Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

سبق أن أشرنا إلى أن كلمة خوارج أطلقت على أولئك النقر الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد قبوله التحكيم عقب معركة "صفين" إذا اعتبر هؤلاء التحكيم خطيئة تؤدي إلى الكفر، ومن ثم طلبوا من "علي" أن يتوب من هذا الذنب وانتهى الأمر بأن خرجوا من معسكره. وقد قبل الخوارج هذه التسمية، ولكنهم فسروا الخروج بأنه خروج من بيوتهم جهاداً في سبيل الله، وفقاً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَخْرُج من بيته مهاجرا إلى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء : ١٠٠). وقد أطلق على الخوارج أيضاً اسم "الشراة" وربما يكونون هم الذين وصفوا أنفسهم بذلك؛ الأمر الذي أدى ببعض مؤرخي الفرق إلى اعتبار الخروج تياراً عاماً يشير إلى كل من خرج على الإمام الحق، أو كان بعدهم على التابعين، كما ذكرالإمام أحمد بن حنبل، وقد أورد كل من البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري أنه قال : "بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة في أديم مقروط لم تحصل من ترابها، قال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن حصن، والأفرع بن حابس، والرابع إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال : "الا تأمنوني، قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشر الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، فقال : يا رسول الله اتق الله . أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ؟ قال : ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله إلا أضرب عنقه ؟ فقال : لا ، قال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ؟ فقال رسول الله ﷺ : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، قال أظنه قال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود (۱) . عن علي رواية أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول : ( سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، يقولون من خير قول البرية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة (٢) . أو عبد الله بن ذي الخويصرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "بينا النبي الله يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، قال عمر بن الخطاب : دعنى أضرب عنقه، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال : ثدييه، أو قال : مثل البضعة تدر در يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت من النبي ﷺ ، وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ ، وتذكر المصادر أن ذا الخويصرة هذا هو حرقوص بن زهير السعدي، ويذهب ابن الجوزي إلى أنه أول خارجي خرج في الإسلام آفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ (۱). كما أنه كان من قادة الخوارج الذين انشقوا على "علي بن أبي طالب، وكان من أشد الخوارج على علي كة، وقتل في معركة النهروان سنة سبع وثلاثين (٢). ورغم الارتباط الفعلي بين ذي الخويصرة، وانحازوا إلى حروراء وعينوا شبث بن ربعي التميمي ليكون أميراً عليهم للقتال، وجعلوا عبد الله بن الكواء اليشكري أميراً للصلاة، وأعلنوا أن الأمر شورى بعد الفتح، فإن الخليفة علياً حاول أن يقنعهم بالرجوع إلى صوابهم، وحينما سألهم ابن عباس عن الأسباب التي دفعت بهم إلى مفارقة معسكر الخليفة قالوا بأنهم نقموا عليه ثلاثة أمور : 1- أنه بقبوله "التحكيم قد حكم الرجال في أمر الله، حتى يظهرحكم الله. ولم يأخذ غنائمهم . وغنيمة أموالهم وذراريهم، أو كافر، 3- وأخيراً، فإن علياً بقبوله و التحكيم قد محا نفسه عن إمرة المؤمنين (*) وفي رأيهم أنه إن لم يكن أمير المؤمنين، فإنه لأمير الكافرين (۱). وقد بين لهم ابن عباس خطاهم في هذه الآراء، إذ ورد في القرآن فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ١٣٥، وقال: إن يُريدا إصلاحا يوفق الله بينهما . فقد خالف كتاب الله . وذكر ابن عباس لهم، أن التحكيم في أمر أميرين، والتحكيم لأجل الصيد. أما بالنسبة للقضية الثانية. فقد أشار ابن عباس إلى أنه كان من ضمن القوم المقاتلين في معركة الجمل أم المؤمنين عائشة. فهل يسبي الخوارج أمهم، أم ينكرون أنها أمهم؟ وقال لهم ابن عباس : فوالله لئن قلتم : ليست بأمنا خرجتم من الإسلام، لقد خرجتم من الإسلام، لأن الله تعالى قال: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 1] . وهذا خلاف القرآن، [الحجرات: ٩] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخْوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات : ١٠]. فأخبر الله تعالى بأنهم مؤمنون مقتتلون، ودل القرآن على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي، وأما القضية الثالثة، عن نفسه أمير المؤمنين، وذلك حينما قال لعلي في صلح الحديبية : اكتب لهم كتاباً فكتب علي : هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون : والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك . وقد محا نفسه (۱). بهذه الحجج القوية استطاع ابن عباس (۲)، أن يرد طائفة كبيرة من الخوارج إلى الحق والصواب، ويقال : إنه لما عاد ابن عباس إلى علي سأله عن الخوارج إن كانوا منافقين. فقال ابن عباس : "والله ما سيماهم بسيماء المنافقين، فخرج إليهم بنفسه، وذكرهم بموافقتهم السابقة على الهدنة، وأخيرا عادوا معه إلى الكوفة، وأصبحوا يرددون أن لا حكم إلا لله ، سياسة لينة محاولاً إقناعهم بالحجة، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا " (٢) . وقبل أن يحين موعد "التحكيم جاء بعض الخوارج إلى علي طالبين منه الرجوع عن التحكيم، فلم يجبهم إلى ذلك مؤكداً أنه لا يخلف العهد والميثاق، وأنه يستجيب إلى أمر الله الذي يقول : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بعد توكيدها وقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كفيلاً) [النحل: ٩١). وعرضوا الأمر على بعض زعمائهم فرفضوا . ونزلوا النهروان، ويتجمعوا هناك (١) . وبعد أن صدر قرار التحكيم، بدأ علي يستعد الغزو الشام، ورد المخالفين إلى صفوف الجماعة. واستطاع "علي"أن يقنع هؤلاء بأن الخطر الحقيقي يكمن في الشام، واستحلالهم لدماء المسلمين وأموالهم، الذي لقوه في طريقهم، وقالوا له : هل سمعت من أبيك حديثاً عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قال : نعم، فكن عبد الله المقتول . فذكرهما بكل خير، فجعله محقاً في أولها وآخرها، وعن علي قبل التحكيم وبعده، فأخذوا عليه بذلك أنه لا يتبع الهدى، حينئذ لم يجد علي بدأ من الاستجابة لطلب أتباعه الذين رأوا ضرورة المسير إلى الخوارج؛ ليفرغوا منهم قبل التوجه إلى الشام، ولما قابل "علي" الخوارج طلب منهم تسليم قتلة عبد الله بن خباب للقصاص منهم، فقالوا: كلنا قتلناه (۲) ، فصمم على قتالهم بعد أن تبين له أنهم الفئة الخارجة التي أشار إليها الرسول عليه الصلاة والسلام في أحاديثه وخطب علي أصحابه، وأخبرهم بما سمع عن رسول الله ﷺ في شأن الخوارج، وأغاروا على سرح الناس. وكانت ذكرى الموقعة دافعاً لهم إلى مزيد من العنف، والإباضية وغيرهم، ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز حاول أن يردهم إلى الحق (۲)، كما حاول علي بن أبي طالب من قبل، إذ رأى من بينهم كما قال : أناساً قد ضللوا فضلوا، وردهم إلى الصواب، وهكذا استمر الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يجهدون، وبعض مناطق من اليمن والجزيرة، الخوارج بالجزيرة عام ۱۳۸ هـ وقتل منهم عدد كبير (٤) . دامت خمس عشرة سنة، وقتل فيها خلال ٣٧٥ موقعة ما يربو على الثلاثين الفا (۱). وفي عهد المهدي خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان (۲)،

