Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (50%)
ورُسِمت دون التفات إلى التجانس العرقي أو اللغوي أو الديني؛ وكثيرًا ما اضطُر الملك أو السيد للجوء إلى القمع متى حُجِبَ الولاء أو الخدمة؛ ونجد في كتابات روسو بالأساس أقوى مصادر إعادة إحياء مفهوم الدولة القومية وأساس القومية كمذهب سياسي؛ فقد أكَّد روسو واليعاقبة على حق «الشعب كله» في فرض سيادته على الدولة، ومبدأ المساواة في حقوق المشاركة المدنية والمساواة أمام القانون، ركائز مذهب القومية الحديث، أو على أنها جماعة يرتبط بعضها ببعض على أساس العرق أو اللغة، ويتحوَّل المجتمع البشري إلى عالم مكوَّن من دول قومية. حتى يتسنَّى لها التمتع «بالسيادة القومية الكاملة». شكل ٢-٢: أعاد مؤتمر باريس للسلام رسم خريطة أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. ويذهب النقاد إلى أن معاهدة فرساي حملت بذور الحرب العالمية الثانية. خلقت حدود عام ١٩١٩ مشكلات جديدة للأقليات القومية التي حُبِسَت بما لا يلائمها على الجانب الخطأ من حدود الدول الجديدة. وكما تذهب حجة قدوري القوية في كتابه «القومية»، فإن إصرار أصحاب مذهب القومية على الحق في تقرير المصير القومي، كثيرًا ما أخطأ الليبراليون الأنجلو أمريكيون حسنو النية فَهْمَه على أنه تفضيل للديمقراطية الدستورية، فقد أثبتت دول قومية متعاقبة حديثة الاستقلال في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا أن الاستقلال لا يضمن، من الواضح أن مذاهب القومية ليست مسئولة بالكامل عن وضع العلاقات الدولية المحفوف بالمخاطر، فعندما يوبِّخ النقاد مذاهب القومية لنهجها الهجومي وميلها إلى الحث على العنف السياسي، يخلطون عمومًا بين القومية في «صورتها الخالصة»، ومذاهب التفوق العرقي أو أيديولوجيات التوسع الإمبريالي. وفي ظل اقتران صعود الدولة القومية مع انهيار الملكية المطلقة وصعود الديمقراطية الجمهورية، أفلم يكن من المحتم أن توجه الشعوب الأوروبية أنظارها صوب الهوية القومية والوحدة القومية لمنح الاستقلال السياسي مشروعية؟ وهل أخطأ جلادستون وأسكويث وليود جورج (فضلًا عن وودرو ويلسون في هذا الشأن) خطأً فادحًا في منح الإيرلنديين أو التشيكيين أو البولنديين حق تقرير المصير، والتحرر من حكم أجنبي لم تدعمه شعوبهم ولا قبلت به قط؟ أليس أكيدًا أنه من قبيل العدالة الطبيعية أنه ينبغي لمن يشعرون بالانتماء إلى مجتمع قومي متجانس أن يتمتعوا بكرامة الاستقلال السياسي القومي ومكانته، ما دام يُقَرُّ بأن ذلك الاستقلال لا يحل في حد ذاته المشكلات الملحَّة المتعلقة بالعدالة الداخلية السياسية والاقتصادية، أو مشكلة إقامة نظام دولي مستقر؟ ٣) الصور الرئيسية للحركات القومية ٣-١) القومية الثقافية اللغوية كان العديد من رائدي القومية السياسية في الدول السلافية وأوروبا الغربية والشرق الأوسط وأفريقيا «أدباءَ» استخدموا كتاباتهم للتعبير عن إدراكهم للتميز القومي، ولتكوين مطلبهم المبدئي المتعلق بالاستقلال السياسي. وإن زعماء الحركات القومية ومثقفيها — ما إن يتحقق الاستقلال — قد تحل محلهم قوى سياسية ثورية أخرى، بَيْدَ أنَّ الأمم حديثة الاستقلال — مثل حكامها من الدول الإمبريالية السابقة التي نشأت منذ أمد بعيد — سرعان ما تدرك أهمية القومية الثقافية («معركة الكتب») من أجل تعزيز الالتزام القومي لدى شعوبها. وفي حالات السيطرة الاستعمارية طويلة الأجل، أو محاولة القضاء على القومية السياسية، وحيثما لا يزال توارث الثقافة واللغة متفشيًا بين أعضاء مجتمع عرقي كامل، يكون من غير الواقعي بالمرة — كما أثبتنا في حالة الإمبراطورية