Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

  • امتداد سلطان الفاطميين إلى مصر : وقام بمصر بنفس الدور الذي قام به أبو عبد الله الشيعي في بلاد المغرب رأى عبيد الله المهدى أن يعاود الكرة لغزو مصر ؛ ولما اضطربت أحوال الخلافة العباسية ببغداد بعد وفاة الخليفة المقتدر وانقسم القادة الأتراك على أنفسهم ؛ والمصريين في بعض المدن كالجيزة وبلبيس، فلما لم تتحقق أمنيته فشل مشروع الزواج كما بعث إلى دعاته بالبلاد المصرية أعلاما وأمرهم أن يوزعوها على الجند الذين يؤيدون بيعته لينشروها إذا ما اقتربت عساكره من مصر وتعهد جوهر في كتاب الأمان بتأمين المصريين على أنفسهم وأموالهم وأهاليهم وضياعهم على أن أهل الفسطاط لم يقبلوا هذا الأمان، تأسيس مدينة القاهرة والجامع الأزهر: رأى جوهر بعد أن تيسر له ضم مصر إلى حوزة الفاطميين أن يشرع في إنشاء مدينة جديدة تكون مقرا للخلافة الفاطمية ومركزا لنشر دعوتها الدينية وعدل عن اتخاذ كل من الفسطاط والعسكر عاصمة له . وقيل أيضا أنها سميت القاهرة لأنها تقهر من شذ منها وحاول الخروج على أميرها ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون على أفضل الوصيين وزير خير المرسلين». فاستخلف يوسف بلكين بن زيرى بن مناد الصنهاجي على إفريقية والمغرب ، وخيل وبغال،

Original text


  • امتداد سلطان الفاطميين إلى مصر :


