Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (31%)
ماكانت اللغة العربية تتمتع به من في مصر منذ نصف قرن إلا أن يشعر بالأسى الشديد عندما يتأمل حالها الآن. فقد كان لنا مدرسون للغة العربية يجيدون العربية، أن يكون قادرا على الكتابة أو الكلام بلغة عربية صحيحة، وكان الوزراء والسياسيون إذا ألقوا خطبهم ألقوها بلغة عربية جميلة ، وكان أحد معايير الحكم على هذا السياسي أو ذاك قوة بيانه وجمال لغته . وكان مجمع اللغة العربية الذي كان يضم أئمة الأدب والعلم والفكر في مصر يتمتع بالاحترام الشديد والمهابة التي كان جديرا بها. 4A لم تعد إجادة العربية شرطا لتعيين المذيع أو المذيعة، وأصبح الصحفى يكتب أن الاجتماع سيعقد مساء) (بالألف) أو أن نجاح الحكومة في تنفيذ سياستها الاقتصادية كان نجاحا ( مضطردا) (إذ إنه لا يعرف الفرق بين الاضطراد والاطراد). وعلى العموم فقـ فقد أصبحت كفاءة الصحفى أو فشله لا علاقة لهما بمعرفته أو جهله باللغة العربية. قادرا على ملاحقة هذا التيار الكاسح لغزو المصطلحات والتعبيرات الأجنبية لحياتنا . وقد لقد أصبحت المذيعة التليفزيونية مثلا تبدو وكأنها تفخر بأنها لا تستطيع أن تنطق الكلمات كما يجب، إذ إنهم للأسف لا يجدون المقابل العربى لهذه المصطلحات الأجنبية الصعبة، وهم في الحقيقة يريدون التفاخر والتشدق بمعرفتهم ببعض الكلمات الأجنبية. ينتهز أية فرصة ليضع المقابل الأجنبى للمصطلح العربي أو الكلمة العربية بمناسبة وغير مناسبة، حتى ولو كان المقابل العربي كافيا تماما وواضحا تمام الوضوح، كأن يكتب الاقتصادى بجوار كلمة رخاء كلمة (Prosperity) أو بجوار كلمة ثروة (Wealth)، اللغة العربية للإيحاء للطالب بأن هذا الكلام صعب وخطير ، وهو لم يفعل في الواقع إلا أن أضاع وقته ووقت طلبته فيما لا ينفع، وأرهق عامل المطبعة دون أي داع . فيقوم بترجمة ما يقرأه بالعربية إلى تلك اللغة في ذهنه، الأمر مدعاة للسخرية والرثاء حقا أن يكون فهمك لكلام مكتوب بالعربية متوقفا، لا على مدى اتساع معرفتك بمفردات العربية وقواعدها، ، فسألت نفسى من هو ياترى هذا الكاتب الحالى ؟ ثم تبينت أنه لا يقصد إلا نفسه، والتعبير هو ترجمة للتعبير الإنجليزي الذى بدأ يشيع في العقود الأخيرة (ولم يكن شائعا ولا حتى مستخدما فى حدود علمی منذ نصف قرن ولا في اللغة الإنجليزية نفسها ) وهو (The Present Writer) وهو تعبير تقيل سقيم يستخدمه بعض المؤلفين للإشارة إلى أنفسهم، مراعاة لعادة أن يتجنب الكاتب الإشارة إلى نفسه باللفظ المألوف وهو «أنا»، كما ترى سخيف ولا ماذا حدث للمصريين؟ ولكن حتى إذا فضله الإنجليز أو الأمريكيون، ذلك أن لكلمة (Literature) في الإنجليزية معنيين: أحدهما هو الأدب بمعنى العمل الأدبي، ومن ثم يجوز أن نقول بالإنجليزية (economic literature) بمعنى الكتابات الاقتصادية. ولكننا للأسف نقلنا الكلمة وترجمناها بمعناها الأول (الأدب) للتعبير عن المعنى الثاني (وهو الكتابات)، اللهم إلا إذا افترضنا أن كثيرا الكتاب يتعمدون استخدام تعبيرات غامضة وغير مفهومة (وهي كثيرا ما تكون غير مفهومة لأنها خاطئة لإيهام القارئ بأن وراء ما يقولونه أو يكتبونه معاني خطيرة وعميقة لا تسعها عقول أمثالنا وقل مثل ذلك عن انتشار كلمات ثقيلة وغريبة مثل إلخ . بل وكثيرا ما يعرف طريقة لتجنبه، أو مستمعين سلبيين للإذاعة والتليفزيون لا يستطيعون استيضاح الأمر منه . الأمر محزن كما ترى، قد يتبادر إلى الذهن أولا هذا التوسع المذهل فى التعليم الذى حدث خلال نصف القرن الماضى، وأدى إلى اللغة العربية 1.1 الذين لم يزد عدد المؤهلين منهم لهذا العمل الخطير بنفس نسبة الزيادة في عدد التلاميذ هذا طبعا صحيح، ولا الجامعة. وهذه الأدوات أو الوسائل الأخيرة لها سمات معينة تختلف عن المدرسة والجامعة، فقراء الصحيفة وجمهور المستمعين إلى الإذاعة ومشاهد و التليفزيون جماهير واسعة، ومن ثم يغفر الكاتب في الصحيفة لنفسه، أو لا يستطيع أن يستوعب أكثر من ذلك. وسرعة إعداد المادة الصحفية والإذاعية والتليفزيونية، وأن المهم «المضمون». ذلك أن العلة التي أصابت اللغة العربية لا تتعلق فقط ولا أساسا بعدم القدرة بل بعدم الرغبة . بعبارة أخرى المرض الحقيقى لا يكمن في أن عددا متزايدا من الناس لم تعد لديه القدرة على التعبير السليم بالعربية بسبب عدم عدم معرفته بقواعد هذا التعبير السليم، بل إن عددا متزايدا من الناس لم تعد لديه الرغبة في ذلك، وإذا كان هذا صحيحا، ۱۰۲ ماذا حدث للمصريين؟ التفسير الأساسي في رأيي يتعلق هنا أيضا بالحراك الاجتماعي الذي خبرته مصر في الخمسين سنة الماضية، فقلب التركيب الطبقى للمجتمع المصري رأسا على عقب، ذلك أني أريد أن أميز بين ثلاثة أجيال من المتعلمين فى مصر من حيث انتمائهم الطبقي، ومن ثم موقفهم من اللغة العربية جيل الثلاثينات والأربعينات، وجيل الخمسينات والستينات، بمعنى أن النسبة الغالبة منهم لم يكونوا قريبي العهد بالإنتماء إلى الطبقات الدنيا، وفي نفس الوقت كانوا أقل تطلعا إلى الصعود الاجتماعي، كانت طبقة يشعر أفرادها باطمئنان نسبى إلى مرکز هم ليس وراءهم ماض قريب يحتقرونه ويريدون نسيانه، ولا يشعرون بالتوتر الناتج من اللهفة على الصعود إلى أعلى، إذ لم يكن هذا ليبدو ممكنا في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة، انعكس هذا الاطمئنان النسبي في موقف معين من التراث وفي موقف معين من الغرب. لأنه لم يكن لديها سبب نفسى يدفعها للنفور منه والتنكر له، يرجع تاريخه إلى أول اتصال لنا بالغرب الحديث مع قدوم الحملة الفرنسية، وما اتخذته من إجراءات اقتصادية، بما في ذلك اللغة العربية ١٠٣ بمعنى أنها كانت أقرب عهدا بالطبقات الدنيا (إذا قورنت بالجيل السابق من المتعلمين) ومن ثم أقل اطمئنانا إلى مركزها، فضلا عن أنها بدأت تظهر درجة أقوى من التطلع إلى الصعود اجتماعيا