النمساوية المجرية في القرن التاسع عشر — أن يؤمَل منع بزوغ القومية الثقافية بمجرد منح اعتراف استعماري محدود بالهوية الثقافية القومية. فقط عندما تُستوعَب النسبة الأكبر من الجماعة العرقية في الثقافة السائدة سياسيًّا — كما في بريتاني الحديثة — تبقى القومية الثقافية في صورة حركة أقلية محكوم عليها بالفناء، عاجزة بصورة مأساوية عن مدِّ قاعدتها الثقافية اللغوية بالقدر الكافي لاقتناص السلطة بالسبل الديمقراطية. ٣-٢) القومية المناهضة للاستعمار في «العالم الثالث» كانت القومية مذهبًا سياسيًّا أوروبيًّا في الأصل، وصاحبت أثر الحكم الاستعماري أو تبعته لا سبقته. بيد أنه في معظم الحالات، وفي مثل ذلك الوضع، كانت جاذبية مذاهب تقرير المصير القومي طاغية بكل ما في الكلمة من معنى، ومن هنا — في صياغة تفهَّمها الأوروبيون على الفور — جاء المسوغ الذي احتاجوه من أجل مطالبهم المتعلقة بإدارة شئونهم الخاصة، متحررين من الحكم الاستعماري، وهي حركة شعبية عميقة، ولا غرابة في أن الحكومات الاستعمارية حاولت في بداية الأمر أن تسحق تلك الحركات، باتباع طرق معاملة محددة تباينت حسب القوة المستعمِرة المعنية وظروفها السياسية والعسكرية. وقد تمكن تقليد استعماري براجماتي — كالبريطاني — من إنشاء سياسات تشجع الحركات القومية الجديدة بالفعل أو تتواطأ معها؛ التي كثيرًا ما تكون متشرذمة ومتناحرة على نحو أكثر فعالية في صورة كيان سياسي مستقر ومنظم. كثيرًا ما دفعوا ثمن فشلهم في توفير السلع المادية، ومستويات معيشة أفضل. وفي كثير من الحالات — لا سيما في المستعمرات البريطانية — شجَّع الحكم المتساهل للقوة الاستعمارية تكوين أحزاب برلمانية قومية على سبيل «الوصاية الديمقراطية»، وأينما حدث ذلك كثيرًا ما أمكن تفادي العنف المفرط المتولد عن قيام انقلاب ثوري على الحكم الاستعماري. وفي ظروف أخرى — كما في قبرص والجزائر وعدن — وَجدت الحركات القومية نفسها تتعرض للقمع والتجريم من الحكومة الاستعمارية، ولجأت إلى تنظيمات خارج إطار القانون وغير معلنة، ويلزم كلًّا من «حركات التحرير الوطني» الثورية والأحزاب القومية الناشئة، وعلى الأخير إثبات مؤهلاته القومية للسلطة الراحلة ولشعبه ذاته. قد تضيع حتى إمكانية قيام نظام حكم يحظى بمشروعية شعبية، لا سيما ضباط الجيش الذين يحتكرون السيطرة على السلطات القمعية لدى الدولة؛
Original text
(٢) القومية
كانت أوروبا العصور الوسطى خالية من مذاهب القومية الحديثة؛ فدول أوروبا العصور الوسطى — التي يرتبط بعضها ببعض من خلال مفهوم (وإن لم يكن حقيقة) العالم المسيحي المتحد واللغة المشتركة للكنيسة الكاثوليكية — شكلت أجزاءً من ميراث الأُسَر الحاكمة، وكثيرًا ما افتقرت حدود تلك الإمبراطوريات والممالك والإمارات إلى الدفاع، ورُسِمت دون التفات إلى التجانس العرقي أو اللغوي أو الديني؛ فقد كانت المملكة هي نتاج ما أمكن للملك إحكام قبضته عليه في مواجهة خصومة منافسيه العسكرية والدبلوماسية؛ ولذا احتفظ رعايا الملك بهيكل ثلاثي من الولاءات: ولائهم وواجبهم نحو الكنيسة (التي نُظِر إليها على أنها منفصلة عن الحكام الدنيويين وسامية عليهم)، وولائهم وواجبهم نحو الملك، وولائهم وخدمتهم لسيد المنطقة التي يعيشون فيها. وكثيرًا ما اضطُر الملك أو السيد للجوء إلى القمع متى حُجِبَ الولاء أو الخدمة؛ لذا لم يحمل مصطلح «الأمم» أهمية سياسية حتى أواخر القرن الثامن عشر، وكان معناه ببساطة، حسب تعبير إيلي قدوري: «جماعات منتمية ومرتبطة بعضها ببعض بسبب تشابه محل الميلاد، وتكون أكبر من العائلة، لكنها أصغر من العشيرة أو الشعب أو مسقط الرأس.»
