Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (100%)
وما أضافته الأنثروبولوجيا في مجال الثقافة يختلف ويتمايز عن إضافات العلوم الأخرى على تعدد وتنوع أقسامها ومجالاتها، فقد عكست معرفة وخبرة، وحصيلة من التراكمات والتجريبات التي عرف بها هذا الحقل، ولعل من الصعوبة حصر مثل هذه الإضافات وضبطها وتحديدها كاملة وعلى وجه الدقة، وليس هناك مبحث في الدراسات الأنثروبولوجية يُعنى بهذا الشأن في ضبط وتحديد مثل تلك الإضافات، لهذا فإن ما سوف أطرحه لا يُشكل حصراً بالتأكيد، وإنما هو محاولة للتعرف على بعض هذه الإضافات قدر الإمكان. والغاية من ذلك هو التعرف على طبيعة هذه الإضافات ونوعيتها وسماتها وحتى قيمتها وتأثيرها في مجالي الثقافة والأنثروبولوجيا. أولاً: تحرير الثقافة من البيولوجيا هذه المهمة جاءت محاولةً لإثبات أن الثقافة هي من خواص الإنسان دون غيره من الكائنات الأخرى، وعلى هذا الأساس فإن الثقافة ترتبط بعالم الإنسان، وأكثر من عُرف بالدفاع عن هذه الفكرة مالينوفيسكي الذي ظل يكرر الحديث عنها في أبحاثه وكتاباته؛ لتأكيدها وإلفات النظر إليها. وتحرير الثقافة من البيولوجيا قد تحدد في ناحيتين: ناحية الاكتساب، والمقصود بالاكتساب: أن الثقافة لا تورث عبر العناصر والجينات الطبيعية والبيولوجية، أو عبر المؤثرات الفطرية والغريزية، وإنما هي تكتسب بوسائل وطرائق التنشئة والتربية والتعليم، ومن خلال عمليات التفاعل الاجتماعي المستمر. وبالتالي فإن العلاقة بالثقافة لها خاصية الإرادة والاختيار، بعيداً عن قوانين البيولوجيا التي لها خاصية الجبرية والإكراه. والمقصود بالانتقال: أن الثقافة لا تنتقل من إنسان إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل آخر، كما تنتقل إلينا الجينات والمورثات البيولوجية، وإنما عبر وسائط وطرائق لها طبيعة اجتماعية وثقافية، وبحاجة إلى اكتشاف واختراع. وقد أثبت الإنسان منذ تاريخه الموغل في القدم، أنه قادر على اكتشاف هذه الوسائط والطرق، ليس هذا فحسب بل كان مبدعاً بدرجة عالية من التفوق في اكتشاف واختراع مثل هذه الوسائط والطرق التي برهنت على مقولة الإنسان الذكي، أي أن الإنسان لم يكن ينقصه الذكاء منذ وجوده على الأرض، بخلاف ما يصوره البعض من أن الإنسان كان همجياً وبربرياً في سابق عهده القديم. وعن هاتين الناحيتين (الاكتساب والانتقال) في الثقافة يقول العالم هوبل: “إن السلوك المكتسب بصفة عامة يعتبر هاماً وضرورياً في تعريف الثقافة، وعلينا عند تحليل الثقافة أن نحذف كل ما هو بيولوجي أو موروث من مفهوم الثقافة؛ لأنها أي الثقافة حسب رأيه هي مجموع التجديدات الاجتماعية، والتي يمكن اعتبارها في النهاية بمثابة الإرث الاجتماعي الذي ينتقل عبر الأجيال المتلاحقة عن طريق التنشئة والاكتساب الثقافي المستمر”(23). وفي نطاق العلاقة بين الثقافة والبيولوجيا، واحدة لها علاقة بالإنسان، والثانية لها علاقة بالمجتمع. النظرية الأولى: منطق هذه النظرية يفيد أن الإنسان يولد بيولوجياً، وبعدها تبدأ مرحلة الثقافة التي تنقل الإنسان من المرحلة البيولوجية إلى مرحلة التخلق بالصفات المعنوية والروحية، حيث تقوم الثقافة بدور تهذيب الغرائز البيولوجية، وبهذا المعنى