نتيجة الفراغ الذي أحدثته الثورة في الدرجات العليا من السلم الاجتماعي . قد يرجع ذلك إلى أن الثورة رفعت شعار النمو الاقتصادي والتقدم، على الرغم من كل ما يقال عن انغلاقها على نفسها وانكبابها على الذات، كما رأينا، وقد انعكس كل هذا فى موقف أقل ولاء للتراث بصفة عامة، يستهين قد يساعدنا في تصور هذا التغير الذي حدث للموقف من اللغة العربية في الخمسينات والستينات بالمقارنة بالثلاثينات والأربعينات،
Original text
لا يمكن لمن لا يزال يذكر مثلى، ماكانت اللغة العربية تتمتع به من في مصر منذ نصف قرن إلا أن يشعر بالأسى الشديد عندما يتأمل حالها الآن. كان لا يزال مما يمكن أن يفخر به المرء في ذلك العصر أنه يكتب بلغة عربية صحيحة، وكان الخطأ في النحو والإعراب كتابة أو إلقاء مما يمكن أن يخجل منه المرء ويحاول تجنبه. وكان الأمر متيسرا، فقد كان لنا مدرسون للغة العربية يجيدون العربية، هم أنفسهم، ويعشقونها ،عشقا كما كان المناخ المحيط بنا كله يحترم العربية ويرعى مكانتها كان من الشروط الواجب توافرها فى الكاتب الصحفى مثلا، ولو كان يكتب خبرا صغيرا، أو المذيع ، أن يكون قادرا على الكتابة أو الكلام بلغة عربية صحيحة، وكان الوزراء والسياسيون إذا ألقوا خطبهم ألقوها بلغة عربية جميلة ، وكان أحد معايير الحكم على هذا السياسي أو ذاك قوة بيانه وجمال لغته . باختصار، لم يكن الأمر مما يجوز التساهل فيه . وكان مجمع اللغة العربية الذي كان يضم أئمة الأدب والعلم والفكر في مصر يتمتع بالاحترام الشديد والمهابة التي كان جديرا بها. كان يرأسه أحمد لطفى السيد حتى وفاته، ثم طه حسين حتى وفاته. وكان الحصول على عضوية هذا المجمع شرفا لا يدانيه شرف، وتتويجا لحياة الأديب أو العالم أو المفكر لا يطمع بعده فى المزيد من المجد .
لم يعد الأمر كذلك، بكل أسف . الخطأ في اللغة لم يعد شيئا يستحى منه المرء ،
بل أصبح لفت النظر إلى الخطأ وإعطاؤه أى اهتمام هو ما يستحى المرء منه .
4A
ماذا حدث للمصريين؟
لم تعد إجادة العربية شرطا لتعيين المذيع أو المذيعة، وأصبح الصحفى يكتب أن الاجتماع سيعقد مساء) (بالألف) أو أن نجاح الحكومة في تنفيذ سياستها الاقتصادية كان نجاحا ( مضطردا) (إذ إنه لا يعرف الفرق بين الاضطراد والاطراد). وعلى
العموم فقـ فقد أصبحت كفاءة الصحفى أو فشله لا علاقة لهما بمعرفته أو جهله باللغة العربية. أما الوزراء والسياسيون فحدث عن لغتهم العربية بلا حرج، وذلك أنه لم يعد من الجائز مع كثرة مشاغلهم وكثرة تعاملهم مع الأجانب أن تطالبهم بالالتفات إلى مثل هذه الصغائر . أما أعضاء مجمع اللغة العربية فلا يكاد يعرفهم أحد، انقضى على أي حال، ذلك العصر الذي كنا نسمع فيه من حين لآخر عن جديد صكه المجمع كمقابل للفظ الأجنبى الذى بدأ استخدامه بكثرة، فلم يعد المجمع، فيما يبدو، قادرا على ملاحقة هذا التيار الكاسح لغزو المصطلحات والتعبيرات الأجنبية لحياتنا .