رأى الفاطميون بعد أن امتد نفوذهم في بلاد المغرب أن هذه البلاد لا تصلح لتكون مركزا لدولتهم، ففضلا عن ضعف مواردها كان يسودها الاضطراب من حين لآخر. لذلك اتجهت أنظارهم إلى مصر لوفرة ثروتها وقربها من بلاد المشرق الأمر الذى يجعلها صالحة لإقامة دولة مستقلة تنافس العباسيين.
كان عبيد الله المهدى يطمع فى أن يتخذ مصر قاعدة يوجه منها حملاته إلى بغداد للقضاء على الخلافة العباسية المتداعية، لذلك وجه نشاطه على أثر تأسيس خلافته بالمغرب إلى وضع الخطط لغزو مصر، فأعد في سنة ٣٠١هـ (٩١٣) جيشا من المغاربة تحت إمرة ابنه وولى عهده أبى القاسم وقائده حباسة بن يوسف، واستولى هذا الجيش على برقة في طريقه إلى مصر ؛ ثم واصل السير حتى استولى على الإسكندرية وتوغل فى الوجه البحرى ؛ وأنفذ الخليفة المقتدر العباسي مؤنسا الخادم لدفع المغيرين، واشتبك الفريقان في معركة ببلدة مشتول على مقربة من الجيزة، وانهزم حباسة وعاد إلى بلاد المغرب حيث قتله الخليفة عبيد الله المهدى على أثر رجوعه
وقد كشفت هذه الحملة - رغم ما أصابها من فشل - عن ميل كثير من المصريين إلى الدعوة الفاطمية بفضل دعاة الإسماعيلية كأبى على الداعي الذي بذل مجهودا كبيرا في دعوة أهالي مصر إلى الدخول في المذهب الإسماعيلي، وقام بمصر بنفس الدور الذي قام به أبو عبد الله الشيعي في بلاد المغرب رأى عبيد الله المهدى أن يعاود الكرة لغزو مصر ؛ فأخذ في إعداد جيش لفتحها واوفد , أبا القاسم على رأس هذا الجيش في أواخر سنة ٣٠٦هـ، فاستولى على الإسكندرية سنة ٣٠٧هـ (۹۱۹م) دون عناء، ثم سار إلى الجيزة، وأخذ الفاطميون يتوغلون في بلاد الوجه القبلى حتى تمكنوا من الاستيلاء على الأشمونين والفيوم.
على أن الخليفة المقتدر العباسي ما لبث - بعد أن بلغه نجاح الفاطميين في الزحف على مصر - أن أرسل قائده مؤنس الخادم على رأس جيش إلى تلك البلاد، فانتصر على الفاطميين واستولى على سفنهم وأحرقها (۱) وبذلك حلت الهزيمة بالحملة الفاطمية، وكان من أهم عوامل إخفاقها أن الخطة التي وضعها المهدى لغزو مصر لم تنفذ بدقة، ذلك أن أبا طاهر الجنابي أمير القرامطة ببلادالبحرين لم يتقدم بجيشه إلى مصر ليعاون جيش الفاطميين.
ولما اضطربت أحوال الخلافة العباسية ببغداد بعد وفاة الخليفة المقتدر وانقسم القادة الأتراك على أنفسهم ؛ اتخذ عبيد الله المهدى من ذلك فرصة سانحة لمعاودة فتح مصر، فاتفق مع أبي طاهر الجنابي على إثارة الاضطراب في بلاد المشرق في الوقت الذي تزحف فيه جيوشه إلى مصر، وأرسل حملة إلى تلك البلاد سنة ٣٢١هـ (۹۲۳م) تحت قيادة حبشي بن أحمد المغربي فحدثت مناوشات بين جنود
الفاطميين والمصريين، ثم عقدت هدنة في صفر سنة ٣٢٢هـ بين الطرفين المتحاربين، غير أن هذه الهدنة لم يطل أمدها، فنشبت عدة وقائع بين المغاربة
والمصريين في بعض المدن كالجيزة وبلبيس، ثم أوقع محمد بن طغج (الإخشيد) الهزيمة بالفاطميين في جمادى الأولى سنة ٣٢٢هـ (٤٣٤هـ) فاضطروا إلى العودة