تكون الثقافة هي التي تكسب الإنسان جوهراً وكينونة ومعنى. ويذكر الدكتور أبو زيد أن عدداً كبيراً من الأنثروبولوجيين الثقافيين المحدثين يرون أن أية نظرية متماسكة متكاملة عن الثقافة يجب أن تحاول الكشف عن علاقة الثقافة بطبيعة الإنسان البيولوجية والنفسية، وأنه لا يكفي بالتالي دراسة الثقافة على أنها شيء مستقل ومتمايز، بمعنى أنه لا يمكن فهمها عن طريق دراستها في علاقتها بغيرها من الظواهر الثقافية مع إغفال مسألة التعرف على أصلها إغفالاً تاماً(24). النظرية الثانية: منطق هذه النظرية يفيد أن الاختلاف في مستويات التقدم والتحضر في المجتمعات الإنسانية لا يرجع إلى أسباب ذاتية وطبيعية تميز هذه المجتمعات من غيرها، فمقومات الإبداع والعبقرية كما يقول تيرجو موجودة ومنتشرة بين جميع العناصر البشرية، وأن تنمية المواهب الإنسانية تعتمد على الفرص المتاحة للتعليم، والظروف المحيطة بكل مجتمع، لذلك والكلام لتيرجو فإن التفاوت بين المجتمعات لا يرجع لأسباب وراثية، وإنما للاختلاف في التجارب والظروف المهيأة للتعليم(25). وإذا كانت فكرة تحرير الثقافة من البيولوجيا تبدو لنا اليوم فكرة سهلة وبسيطة فإنها في مقاييس ذلك الوقت تعد فكرة ناضجة ومهمة. ثانياً: إحلال فكرة الثقافة مكان فكرة السلالة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين كانت السلالات البشرية -كما يقول كاريزرس- هي الموجودات الحقيقية في رأي علماء الأنثروبولوجيا خصوم فرانز باوس، وذهب هؤلاء إلى أن السلالات هي جذور الفوارق الخاصة بالقدرة العقلية والأخلاقية بين الجماعات. غير أن باوس وتلامذته رفضوا بشدّة فكرة السلالات، يدافع هذا البيان عن فكرة الثقافة في مقابل فكرة السلالة المرذولة حسب وصف كاريزرس. ومن المحاولات التي تُذكر في هذا الشأن ما أثبته ودافع عنه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي الشهير كلود ليفي شترواس الذي طالب بالمحافظة على تنوع الثقافات في عالم يصفه بأنه مهدد بالرتابة والتماثل، والاعتراف لجميع الأعراق بالمساهمة في التاريخ الإنساني،
Original text
وما أضافته الأنثروبولوجيا في مجال الثقافة يختلف ويتمايز عن إضافات العلوم الأخرى على تعدد وتنوع أقسامها ومجالاتها، فقد عكست معرفة وخبرة، وحصيلة من التراكمات والتجريبات التي عرف بها هذا الحقل، ولعل من الصعوبة حصر مثل هذه الإضافات وضبطها وتحديدها كاملة وعلى وجه الدقة، وليس هناك مبحث في الدراسات الأنثروبولوجية يُعنى بهذا الشأن في ضبط وتحديد مثل تلك الإضافات، لهذا فإن ما سوف أطرحه لا يُشكل حصراً بالتأكيد، وإنما هو محاولة للتعرف على بعض هذه الإضافات قدر الإمكان. والغاية من ذلك هو التعرف على طبيعة هذه الإضافات ونوعيتها وسماتها وحتى قيمتها وتأثيرها في مجالي الثقافة والأنثروبولوجيا. ومن هذه الإضافات:
أولاً: تحرير الثقافة من البيولوجيا
هذه المهمة جاءت محاولةً لإثبات أن الثقافة هي من خواص الإنسان دون غيره من الكائنات الأخرى، وعلى هذا الأساس فإن الثقافة ترتبط بعالم الإنسان، وتنتمي إلى محيطه، وتتأثر ببيئته. وأكثر من عُرف بالدفاع عن هذه الفكرة مالينوفيسكي الذي ظل يكرر الحديث عنها في أبحاثه وكتاباته؛ لتأكيدها وإلفات النظر إليها.