Original text

نشأة الخوارج
سبق أن أشرنا إلى أن كلمة خوارج أطلقت على أولئك النقر الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد قبوله التحكيم عقب معركة "صفين" إذا اعتبر هؤلاء التحكيم خطيئة تؤدي إلى الكفر، ومن ثم طلبوا من "علي" أن يتوب من هذا الذنب وانتهى الأمر بأن خرجوا من معسكره. وقد قبل الخوارج هذه التسمية، ولكنهم فسروا الخروج بأنه خروج من بيوتهم جهاداً في سبيل الله، وفقاً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَخْرُج من بيته مهاجرا إلى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء : ١٠٠). وقد أطلق على الخوارج أيضاً اسم "الشراة" وربما يكونون هم الذين وصفوا أنفسهم بذلك؛ لأنهم يزعمون أنهم باعوا أنفسهم لله، كما ورد في قوله تعالى : ﴿ ومن النَّاسِ مَن يَشرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِي [البقرة : ٢٠٧) (١) . وسموا أيضاً بالحرورية؛ لانحيازهم في أول أمرهم إلى قرية "حروراء" بالقرب من الكوفة كما سموا أيضاً بالمحكمة لرفعهم شعار "لا حكم إلا الله" والتفافهم حوله (٢) .
ومهما يكن من شيء، فإن اسم "الخوارج في معناه الأول الذي يشير إلى الانشقاق، ومفارقة الجماعة، أصبح الاسم السائر على هذه الجماعة. وإذا كان اسم الخوارج" قد أطلق على جماعة معينة ظهرت في الفترة التي أعقبت "التحكيم" فإن الاتجاه الخارجي، الذي مثله هؤلاء الخوارج قد وردت الإشارة إليه في أحاديث عديدة، كما ظهر أفراد على عهد رسول الله ﷺ يمثلون هذه الظاهرة، واعتبروا من ثم سلفاً للخوارج المتأخرين، الأمر الذي أدى ببعض مؤرخي الفرق إلى اعتبار الخروج تياراً عاماً يشير إلى كل من خرج على الإمام الحق، الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين، أو على الأئمة في كل زمان (۱).
وتشير الأحاديث التي ورد فيها ذكر الخوارج إلى أوصافهم، والأمر بقتالهم وذمهم. وقد صحت هذه الأحاديث بأوجه عديدة بلغت عشرة أوجه، كما ذكرالإمام أحمد بن حنبل، وقد خرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري طائفة منها (٢) . وقد أورد كل من البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري أنه قال : "بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة في أديم مقروط لم تحصل من ترابها، قال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن حصن، والأفرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال : "الا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء، قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشر الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، فقال : يا رسول الله اتق الله . فقال : ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ؟ قال : ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله إلا أضرب عنقه ؟ فقال : لا ، لعله أن يكون يصلي، قال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ؟ فقال رسول الله ﷺ : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم، قال: ثم نظر إليه، وهو مقف، وقال: إنه يخرج من ضئضى (۳) هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، قال أظنه قال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود (۱) . وفي رواية للبخاري، عن علي رواية أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً، فوالله لأن آخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول : ( سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يرمق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة (٢) . وقد ورد في حديث آخر أن الرجل الذي خاطب الرسول عليه الصلاة والسلام هو : ذو الخويصرة، أو عبد الله بن ذي الخويصرة، وأنه من بني تميم. فقد روى البخاري، عن أبي سعيد الخدري قال: "بينا النبي الله يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال : "ويلك من يعدل إذا لم أعدل" ، قال عمر بن الخطاب : دعنى أضرب عنقه، قال : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال : ثدييه، مثل ثدي المرأة، أو قال : مثل البضعة تدر در يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت من النبي ﷺ ، وأشهد أن علياً قتلهم، وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ ، قال فنزلت فيه : ومِنهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) (۳).