إلى بلاد المغرب، وقبل ذلك بشهرين توفى الخليفة عبيد الله المهدى مؤسس الدولة الفاطمية وأخفى ابنه أبو القاسم موته ولم يعلنه للناس إلا بعد سنة حيث استقرت أموره في المغرب وتلقب بالقائم.
تابع أبو القاسم سياسة أبيه المهدى فى غزو مصر، فأرسل إليها جيوشه في أواخر سنة ٣٢٣هـ ، فوصلت الإسكندرية في أوائل سنة ٣٢٤، وانضم إليها بعض زعماء المصريين، مما يدلنا على مدى تأثير الدعاية الفاطمية في تلك البلاد، فأنفذ إليهم الإخشيد قوة كبيرة استطاعت أن تهزم جند الفاطميين الذين ما لبثوا أن أرغموا على العودة إلى أفريقية
لم تثبط تلك الهزائم التي لحقت بالفاطميين من عزمهم على بذل جهودهم لبسط سيادتهم على مصر، فلجأ الخليفة القائم إلى المفاوضات لعله يبلغ بها ما لم تبلغه الحملات السابقة، وأنفذ إلى محمد الإخشيد رسولا ومعه كتاب يطلب فيه صداقته إيثارا للمسالمة. وكان مما ورد فى هذا الكتاب (۱) «أرجو أن تقودك صحة عزيمتك وحسن رأيك إلى ما أدعوك إليه، فقد شهد الله على ميلى إليك وإيثارى لك ورغبتى فى مشاطرتك ما حوته يمينى واحتوى عليه ،ملکی، وليس يتوجه لك العذر في الخلف عن إجابتي، لأنك قد استفرغت مجهودك في مناصحة قوم لا يردون إحسانك ولا يشكرون إخلاصك، يخلفون وعدك ويحفزون ذمتك، لم يعتقد فيهم أحد حسن المكافأة ولا جميل المجازاة. وليس ينبغي لك أن تعدل عن منهج من نصحك وإيثار من آثرك، إلى من يجهل موضعك ويضيع حسن سعيك، وأنا أعلم أن طول العادة في طاعتهم قد كره إليك العدول عنهم فإن لم تجد من نفسك معونة على اتباع الحق ولزوم الصدق، فإنى أرضى منك المودة والأمر
والطاعة حتى تقيمنى مقام رئيس من أهلك . . . .
على أن الإخشيد رأى أن تتاح له فرصة التفكير في الأمر، لم يسلم رسول الخليفة الفاطمى رد هذا الكتاب بل احتج إليه بأنه لا يقرأ ولا يكتب، ولا يجوز له أن يبوح بما في نفسه إلى كاتب ثم قال : «أنا أتدبر الجواب، وأجيب عنه وسيصل مع من أثق به وأسلك من حسن الموالاة ما لم يكن غيرى يسلكه . ولا شك أن الإخشيد لم تخف عليه مطامع الخليفة الفاطمي التي تنطوى على دعوته للدخول في طاعته، لكنه كان يحرص على بقائه تحت لواء الخلافة العباسية؛ إذ أن ضعفها يتيح له التمتع ببعض الاستقلال، وقيل أن الإخشيد فكر في قطع صلته بالخلافة العباسية، وحذف اسم الخليفة العباسي الراضي من الخطبة وذكر اسم الخليفة القائم الفاطمي بدله حين وصل إليه أن الخليفة العباسي قلد محمد بن رائق الخزرى ولاية الشام سنة ٣٢٨هـ ، لكن بعض أخصائه نصحوه بالعدول عن ذلك .
وعلى الرغم من تمسك الإخشيد بألا يكون تابعا للخليفة القائم الفاطمي فإنه سعى لتوثيق علاقته به فبعث إليه كتابا يعرض عليه زواج ابنته من ولى عهده المنصور، وأجاب الخليفة الفاطمى على ذلك بكتاب جاء فيه وقد قبلنا ما بذلت وهى وديعة لنا عندك، وقد منحناها من بيت مالنا قبلك مائة الف دينار، فوصل ذلك إليها .
لم يؤد هذا الكتاب إلى زواج ابنة الإخشيد بالمنصور بن القائم، ذلك أن الخليفة الفاطمي - على ما يفهم من كتابه - عامل الإخشيد كأحد ولاته، وأصبح يرى أن في ذمته إتاوة أو مالا للحكومة الفاطمية، ومن ثم منح ابنته مائة ألف دينار من هذا المال، أما الإخشيد، فكان يظن أن القائم سيرسل إليه من الأموال والهدايا ما يفخر به، فلما لم تتحقق أمنيته فشل مشروع الزواج