وتستمد القومية السياسية الحديثة أصولها من الحركات أو الاتجاهات التاريخية التي ظهرت في الدول الأوروبية الغربية بالقرن السادس عشر والقرن السابع عشر، حيث صار الولاء للملك وحكومته يُعتبَر مرتبطًا بالمصالح العامة للحاكم وموظفيه والشعب برمته، إن لم يتساوَ معها. والأهم من ذلك كله، أنه حينما تَعزَّز مبدأ «المصلحة العليا للدولة» والانتماء اللغوي الثقافي المتزايد، بفعل قدرة حكومة الدولة المركانتيلية (تجارية النزعة) المركزية على تعظيم المكاسب الاقتصادية، ظهرت الدولة القومية بوضوح في صورة الوحدة السياسية الأوروبية الأكثر غلبةً وقدرةً على البقاء.
بيد أن المذاهب والحركات السياسية الأوروبية الحديثة الخاصة بالقومية لم تتبلور حتى قيام الثورة الفرنسية. ونجد في كتابات روسو بالأساس أقوى مصادر إعادة إحياء مفهوم الدولة القومية وأساس القومية كمذهب سياسي؛ فقد أكَّد روسو واليعاقبة على حق «الشعب كله» في فرض سيادته على الدولة، مقترحين لأول مرة مساواة نموذج الدولة بالأمة.
يمثِّل كلٌّ من مبدأ الوحدة القومية، ومبدأ المواطنة للجميع، ومبدأ المساواة في حقوق المشاركة المدنية والمساواة أمام القانون، ركائز مذهب القومية الحديث، فبمجرد تعريف الأمة على أنها السكان الذين يعيشون في مكان معين، أو على أنها جماعة يرتبط بعضها ببعض على أساس العرق أو اللغة، فإن القومية تؤكد على أن الأمة لا بد من أن تصبح الوحدة الأساسية الشاملة للتنظيم السياسي. ويتحوَّل المجتمع البشري إلى عالم مكوَّن من دول قومية. وكانت النتيجة الطبيعية الحتمية (الثورية بلا ريب في سياق أوروبا القرن التاسع عشر) هي أن أي أمة تتعرض لقهر أمة أخرى لها الحق في أن تتحرر وأن تقرر مصيرها السياسي بصورة كاملة، حتى يتسنَّى لها التمتع «بالسيادة القومية الكاملة».
fig9
شكل ٢-٢: أعاد مؤتمر باريس للسلام رسم خريطة أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. ويذهب النقاد إلى أن معاهدة فرساي حملت بذور الحرب العالمية الثانية.2
وقد تعرَّض مذهب القومية لهجوم فعال للغاية على ثلاث جبهات رئيسية: كانت النقطة العملية الأولى التي أثيرت هي أنه ليس ثمة اتفاق واضح حول كيفية تعريف الأمة؛ فالاختلافات اللغوية والعِرقية والثقافية التاريخية عادةً ما تختلط للأسف؛ فقد واجه واضعو الحدود بين الأمم في تسوية فرساي — على سبيل المثال — صعوبات غير قابلة للحل في اتباع ذلك المبدأ وصولًا إلى نتائجه المنطقية. فعلى النقيض من رسم خريطة جديدة تتضمن وحدات قومية «خالصة» لا لبس فيها، خلقت حدود عام ١٩١٩ مشكلات جديدة للأقليات القومية التي حُبِسَت بما لا يلائمها على الجانب الخطأ من حدود الدول الجديدة.
