Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (50%)
منبريات ومَن لجأ إليهِ حَفِظَهُ ووقاه، أحمده سبحانَهُ عَلَى مَا أعطى من الإنعام وأولاه، وأشهد أَن لا إلهَ إِلَّا الله وحده لا شريك له، وسلم تسليما كثيرا. وهذه نعمة من الله لا يحصل عليها إِلَّا مُسَدَّدَ، ﴿ وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّـٰهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ) . ويقلب صفحاتها، ويحرص أشد الحرص أن يأخذ منها بالنصيب الأوفر. لقد أعطى اللهُ عَزَّوَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنزلة التي ليست لأحد من العالمين، حَتَّى بلغ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غاية التواضع وصار مضرب المثل في هذا الخُلُقِ العظيم. ومن تأمل سيرته العطرة، سئلت عائشة رضي اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ يصنع رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بيتِهِ ؟ فقالت: كان يكون في مهنة أهله، ويحلب شاته، ويصنع كما يصنع أحدكم في بيته، يخصف نعله ويرفع ثوبه ). ومن تواضعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُجِيبُ دعوة الفقير والمملوك، ويحضر مجامع الناس في الخير ، قال أنسٌ رَضِوَانَهُ عَنْهُ: «كان رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعودُ المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار ). وفي هذا ضرب المثل في الكراع وليس الذراع، لأنَّ كَراعَ الشَّاةِ لَا يُدعَى عَليهِ ولا يُؤكَلُ، ولكن كل ذلك ليبين مقدار التواضعِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي ينبغي أن يكون المسلم متَّصِفًا به. وكان صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركب المتواضع من الدواب، فإنَّ المركب لا يوقرُ صاحبه توقيرًا حقيقيا، بل هي بهرجة مزيفة توشك أن ترحل برحيلِ مَا وُقرَ مِن أجله. وقد كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود المرضى مهما كان قدرهم وشأنهم، وهذا من جميل تواضعه وخفض جناحه للضعفاء، ومما جاء في ذلك أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعاده النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: «أتشهد أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ وأَنِّي رسولُ اللهِ؟، فقال له أبوه: أَطِع أبا القاسم، فقالها فمات، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الحمدُ للهِ الَّذِي أنقذه بي من النار ). ولم يحتج إلى أن يبحث عن الشفاعة تلو الشفَاعَةِ حَتَّى يصل إلَى مُرَادِهِ، ولا يُراحُ عليه بها، وكان بارزًا، ويردف عليه . ويلعق - واللهِ - يَدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هون عليك، إِنَّمَا أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القَدِيد ) ويدعو لهم بالبركة، فيقول مازحا: «يَا أَبَا عُمَير، ويمشي مع الأرملة حتَّى يقضي لها حاجتها، ويمشي في حاجة المسكين حتَّى يُنجزها. قال ابن أبي أوفى: «كان رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْنفُ وَلَا يستكبرُ أَن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له حاجته، وإن كانت الوليدة من ولائد المدينة - أي: الجارية الصغيرة - تجيء فتأخذ بيد النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال أنس رَوَينَهُ عَنْهُ: «إِنَّ امرأة كان في عقلها شيء - أي: مِنَ الجنون أو السفه - قالت: يا رسول اللهِ، انظُرِي أَيَّ السكك شئت حتَّى أقضي لك حاجتك، ولا يشق عليهم في طرقاتهم، ولا يطرد أحدًا، ولا يقولُ: افتح الطريق. ومن تواضعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا دخل الرجل الأجنبي إلى مجلسه مع أصحابه لم يعرفه، حيثُ إِنَّهُ لَم يتميز عن أصحابه بهندام أَو لِبَاسِ أَو طريقة جلوس. قال أبو ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلس بينَ ظَهْرِ أَصْحَابِهِ، وكَانَ صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل أكلة المتواضع لم يتميز بهيئة معينة، فقال : لا ، وأجلس كما يجلس العبد» (۳). إِنَّ مَن تأمل هذه السيرة الجميلة، علم منزلة التواضع التي حث عليها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولا وعملا، وعَلِمَ أنَّ غاية التوفيق للعبد أن يهديه الله تعالى لأن يكون مِنَ المتَّصِفين بها، فإنَّ التواضُعَ منَ العِبَاداتِ الَّتِي تُقَرِّبُ العَبدَ إِلَى رَبِّهِ سبحانَهُ فينال بها رضوانه، قالت عائشةُ رَضوَانَهُ عَنْهَا: «إِنَّكُم تتركون خير أعمالكم التواضع. وعلى قدر ما يكون المرء متواضعا على قدر ما يفتح الله له قلوبًا مغلقة، وعلى قدر قربه منهم سيتلقون منهُ مَا يُمليه عليهم من الخير والهُدَى. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. الخطبة الثانية الحمد لله وحده، وجهلوا قدرهم، فتراهم منقبضين عن الناس في كلامهم وطريقة سلامهم، فعاشوا في غربة نفسية إلى أبعد مدى، وبعضهم قد لا يكتشف ذلك إلا بعد فوات الأوان، وَلَو أَنَّهُ وَطن نفسَهُ عَلَى التواضع من أول أمره، مع مراعاة احترام ذاته، لعاش عيش السعداء. لكون هذا الخُلُقِ مفتاحًا إلى قلوب الناس، وأولَى النَّاسِ أَن يتواضعوا لَهُم مَن كَانُوا على طريق الاستقامة، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢). وقال تعالى: ﴿ يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، ولم يُرد به الهوانَ، بَلْ أَرادَ أَنَّ جَانِبَهُم لين على المؤمنين، والعبد السيده». وأعظم به سوءا أن يندفع إليه الناسُ فَرِحِينَ بلقائه،
Original text
منبريات
( ٢٦ ) تواضع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الحمدُ للهِ الَّذِي من اعتصم بحبل رجائه وفقه وهداه، ومَن لجأ إليهِ حَفِظَهُ ووقاه، ومن تواضع له رفعه وحماه، أحمده سبحانَهُ عَلَى مَا أعطى من الإنعام وأولاه، وأشهد أَن لا إلهَ إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عضوا على سنته بالنواجذ وتمسكوا بهداه، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، أيها المسلمون: فإنَّ من توفيق الله للعبد أن يوفقه للعمل بسنَّة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقتفاء أثره والعمل بهديه في أقواله وأفعاله وأخلاقه. وهذه نعمة من الله لا يحصل عليها إِلَّا مُسَدَّدَ، ﴿ وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّـٰهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ) .
فإذا أراد المرء أن تكتمل شخصيته، وأن يجمع مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم فلينظر في سيرة النبي صل اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويقلب صفحاتها، ويحرص أشد الحرص أن يأخذ منها بالنصيب الأوفر.
لقد أعطى اللهُ عَزَّوَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنزلة التي ليست لأحد من العالمين، وبوأه المقام المحمود الَّذِي لَا ينبغي لأحد سواه.
وبالرغم مما أعطاهُ اللهُ عَزَّوَجَلَّ من المكانة وجميل الصفاتِ إِذ به يزداد تواضعًا، حَتَّى بلغ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غاية التواضع وصار مضرب المثل في هذا الخُلُقِ العظيم. ومن تأمل سيرته العطرة، رأى كيفَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَد جَعَلَ هَذَا الخُلُقَ واقعا ملموسًا تتلذذ بسماع أخباره القلوب والآذان.
سئلت عائشة رضي اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ يصنع رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بيتِهِ ؟ فقالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج فصلَّى ).
وقالت: «كان رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشرًا من البشر، يقلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، ويصنع كما يصنع أحدكم في بيته، يخصف نعله ويرفع ثوبه ).
وفي هذا الحديث بيان أنَّ المرء يفعل في بيته ما يفعله الرجال عادةً من الأعمال التي يحتاجون إليها أو يحتاجها أهلُوهُم.
ومن تواضعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُجِيبُ دعوة الفقير والمملوك، ويحضر مجامع الناس في الخير ، قال أنسٌ رَضِوَانَهُ عَنْهُ: «كان رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعودُ المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار ).
وكَانَ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَو دُعيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأجبتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لقَبِلْتُ .
وفي هذا ضرب المثل في الكراع وليس الذراع، لأنَّ كَراعَ الشَّاةِ لَا يُدعَى عَليهِ ولا يُؤكَلُ، ولكن كل ذلك ليبين مقدار التواضعِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي ينبغي أن يكون المسلم متَّصِفًا به.
وكان صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركب المتواضع من الدواب، فقد حدث عنه أنس رضي اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلم كان يركب الحمار، قال: ولقد رأيته يوما على حمار خطامه ليفٌ. وهذا يدفع ما عند الناس من الظن الخاطئ، أن المركبَ إِذَا كَانَ فَارِهَا أَدَّى إِلَى توقير صاحبه ورفع مقامِهِ، فإنَّ المركب لا يوقرُ صاحبه توقيرًا حقيقيا، بل هي بهرجة مزيفة توشك أن ترحل برحيلِ مَا وُقرَ مِن أجله.