ظل محمد الإخشيد مواليا للخلافة العباسية في بغداد حتى توفى سنة ٣٣٤هـ (٩٤٦)، ثم واجهت مصر بعد وفاته عدة صعوبات، ذلك أن سيف الدولة الحمداني أمير حلب أغار على دمشق ثم عول على السير إلى الرملة للاستيلاء على مصر، فنهض كافور الذي كان يقوم بالوصاية على أنوجور بن الإخشيد لدفع ذلك الخطر فرد الجيش الحمداني منهزما إلى حلب وحال دون مسيره إلى مصر أما من ناحية المغرب، فإن المنصور الفاطمى الذي آلت إليه الخلافة، بعد
وفاة أبيه القائم سنة ٣٣٤هـ ، لم يقم بأية محاولة لغزو مصر، ويرجع سبب ذلك إلى انشغال هذا الخليفة بالعمل على ضبط الأمور في دولته. لكن الفاطميين رغم ذلك كانوا يرقبون الأمور في البلاد المصرية، ويأملون أن يتمكنوا من مد سلطانهم عليها وقد حرص كافور الذي كان وقتذاك يستأثر بالسلطة في مصر على تحسين علاقته بكل من الخليفة العباسي والخليفة الفاطمي، فكان - كما قال أبو المحاسن في كتابه النجوم الزاهرة يهادى المعز صاحب المغرب ويظهر ميله إليه، وكذا يذعن بالطاعة لبنى العباس، ويدارى ويخدع هؤلاء وهؤلاء.
وفي عهد ولاية كافور حاول الخليفة المعز إعادة الكرة للاستيلاء على مصر فبعث جموعا من عساكره هاجمت الواحات المصرية؛ فأعد كافور جيشا أجلاهم عنها، كما وجه هذا الخليفة اهتمامه إلى نشر الدعوة الفاطمية في مصر، فقدمت رسله إلى كافور، تدعوه إلى الاعتراف بسيادته، فرحب بهم ولم يعطهم أى رد حاسم، على حين استطاع دعاة الفاطميين أن يأخذوا البيعة للمعز من رجال بلاد كافور وكبار موظفى دولته لما توفى كافور سنة ٣٥٧هـ (٩٦٨م)، اضطربت الحالة السياسية في مصر فوقع اختيار رجال البلاط على أبى الفوارس أحمد - حفيد الإخشيد - ولم يكن قد تجاوز الحادية عشرة من عمره، وما لبث أن استقل الوزير جعفر بن الفضل بن الفرات بتدبير أمور ولاية مصر وأصبحت البلاد في عهده مسرحا للفوضى، فقبض على طائفة من كبار الموظفين وذوى الرأى وصادر أملاكهم، وكان من بينهم يعقوب بن كلس الذي ظل معتقلا حتى شفع له الشريف أبو جعفر مسلم بن عبد الله الحسيني عند الوزير ابن الفرات فأطلق سراحه، ولم يلبث ابن كلس أن هرب إلى بلاد المغرب حيث التقى بالخليفة المعز ودله على وجوه ضعف مصر، كما حثه على النهوض لغزوها .
على أن ابن الفرات لم يفلح في القضاء على عناصر الفوضى في أواخر عهد الإخشيديين. بل ساءت فى أيامه الحالة المالية، وحل بالبلاد الوباء والقحط من جراء انخفاض النيل، وفقدات الحكومة كل هيبة واستقرار، وعلى الأخص حين عجزت عن دفع رواتب الجند وجمع الضرائب مما حمل كثيرا من أولى الرأى في مصر على الكتابة إلى المعز لدين الله يطلبون إليه القدوم إلى مصر لإنقاذها من الفوضى التي انتشرت فيها منذ أن توفي كافور