وتذكر المصادر أن ذا الخويصرة هذا هو حرقوص بن زهير السعدي، الذي ذكره الطبري في الصحابة، وذكر أنه كان له في العراق أثر، وأنه هو الذي فتح سوق الأهواز، ثم كان مع علي في حروبه، ثم صار مع الخوارج، فقتل معهم (۱) ، وزعم بعضهم أنه ذو الثدية . ويذهب ابن الجوزي إلى أنه أول خارجي خرج في الإسلام آفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ (۱).
وقد كان حرقوص هذا أحد الرؤوس التي دبرت الفتنة، وشاركت في المؤامرة ضد الخليفة عثمان، إذ كان يقود ثوار البصرة، كما أنه كان من قادة الخوارج الذين انشقوا على "علي بن أبي طالب، بعد معركة صفين، وكان من أشد الخوارج على علي كة، وجادل علياً لقبوله التحكيم، الذي اعتبره خطيئة وذنباً، وطالب علياً بالتوبة منه، وكان حرقوص مع الخوارج، الذين قاتلهم علي، وقتل في معركة النهروان سنة سبع وثلاثين (٢).
ورغم الارتباط الفعلي بين ذي الخويصرة، وبين الخوارج، فإن الخوارج لم يظهروا كجماعة إلا بعد حادثه "التحكيم حيث فارقوا الجماعة، وانحازوا إلى حروراء وعينوا شبث بن ربعي التميمي ليكون أميراً عليهم للقتال، وجعلوا عبد الله بن الكواء اليشكري أميراً للصلاة، وأعلنوا أن الأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عز وجل، وشبهوا هجرتهم من الكوفة إلى حروراء بهجرة الرسول من مكة إلى المدينة. ورغم اتخاذ الخوارج هذا الموقف العدائي من أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين، فإن الخليفة علياً حاول أن يقنعهم بالرجوع إلى صوابهم، فبعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ليناظرهم، وحينما سألهم ابن عباس عن الأسباب التي دفعت بهم إلى مفارقة معسكر الخليفة قالوا بأنهم نقموا عليه ثلاثة أمور :
1- أنه بقبوله "التحكيم قد حكم الرجال في أمر الله، الذي يقول عنه تعالى : إن الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) فأخطأ بهذا، وكان ينبغي أن يستمر في القتال، حتى يظهرحكم الله.
٢- أنه قاتل أصحاب الجمل" وقتلهم، وفي نفس الوقت لم يسبهم، ولم يأخذ غنائمهم . بل إنه نهى عن قتل مديرهم، والإجهاز على جريحهم، وغنيمة أموالهم وذراريهم، وقال الخوارج : إنه ليس في كتاب الله إلا مؤمن، أو كافر، فإن كان هؤلاء مؤمنين لم يحل قتالهم، وإن كانوا كفاراً أبيحت دماؤهم، وأموالهم.
3- وأخيراً، فإن علياً بقبوله و التحكيم قد محا نفسه عن إمرة المؤمنين (*) وفي رأيهم أنه إن لم يكن أمير المؤمنين، فإنه لأمير الكافرين (۱).
وقد بين لهم ابن عباس خطاهم في هذه الآراء، وما استنتجوه منها من نتائج وما بنوه عليها من أحكام، وذكر لهم أن الله أوجب التحكيم في أمور هي أهون من حقن دماء المسلمين، كحالة الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، إذ ورد في القرآن فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ١٣٥، وقال: إن يُريدا إصلاحا يوفق الله بينهما .. كما أمر تعالى أن يحكم في الصيد بجزاء مثل ما قتل من النعم يحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ [المائدة: ٩٥]، فمن أنكر التحكيم مطلقاً، فقد خالف كتاب الله . وذكر ابن عباس لهم، أن التحكيم في أمر أميرين، لأجل حقن دماء المسلمين أولى من التحكيم في أمر الزوجين، والتحكيم لأجل الصيد. أما بالنسبة للقضية الثانية. فقد أشار ابن عباس إلى أنه كان من ضمن القوم المقاتلين في معركة الجمل أم المؤمنين عائشة. فهل يسبي الخوارج أمهم، أم ينكرون أنها أمهم؟ وقال لهم ابن عباس : فوالله لئن قلتم : ليست بأمنا خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم : لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها، لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 1] . وخطأ الخروج في هذه المسألة - كما يقول ابن تيمية - : ظنهم أن من كان مؤمناً لم يبح قتاله بحال، وهذا خلاف القرآن، الذي وصف الطوائف المتقاتلة بالإيمان في قوله تعالى : ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا .... [الحجرات: ٩] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخْوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات : ١٠]. فأخبر الله تعالى بأنهم مؤمنون مقتتلون، ودل القرآن على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي، وأنه يأمر بقتال الباغية حيث أمر الله به . وأما القضية الثالثة، وهي : القول بأن علياً محا . عن نفسه أمير المؤمنين، فقد رد عليهم ابن عباس بأنه ليس في هذا شيء يؤخذ على "علي" إذ أن الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي هو افضل من "علي" ، محا عن نفسه صفة الرسالة، التي هي منزلة أفضل من منزلة إمرة المؤمنين، وذلك حينما قال لعلي في صلح الحديبية : اكتب لهم كتاباً فكتب علي : هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون : والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك . فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنك لتعلم إني رسول الله : امح يا علي، واكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله . فوالله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه (۱). بهذه الحجج القوية استطاع ابن عباس (۲)، أن يرد طائفة كبيرة من الخوارج إلى الحق والصواب، ويقال : إنه لما عاد ابن عباس إلى علي سأله عن الخوارج إن كانوا منافقين. فقال ابن عباس : "والله ما سيماهم بسيماء المنافقين، إن بين أعينهم لأثر السجود، وهم يتأولون القرآن (۱). وقد أطمع هذا علياً في إقناعهم، فخرج إليهم بنفسه، وذكرهم بموافقتهم السابقة على الهدنة، وكيف أنهم هم الذين حملوه على قبول التحكيم على كره منه، فاعترفوا بذلك قائلين : إنهم أذنبوا بذلك وتايوا، وطلبوا منه أن يفعل ذلك. وأخيرا عادوا معه إلى الكوفة، وأشاعوا بين الناس أن علياً رجع عن التحكيم وتبين له خطؤه، فلما كذبهم علي في زعمهم هذا خرجوا عليه ثانية، وأصبحوا يرددون أن لا حكم إلا لله ، فلما سمع علي نداءهم قال : كلمة حق أريد بها باطل" . واتخذ معهم، رغم هذا، سياسة لينة محاولاً إقناعهم بالحجة، وقال لهم : أما وإن لكم عندي ثلاثاً ما صحبتمونا، لا تمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا " (٢) .
وقبل أن يحين موعد "التحكيم جاء بعض الخوارج إلى علي طالبين منه الرجوع عن التحكيم، والعودة إلى القتال بعد أن يعلن توبته عن خطيئته، فلم يجبهم إلى ذلك مؤكداً أنه لا يخلف العهد والميثاق، وأنه يستجيب إلى أمر الله الذي يقول : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بعد توكيدها وقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كفيلاً) [النحل: ٩١). ولما بعث علي أبا موسى الأشعري للتحكيم ضاق الخوارج بهذا، وقرروا الانفصال عنه، وتكوين إمارة مستقلة، وتعيين أمير عليهم، وعرضوا الأمر على بعض زعمائهم فرفضوا . وقبلها أخيراً عبد الله بن وهب الراسبي قائلاً : هاتوها، فوالله ما أقبلها رغبة في الدنيا، ولا قراراً من الموت، ولكن أقبلها لما أرجو فيها من عظيم الأجر وبايعوه أميراً لهم في العاشر من شهر شوال عام ٣٧ هـ، ونزلوا النهروان، وكتبوا إلى أصحابهم أن يوافوهم بها، ويتجمعوا هناك (١) .