وقد كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود المرضى مهما كان قدرهم وشأنهم، وهذا من جميل تواضعه وخفض جناحه للضعفاء، حَتَّى أَثْرَ بهِم ذلك أبلغ التأثير. ومما جاء في ذلك أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمرض، فعاده النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: «أتشهد أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ وأَنِّي رسولُ اللهِ؟، فنظر الغلام إلى والده، فقال له أبوه: أَطِع أبا القاسم، فقالها فمات، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الحمدُ للهِ الَّذِي أنقذه بي من النار ).
فتأمل تواضعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زيارة غلام يهودي حتى استمال بذلك قلبه وقلب والده بسبب تواضعه العظيم وحُسنِ سجاياه، حَتَّى أَثْرَ ذلكَ بِهِمَا الأثرَ الَّذِي لَم يملكا معه أن يردا دعوة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهما إلى الخيرِ، لِمَا عَلِمًا مِن كَرَمِ أَخْلاقِهِ و شديد نصحه.
وقد كانَ صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قريبًا مِنَ الناسِ، مَن أرادَهُ سَهُلَ وصوله إليه، ولم يحتج إلى أن يبحث عن الشفاعة تلو الشفَاعَةِ حَتَّى يصل إلَى مُرَادِهِ، ولربما انقطع سعيه دون ذلك.
ذكر الحسن رحمه الله النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومًا، فقال: «لا واللهِ، مَا كَانَت تُعْلَقُ دونه الأبواب، ولا يقوم دونَهُ الحُجَّابُ، ولا يُغدَى عليه بالجفان - أي: الصحون الكبيرة، ولا يُراحُ عليه بها، وكان بارزًا، من أراد أن يلقَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ وكان يجلس على الأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف عليه . ويلعق - واللهِ - يَدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .
وقد جاءه رجل يوما فلما قام بين يديه ارتعدت فرائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هون عليك، فإنِّي لستُ ملكًا، إِنَّمَا أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القَدِيد )
والقديد: هو اللحم المجفف بالشَّمس.
ومن تواضعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ يَسلِّمُ عَلَى الصبيان، ويمسح على رءوسهم، ويدعو لهم بالبركة، وكان يُكني بعضهم، فيقول مازحا: «يَا أَبَا عُمَير، ما فعلَ التَّغَيرِ ؟ ). وكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمر بالنسوة فيسلم عليهِنَّ، ويمشي مع الأرملة حتَّى يقضي لها حاجتها، ويمشي في حاجة المسكين حتَّى يُنجزها. قال ابن أبي أوفى: «كان رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْنفُ وَلَا يستكبرُ أَن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له حاجته، وإن كانت الوليدة من ولائد المدينة - أي: الجارية الصغيرة - تجيء فتأخذ بيد النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا يَنزِعُ يَدَهُ مِن يَدِهَا حَتَّى تذهب به حيث شاءت ) .
وقال أنس رَوَينَهُ عَنْهُ: «إِنَّ امرأة كان في عقلها شيء - أي: مِنَ الجنون أو السفه - قالت: يا رسول اللهِ، إِنَّ لِي إليكَ حاجة، فقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَمَّ فَلَانٍ، انظُرِي أَيَّ السكك شئت حتَّى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق يُنَاجِيهَا حَتَّى قضت حاجتها ) .
ومع ما أعطاه الله من المنزلة العالية الرفيعة فقد كان يمشي هونا، لا يزاحم الناس، ولا يشق عليهم في طرقاتهم، ولا يؤذيهم في مجتمعاتهم.
قالَ قُدامَةُ بنُ عبدِ اللهِ: «رأيتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرمي الجمرة - أي: جمرة العقبة يوم الحج - على ناقة شهباء، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك ) ؛ أَي : لا يضرب أحدًا، ولا يطرد أحدًا، ولا يقولُ: افتح الطريق.
ومن تواضعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا دخل الرجل الأجنبي إلى مجلسه مع أصحابه لم يعرفه، حيثُ إِنَّهُ لَم يتميز عن أصحابه بهندام أَو لِبَاسِ أَو طريقة جلوس.