ثانيًا، وكما تذهب حجة قدوري القوية في كتابه «القومية»، فإن إصرار أصحاب مذهب القومية على الحق في تقرير المصير القومي، كثيرًا ما أخطأ الليبراليون الأنجلو أمريكيون حسنو النية فَهْمَه على أنه تفضيل للديمقراطية الدستورية، كصورة للحكم الذاتي القومي، فقد أثبتت دول قومية متعاقبة حديثة الاستقلال في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا أن الاستقلال لا يضمن، بأي شكل من الأشكال، إقامة انتخابات حرة ديمقراطية وحكومة برلمانية وسلطة قضائية مستقلة والحفاظ عليها، أو حماية الحريات المدنية الأساسية في الدولة المعنية.
وتتمثل النقطة الثالثة، التي تصدَّرت مقالة إي إتش كار القصيرة الرائعة باسم «القومية وما بعدها» (١٩٤٥)، في أن انتشار المذاهب والحركات القومية أدى — على النقيض من تكوين عائلة سعيدة من الأمم — إلى مفاقمة النزاع الدولي؛ فالواقع أنَّ مذاهب القومية وفَّرت مبررًا إضافيًّا للثورة والحرب، وشكَّلت أساسًا للالتزام الشعبي بالصراعات القومية، وللمشاركة فيها، وقدمت مسوغًا سياسيًّا قويًّا وأداة دعائية لحشد الجيوش الجماهيرية وشَنِّ «حروب شاملة».
من ناحية أخرى، من الواضح أن مذاهب القومية ليست مسئولة بالكامل عن وضع العلاقات الدولية المحفوف بالمخاطر، وأيًّا كانت الادعاءات، التي ربما يكون ذهب إليها جوهان جوتليب فيخته (١٧٦٢–١٨١٤، فيلسوف ألماني) وإرنست رينو (١٨٢٣–١٨٩٢، منظِّر فرنسي)، والأحلام الرومانسية الأكثر سخافة للمروجين للقومية في القرن التاسع عشر، فمعظم الزعماء السياسيين القوميين أظهروا نزعة واقعية، من خلال إدراكهم أن تحقيق تقرير المصير السياسي القومي لا يمكن له القضاء على الاعتماد الخارجي والالتزامات الخارجية بالكامل، ولا تقديم دواء سحري شامل للسلام العالمي؛ فعندما يوبِّخ النقاد مذاهب القومية لنهجها الهجومي وميلها إلى الحث على العنف السياسي، يخلطون عمومًا بين القومية في «صورتها الخالصة»، ومذاهب التفوق العرقي أو أيديولوجيات التوسع الإمبريالي. وفي ظل اقتران صعود الدولة القومية مع انهيار الملكية المطلقة وصعود الديمقراطية الجمهورية، أفلم يكن من المحتم أن توجه الشعوب الأوروبية أنظارها صوب الهوية القومية والوحدة القومية لمنح الاستقلال السياسي مشروعية؟ وهل أخطأ جلادستون وأسكويث وليود جورج (فضلًا عن وودرو ويلسون في هذا الشأن) خطأً فادحًا في منح الإيرلنديين أو التشيكيين أو البولنديين حق تقرير المصير، والتحرر من حكم أجنبي لم تدعمه شعوبهم ولا قبلت به قط؟ أليس أكيدًا أنه من قبيل العدالة الطبيعية أنه ينبغي لمن يشعرون بالانتماء إلى مجتمع قومي متجانس أن يتمتعوا بكرامة الاستقلال السياسي القومي ومكانته، ما دام يُقَرُّ بأن ذلك الاستقلال لا يحل في حد ذاته المشكلات الملحَّة المتعلقة بالعدالة الداخلية السياسية والاقتصادية، أو مشكلة إقامة نظام دولي مستقر؟
(٣) الصور الرئيسية للحركات القومية
(٣-١) القومية الثقافية اللغوية
كان العديد من رائدي القومية السياسية في الدول السلافية وأوروبا الغربية والشرق الأوسط وأفريقيا «أدباءَ» استخدموا كتاباتهم للتعبير عن إدراكهم للتميز القومي، ولتكوين مطلبهم المبدئي المتعلق بالاستقلال السياسي. وإن زعماء الحركات القومية ومثقفيها — ما إن يتحقق الاستقلال — قد تحل محلهم قوى سياسية ثورية أخرى، بَيْدَ أنَّ الأمم حديثة الاستقلال — مثل حكامها من الدول الإمبريالية السابقة التي نشأت منذ أمد بعيد — سرعان ما تدرك أهمية القومية الثقافية («معركة الكتب») من أجل تعزيز الالتزام القومي لدى شعوبها.
