Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

المطلب الثاني: مكانة السنة وحجيتها: للسنة مكانة عظمى في الشريعة الإسلامية، ويدل على هذه المكانة الأمور التالية: أولا : السنة بيان للقرآن الكريم. لاشك أن المرجع المقدم في بيان معاني القرآن هو الرسول ، فإنه أعلم الناس برئه وأدراهم بمعاني كلامه جل وعلا، وهو المؤيد بالوحي ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [النجم: ٣ - ٤]، وإن القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة، ويبين أن من مهام الرسالة وتكاليف النبوة إيضاح القرآن الكريم للناس، قال تعالى : وأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهم [النحل: ٤٤ ، قال البغوي: (أراد بالذكر الوحي، وقال الإمام أحمد رحمه الله: (السنة عندنا آثار رسول الله ، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن) (1) . وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزَلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [النحل: ٦٤] ، فكان رسول الله هو المبين عن الله عز وجل أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله عز وجل به وعني فيه، وأحكامه التي حكم بها، ويحرم الحرام، ويحل الحلال، ويقيم الناس على منهاج الحق بالقول والفعل، يزل على ذلك حتى توفاه الله عز وجل، وقبضه إليه) (٣) . 1) معالم التنزيل، للإمام البغوي (٢١/٥٠) ۲) ذكره القاضي أبو يعلى في طبقات الحنابلة (٢٤١/١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن أعياك ذلك أي تفسير القرآن بالقرآن فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن موضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن) (۱) ، قال تعالى : إنا أنزلنا إليك الكِتَابَ بالحَقِّ لتحكم بين النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ﴾ [النساء : ١٠٥]. : وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل محمله، وبيان مشكلة، وبسط مختصره وذلك لأنها بيان له. فلا تجد في السنة أمراً إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية) (٢) مع العلم أن النبي ﷺ لم يفسر جميع القرآن، التنوع، إلا أنه يدل على عدم وجود تفسير نبوي كامل بجميع ألفاظ القرآن. فالحاصل بعد هذا كله أن النبي ﷺ بين للأمة ما تحتاج إليه من كتاب الله تعالى، وبلغ الرسالة أتم البلاغ، بلاغاً يتضمن بلاغ ألفاظ القرآن كاملة غير منقوصة، وسنته كلها بيان للقرآن، وقد قال في خطبة حجة الوداع في عرفة: لقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده أبداً إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني فيما أنتم قائلون؟ قالوا: تشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات (۲) فهذا عمران بن حصين رضي الله عنه قال لرجل سأله عن أشياء وطلب منه أن يجيبه بالقرآن: إنك رحل أحمق؛ 1) مقدمة التفسير، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ص ٩٣، ومقولة الشافعي من كتابه الرسالة ص ٣٣. ۲) الموافقات في أصول الشريعة، أبو إسحاق الشاطبي، ط ١٩٩٧م (٣١٤/٤). (۳) أخرجه مسلم رقم (۱۲۱۸)، من حديث جابر في الحج، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسراً، إن كتاب الله أنهم هذا وأن السنة تفسر ثانيا : السنة هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام فقد نص النبي ﷺ على حجية السنة، وكان هذا التقرير منه بدهياً، ولاسيما بعد برهان القرآن ذلك بآيات صريحة لا تحتمل التأويل كما سيأتي ولعلنا هنا تسرد أهم الأحاديث التي تناولت إثبات حجية السنة وأنها مصدر مهم وأساس في التشريع الإسلامي ومن الأمثلة على ذلك: حديث العرباض بن سارية رضي الله وقوله : فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ " ٢٤) . ومما يدل صراحة على أن السنة النبوية وحي من الله قوله : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (٢) وقوله : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي قبل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى (1) ، فدخول الجنة والنجاة من النار مبني على طاعته واتباعه. ومما يرغب في اتباع السنة، ويرهب من التفريط فيها، وصيته في حجة الوداع وقوله : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي) (4) فاذا كان اتباع السنة يوجب الأمن الضلال، فإن التفريط فيها وقوع في الضلال، وهذا يثبت حجية السنة. وقد قامت الأدلة المعتبرة الصحيحة الصريحة من القرآن الكريم، وإجماع الأمة، على إثبات حجيتها ومكانتها في التشريع الإسلامي، المطلب الثالث: تلقي الصحابة للحديث النبوي: حرص الرسول ﷺ على تبليغ المسلمين سنته الشريفة وحبب إلى أصحابه رضوان الله عليهم حفظ الحديث وتبليغه، قرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه (١) . وإذا تعذر على بعضهم الحضور يتناوب مع غيره كما كان يفعل عمر رضي الله عنه، قال: (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جثته بخير ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك) (1) . فكانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من أقرانهم وكانوا يشددون على من يسمعون منه طلباً للتثبت، كما كانت القبائل البعيدة تبعث إلى النبي ﷺ من يتعلم أحكام الدين منه ثم يعود إليهم ليرشدهم ويعلمهم، ويفتيهم. ويخصص وقتاً يجلس لهن فيه، وكانت أمهات المؤمنين على درجة سامية من العلم؛ فالصحابة رضوان الله عليهم هم خير القرون، ولهذا زكاهم الله تعالى في القرآن الكريم، 1) سنن أبي داود كتاب العلم فضل نشر العلم ج ۲ ص ۲۸۹ (۲) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج ١ ص ١٦٧. 22 فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيم ) [التوبة: ۱۰۰]، رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رَكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأة فاررة فاستغلط فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وأخرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ۲۹] ، وقال : (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه. ففضل الصحابة عظيم وقدرهم جليل، فهم أكثر الناس إيماناً، وأعمقهم فهماً، وأظهرهم قلوباً، وأعظمهم نصرة وتضحية لدين الله. الفرع الأول: تدوين السنة في عهد النبي (1): فرائحهم، وقوة حفظهم، وكان هناك من الصحابة من يكتب. وأما حديث النهي عن كتابة الحديث وهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَلي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدَّثُوا عَلى وَلا خرج (. رواه مسلم (1) ، فقيل في معناه ما يلي:

  1. أن النهي خاص بوقتِ نزول القرآن خَشْيَة التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك. أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أن النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وَهُوَ أَقْرَبَهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا. وقيل النهي خاص بمن حُشِيَ منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لِمَنْ أَمِنَ مِنْهُ ذلك. (۳) قال النووي: قالَ الْقَاضِي كَانَ بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كَثِيرُونَ مِنْهُمْ وَأَجَازَها أكثرهم، ثم أجمع المُسْلِمُونَ على جوازها وزال ذلك الخلاف . ۲) صحیح مسلم (الزهد والرقائق برقم ٥٣٢٦). ۳) فتح الباري (1/208). 24 الفرع الثاني: تدوين السنة في عهد الصحابة رضي الله عنهم: كان الصحابة يعتمدون في الأساس على حفظهم وجودة قرائحهم، وكان كثير منهم يحتاط من تدوين الحديث خشية الاتكال على الكتابة، ولكن هذا لم وقد أذن النبي ﷺ بكتابة حديثه، 1) حديث أبي هريرة: (ما من الصحابة أحد أكثر حديثا مني، 2) وعنه أيضا قال: خطب رسول الله ﷺ في فتح مكة إلى أن قال: اكتبوا لأبي شاة). (٢)، الأدلة. الفرع الثالث: تدوين السنة بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم: بدأ التدوين - بمعنى الجمع والتصنيف من أوائل القرن الثاني إلى آخر القرن الثالث، ذهبياً لعلوم السنة، فقد تنبه رواتها إلى وجوب تصنيفها وتدوينها، ومعنى تصنيفها ضم الأحاديث التي من نوع واحد في الموضوع بعضها إلى بعض كأحاديث الصلاة وأحاديث الصيام وما شاكل ذلك، وحدت هذه الفكرة في جميع الأمصار الإسلامية في أوقات متقاربة حتى لم يعرف من له فضيلة السبق إلى ذلك، (٣) وتستطيع أن تحدد هذا الدور بثلاثة أطوار : فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) (1) ، قال في فتح الباري: يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة، فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك "الموطأ" وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه والمسانيد من الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، وإن اختلفت أنواعه، فتارة ترتب فيه أسماء الصحابة على حروف الهجاء، كما فعله غير واحد، وتارة ترتب على السابقة في الإسلام؛ فيقدم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سناً، ويختتم بالنساء. الطور الثالث: جاء بعد هذه الطبقة، ومسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفي سنة ٢٦١هـ)؛ صنفا صحيحهما بعد أن دفقا في الرواية والاختيار، 1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه تعليقا في كتاب العلم. ۲) انظر: تدريب الراوي ص ٤٠ ۳) انظر: هدى الساري لابن حجر ص . وحذا حذوهما أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (المتوفى ۲۷۵ (هـ)، وأبو عيسى محمد بن عيسى وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (المتوفى سنة ٣٠٣هـ)، لما لهم في رواتها من الثقة العظمي. بل وحد بجانبهم كثيرون سواهم، إلا أن هؤلاء هم الذين نالوا شهرة لم ينلها غيرهم. وعلى رأسهم أصحاب الصحاح السنة، وفي أواخر القرن الثالث. لا يخفى على كل مسلم أهمية الإيمان، وعظم شأنه، فيه يحيا العبد، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَد عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولَئِك لهم الدرجات العلام [طه: ۷۵]، كثيرة. وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان يقوم على سنة أركان، وهي: الإيمان بالله، ورسله، من ذلك: ۱ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بعيدا [النساء: ١٣٦]. - وقوله تعالى : وليس البر أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبل المشرق والمغرب ولكن الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين) [البقرة: ١٧٧]
  • وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ
  • وقوله تعالى : إنَّا كُل شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر [القمر: ٤٩]. ه - وثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب المشهور بحديث حبريل «أن جبريل سأل النبي فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (1) . فهذه أركان الإيمان التي عليها يقوم، والإيمان ببعضها مستلزم للإيمان بباقيها، والكفر ببعضها كفر بباقيها، فيجب على كل مسلمة ومسلم معرفة هذه الأركان والعناية بها وتحقيقها علماً وعملاً. 1) صحيح مسلم برقم (1) 29 المبحث الأول: الإيمان بالله تعالى الإيمان لغة: مأخوذ من التصديق والطمأنينة. وفي الشرع قول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. واعلم أن الإيمان بالله عز وجل هو أهم أركان الإيمان، وأساس بنائه، وبقية الأركان مبنية عليه. والإيمان بالله عز وجل هو الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له. فظهر من ذلك أن الإيمان بالله يتضمن ثلاثة أمور : الأول: الإيمان بالربوبية، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالفه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، قال تعالى: الزواج الليل في النهار ويُواجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلِ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قطمِير [فاطر: ١٣]. الثاني: الإيمان بالألوهية، وهو إفراد الله وحده بالعبادة دون ما سواه، لكونه خالق العباد والمنعم عليهم بالرزق، القادر على كل شيء، قال تعالى: يا أنها ) دوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الناس اعبدوا الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً الثالث: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وهو إفراد الله تعالى بما سمى ووصف نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه، وتنزيهه عن النقائص والعيوب ومماثلة الخلق، قال تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". 