وتحرير الثقافة من البيولوجيا قد تحدد في ناحيتين: ناحية الاكتساب، وناحية الانتقال.
والمقصود بالاكتساب: أن الثقافة لا تورث عبر العناصر والجينات الطبيعية والبيولوجية، أو عبر المؤثرات الفطرية والغريزية، وإنما هي تكتسب بوسائل وطرائق التنشئة والتربية والتعليم، ومن خلال عمليات التفاعل الاجتماعي المستمر. وبالتالي فإن العلاقة بالثقافة لها خاصية الإرادة والاختيار، بعيداً عن قوانين البيولوجيا التي لها خاصية الجبرية والإكراه.
والمقصود بالانتقال: أن الثقافة لا تنتقل من إنسان إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل آخر، كما تنتقل إلينا الجينات والمورثات البيولوجية، وإنما عبر وسائط وطرائق لها طبيعة اجتماعية وثقافية، وبحاجة إلى اكتشاف واختراع. وقد أثبت الإنسان منذ تاريخه الموغل في القدم، أنه قادر على اكتشاف هذه الوسائط والطرق، ليس هذا فحسب بل كان مبدعاً بدرجة عالية من التفوق في اكتشاف واختراع مثل هذه الوسائط والطرق التي برهنت على مقولة الإنسان الذكي، أي أن الإنسان لم يكن ينقصه الذكاء منذ وجوده على الأرض، بخلاف ما يصوره البعض من أن الإنسان كان همجياً وبربرياً في سابق عهده القديم.
وعن هاتين الناحيتين (الاكتساب والانتقال) في الثقافة يقول العالم هوبل: “إن السلوك المكتسب بصفة عامة يعتبر هاماً وضرورياً في تعريف الثقافة، وعلينا عند تحليل الثقافة أن نحذف كل ما هو بيولوجي أو موروث من مفهوم الثقافة؛ لأنها أي الثقافة حسب رأيه هي مجموع التجديدات الاجتماعية، والتي يمكن اعتبارها في النهاية بمثابة الإرث الاجتماعي الذي ينتقل عبر الأجيال المتلاحقة عن طريق التنشئة والاكتساب الثقافي المستمر”(23).
وفي نطاق العلاقة بين الثقافة والبيولوجيا، هناك نظريتان، واحدة لها علاقة بالإنسان، والثانية لها علاقة بالمجتمع.
النظرية الأولى: منطق هذه النظرية يفيد أن الإنسان يولد بيولوجياً، وهذه الولادة تمثل مرحلة الإنسان الأولى، وبعدها تبدأ مرحلة الثقافة التي تنقل الإنسان من المرحلة البيولوجية إلى مرحلة التخلق بالصفات المعنوية والروحية، حيث تقوم الثقافة بدور تهذيب الغرائز البيولوجية، وتوجيه الرغبات الطبيعية، وبهذا المعنى تكون الثقافة هي التي تكسب الإنسان جوهراً وكينونة ومعنى.
ويذكر الدكتور أبو زيد أن عدداً كبيراً من الأنثروبولوجيين الثقافيين المحدثين يرون أن أية نظرية متماسكة متكاملة عن الثقافة يجب أن تحاول الكشف عن علاقة الثقافة بطبيعة الإنسان البيولوجية والنفسية، وأنه لا يكفي بالتالي دراسة الثقافة على أنها شيء مستقل ومتمايز، أو على أنها نسق مغلق، بمعنى أنه لا يمكن فهمها عن طريق دراستها في علاقتها بغيرها من الظواهر الثقافية مع إغفال مسألة التعرف على أصلها إغفالاً تاماً(24).