وكان الخليفة المعز يعد العدة لفتح مصر قبيل وفاة كافور؛ ففي سنة ٣٥٦هـ (٩٦٧م) أمر بإنشاء الطرق وحفر الآبار في طريق مصر، وأقام المنازل على رأس كل مرحلة، ولما وصلته الأخبار بوفاة كافور سنة ٣٥٧هـ أخذ في إعداد المال اللازم لتجهيز حملة لفتح مصر، كما بعث إلى دعاته بالبلاد المصرية أعلاما وأمرهم أن يوزعوها على الجند الذين يؤيدون بيعته لينشروها إذا ما اقتربت عساكره من مصر
عهد المعز لدين الله إلى جوهر الصقلى بقيادة الحملة التي أعدها لفتح مصر وخرج لوداعه يوم رحيله من القيروان في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ٣٥٨هـ فسار جوهر على رأس جيشه حتى وصل برقة فقدم له صاحبها فروض الطاعة واحتفل بلقائه، ثم مضى في سيره قاصدا الإسكندرية فدخلها من غير مقاومة ومنع جنده من التعرض للأهلين واستطاع أن يتألف عساكره بما أغدقه عليهم من الأرزاق.
ولما وردت إلى الفسطاط أخبار وصول جوهر إلى الإسكندرية واستيلائه عليها، شاور الوزير جعفر بن الفرات ذوى الرأى والنفوذ من أهلها، فاستقر رأيهم على مفاوضة جوهر في شروط التسليم وطلب الأمان على أرواح المصريين وأملاكهم، واتفقوا على تأليف وفد للمفاوضة وكان على رأسه الشريف أبو جعفر مسلم الحسيني والقاضى أبو طاهر الذهلى، فالتقى الوفد بالقائد الفاطمي عند تروجة في ١٨ رجب ٣٥٨هـ ، وتصدى أبو جعفر مسلم لمفاوضته، وانتهت المفاوضة بكتاب الأمان (۳) الذى كتبه جوهر وأعلنه للمصريين. وقد بين جوهر في هذا الكتاب الذي التمسه وقد أهالى الفسطاط، أن جيوش الفاطميين إنما قدمت لحمايتهم، كما عرض لبرنامج الإصلاح الذى سيقوم به كإقامة شعائر الحج وإصلاح الطرقات والعمل على استتباب الأمن وتوفير الأقوات وإصلاح العملة، ونشر العدل، كما وعد بترميم المساجد وتأثيثها، وأن تدفع للمؤذنين فيها والأئمة رواتبهم من بيت المال . كذلك نص فى كتاب الأمان على أن يظل المصريون على مذهبهم، أي لا يلزمون بالتحول إلى المذهب الشيعي وأن يجرى الأذان والصلاة وصيام شهر رمضان وفطره والزكاة والحج والجهاد على ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله، وتعهد جوهر في كتاب الأمان بتأمين المصريين على أنفسهم وأموالهم وأهاليهم وضياعهم على أن أهل الفسطاط لم يقبلوا هذا الأمان، كما تبين في الوقت نفسه أن طائفة كبيرة من الجند غير راضية عن عقد الصلح، وقالوا: «ما بيننا وبين جوهر إلا السيف، وولوا قائدا من بينهم يسمى تحرير الإمارة، وعلم بذلك جوهر، فقدم بجيشه إلى الجيزة واستطاعت فرقة من جنده عبور النيل عند منية شلقان شرقي القناطر الخيرية، ودار القتال بينها وبين الجند المصريين، فقتل منهم عدد كبير، ثم استقر رأى المصريين على مطالبة الشريف أبي جعفر مسلم الحسيني بالكتابة إلى جوهر في إعادة الأمان، فكتب إليه يهنئه بالفتح ويسأله الأمان من جديد، فأجاب القائد الفاطمى دعوة الشريف وأعاد الأمان، وأذاع على الجند منشورا يحرم فيه عليهم أن يقوموا بعمل من أعمال السلب والنهب، ثم خرج أبو جعفر مسلم وجعفر بن الفرات وسائر الأشراف والقضاة والعلماء ووجوه التجار والأعيان إلى الجيزة لاستقبال جوهر وهدأت الحالة فى الفسطاط وعادت الأعمال التجارية إلى ما كانت عليه (۱) وهكذا بدأ حكم الفاطميين في مصر وزال عهد الدولة الإخشيدية .