وبعد أن صدر قرار التحكيم، وتبين أنه لم يحسم النزاع (۲)، بدأ علي يستعد الغزو الشام، ورد المخالفين إلى صفوف الجماعة. ولكن ظهر من بين أصحابه من نادي بضرورة القضاء أولاً على الخوارج قبل التوجه لقتال أهل الشام، واستطاع "علي"أن يقنع هؤلاء بأن الخطر الحقيقي يكمن في الشام، وأن قتال معاوية أولى من قتال هذه الفئة الخارجة واقتنع أصحاب علي بذلك. ولكن ورد إلى علي نبأ إفساد الخوارج في الأرض، واستحلالهم لدماء المسلمين وأموالهم، وقتلهم عبد الله بن خباب بن الأرت، الذي لقوه في طريقهم، وقالوا له : هل سمعت من أبيك حديثاً عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قال : نعم، سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فإذا أدركت ذلك، فكن عبد الله المقتول . ثم سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فذكرهما بكل خير، وسألوه عن عثمان في أول خلافته وآخرها، فجعله محقاً في أولها وآخرها، وعن علي قبل التحكيم وبعده، فقال : إنه أعلم بالله منكم وأشد توقياً على دينه، وأنفذ بصيرة، فأخذوا عليه بذلك أنه لا يتبع الهدى، فقدموه إلى شفير النهر فذبحوه، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها، وكانت حيلى ثم قتلوا بعض النسوة، وأخذوا يعترضون الناس، ويقتلون الأطفال (۱). فبعث إليهم علي الحارث بن مرة العبدي لياتيه بخبرهم، فقتلوه أيضاً. حينئذ لم يجد علي بدأ من الاستجابة لطلب أتباعه الذين رأوا ضرورة المسير إلى الخوارج؛ ليفرغوا منهم قبل التوجه إلى الشام، ولما قابل "علي" الخوارج طلب منهم تسليم قتلة عبد الله بن خباب للقصاص منهم، فقالوا: كلنا قتلناه (۲) ، فصمم على قتالهم بعد أن تبين له أنهم الفئة الخارجة التي أشار إليها الرسول عليه الصلاة والسلام في أحاديثه وخطب علي أصحابه، وأخبرهم بما سمع عن رسول الله ﷺ في شأن الخوارج، وقال : هم هؤلاء القوم سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على سرح الناس. وهكذا كانت موقعة "النهروان" التي أبيد فيها الخوارج، ولم ينج منهم إلا نفر قليل (۱).
ولكن معركة "النهروان لم تضع نهاية للخوارج، بل أذكت في من بقي منهم روح القتال، وكانت ذكرى الموقعة دافعاً لهم إلى مزيد من العنف، الأمر الذي أدى بهم إلى التخطيط لاغتيال علي وتنفيذ ذلك. ولما جاءت الدولة الأموية استمر الخوارج كقوة مناهضة لها، وخاضوا كثيراً من المعارك الانتحارية ضد جيوش الأمويين وولاتهم، وظهرت فرق خارجية عديدة، كالأزارقة والنجدات، والصفرية والمجاردة، والإباضية وغيرهم، ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز حاول أن يردهم إلى الحق (۲)، كما حاول علي بن أبي طالب من قبل، إذ رأى من بينهم كما قال : أناساً قد ضللوا فضلوا، وأنهم كانوا يبغون الحق فأخطأوا سبيله، ولكنه في النهاية يئس من إصلاحهم، وردهم إلى الصواب، ومن ثم لم يكن أمامه إلا قتالهم وحربهم. وهكذا استمر الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يجهدون، ويجاهدون في سبيل إسقاطها وتقويض أركانها، واستطاعوا في بعض الأحيان أن يبسطوا نفوذهم على أرض فارس والعراق، وبعض مناطق من اليمن والجزيرة، وقابلهم الأمويون عنفا يعنف وحاولوا سحقهم بكل قسوة وشدة، حتى انكسرت شوكتهم، ورغم هذا قام الخوارج بثورات عديدة في انحاء متفرقة من الدولة العباسية، فخرج الإباضية في عمان بقيادة الجلندي ضد جيوش السفاح، وراح ضحية هذه الحرب قرابة العشرة آلاف (۳). وفي عهد المنصور قاد مليد بن حرملة الشيباني، الخوارج بالجزيرة عام ۱۳۸ هـ وقتل منهم عدد كبير (٤) . وفي المغرب الإسلامي ( تونس ) وما حولها قاد الخوارج بقيادة أبي حاتم الإباضي حرباً ضد جيوش العباسيين، دامت خمس عشرة سنة، وقتل فيها خلال ٣٧٥ موقعة ما يربو على الثلاثين الفا (۱). وفي عهد المهدي خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان (۲)، كما خرج بس التميمي بالموصل، واستولى على ديار ربيعة والجزيرة (۳)، وفي عهد الرشيد خرج الصحصح بالجزيرة، وغلب على ديار بكر (٤)، كما شهد عهده أيضاً ثورة الوليد بن طريف بالجزيرة، وكانت من أعنف ثورات الخوارج التي شهدها عصر العباسيين (٥) .