وقد
لفظ
على أن الأمر إذا أردت الحقيقة كاملة، أسوأ من هذا بكثير. فقد انقلب الأمر في الحقيقة رأسا على عقب. لم يعد التزام الكلام والكتابة بلغة عربية صحيحة هو مجال الفخر، بل العكس بالضبط هو الصحيح. لقد أصبحت المذيعة التليفزيونية مثلا تبدو وكأنها تفخر بأنها لا تستطيع أن تنطق الكلمات كما يجب، إما بسبب أنوثتها الطاغية، أو بسب انغماسها في بيئة أجنبية حتى أذنيها . والمتحاورون في برنامج تليفزيونى أو إذاعى أصبحوا يسمحون بالكلمات الأجنبية بالدخول في كلامهم من حين لآخر، ويتظاهرون بأن ذلك يحدث لا شعوريا أو رغما عنهم، إذ إنهم للأسف لا يجدون المقابل العربى لهذه المصطلحات الأجنبية الصعبة، وهم في الحقيقة يريدون التفاخر والتشدق بمعرفتهم ببعض الكلمات الأجنبية. والكاتب في الصحيفة أو المجلة، حتى ولو كانت شعبية، شأنه شأن الأستاذ الجامعي اليوم، ينتهز أية فرصة ليضع المقابل الأجنبى للمصطلح العربي أو الكلمة العربية بمناسبة وغير مناسبة، حتى ولو كان المقابل العربي كافيا تماما وواضحا تمام الوضوح، بل وأوضح من اللفظ الأجنبى، بل وحتى لو كانت الكلمة ليست اصطلاحا أصلا، كأن يكتب الاقتصادى بجوار كلمة رخاء كلمة (Prosperity) أو بجوار كلمة ثروة (Wealth)، وكأن العرب لم يعرفوا الرخاء أو الثروة قبل أن يعرفها الأوروبيون بعدة قرون، فإذا ببعض الكتب التي يضعها أساتذة الجامعة لطلبتهم مرصعة
اللغة العربية
44
بالكلمات الأجنبية كل بضعة سطور، للإيحاء للطالب بأن هذا الكلام صعب وخطير ، وأن أستاذهم علم علامة، أحاط بالعلم من كل أطراف الكرة الأرضية، وهو لم يفعل في الواقع إلا أن أضاع وقته ووقت طلبته فيما لا ينفع، وأرهق عامل المطبعة دون أي داع .
وقد زاد مع الوقت عدد الكتاب وأساتذة الجامعة الذين يبدو من كتاباتهم أنهم لا يفكرون في الواقع باللغة العربية، بل بلغة أجنبية، لدرجة أن القارئ كثيرا ما يحتاج لكي يفهم ما يقرأه، أن يكون ضليعا في اللغة الأجنبية، فيقوم بترجمة ما يقرأه بالعربية إلى تلك اللغة في ذهنه، حتى يتضح أمامه المعنى .
الأمر مدعاة للسخرية والرثاء حقا أن يكون فهمك لكلام مكتوب بالعربية متوقفا، لا على مدى اتساع معرفتك بمفردات العربية وقواعدها، بل على مدى معرفتك بلغة أجنبية وتقاليدها وسأضرب للقارئ بعض الأمثلة، وإن كنت واثقا بأنه متى انتبه جيدا لما يقرأ البعض الكتاب بعضهم للأسف من أصحاب الأسماء السيارة ومن الكتاب الكبار ) سيجد أمثلة أخرى كثيرة لما أعنيه . فمثلا، كنت أقرأ في کتاب حديث في الاقتصاد لأستاذ كبير فى هذا العلم، طلب منى أن أكتب تقييما له لمجلة اقتصادية متخصصة، فوجدت صعوبة بالغة في أن أفهم ما يقوله المؤلف من أول قراءة لكل جملة، ووجدت أن على فى كثير من الأحيان أن أعيد قراءة الجملة قبل أن أتبين مقصده. وأسفت لذلك أسفا شديدا فأنا أيضا أستاذ في الاقتصاد والموضوع الذى يتناوله الكتاب ليس غريبا على فكيف تكون قراءتي له بهذا القدر من الصعوبة ؟ فى أثناء القراءة صادفت قوله ويعتقد الكاتب الحالي . . . واستغربت من التعبير، إذ إن المؤلف لم يكن فى هذا السياق يتكلم عن كاتب بعينه ، ، فسألت نفسى من هو ياترى هذا الكاتب الحالى ؟ ثم تبينت أنه لا يقصد إلا نفسه، فهو، أى المؤلف، هو الكاتب الحالى، والتعبير هو ترجمة للتعبير الإنجليزي الذى بدأ يشيع في العقود الأخيرة (ولم يكن شائعا ولا حتى مستخدما فى حدود علمی منذ نصف قرن ولا في اللغة الإنجليزية نفسها ) وهو (The Present Writer) وهو تعبير تقيل سقيم يستخدمه بعض المؤلفين للإشارة إلى أنفسهم، مراعاة لعادة أن يتجنب الكاتب الإشارة إلى نفسه باللفظ المألوف وهو «أنا»، من قبيل التواضع، فيما يبدو، أو التظاهر بالموضوعية وإنكار الذات التعبير، كما ترى سخيف ولا
"..