تأسيس مدينة القاهرة والجامع الأزهر:
رأى جوهر بعد أن تيسر له ضم مصر إلى حوزة الفاطميين أن يشرع في إنشاء مدينة جديدة تكون مقرا للخلافة الفاطمية ومركزا لنشر دعوتها الدينية وعدل عن اتخاذ كل من الفسطاط والعسكر عاصمة له .
ووضع جوهر أساس المدينة التي عزم على إنشائها شمالي الفسطاط في ليلة ۱۷ شعبان سنة ٣٥٨هـ ، كما وضع فى الليلة التالية أساس القصر الذي بناه لمولاه المعز، وعرف هذا القصر باسم القصر الشرقى الكبير، ثم أقام حول تلك المدينةوقصر الخليفة سورا كبيرا.
أطلق جوهر على مدينته الجديدة اسم المنصورية تقربا إلى خليفته المعز بإحياء ذكرى والده المنصور، وظلت تعرف بذلك حتى قدم المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر بعد أربع سنوات فسماها القاهرة تفاؤلا بأنها ستقهر الدولة العباسية
المنافسة، وقيل أيضا أنها سميت القاهرة لأنها تقهر من شذ منها وحاول الخروج على أميرها ، كما روى أن اسم القاهرة مأخوذ من قول المعز - وهو يودع جوهر أمام جمع من مشايخ كتامة الذين وجههم معه - والله لو خرج جوهر هذا وحده، لفتح مصر ... ولينزلن في خرابات ابن طولون ويبنى مدينة تسمى القاهرة، تقهر الدنيا .
أنشأ جوهر بسور القاهرة ، أربعة أبواب وهى : باب النصر، وباب الفتوح، وبابا زويلة ويعرف أحد هذين البابين الأخيرين باسم باب القوس، وقد مر منه المعز عند قدومه إلى القاهرة، وصار الناس يتبركون بالمرور به، أما الباب الثاني فقد تشاءم منه الناس وهجروه
وكانت القاهرة وقت إنشائها تحد من الشمال بموقع باب النصر، ومن الجنوب بموقع باب زويلة وما يليه، وتحد شرقا بموقع باب البرقية وباب المحروق المشرفين على المقطم، وتعرف هذه المنطقة في أيامنا بالدراسة، وتحد غربا بباب سعادة وما يليه حتى شاطىء النيل .
كان بمصر قبل الفتح الفاطمى ثلاثة مساجد جامعة هي: جامع عمرو بن العاص الذي أسس سنة ٢١ هـ ، وسمى في عهد ازدهاره تاج الجوامع، ثم عرف بعد أن تقادم به العهد بالجامع العتيق، ويقع شمالى حصن بابليون الذي كانت تقيم فيه حامية الروم وقت الفتح الإسلامي، ولما أصبحت مصر تابعة للخلافة العباسية، بني واليها الفضل بن صالح سنة ١٦٩هـ مسجد العسكر بجوار دار الإمارة، ثم يني أحمد بن طولون بعد أن استقل بولاية مصر سنة ٢٦٣هـ مسجده المعروف باسمه على جبل يشكر فى الجهة الجنوبية من القاهرة الحالية، والجهة الشمالية م العسكر .
وكانت هذه المساجد الجامعة الثلاثة تعتبر رمزا لسيادة الإسلام الروحية ومنبرا للدين الجديد، فجامع عمرو بن العاص كان يمثل ظهور الإسلام في مصر وانضواء تلك البلاد تحت الحكم العربي، أما جامع العسكر فإن تأسيسه إلى جانب جامع عمرو بن العاص أكبر دليل على نجاح الدعوة العباسية في مصر وانضمام تلك البلاد إلى حوزة العباسيين، كذلك الحال فيما يتعلق بجامع أحمد بن طولون، فنستطيع أن نقول أن إقامته ترجع إلى الرغبة في إظهار الدولة الطولونية وسيادتها
لما أسس جوهر مدينة القاهرة في نفس الليلة التي دخل فيها مدينة مصر، رأى ألا يفاجئ السنيين في مساجدهم بشعائر المذهب الفاطمي خشية إثارة حفيظة المصريين عليه، ومن ثم عول على بناء مسجد يكون رمزا لسيادة الدعوة الفاطمية، كما كانت القاهرة رمزا لسيادة الفاطميين على مصر، فشرع في بناء الجامع الأزهر في اليوم الرابع من شهر رمضان سنة ٣٥٩هـ ( ٧٩٠م) ، وتم بناؤه في سنتين تقريبا، وأقيمت فيه الصلاة لأول مرة في اليوم السابع من شهر رمضان سنة ٣٦١ (٩٧٢م) .
وقد سمى هذا الجامع فى بادئ الأمر بجامع القاهرة نسبة إلى العاصمة الجديدة التي أنشأها جوهر. وهناك ما يدل على أن هذه التسمية هي التي كانت تغلب عليه طوال العصر الفاطمى، وذلك أن معظم مؤرخى هذا العصر يذكرونه دائما باسم جامع القاهرة، أما تسميته بالجامع الأزهر، فيظهر أنها أطلقت عليه في عصر العزيز بعد إنشاء القصور الفاطمية التي كان يطلق عليها اسم القصور الزاهرة. وقال آخرون إنما سمى بذلك لما سيكون له من الشأن العظيم والمكانة الكبرى بازدهار العلوم فيه على أنه ليس ببعيد أن يكون الفاطميون الذين ينتسبون إلى فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم له الا الله سموه الأزهر إشادة بذكر جدتهم فاطمة الزهراء، وقد استمر هذا الجامع يعرف بهذين الاسمين حتى عصر المقريزي في أوائل القرن التاسع الهجري، ثم تقلص الاسم القديم وغلب عليه اسم الجامع الأزهر . كان الجامع الأزهر وقت إنشائه يتوسط العاصمة الفاطمية الجديدة، ويشتمل على مكان مسقوف للصلاة يسمى المقصورة، وآخر غير مسقوف يسمى صحنا، وقد بني فيه القائد جوهر مقصورة كبيرة، وأنشأ بها محرابا يسمى الآن القبلة القديمة، وكان الخلفاء الفاطميون منذ عهد المعز يحتفلون بإقامة الصلوات يوم الجمعة والأعياد في الجامع الأزهر، وكثيرا ما كانوا يؤمون الناس في الصلاة ويخطبون فيهم، وكانت تقام بهذا الجامع إلى جانب الصلوات بعض الحفلات الدينية .