وفي حالات السيطرة الاستعمارية طويلة الأجل، أو محاولة القضاء على القومية السياسية، تظل القومية الثقافية باقية لا تتزحزح، وكما تبيَّن للاتحاد السوفييتي السابق، فإنه من شبه المستحيل عمليًّا محو الهوية اللغوية والوحدة اللغوية لجماعة عرقية ما، وثمة أدلة داحضة بالفعل — في أيرلندا وويلز أثناء القرن التاسع عشر على سبيل المثال — على أنه كلما احتقرت الحكومة اللغة الأصلية لجماعة عرقية ما وتعمَّدت تثبيطها، اكتسبت سحرًا وأهميةً كلغة شارع تُستَخدَم للتعبير عن المعاناة والآمال الطائفيتين. وحيثما لا يزال توارث الثقافة واللغة متفشيًا بين أعضاء مجتمع عرقي كامل، يكون من غير الواقعي بالمرة — كما أثبتنا في حالة الإمبراطورية النمساوية المجرية في القرن التاسع عشر — أن يؤمَل منع بزوغ القومية الثقافية بمجرد منح اعتراف استعماري محدود بالهوية الثقافية القومية. فقط عندما تُستوعَب النسبة الأكبر من الجماعة العرقية في الثقافة السائدة سياسيًّا — كما في بريتاني الحديثة — تبقى القومية الثقافية في صورة حركة أقلية محكوم عليها بالفناء، عاجزة بصورة مأساوية عن مدِّ قاعدتها الثقافية اللغوية بالقدر الكافي لاقتناص السلطة بالسبل الديمقراطية.
(٣-٢) القومية المناهضة للاستعمار في «العالم الثالث»
كانت القومية مذهبًا سياسيًّا أوروبيًّا في الأصل، ونشأت في العالم الثالث كناتج ثانوي للتجربة الاستعمارية، وصاحبت أثر الحكم الاستعماري أو تبعته لا سبقته. ومن ثم تُبذَل جهود خارقة في سبيل البناء القومي جنبًا إلى جنب، مع تكوين الجهاز السياسي والإداري للدولة الحديثة. بيد أنه في معظم الحالات، يتقرر التكوين الإقليمي للأمة وشعبها المحدد، فضلًا عن لغتها الرسمية، ونظامها التعليمي والمؤسسات الاقتصادية والإدارية الكبرى فيها، من خلال حوادث ميراث الاستعمار العارضة. وفي مثل ذلك الوضع، كانت جاذبية مذاهب تقرير المصير القومي طاغية بكل ما في الكلمة من معنى، بالنسبة إلى أهل الفكر الذين حظوا بتعليم أوروبي، وإنْ كانوا يشعرون بالانعزال أو التهميش إلى حد ما. ومن هنا — في صياغة تفهَّمها الأوروبيون على الفور — جاء المسوغ الذي احتاجوه من أجل مطالبهم المتعلقة بإدارة شئونهم الخاصة، متحررين من الحكم الاستعماري، إلا أنهم بغية تحقيق أهدافهم كان عليهم أن يبتكروا هوية قومية ووعيًا قوميًّا ووحدة قومية بين أفراد شعبهم، وهي حركة شعبية عميقة، أشعل فتيلها الالتزام نحو الاستقلال القومي. ولا غرابة في أن الحكومات الاستعمارية حاولت في بداية الأمر أن تسحق تلك الحركات، باتباع طرق معاملة محددة تباينت حسب القوة المستعمِرة المعنية وظروفها السياسية والعسكرية. وقد تمكن تقليد استعماري براجماتي — كالبريطاني — من إنشاء سياسات تشجع الحركات القومية الجديدة بالفعل أو تتواطأ معها؛ اعتقادًا منه أن القوة الاستعمارية يمكن لها بذلك أن توحِّد القبائل والجماعات الدينية، التي كثيرًا ما تكون متشرذمة ومتناحرة على نحو أكثر فعالية في صورة كيان سياسي مستقر ومنظم.