1- توحيد الألوهية. - توحيد الربوبية. وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد قد أخذها أهل العلم بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهو استقراء تام النصوص الشرع، أفاد هذه الحقيقة الشرعية، وهي أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فمن لم يأت بهذا جميعه فليس بمؤمن، وفيما يلي بيان لهذه الأقسام المطلب الأول توحيد الربوبية الربوبية صفة الله، وهي مأخوذة من اسم الرب، والرب في كلام العرب يطلق على معان منها المالك، والسيد. المطاع، والمصلح. أما في الاصطلاح فإن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله . ومنها الخلق والرزق والسيادة والإنعام والملك والتصوير، والعطاء والمنع والنفع والضر، والإحياء والإمانة والتدبير المحكم، والقضاء والقدر، وغير ذلك من أفعاله حل وعلا. أدلته من الكتاب: قوله تعالى: خلق السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كريم - هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ 31 الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ في ضَلالي مبين [لقمان: ۱۰ - ۱۱] . وقوله تعالى: أَمْ خُلِفُوا مِنْ غَيْرِ شيء أم هُمُ الخَالِقُونَ [الطور : ٣٥] واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (1) . دلالة العقل دل العقل على وجود الله تعالى وانفراده بالربوبية وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم، وذلك عن طريق النظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه، وللنظر في آيات الله والاستدلال بها على ربوبيته طرق كثيرة بحسب تنوع الآيات وأشهرها طريقان: الطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس)، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تبصرون [الذاريات: (۲۱]، وقال تعالى: ونفس وما سواها الشمس: 7]، ولهذا لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له رباً خالقاً حكيماً خبيراً؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها، أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة عظاما، أو يكسو العظام الحماً. الطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف - (دلالة الآفاق)، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: وستريهم آياتنا في الآفاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شَيْءٍ شهيد [فصلت: ٥٣]
  1. سنن الترمذي (٢٥١٦) ، ومسند أحمد (۱ / ۳۰۷)، وقد حسن الحديث الترمذي وصححه، ومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من خيال وأشحار وبحار وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقاً لهذا الكون موحدا له مديرا لشؤونه، وأن الكائنات خلقت للحق وبالحق، وأنها آيات، وبراهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه وأدلة على فقال لهم رحمه الله: "أخبروني قبل أن تتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام وغيره بنفسها وتعود بنفسها، كل ذلك من غير أن يديرها أحد"، فقالوا : " هذا محال لا يمكن أبداً، فقال لهم: إذا كان هذا محالاً في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله ؟ ". فنيه إلى أن اتساق العالم ودقة صنعه وتمام خلقه دليل على وحدانية خالقه وتفرده، قال تعال: ولو كان فيهما آله إلا الله لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ الله وَ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء : ٢٢] بيان أن الإقرار بهذا التوحيد وحده لا ينجي من العذاب إن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل عليهم السلام، ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية. والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله رباً وخالقاً ورازقاً ومديراً - وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع، وبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين. 33 قال ابن عباس رضي الله عنهما من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون، وقال عكرمة: تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره، وقال مجاهد: إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره"، وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم: قال أفرأيتُم ما كُنتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عدو لي إلا رب العالمين) [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (1). بل لقد كان المشركون زمن النبي الله مقرين بالله رباً خالقاً رازقاً مديراً، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء يدعونهم ويستغيثون بهم وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يؤفكون [العنكبوت: ٦١]، وقوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهم من نزل من السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ موْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت: (٦٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون [الزخرف: ۸۷]، وقوله تعالى: وقل لمن الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ الشبع ورَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ من أفلا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فاني تسخرون [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدير شؤونه، ويقرون أن أوثاتهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا العابديها ضراً ولا نفعاً استقلالاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، له، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق والرب وما عداه مربوب غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقرلُونَا إلى الله الفى [الزمر: ٣]، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا. ومع هذا الإقرار العام من المشركين الله بالربوبية؛ واستباح رسوله قتالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة، وبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينحي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين الله وحده لا شريك له، المطلب الثاني: توحيد الألوهية: الألوهية مشتقة من اسم الإله، أي المعبود المطاع، فالإله اسم من أسماء الله الحسنى، والألوهية صفة من صفات الله العظيمة،