  • اتخاذ مصر مقرا للخلافة الفاطمية :


شرع جوهر الصقلي منذ أن وضع أساس مدينة القاهرة في التمهيد لاتخاذها حاضرة للخلافة الفاطمية، فأمر بحذف الدعوة لخلفاء بني العباس التي كانت تقام بمساجد مصر وأقامها للخليفة المعز، وضرب السكة باسم الخليفة الفاطمي بدلا من اسم الخليفة العباسي، وعلى أحد وجهيها دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد»، وفى السطر الثانى : المعز لدين الله أمير المؤمنين، وفي السطر الثالث : ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وعلى الوجه الآخر : لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون على أفضل الوصيين وزير خير المرسلين».
كذلك منع جوهر الناس من لبس السواد شعار العباسيين، وزيد في الخطبة العبارة الآتية : «اللهم صل على محمد النبي المصطفى، وعلى على المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا ، اللهم صل على الأئمة الراشدين، آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين، كما أمر جوهر بأن يؤذن في جميع المساجد بحي على خير العمل (۳)، وهى من العبارات التي يتميز بها الأذان عند الشيعيين، ولم تلبث هذه التغييرات الدينية التي أدخلها جوهر الصقلى رغبة في نشر الدعوة الفاطمية أن لقيت كثيرا من النجاح مما سر القائد جوهر، فبعث للمعز يخبره بما لقيته دعوته من تأیید رأى جوهر بعد أن استقر سلطان الفاطميين فى مصر أن يكتب إلى المعز يستدعيه ليتولى بنفسه زمام الحكم فى البلاد، فلما أيقن المعز أن دعائم ملكه قد توطدت في مصر عول على الرحيل إليها، فاستخلف يوسف بلكين بن زيرى بن مناد الصنهاجي على إفريقية والمغرب ، وخرج من المنصورية في شوال سنة ٣٦١هـ متوجها إلى مصر وبصحبته كثير من أتباعه وجمع كبير من رجالات
دولته، من بينهم أولاده وإخوته وأعمامه، كما أحضر معه رفات آبائه عبيد الله المهدى، والقائم، والمنصور)، وفضلا عن ذلك فإنه كان فى ركابه خمسمائة حمل من الأموال التي أخرجها من قصور آبائه. وقد تابع المعز سيره مارا ببرقة حتى دخل الإسكندرية فى شعبان سنة ٣٦٢هـ ، فاستقبله أعيان البلاد وعلى رأسهم قاضي مصر، وجلس الخليفة عند منارة الإسكندرية حيث ألقى خطبة، قال فيها : «إنه لم يدخل مصر طمعا في زيادة ملكه ولا المال، وإنما أراد إقامة الحق وحماية الحجاج والجهاد ضد الكفار، وأن يختم حياته بالأعمال الصاحلة، وأن يعمل بما أمر به جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وعظ الحاضرين وخلع على القاضي في أواخر شعبان من هذه السنة، فوصلها فى يوم الثلاثاء 7 رمضان سنة ٣٦٢هـ دون أن يمر على مدينة مصر - وكان أهلها قد أقاموا معالم الزينة على جانبي الطريق ظنا منهم أنه سيزورها - وسار متجها إلى القصر الشرقي الذي بناه له جوهر ولم يكد يصعد إلى إحدى ردهاته حتى سجد شكرا لله تعالى وصلى ركعتين. وفى اليوم التالى لوصوله خرج أشراف مصر وقضاتها وأعيانها ورجال العلم فيها لتهنئته والاحتفاء به، ثم أخذ جوهر بعد ذلك يقدم إليه الناس طائفة بعد أخرى لقى المعز بالقاهرة كثيرا من مظاهر الترحيب، فقدمت إليه الهدايا والتحف بعد أن استقر هو وأسرته وأتباعه بالقصر الشرقي، وقد اشتملت هدية القائد جوهر التي قدمها إلى مولاه المعز على مائة وخمسين فرسا مسرجة، ملجمة، بعضها مذهب، وبعضها مرصع والبعض الآخر معنبر، وإحدى وثلاثين قبة على نوق بخاتي بالديباج والمناطق والفرش وثلاث وثلاثين بغلة وكان منها سبعة مسرجة ملجمة، تتبعها مائة وثلاثون بغلة معدة للنقل . وكانت الهدية تشتمل أيضا على أربعة صناديق مشبكة يرى ما بداخلها من أوانى الذهب والفضة، ومائة سيف محلاة بالذهب والفضة وشاشية مرصعة في غلاف وتسعمائة آنية فيها طرائف مختلفة، انتخبها جوهر من ذخائر مصر .
كذلك قام أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسينى بتقديم هدية للمعز وهي أحد عشر سفطا من متاع تونة (١) وتنيس ودمياط، وخيل وبغال، وقال: كنت أشتهي أن يلبس منها المعز لدين الله ثوبا أو يتعمم بالعمامة التي فيها، فما عمل الخليفة قط مثلها ولما انتهى المعز من تقبل الهدايا والتحف التي أهديت إليه، أمر بإطلاق سراح المعتقلين من الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر، وكانوا نحو الألف أصبحت ولاية مصر بعد قدوم المعز إليها دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة تابعة للخلفاء الفاطميين في بلاد المغرب، كما حلت القاهرة محل المنصورية، وغدت عاصمة للدولة الفاطمية، على أن انتقال المعز إلى مصر كان له أثره في بلاد المغرب إذ ضعف نفوذ الفاطميين فى هذه البلاد واستقل بولاياتها بعض الأمراء . ولم يأت منتصف القرن الخامس الهجرى حتى تقلص منها الحكم الفاطمي، وكانت أمور ولاية مصر قد أسندها المعز إلى جوهر بعد الفتح، فأقر الوزير جعفر ابن الفرات في منصبه كما أبقى على الموظفين المصريين في وظائفهم وأشرك مع كل موظف مصرى موظفا آخر من المغاربة (٤) ، وصار جوهر يشرف على إدارة الدواوين وجباية الخراج حتى أوائل سنة ٣٦٣هـ حيث تسلم المعز منه دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في أحوالها وهكذا استأثر المعز بالنفوذ والسلطان في مصر، ولم يشأ أن يترك لجوهر من السلطة ما يساعده على الاستئثار بالحكم، بل أبقاه بجانبه يشير عليه بما تتطلبه أحوال البلاد، وما لبث أن صرفه عن بعض المناصب الإدارية وأسندها إلى يعقوب ابن وعسلوج كلس بن الحسن (٥) ، وبذلك فقد جوهر ما كان يتمتع به من نفوذ
وليس من شك أن المعز كان يمثل الحاكم المستنير الذي يجمع في يده جميع السلطات ويعمل في نفس الوقت على إسعاد شعبه فبذل قصارى جهده للنهوض بدولته، واستطاع بفضل الأموال الوفيرة التي أحضرها معه من بلاد المغرب، وحسن سياسته واهتمامه بإعداد قواته الحربية أن يقيم دولة في مصر تناهض الدولة العباسية .