ماذا حدث للمصريين؟
داع له ، ولكن حتى إذا فضله الإنجليز أو الأمريكيون، فهو تعبير عن عادة وتقليد ليس لهما مقابل عندنا، ومن ثم فلا يمكن للمؤلف أن يتوقع أن يفهمه القارئ العربي إلا إذا كان عارفا بعادات الأجنبى فى الكتابة، وإدخال هذه العادة إلينا ليس له في رأيي أي مسوغ مقبول.
مثال آخر لتعبير شاع للأسف عندنا بلا مسوغ أيضا، وهو التعبير عن الكتابات» بلفظ الأدب». ذلك أن لكلمة (Literature) في الإنجليزية معنيين: أحدهما هو الأدب بمعنى العمل الأدبي، كالقصة والرواية والمسرحية والشعر، والآخر هو مجرد الكتابات» أيا كان موضوع هذه الكتابات ونوعها. ومن ثم يجوز أن نقول بالإنجليزية (economic literature) بمعنى الكتابات الاقتصادية. ولكننا للأسف نقلنا الكلمة وترجمناها بمعناها الأول (الأدب) للتعبير عن المعنى الثاني (وهو الكتابات)، فنقول الأدب الاقتصادي مثلا، أو الأدب الاجتماعي. ولا أدرى
من
كيف قدر لهذا التعبير الانتشار لهذه الدرجة، اللهم إلا إذا افترضنا أن كثيرا الكتاب يتعمدون استخدام تعبيرات غامضة وغير مفهومة (وهي كثيرا ما تكون غير مفهومة لأنها خاطئة لإيهام القارئ بأن وراء ما يقولونه أو يكتبونه معاني خطيرة وعميقة لا تسعها عقول أمثالنا وقل مثل ذلك عن انتشار كلمات ثقيلة وغريبة مثل
آلية) و (مصداقية» و «إشكالية».. إلخ .
إني لا أستطيع أن أمنع نفسى من الاعتقاد بأن انتشار هذا النوع من السلوك في الكتابة العربية يكمن وراءه في كثير من الأحيان نفسية معقدة وغير سوية، وأن الكاتب كثيرا ما يعرف درجة غموض ما يكتب ودرجة تعقيده ، بل وكثيرا ما يعرف طريقة لتجنبه، ولكنه يسترسل فى الأمر استعذابا للغموض وتفضيلا لهذا التعقيد متظاهرا أمام القارئ المسكين بأنه عالم كبير ومستغلا انتشار الجهل باللغات الأجنبية في بلادنا، فيستخدم القليل الذي يعرفه منها في التمويه على الناس الذين هذا الكاتب تحت رحمته سواء كانوا طلبة فى الجامعة، أو قراء لصحيفة،
وجدهم
أو مستمعين سلبيين للإذاعة والتليفزيون لا يستطيعون استيضاح الأمر منه .
