز ...
[ إِنَّهُمْ يَر...[ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ] لايك قبل م تقرين 🤍 { Part : 2 } امر فهد تركي...
الطبيعة هي الحي...الطبيعة هي الحياة و الحياة هي الطبيعة علينا الحفاض عليها من حرائق بالتشجير واغرس النباتات واحافض علا...
ف التجربة: خلا...ف التجربة: خلال فترة التدريب المباشر، لفت انتباهي موضوع إدارة الصف لما له من أهمية كبيرة في نجاح ال...