النظرية الثانية: منطق هذه النظرية يفيد أن الاختلاف في مستويات التقدم والتحضر في المجتمعات الإنسانية لا يرجع إلى أسباب ذاتية وطبيعية تميز هذه المجتمعات من غيرها، ويكون التقدم حقاً وامتيازاً لها دون غيرها، فمقومات الإبداع والعبقرية كما يقول تيرجو موجودة ومنتشرة بين جميع العناصر البشرية، وأن تنمية المواهب الإنسانية تعتمد على الفرص المتاحة للتعليم، والظروف المحيطة بكل مجتمع، لذلك والكلام لتيرجو فإن التفاوت بين المجتمعات لا يرجع لأسباب وراثية، وإنما للاختلاف في التجارب والظروف المهيأة للتعليم(25).
وإذا كانت فكرة تحرير الثقافة من البيولوجيا تبدو لنا اليوم فكرة سهلة وبسيطة فإنها في مقاييس ذلك الوقت تعد فكرة ناضجة ومهمة.
ثانياً: إحلال فكرة الثقافة مكان فكرة السلالة
في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين كانت السلالات البشرية -كما يقول كاريزرس- هي الموجودات الحقيقية في رأي علماء الأنثروبولوجيا خصوم فرانز باوس، وذهب هؤلاء إلى أن السلالات هي جذور الفوارق الخاصة بالقدرة العقلية والأخلاقية بين الجماعات. غير أن باوس وتلامذته رفضوا بشدّة فكرة السلالات، وطرحوا بياناً مغايراً(26). يدافع هذا البيان عن فكرة الثقافة في مقابل فكرة السلالة المرذولة حسب وصف كاريزرس. ومن المحاولات التي تُذكر في هذا الشأن ما أثبته ودافع عنه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي الشهير كلود ليفي شترواس الذي طالب بالمحافظة على تنوع الثقافات في عالم يصفه بأنه مهدد بالرتابة والتماثل، والاعتراف لجميع الأعراق بالمساهمة في التاريخ الإنساني، وفي بناء الحضارة الإنسانية، وأن من العبث -حسب رأيه- تكريس الطاقة والجهد للبرهنة على تأكيد التفوق أو الدونية الثقافية لعرق على باقي الأعراق والأخرى
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
This study analyzes the role of digital transformation in enhancing local governance and achieving s...
الثقافة العُمان...الثقافة العُمانية والأبعاد الثقافية التسعة لنموذج GLOBE في رأيي، تتميز الثقافة العُمانية بالاحترام ...
12. Conclusion ...12. Conclusion Space radiation is one of the major challenges facing long-duration human missions t...
8. الدفوع الشكل...8. الدفوع الشكلية هي كل الدفوع التى تتعلق بإجراءات رفع دعوى الالغاء أمام المحكمة المختصة، ويجب على ا...
والاسم هو ما وُ...والاسم هو ما وُضع عَلَماً على المسَمَّى؛ بحيث إذا ذُكر الاسم جاء إلى الذهن المسمى، فإذا اشترك اثنان ...
رقيت الحياة الع...رقيت الحياة العقلية في هذا العصر رقيا بعيدا وهو رقي هيات له الكتب الكثيرة التي ترجمت عن الهنود والف...
وينقسم البربر إ...وينقسم البربر إلى قسمين كبيرين؛ هما البربر البرانس، وهم البربر المستقرون الذين يعيشون على الزراعة وا...
وعلى وجه التحدي...وعلى وجه التحديد، يُشار إلى أن مخزون المواد الأولية -الذي كان يتألف بصفة خاصة من شحنتين- كان موجوداً...
الدولة الروماني...الدولة الرومانية والإمبريالية: التحولات الهيكلية، المبادئ الأيديولوجية، والاتجاهات التأريخية المعاصر...
الجذور التاريخي...الجذور التاريخية والفكرية للاشتراكية تطورت الفكرة الاشتراكية عبر مسار تاريخي طويل، يمكن تقسيمه إلى م...
سيتم قبول الموق...سيتم قبول الموقع الإلكتروني Closet Loop بعد الانتهاء من تطويره واختبار جميع الخصائص والوظائف الأساسي...
مفهوم الأنثروبو...مفهوم الأنثروبولوجيا: قبل تعريفها تجدر الاشاره إلى تعدد التعريفات واختلافها فيما يخص هذا المصطلح وير...