الأمر محزن كما ترى، ويثير التساؤل عن السبب. قد يتبادر إلى الذهن أولا هذا التوسع المذهل فى التعليم الذى حدث خلال نصف القرن الماضى، وأدى إلى
اللغة العربية
1.1
تدهور مستوى التعليم بصفة عامة، بما في ذلك تعليم اللغة العربية، ليس فقط يسبب ازدحام الفصول والتساهل الذي يصاحب عادة زيادة عدد المتقدمين للحصول على الشهادة، بل والانخفاض الملحوظ فى مستوى المعلمين، بما في ذلك معلمو اللغة العربية، الذين لم يزد عدد المؤهلين منهم لهذا العمل الخطير بنفس نسبة الزيادة في عدد التلاميذ هذا طبعا صحيح، وصحيح أيضا أثر التغير في نوع الأداة أو الوسيلة التي تنتقل بها المعرفة باللغة من شخص لآخر، فالمدرسة لم تعد هي الوسيلة الوحيدة (وربما ولا الوسيلة الأساسية) التى يتلقى من خلالها الناس المعرفة باللغة، ولا الجامعة. بل انضمت إلى المدرسة والجامعة، بدرجة متزايدة القوة الصحف والمجلات والإذاعة ثم التليفزيون. وهذه الأدوات أو الوسائل الأخيرة لها سمات معينة تختلف عن المدرسة والجامعة، من بينها اتساع جمهورها اتساعا كبيرا، وسرعة إعداد المادة التي تلقى إلى هذا الجمهور الواسع. فقراء الصحيفة وجمهور المستمعين إلى الإذاعة ومشاهد و التليفزيون جماهير واسعة، مستوى تعلمهم في المتوسط أقل من مستوى تلميذ المدرسة أو طالب الجامعة، ومن ثم يغفر الكاتب في الصحيفة لنفسه، أو معد برنامج الإذاعة والتليفزيون التساهل في قواعد اللغة بحجة أن جمهوره لا يتطلب أكثر من ذلك، أو لا يستطيع أن يستوعب أكثر من ذلك. وسرعة إعداد المادة الصحفية والإذاعية والتليفزيونية، تؤدى إلى نفس النتيجة، بحجة أنه ليس هناك وقت كاف للالتفات إلى قواعد اللغة، وأن المهم «المضمون». كل هذا صحيح أيضا، ولكنه لا يصل في رأيي إلى الأصل الحقيقي للعلة التي نحن بصددها
هو
ذلك أن العلة التي أصابت اللغة العربية لا تتعلق فقط ولا أساسا بعدم القدرة بل بعدم الرغبة . بعبارة أخرى المرض الحقيقى لا يكمن في أن عددا متزايدا من الناس لم تعد لديه القدرة على التعبير السليم بالعربية بسبب عدم عدم معرفته بقواعد هذا التعبير السليم، بل إن عددا متزايدا من الناس لم تعد لديه الرغبة في ذلك، أو لم يعد يحرص بدرجة كافية على احترام اللغة العربية. وإذا كان هذا صحيحا، وهو في رأيي كذلك ، فلن يكفى لعلاج هذه العلة أن نخرج العدد الكافي من المعلمين الأكفاء، وأن نراعى ألا يتم التوسع فى الكم على حساب الكيف، إذ إن أصل العلة في رأيي يكمن في النفس لا في العقل) .
۱۰۲
ماذا حدث للمصريين؟
التفسير الأساسي في رأيي يتعلق هنا أيضا بالحراك الاجتماعي الذي خبرته مصر في الخمسين سنة الماضية، فقلب التركيب الطبقى للمجتمع المصري رأسا على عقب، ومن ثم خلق أنماطا من السلوك ومواقف نفسية لم تكن معروفة في مصر بهذه الدرجة على الإطلاق قبل نصف قرن ومن بين هذه المواقف النفسية هذا الموقف المؤسف من اللغة العربية .
ذلك أني أريد أن أميز بين ثلاثة أجيال من المتعلمين فى مصر من حيث انتمائهم الطبقي، وموقفهم من التراث وموقفهم من الغرب، ومن ثم موقفهم من اللغة العربية جيل الثلاثينات والأربعينات، وجيل الخمسينات والستينات، وجيل السبعينات والثمانينات . أما جيل الثلاثينات والأربعينات من المتعلمين، فقد كان ينتسب في الأساس إلى طبقة اجتماعية مستقرة نسبيا، بمعنى أن النسبة الغالبة منهم لم يكونوا قريبي العهد بالإنتماء إلى الطبقات الدنيا، وفي نفس الوقت كانوا أقل تطلعا إلى الصعود الاجتماعي، كانت طبقة يشعر أفرادها باطمئنان نسبى إلى مرکز هم ليس وراءهم ماض قريب يحتقرونه ويريدون نسيانه، ولا يشعرون بالتوتر الناتج من اللهفة على الصعود إلى أعلى، إذ لم يكن هذا ليبدو ممكنا في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة، وفى ظل الحاجز الذي كان يفصل بين الطبقات قبل ثورة ١٩٥٢ . انعكس هذا الاطمئنان النسبي في موقف معين من التراث وفي موقف معين من الغرب. كانت هذه الطبقة من المتعلمين تحترم تراثها، بما في ذلك لغتهم القومية، لأنه لم يكن لديها سبب نفسى يدفعها للنفور منه والتنكر له، كما أن موقفها من الغرب كان يتسم بقدر عال نسبيا من الثقة بالنفس . نعم كان هناك انبهار بالغرب، يرجع تاريخه إلى أول اتصال لنا بالغرب الحديث مع قدوم الحملة الفرنسية، ولكن الانبهار أنواع ودرجات وكان انهيار هذه الطبقة بالغرب في ذلك الوقت لا يصل إلى درجة الانهيار النفسي والتسليم للغرب بالتفوق في كل شيء، بما في ذلك اللغة والآداب .