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

نتائج هذه الدرا...

نتائج هذه الدراسة مع خاتمة لها : ( دراسة مقارنة في المنهج ، في كيفية تفسير كل من الإمامين الجليلين ل...

فال تستق ر الحق...

فال تستق ر الحقائق من الحدس وااللهام ، قوم فكرة الفلسفة الواقعية عىل ان مصدر كل الحقائق هو هذا العا...

أفادت مصادر عسك...

أفادت مصادر عسكرية وميدانية بإستشهاد أربعة قياديين بارزين في القوات المسلحة اليمنية، إلى جانب عدد من...

واسمه العلمي In...

واسمه العلمي Inia geoffrensis، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنواع الدلافين النهرية...

الدلفين الوردي،...

الدلفين الوردي، واسمه العلمي _Inia geoffrensis_، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنوا...

Introduction Ap...

Introduction Appréciée par certains, redoutée par d'autres, la communication orale peut être très ut...

تؤثر سهولة استخ...

تؤثر سهولة استخدام المتجر ووضوح الأسعار وخيارات الدفع والتوصيل وسرعة الاستجابة للاستفسارات في رضا ال...

إن الرؤية التي ...

إن الرؤية التي انطلق منها هذا الحدث ترتكز على إزالة العوائق النفسية والبيئية والمكانية التي تواجه أص...

Hormones act on...

Hormones act on target glands or tissues and influence cellular activity, growth and maturation. The...

الفراشات التي ن...

الفراشات التي نستمتع بمشاهدتها وهي تطير في الحقول في فصل الربيع وتنتقل من زهره الى زهره تطورت من حال...

Interstitial (t...

Interstitial (tissue) fluid bathes nearly all body cells except the outer layers of skin. It is the ...

تبرز الحاجة إلى...

تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية تجعل المتحف الجزائري مؤسسة منفتحة على المجتمع، تواكب التحولات العلمي...

Tech news