Original text

المطلب الثاني: مكانة السنة وحجيتها:


للسنة مكانة عظمى في الشريعة الإسلامية، ويدل على هذه المكانة الأمور التالية:


أولا : السنة بيان للقرآن الكريم.


لاشك أن المرجع المقدم في بيان معاني القرآن هو الرسول ، فإنه أعلم الناس برئه وأدراهم بمعاني كلامه جل وعلا، وهو المؤيد بالوحي ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [النجم: ٣ - ٤]، وإن القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة، ويبين أن من مهام الرسالة وتكاليف النبوة إيضاح القرآن الكريم للناس، قال تعالى : وأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهم [النحل: ٤٤ ، قال البغوي: (أراد بالذكر الوحي، وكان النبي ﷺ مبيناً للوحي وبيان الكتاب يطلب من السنة) (1) ، وقال الإمام أحمد رحمه الله: (السنة عندنا آثار رسول الله ، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن) (1) .


وقال ابن أبي حاتم: (إن الله عز وجل ابتعث محمداً رسوله إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزَلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [النحل: ٦٤] ، فكان رسول الله هو المبين عن الله عز وجل أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله عز وجل به وعني فيه، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها، وأحكامه التي حكم بها، وآثاره التي بثها، فلبث بمكة والمدينة ثلاثاً وعشرين سنة يقيم للناس معالم الدين، يفرض الفرائض، ويسن السنن، ويمضي الأحكام، ويحرم الحرام، ويحل الحلال، ويقيم الناس على منهاج الحق بالقول والفعل، فلم


يزل على ذلك حتى توفاه الله عز وجل، وقبضه إليه) (٣) .


(1) معالم التنزيل، للإمام البغوي (٢١/٥٠)


(۲) ذكره القاضي أبو يعلى في طبقات الحنابلة (٢٤١/١)، وهو جزء من نص طويل في بيان عقيدة الإمام أحمد.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن أعياك ذلك أي تفسير القرآن بالقرآن فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن موضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن) (۱) ، وهذا يدل على أن توضيح النبي للقرآن هو مما فهمه منه، ومما أراه الله، قال تعالى : إنا أنزلنا إليك الكِتَابَ بالحَقِّ لتحكم بين النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ﴾ [النساء : ١٠٥]. : وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل محمله، وبيان مشكلة، وبسط مختصره وذلك لأنها بيان له.... فلا تجد في السنة أمراً إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة


إجمالية أو تفصيلية) (٢)


مع العلم أن النبي ﷺ لم يفسر جميع القرآن، إنما فسر ما يحتاج إلى بيان من الكتاب العزيز، ووجود الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم حول بعض معاني الألفاظ القرآنية وإن كان أكثره من قبيل اختلاف


التنوع، إلا أنه يدل على عدم وجود تفسير نبوي كامل بجميع ألفاظ القرآن. فالحاصل بعد هذا كله أن النبي ﷺ بين للأمة ما تحتاج إليه من كتاب الله تعالى، وبلغ الرسالة أتم


البلاغ، بلاغاً يتضمن بلاغ ألفاظ القرآن كاملة غير منقوصة، وبيان ما يحتاج من معانيه، وسنته كلها بيان للقرآن، وقد قال في خطبة حجة الوداع في عرفة: لقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده أبداً إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني فيما أنتم قائلون؟ قالوا: تشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة برفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات (۲)


وقد بين الصحابة مكانة السنة في الهداية والتشريع، فهذا عمران بن حصين رضي الله عنه قال لرجل سأله عن أشياء وطلب منه أن يجيبه بالقرآن: إنك رحل أحمق؛ أتحد الظهر في كتاب الله أربعاً لا يجهر فيها بالقراءة، ثم


(1) مقدمة التفسير، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ص ٩٣، ومقولة الشافعي من كتابه الرسالة ص ٣٣.


(۲) الموافقات في أصول الشريعة، أبو إسحاق الشاطبي، تحقيق مشهور سلمان دار ابن عفان، ط ١٩٩٧م (٣١٤/٤). (۳) أخرجه مسلم رقم (۱۲۱۸)، من حديث جابر في الحج، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم.


20


عدد الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسراً، إن كتاب الله أنهم هذا وأن السنة تفسر


ذلك) ()


ثانيا : السنة هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام


فقد نص النبي ﷺ على حجية السنة، وأكد أنها دليل من أدلة الأحكام التشريعية، وكان هذا التقرير منه بدهياً، ولاسيما بعد برهان القرآن ذلك بآيات صريحة لا تحتمل التأويل كما سيأتي ولعلنا هنا تسرد أهم الأحاديث التي تناولت إثبات حجية السنة وأنها مصدر مهم وأساس في التشريع الإسلامي ومن الأمثلة على


ذلك:


حديث العرباض بن سارية رضي الله وقوله : فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ " ٢٤) ...


ومما يدل صراحة على أن السنة النبوية وحي من الله قوله : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (٢)


وقوله : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي قبل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى (1) ، فدخول الجنة والنجاة من النار مبني على طاعته واتباعه.


ومما يرغب في اتباع السنة، ويرهب من التفريط فيها، وصيته في حجة الوداع وقوله : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي) (4) فاذا كان اتباع السنة يوجب الأمن الضلال، فإن التفريط فيها


وقوع في الضلال، وهذا يثبت حجية السنة.


فتيين من ذلك أن السنة النبوية مصدر أصيل من مصادر التشريع الإسلامي، وقد قامت الأدلة المعتبرة الصحيحة الصريحة من القرآن الكريم، وإجماع الأمة، على إثبات حجيتها ومكانتها في التشريع الإسلامي،
المطلب الثالث: تلقي الصحابة للحديث النبوي:


حرص الرسول ﷺ على تبليغ المسلمين سنته الشريفة وحبب إلى أصحابه رضوان الله عليهم حفظ الحديث وتبليغه، روى أبو داود بسنده عن زيد بن ثابت قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نصر الله امراً سمع منا حديثاً فحفظه حتى بلغه؛ قرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه (١) .. وسار الصحابة في حرصهم على حضور مجالس الرسول إلى جانب ما يقومون به من أمور المعاش، وإذا تعذر على بعضهم الحضور يتناوب مع غيره كما كان يفعل عمر رضي الله عنه، قال: (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جثته بخير ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك) (1) ..