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

تحليل التوزيع ا...

تحليل التوزيع النسبي للمهارات الإدارية (الفكرية، الإنسانية، والفنية) عبر المستويات الإدارية الثلاثة ...

موقع الدراسة ال...

موقع الدراسة الجزائري منتدى الدراسة منتديات التعليم الثانوي منتدى السنة الأولى ثانوي 1AS إعداد فهرس ...

Personal Goals ...

Personal Goals My long-term goal is to become an independent biotechnology researcher capable of dev...

أكتب إليكم لأعب...

أكتب إليكم لأعبّر عن رغبتي الأكيدة في الانضمام إلى برنامج البكالوريوس في التكنولوجيا الحيوية ضمن منح...

إن المقارنة بين...

إن المقارنة بين النظام التعليمي في فنلندا ونظيره في مصر تعد خطوة أساسية لفهم كيف تؤثر القرارات الإدا...

يتمثل هدفي طويل...

يتمثل هدفي طويل المدى في أن أصبح باحثاً مستقلاً في مجال التكنولوجيا الحيوية، قادراً على تطوير حلول م...

2.1. البروتيازا...

2.1. البروتيازات الميكروبية وأهميتها الصناعية البروتيازات إنزيمات تحفز تحلل الروابط الببتيدية في الب...

يا هلا! اليوم ف...

يا هلا! اليوم في المدرسة كان الجو عجيب ومنعش، وخصوصًا حصة الكيمياء لأن أستاذتنا احتفلت معنا بـ اليوم...

أصدر وزير النقل...

أصدر وزير النقل، الأستاذ محسن حيدرة العمري، اليوم (الأربعاء)، القرار الوزاري رقم (102) لعام 2026م، ا...

ولد في ألمانيا ...

ولد في ألمانيا في مدينة شتوتغارت ومارس تدريس الفلسفة في عدة جامعات، وقد اعتمد على كانط كثيراً وكان ل...

خاتمة في ختام ...

خاتمة في ختام هذا البحث، يتضح أن التقويم الأكاديمي يُعدّ عنصرًا أساسيًا في العملية التعليمية والتعل...

دعت الأميرة ريم...

دعت الأميرة ريما بنت بندر، سفيرة المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة، المجتمع الدولي إلى إ...

Tech news