إلا أن مؤيدي القومية الاستعمارية الأوائل سرعان ما وجدوا أنفسهم تهددهم الثورية الاقتصادية التي اتسم بها دعاة الحركات الاشتراكية والماركسية. فأولئك الزعماء الذين تشبثوا بجاذبية شعبية غير واضحة المعالم، أو بإيمان معنوي بالعصر الألفي، أو باعتماد على سيطرتهم الكاريزمية؛ كثيرًا ما دفعوا ثمن فشلهم في توفير السلع المادية، والمزيد من المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ومستويات معيشة أفضل.
وفي كثير من الحالات — لا سيما في المستعمرات البريطانية — شجَّع الحكم المتساهل للقوة الاستعمارية تكوين أحزاب برلمانية قومية على سبيل «الوصاية الديمقراطية»، وأينما حدث ذلك كثيرًا ما أمكن تفادي العنف المفرط المتولد عن قيام انقلاب ثوري على الحكم الاستعماري. وفي ظروف أخرى — كما في قبرص والجزائر وعدن — وَجدت الحركات القومية نفسها تتعرض للقمع والتجريم من الحكومة الاستعمارية، ولجأت إلى تنظيمات خارج إطار القانون وغير معلنة، وتكتيكات العصابات المسلحة والمقاومة؛ حتى تنتزع السلطة من مستعمِريها. ويلزم كلًّا من «حركات التحرير الوطني» الثورية والأحزاب القومية الناشئة، التي لا تتسم بالعنف في جوهرها — في المقام الأول — قواعدُ قوية من الدعم الجماهيري والمشاركة الجماهيرية النشطة، إذا كان لها أن تنتزع مقاليد السلطة وتحتفظ بها. فالفريق الأول عليه إثبات شرعيته الشعبية في اختبار الحرب الثورية، وعلى الأخير إثبات مؤهلاته القومية للسلطة الراحلة ولشعبه ذاته. بيد أنه ينبغي التأكيد على أن مثل تلك الحركات قد تمثل تحالفات أقل دوامًا واستقرارًا بكثير عما افتُرِض حتى الآن، وحيثما تنقسم تلك الحركات وتنهار، قد تضيع حتى إمكانية قيام نظام حكم يحظى بمشروعية شعبية، وحتى الشعور الوليد بالهوية والوحدة القوميتين. وفي مثل ذاك الفراغ يصير الطريق مفتوحًا أمام جماعات الأقليات المثابرة، لا سيما ضباط الجيش الذين يحتكرون السيطرة على السلطات القمعية لدى الدولة؛ ليقتنصوا فرصة القيام بانقلاب عسكري، مسوِّغه «صون الوحدة القومية» أو «حفظ القانون والنظام».
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
قصة الشيوخ الثلاث المحبة والثروة والنجاح ذات مرة خرجت امرأة من بيتها فرأت ثلاثة شيوخ لهم لحى بيضاء ط...
مة: إنّ ال...مة: إنّ التعليم مهنةٌ سامية تُسهم في بناء الأمم ورقيّها، إذ يُعدّ التعليم الجيّد الركيزة الأساس...
ارتفعت معدالت إ...ارتفعت معدالت إكمال الدراسة في المرحلة االبتدائية من 75 في المائة في عام 2000 إلى 85.4 في المائة في...
تعتبر السلطة ال...تعتبر السلطة اللامركزية الإقليمية من أهم الأساليب التي تستخدمها الدولة لتنظيم إدارتها. تهدف هذه السل...
باريس - لقد أضح...باريس - لقد أضحى اسمها على جميع الشفاه منذ أن قام الرئيس إيمانويل ماكرون بزيارة مفاجئة للمعهد الاستش...
مقدمة: تبدأ ال...مقدمة: تبدأ الوظائف التي تتيح للإنسان الحركة وممارسة النشاط البدني من تفاعلات دقيقة داخل الخلايا؛ ف...
# الترجمة الكام...# الترجمة الكاملة للبحث: نظام التكاليف على أساس الأنشطة (ABC) عنوان البحث: نظام التكاليف على أساس ا...
لبُزُق (أو الغل...لبُزُق (أو الغلما) هي آلة موسيقية وترية خشبية تشبه العود ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود. وكانت تسمى...
تطوير لوحة مؤشر...تطوير لوحة مؤشرات تشمل إجمالي العقود والكميات المتعاقد عليها، ونسب التعاقد بحسب الجهات والدول، إضافة...
في عصر الضعف لم...في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
مقدمة يُعتبر ا...مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...
ב. דיסגרפיה (Dy...ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...