كان هذا هو السبب الأساسى فى نظرى لتمتع اللغة العربية بمكانتها العالية (نسبيا) في ذلك الوقت، إذا قورن بما حدث لها بعد ذلك، فقد تغير الأمر تغيرا كبيرا في الخمسينات والستينات . فنتيجة لثورة ١٩٥٢ ، وما اتخذته من إجراءات اقتصادية، وما ترتب على هذه الإجراءات من تغيرات اجتماعية عميقة، بما في ذلك
اللغة العربية
١٠٣
ارتفاع درجة الحراك الاجتماعي، وفتحها أبواب التعليم على مصاريعها، بالإضافة إلى ما حدث من توسع فى التعليم في العقد السابق عليها، أصبحت النسبة الغالبة من المتعلمين فى الخمسينات والستينات ينتمون إلى طبقة اجتماعية أقل استقرارا ، بمعنى أنها كانت أقرب عهدا بالطبقات الدنيا (إذا قورنت بالجيل السابق من المتعلمين) ومن ثم أقل اطمئنانا إلى مركزها، فضلا عن أنها بدأت تظهر درجة أقوى من التطلع إلى الصعود اجتماعيا نتيجة الفراغ الذي أحدثته الثورة في الدرجات العليا من السلم الاجتماعي . كان موقف هذه الطبقة من المتعلمين، فيما أزعم أقل إجلالا للتراث (بما فى ذلك اللغة القومية) من الجيل السابق من المتعلمين، كما أن انبهارها بالغرب كان أشد تأثيرا فى ثقتها بنفسها . قد يرجع ذلك إلى أن الثورة رفعت شعار النمو الاقتصادي والتقدم، وتقدمت بخطوات سريعة نحو تحديث المجتمع، على الرغم من كل ما يقال عن انغلاقها على نفسها وانكبابها على الذات، وكان هذا التحديث بالضرورة يعني مزيدا من التغريب. نعم لقد اشتبكت الثورة في عراك مع الغرب ولكنه كان عراكا سياسيا واقتصاديا، كما رأينا، وليس عراكا ثقافيا أو حضاريا . فضلا عن أن هذا الجيل من المتعلمين، بحكم ما حققه من صعود اجتماعی قريب العهد، كان من الطبيعي أن يكون أكثر انبهارا بالتفوق التكنولوجى للغرب من الجيل السابق عليه وبما تحققه التكنولوجيا الغربية من توفير الراحة وتخفيض الأعباء والمشقة المرتبطة بالعمل العضلي، وقد انعكس كل هذا فى موقف أقل ولاء للتراث بصفة عامة، بما في ذلك اللغة القومية، وأكثر استهانة بهذه اللغة .
يستهين
قد يساعدنا في تصور هذا التغير الذي حدث للموقف من اللغة العربية في الخمسينات والستينات بالمقارنة بالثلاثينات والأربعينات، أن نقارن خطب قادة ثورة ١٩٥٢ وخطب السياسيين السابقين على الثورة. أنظر إلى أي حد كان قادة الثورة بقواعد اللغة وجمال التعبير، ويسمحون لأنفسهم بالخطابة بالعامية بالمقارنة بسياسيّي العهد السابق . لقد أصبح المهم هو التغيير الثوري»، وفى سبيل ذلك تهون كل الشكليات بما في ذلك قواعد اللغة القومية .