ولم يكن يتسنى للجميع سماع الحديث من الرسول ﷺ لما كانوا يقومون به من أعمال، فكانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من أقرانهم وكانوا يشددون على من يسمعون منه طلباً للتثبت، كما كانت القبائل البعيدة تبعث إلى النبي ﷺ من يتعلم أحكام الدين منه ثم يعود إليهم ليرشدهم ويعلمهم، وهكذا عاش الصحابة مع رسولهم ﷺ يشاهدون تصرفاته في عباداته ومعاملاته، وإذا عن لهم أمر من الأمور يحتاجون للبيان فيه رجعوا إليه يسألونه


فيجيبهم، ويفتيهم.


كما كان يعلم النساء أمور الدين، ويخصص وقتاً يجلس لهن فيه، وكانت أمهات المؤمنين على درجة سامية من العلم؛ لذا وجد النساء عندهن الإجابة عن أمورهن وأحوالهن التي يمنعهن الحياء من التصريح بها أمام


الرسول كالأمور الخاصة بالمرأة. فالصحابة رضوان الله عليهم هم خير القرون، وهم حفظة الدين وحملته، وهم الذين نصروا النبي ﷺ ودافعوا عنه وبلغوا عنه، ولهذا زكاهم الله تعالى في القرآن الكريم، وبين رضاه عنهم، فقال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأولون


(1) سنن أبي داود كتاب العلم فضل نشر العلم ج ۲ ص ۲۸۹ (۲) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج ١ ص ١٦٧.


22


من المهاجرين والأنصار والذين البعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين


فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيم ) [التوبة: ۱۰۰]، وقال سبحانه: محمدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ


رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رَكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ


ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأة فاررة فاستغلط فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وأخرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ۲۹] ، وقال : (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه.


ففضل الصحابة عظيم وقدرهم جليل، فهم أكثر الناس إيماناً، وأعمقهم فهماً، وأظهرهم قلوباً، وأعظمهم


نصرة وتضحية لدين الله.
...


المطلب الرابع: تدوين السنة النبوية


الفرع الأول: تدوين السنة في عهد النبي (1):


اعتنى الصحابة رضي الله عنهم بنقل الحديث عن النبي ، وكان اعتمادهم الأول على الحفظ الجودة


فرائحهم، وقوة حفظهم، وكان هناك من الصحابة من يكتب. وأما حديث النهي عن كتابة الحديث وهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَلي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدَّثُوا عَلى وَلا خرج (...) رواه مسلم (1) ، فقيل في


معناه ما يلي:



  1. أن النهي خاص بوقتِ نزول القرآن خَشْيَة التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك.


.. أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما،


أن النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وَهُوَ أَقْرَبَهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا. وقيل النهي خاص بمن حُشِيَ منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لِمَنْ أَمِنَ مِنْهُ ذلك. (۳)


قال النووي: قالَ الْقَاضِي كَانَ بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كَثِيرُونَ مِنْهُمْ وَأَجَازَها أكثرهم، ثم أجمع المُسْلِمُونَ على جوازها وزال ذلك الخلاف ...


(1) انظر: كتابة الحديث في عهد النبي عليه الله وصحابته وأثرها في حفظ السنة النبوية المؤلف: أحمد بن معبد بن عبد الكريم.


(۲) صحیح مسلم (الزهد والرقائق برقم ٥٣٢٦).


(۳) فتح الباري (1/208).


24


الفرع الثاني: تدوين السنة في عهد الصحابة رضي الله عنهم:


كان الصحابة يعتمدون في الأساس على حفظهم وجودة قرائحهم، وكان كثير منهم يحتاط من تدوين


الحديث خشية الاتكال على الكتابة، فيضعف الحفظ وكذا حتى لا ينشغل الناس بغير القرآن، ولكن هذا لم


يمنع الكثير منهم من تدوين بعض الأحاديث المأثورة عن رسول الله ، وقد أذن النبي ﷺ بكتابة حديثه، وقد


ورد في ذلك:


(1) حديث أبي هريرة: (ما من الصحابة أحد أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه يكتب


وأنا لا أكتب) (1)


(2) وعنه أيضا قال: خطب رسول الله ﷺ في فتح مكة إلى أن قال: اكتبوا لأبي شاة). (٢)، وغيرها من


الأدلة.