قال أبو ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلس بينَ ظَهْرِ أَصْحَابِهِ، فيجيء الغريب فلا يدري أَيُّهُم هو حتَّى يسأل: أيكم ابن عبد المطلب ؟
وكَانَ صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل أكلة المتواضع لم يتميز بهيئة معينة، ولا بصبغة خاصة، فقد قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، جعلني اللهُ فِداكَ، كلُّ متكنًا فَإِنَّهُ أهون عليك، فقال : لا ، بَل أكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» (۳).
إِنَّ مَن تأمل هذه السيرة الجميلة، علم منزلة التواضع التي حث عليها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولا وعملا، وعَلِمَ أنَّ غاية التوفيق للعبد أن يهديه الله تعالى لأن يكون مِنَ المتَّصِفين بها، فإنَّ التواضُعَ منَ العِبَاداتِ الَّتِي تُقَرِّبُ العَبدَ إِلَى رَبِّهِ سبحانَهُ فينال بها رضوانه، قالت عائشةُ رَضوَانَهُ عَنْهَا: «إِنَّكُم تتركون خير أعمالكم التواضع.
وعلى قدر ما يكون المرء متواضعا على قدر ما يفتح الله له قلوبًا مغلقة، وعلى قدر قربه منهم سيتلقون منهُ مَا يُمليه عليهم من الخير والهُدَى.
وبالتواضع يزداد المرء رفعة في الدارين، وقد قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تواضع أحدنا الله إلا رفعه الله ). بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإن من أعظم الخُسران أنَّ أناسًا لبس عليهم الشيطانُ أَنَّهُم إِذا تواضعوا للناس تجرءوا عليهم، وجهلوا قدرهم، فتراهم منقبضين عن الناس في كلامهم وطريقة سلامهم، حتَّى رفضهم الناس ولم يتقبَّلُوهُم، فعاشوا في غربة نفسية إلى أبعد مدى، وبعضهم قد لا يكتشف ذلك إلا بعد فوات الأوان، فتجده يحاول الاستدراك، ويتكلف غيرَ مَا أَلِفَهُ الناس منه فيزداد هما إلى غم، وَلَو أَنَّهُ وَطن نفسَهُ عَلَى التواضع من أول أمره، مع مراعاة احترام ذاته، لعاش عيش السعداء.
هذا وإنَّ أكثر الناس حاجة إلى التواضع والعمل به الدعاة إلى الخير والرشاد، لكون هذا الخُلُقِ مفتاحًا إلى قلوب الناس، وأولَى النَّاسِ أَن يتواضعوا لَهُم مَن كَانُوا على طريق الاستقامة، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢).
وقال تعالى: ﴿ يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَوَلَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَوْ عَلَى الكَفِرِينَ يُجْتَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَا بِمَ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ().
قال البغوي رحمه الله: «أذلة على المؤمنين، يعني: أرقاء رحماء، كقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) (۲)، ولم يُرد به الهوانَ، بَلْ أَرادَ أَنَّ جَانِبَهُم لين على المؤمنين، يعني: أنهم متواضعون، وقال عطاء : أذلة على المؤمنين، كالولد لوالده ، والعبد السيده».
ومن أشد الأمور قبحا واستنكارا أن يكون المرء ظاهره الخير، ومع ذلك يعامل الناس معاملة غير الواثق من نفسه، فتراه منقبضًا بلا سبب.
وأعظم به سوءا أن يندفع إليه الناسُ فَرِحِينَ بلقائه، فيستقبلهم بسلام بارد، ووجه مكفهر، وحقيق بهذا قول سعيد بن عبد الرحمن: يُعجبني من القراء كل سهل طلق، فأَمَّا الَّذِي تلقاه ببشر ويلقاك بوجه عبوس، فلا كثر الله في المسلمين مثله.
تواضع تكُن كَالنَّجْمِ لَاحَ لِنَاظِر عَلَى صَفَحَاتِ المَاءِ وَهُوَ رَفِيعُ وَلَا تَكُ كَالدُّخَانِ يَرْفَعُ نَفْسَهُ عَلَى طَبَقَاتِ الجَوِّ وَهُوَ وَضِيعُ
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
مقدمة يُعتبر ا...مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...
ב. דיסגרפיה (Dy...ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...
0:22 okay today...0:22 okay today we're going to talk about 0:24 carb cycling 0:25 what it is how it works why it work...
في عصر الضعف لم...في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
يستدعي استشراف ...يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...
حذر مركز التنبؤ...حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...
الاجابة علي تسا...الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...
مقدمة التعريف ب...مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...
دروس في المال: ...دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...
درك الإمام أن ط...درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...
2 - بداية عصر ا...2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...