معدل
على أن الأمر زاد استفحالا في السبعينات والثمانينات نتيجة ما حدث من غير مسبوق للحراك الاجتماعي، أحدثته سنوات الثورة السابقة من ناحية
١٠٤
ماذا حدث للمصريين؟
واستمرار التوسع في التعليم، وارتفاع معدل التضخم ثم الهجرة الواسعة إلى دول النفط . كلنا لا يزال يذكر كيف كان جيل المتعلمين في السبعينات والثمانينات قريب العهد جدا بالطبقات الدنيا، كما نعرف جميعا كيف زاد الاتصال والانبهار بالغرب في هذين العقدين بما في ذلك الانبهار بأبسط منتجات الغرب وأقلها شأنا وأقلها دليلا على التفوق. كان طبيعيا جدا لهذا الجيل الجديد من المتعلمين أن يلقى بقواعد عرض الحائط، ويتفاخر بإقحام الكلمات الأجنبية في كلامه وكتاباته ، فهو جيل لديه نار حقيقى مع التراث والماضى بصفة عامة، يستعجل نسيانه ودفنه، ويريد الانفتاح الكامل على مصادر الرزق والثروة الجديدة التي غيرت من مكانته الاجتماعية إلى الأفضل، في مثل لمح البصر .
اللغة
أما الاحتجاج على ذلك بأن السبعينات والثمانينات قد شهدتا أيضا نمو قوة تلك الحركات المنادية بتمسك أكبر بالتراث فالرد عليه سهل ذلك أن هذه الحركات المناصرة للتراث تضم في طياتها نوعين من الناس :
،
النوع الأول : يتكون من المنتصرين للتراث من باب رد الفعل للظاهرة التي أتكلم عنها ظاهرة التغريب والانفتاح بلا ضوابط على الحياة الغربية وميل الكثيرين إلى التنكر للتراث والاستهانة به ، ويضم هذا الفريق أفرادا كثيرين ممن لا يسمح لهم تكوينهم النفسي لسبب أو آخر بالتنكر لتراثهم على هذا النحو المهين والذليل . ولكن هناك نوعا آخر من المنتصرين للتراث يتكون من شرائح اجتماعية فشلت في تغيير مركزها الاجتماعي على نفس النحو التي نجحت به شرائح أخرى، أو بنفس الدرجة التي كانت تطمح إليها .
هذا هو تشخيصي للسبب الأساسي لتدهور صحة اللغة العربية في مصر خلال نصف القرن الماضى، وهو تشخيص يشير إلى أسباب اقتصادية واجتماعية، ولكنه يشير أيضا إلى مرض نفسى نتج عن هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية. وكما هي الحال في سائر الأمراض النفسية، نجد هنا أيضا أن تشخيص الداء أسهل بكثير
من وصف الدواء.
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
دخلت أزمة المعلمين في ساحل حضرموت مرحلة جديدة مع بدء إدارات التربية والتعليم تسليم إشعارات لمعلمي ال...
بحث عضو مجلس ال...بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير، في نيويورك، مع المديرة العامة لصندوق ال...
ما الذي يجعل ال...ما الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في العمل الفني؟ الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في...
في 15 فبراير 19...في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القا...
رغم الطابع الهز...رغم الطابع الهزلي في النص، يحمل أبعادًا نقدية جادة تتعلق بانتقاد السلوك البشري والعبثية في النزاعات ...
تزداد أنصاف أقط...تزداد أنصاف أقطار الذرات كلّما اتجهنا من أعلى المجموعة إلى أسفلها؛ حيث تُضاف إلكترونات إلى مستويات ا...
ضعف الروابط الأ...ضعف الروابط الأسرية وغياب الزيارات المتبادلة، مع فقدان القدرة على بناء علاقات واقعية وتراجع التواصل ...
تصدر يوسف بزشكي...تصدر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، ...
جاء في الصبح ال...جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: "وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد"، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ...
نعم، جاءت الألف...نعم، جاءت الألفاظ والعبارات ملائمة تماماً لتجسيد هذه العاطفة وصادقة في التعبير عنها.التعليل:قوة الأل...
تتسع رقعة الموا...تتسع رقعة المواجهات بين القوات المسلحة اليمنية ومليشيات الحوثي التابعة لإيران في جبهات غرب تعز وشمال...
The technique i...The technique involves measuring the diffraction patterns of X-rays as they interact with the materi...