الفرع الثالث: تدوين السنة بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم:


بدأ التدوين - بمعنى الجمع والتصنيف من أوائل القرن الثاني إلى آخر القرن الثالث، وكان هذا الدور عصراً


ذهبياً لعلوم السنة، فقد تنبه رواتها إلى وجوب تصنيفها وتدوينها، ومعنى تصنيفها ضم الأحاديث التي من نوع


واحد في الموضوع بعضها إلى بعض كأحاديث الصلاة وأحاديث الصيام وما شاكل ذلك، وحدت هذه الفكرة


في جميع الأمصار الإسلامية في أوقات متقاربة حتى لم يعرف من له فضيلة السبق إلى ذلك، (٣)


وتستطيع أن تحدد هذا الدور بثلاثة أطوار :


الطور الأول: على رأس المائة الأولى في خلافة عمر بن عبد العزيز و بأمره؛ ففي صحيح البخاري: (وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) (1) ، وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فأجمعوه، قال في فتح الباري: يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث


النبوي، ثم أفاد أن أول من دونه بأمر عمر بن عبد العزيز ابن شهاب الزهري" اهـ (٢). فكان من مدوني الطور الأول بعدهم الإمام مالك بن أنس بالمدينة (توفي (۱۷۹ هـ)، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة توفي ١٥٠هـ)، قال ابن حجر: فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (توفي ١٦٠ هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة، فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك "الموطأ" وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه


بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومن بعدهم (تولي (۱۷۹ هـ) (۲) . الطور الثاني: رأت طبقة ثانية بعد هؤلاء أن يفرد حديث رسول الله ﷺ عن غيره، وذلك على رأس المائتين؛ فألفوا ما يعرف بالمسانيد، والمسانيد من الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، وإن اختلفت أنواعه، فتارة ترتب فيه أسماء الصحابة على حروف الهجاء، كما فعله غير واحد، وتارة ترتب على السابقة في الإسلام؛ فيقدم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سناً، ويختتم بالنساء. الطور الثالث: جاء بعد هذه الطبقة، طبقة أخرى رأت ما أمامها من هذه الثروة العظيمة، ففتح أمامها باب الاختيار، وفي طليعة هذه الطبقة الإمامان الجليلان شيخا السنة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي المتوفي ٢٥٦هـ)، ومسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفي سنة ٢٦١هـ)؛ صنفا صحيحهما بعد أن دفقا


في الرواية والاختيار، فكان إليهما المنتهى في ذلك.


(1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه تعليقا في كتاب العلم.


(۲) انظر: تدريب الراوي ص ٤٠


(۳) انظر: هدى الساري لابن حجر ص .


26


وحذا حذوهما أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (المتوفى ۲۷۵ (هـ)، وأبو عيسى محمد بن عيسى


الترمذي (المتوفى سنة ٢٧٩هـ)، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (المتوفى سنة ٣٠٣هـ)، وأبو عبد الله


محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه (تولي (۳۷۳هـ).


وكتبهم هي المعروفة في لسان أهل الحديث بالكتب الستة، وقد حازت عند المسلمين من القرن الثالث إلى وقتنا هذا درجة عظيمة من الاعتبار؛ لما لهم في رواتها من الثقة العظمي.


ليس هؤلاء هم الذين ألفوا في السنة فقط، بل وحد بجانبهم كثيرون سواهم، إلا أن هؤلاء هم الذين نالوا شهرة لم ينلها غيرهم.


ونستطيع أن نقول: لم تدون السنة الصحيحة وحدها مرتبة على الأبواب إلا في أتباع أتباع التابعين، وعلى


رأسهم أصحاب الصحاح السنة، وفي أواخر القرن الثالث.
لا يخفى على كل مسلم أهمية الإيمان، وعظم شأنه، فيه يحيا العبد، وينجو به من العذاب الأليم. قال تعالى: ومن عَمِلَ صَالِحًا من ذكر أو أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طيبةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: ۹۷]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَد عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولَئِك لهم الدرجات العلام [طه: ۷۵]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ هُمْ حَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا - خالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِولا) [الكهف: ۱۰۷ - ۱۰۸، والآيات في هذا المعنى في القرآن الكريم


كثيرة.


وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان يقوم على سنة أركان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والدليل عليها من القرآن الكريم والسنة النبوية كثير جداً، من ذلك: ۱ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ


مِن قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بعيدا [النساء: ١٣٦].




  • وقوله تعالى : وليس البر أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبل المشرق والمغرب ولكن الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين) [البقرة: ١٧٧]




  • وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ




بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥].



  • وقوله تعالى : إنَّا كُل شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر [القمر: ٤٩].


ه - وثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب المشهور بحديث حبريل «أن جبريل سأل النبي


فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر


خيره وشره» (1) .


فهذه أركان الإيمان التي عليها يقوم، والإيمان ببعضها مستلزم للإيمان بباقيها، والكفر ببعضها كفر بباقيها،


فيجب على كل مسلمة ومسلم معرفة هذه الأركان والعناية بها وتحقيقها علماً وعملاً.


(1) صحيح مسلم برقم (1)


29


المبحث الأول: الإيمان بالله تعالى


الإيمان لغة: مأخوذ من التصديق والطمأنينة.


وفي الشرع قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.


فالإيمان قول وتصديق وعمل (1) بإجماع أهل السنة.


واعلم أن الإيمان بالله عز وجل هو أهم أركان الإيمان، وأساس بنائه، وبقية الأركان مبنية عليه.


والإيمان بالله عز وجل هو الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في


ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له.


فظهر من ذلك أن الإيمان بالله يتضمن ثلاثة أمور :


الأول: الإيمان بالربوبية، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالفه ورازقه، وأنه المحيي المميت


النافع الضار، المتفرد بالإجابة عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، لا


ولا شريك له في ذلك، قال تعالى: الزواج الليل في النهار ويُواجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلِ


مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قطمِير [فاطر: ١٣].


الثاني: الإيمان بالألوهية، وهو إفراد الله وحده بالعبادة دون ما سواه، لكونه خالق العباد والمنعم عليهم


بالرزق، القادر على كل شيء، قال تعالى: يا أنها ) دوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الناس اعبدوا


الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً


وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة : ٢١-٢٢].
الثالث: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وهو إفراد الله تعالى بما سمى ووصف نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه، وتنزيهه عن النقائص والعيوب ومماثلة الخلق، قال تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".


وبهذا يعلم أن توحيد الأنبياء والمرسلين ينقسم إلى ثلاثة أقسام:


1- توحيد الألوهية.



  • توحيد الربوبية.


توحيد الأسماء والصفات.


وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد قد أخذها أهل العلم بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهو استقراء تام النصوص الشرع، أفاد هذه الحقيقة الشرعية، وهي أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فمن لم يأت بهذا جميعه فليس بمؤمن، وفيما يلي بيان لهذه الأقسام


المطلب الأول توحيد الربوبية


الربوبية صفة الله، وهي مأخوذة من اسم الرب، والرب في كلام العرب يطلق على معان منها المالك، والسيد.


المطاع، والمصلح.


أما في الاصطلاح فإن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله ...


ومنها الخلق والرزق والسيادة والإنعام والملك والتصوير، والعطاء والمنع والنفع والضر، والإحياء والإمانة والتدبير المحكم، والقضاء والقدر، وغير ذلك من أفعاله حل وعلا.


أدلته من الكتاب: قوله تعالى: خلق السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كريم - هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ


31


الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ في ضَلالي مبين [لقمان: ۱۰ - ۱۱] . وقوله تعالى: أَمْ خُلِفُوا مِنْ غَيْرِ شيء أم هُمُ الخَالِقُونَ [الطور : ٣٥]


ومن السنة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه مرفوعاً وفيه: (السيد


الله تبارك وتعالى)، وقد ثبت في الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قال في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما : ...


واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على


أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (1) .


دلالة العقل دل العقل على وجود الله تعالى وانفراده بالربوبية وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم، وذلك عن طريق النظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه، وللنظر في آيات الله والاستدلال بها على ربوبيته


طرق كثيرة بحسب تنوع الآيات وأشهرها طريقان:


الطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس)، فالنفس آية من آيات الله العظيمة الدالة على تفرد الله وحده بالربوبية لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تبصرون [الذاريات: (۲۱]، وقال تعالى: ونفس وما سواها الشمس: 7]، ولهذا لو أن الإنسان أمعن


النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له رباً خالقاً حكيماً خبيراً؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها، أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة


عظاما، أو يكسو العظام الحماً.


الطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف - (دلالة الآفاق)، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: وستريهم آياتنا في الآفاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ


أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شَيْءٍ شهيد [فصلت: ٥٣]


(1) سنن الترمذي (٢٥١٦) ، ومسند أحمد (۱ / ۳۰۷)، وقد حسن الحديث الترمذي وصححه، وصححه الحاكم.ومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من خيال وأشحار وبحار وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقاً لهذا الكون موحدا له مديرا لشؤونه، وأن الكائنات خلقت للحق وبالحق، وأنها آيات، وبراهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه وأدلة على


وحدانيته .


وقد جاء في بعض الآثار أن قوماً أرادوا البحث مع الإمام أبي حنيفة في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم رحمه الله: "أخبروني قبل أن تتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام وغيره بنفسها وتعود بنفسها، فترسو بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد"، فقالوا : " هذا محال لا يمكن أبداً، فقال لهم: إذا كان هذا محالاً في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله ؟ ".


فنيه إلى أن اتساق العالم ودقة صنعه وتمام خلقه دليل على وحدانية خالقه وتفرده، قال تعال: ولو كان فيهما


آله إلا الله لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ الله وَ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء : ٢٢]


بيان أن الإقرار بهذا التوحيد وحده لا ينجي من العذاب


إن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل عليهم السلام، ولا


ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية. ولذا يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أكثرهم بالله إلا وهم مشركون يوسف : ١٠٦]، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله رباً وخالقاً ورازقاً ومديراً - وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع، وبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين.


33


قال ابن عباس رضي الله عنهما من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون، وقال عكرمة: تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره، وقال مجاهد: إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره"، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن زيد: " ليس أحد يعيد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله رله، وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم: قال أفرأيتُم ما كُنتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عدو لي إلا رب العالمين) [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (1). والنصوص عن السلف في هذا المعنى كثيرة، بل لقد كان المشركون زمن النبي الله مقرين بالله رباً خالقاً رازقاً مديراً، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء يدعونهم ويستغيثون بهم وينزلون بهم


حاجاتهم وطلباتهم


. وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يؤفكون [العنكبوت: ٦١]، وقوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهم من نزل من السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ موْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت: (٦٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون [الزخرف: ۸۷]، وقوله تعالى: وقل لمن الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ الشبع ورَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ من أفلا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ


فاني تسخرون [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]


فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدير شؤونه، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه، ويقرون أن أوثاتهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا


العابديها ضراً ولا نفعاً استقلالاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ويقرون أن الله هو المتفرد بذلك لا شريك


(1) انظر: تفسير ابن حریر (۷) / ۳۱۳۳۱۲) .


له، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق والرب وما عداه مربوب غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، يشفعون لهم يزعمهم عند الله ويقربونهم إليه زلفى؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقرلُونَا إلى الله الفى [الزمر: ٣]، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما


ينوبهم من أمر الدنيا. ومع هذا الإقرار العام من المشركين الله بالربوبية؛ إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام بل حكم الله فيهم بأنهم مشركون كافرون وتوعدهم بالنار والخلود فيها، واستباح رسوله قتالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة، وبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينحي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين الله وحده لا شريك


له، وتستلزم إفراد الله وحده بالعبادة.


المطلب الثاني: توحيد الألوهية:


الألوهية مشتقة من اسم الإله، أي المعبود المطاع، فالإله اسم من أسماء الله الحسنى، والألوهية صفة من صفات الله العظيمة، فهو سبحانه المألوه المعبود الذي يجب أن تألهه القلوب وتخضع له وتذل وتنقاد؛ لأنه سبحانه الرب العظيم الخالق لهذا الكون المدير الشؤونه الموصوف بكل كمال المنزه عن كل نقص، ولهذا فإن الذل والخضوع لا ينبغي إلا له، فحيث كان متفرداً بالخلق والإنشاء والإعادة لا يشركه في ذلك أحد


وجب أن ينفرد وحده بالعبادة دون سواه لا يشرك معه في عبادته أحد.


أدلته وبيان أهميته:


لقد تضافرت النصوص وتظاهرت الأدلة على وجوب إفراد الله بالألوهية، وتنوعت في دلالتها على ذلك: 1 - تارة بالأمر به، كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تنقون البقرة : ۲۱]، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء : ٣٦]، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا


تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣)، ونحوها من الآيات.


35


٢ - وتارة ببيان أنه الأساس لوجود الخليقة والمقصود من إيجاد الثقلين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ


وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات : ٥٦].
وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة أن توحيد الألوهية هو مفتاح دعوة الرسل، وأن كل رسول ببعثه الله يكون أول ما يدعو قومه إليه توحيد الله وإخلاص العبادة له، قال الله تعالى : وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قوْمِ اعْبُدُوا الله ما لكم من إله غيرة [الأعراف: ٦٥]، وقال تعالى: وإلى تمودَ أَخاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ۷۳]، وقال تعالى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ


اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إله غيرة [الأعراف: ١٨٥. ولذا كانت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم في ذلك، فالأنبياء يدعونهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له،


والأقوام يصرون على البقاء على الشرك وعبادة الأوثان إلا من هذاه الله منهم. قال الله تعالى عن قوم نوح عليه السلام: وقالوا لا تذرن المتكم ولا تذرن ودًا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَعُوتَ وَيَعُوقَ


ونسرا - وَقَدْ أَضلوا كثيرا ولا ترد الظالمين إلا ضلالا [نوح: ٢٣ - ٢٤]، وقال عن قوم هود عليه السلام:


قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكُنَا عَنْ اهْتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [الأحقاف: ۲۲] وقَالُوا يَا هُودُ ما حتتنا ببينة وما نحن بتاركي الينا عن قولك وما تحل لك بمؤمنين [ هود : ٥٣].


وقال عن قوم صالح عليه السلام: وقالوا يا صالح قد كُنتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤنا وإنا لفي شك مما تدعونا إليه قريب [هود: ٦٢]، وقال عن قوم شعيب عليه السلام: وقالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يَعْبُدُ آباؤنا أو أن تفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيدي


هود: ۱۸۷


معنى شهادة أن لا إله إلا الله):


الشهادة هي الإخبار عن علم واعتقاد، والمعنى أن يقر العبد عن اعتقاد حازم أن لا إله معبود بحق إلا الله


سبحانه.


إذا فمعنى: "لا إله إلا الله لا معبود حق إلا الله عز وجل، فأما المعبودات سواه فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدها ليست حقيقية بل هي باطلة، وإنما الألوهية الحقة هي ألوهية الله رب العالمين.


37


فالحق أن معنى كلمة التوحيد لا معبود بحق إلا الله، قال الله تعالى: وشهد الله أَنَّهُ لا إله إلا هو والملائكة ۱۸) وأُولُوا الْعِلْمِ قَائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (آل عمران : كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قبلك من رسول إلا نُوحِي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء : ٢٥)، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَن اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطاغوت (النحل : (٣٦)، فهذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى تبرين أن الله هو المعبود بحق وحده لا شريك له، فاتضح أن معنى (الإله) هو المعبود؛ ولهذا قال قوم هود: وقَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كَانَ يَعْبُدُ آباؤنا (الأعراف: (۷۰)، ولما قال النبي ﷺ لكفار قريش:


(يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) (١)، قالوا : أجعل الآلهة إلها واحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص: ٥)، لأنهم قد اعتادوا عبادة الأوثان والأشجار، والقبور، وطلب قضاء الحاجات وتفريج الكروب


فاستنكروا هذه الكلمة؛ لأنها تبطل المتهم من دون الله تعالى.


كما قال الله حل حلاله: ﴿وَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَننَا لَتَارَكُوا الهَيْنَا لِلشاعر


مجنون (الصافات: ٣٥ - ٣٦)


فهذه من أصرح الأدلة في بيان معنى لكمة التوحيد (لا إله إلا الله).


ولا تتحقق الشهادة إلا بركتين


الأول: نفي الألوهية والعبادة عن سائر الأنداد والألهة المعبودة من دون الله.


الثاني: إثبات الألوهية والعبادة الله دون ما سواه، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطاعون، وقال تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَها والله سميع عليم، ويظهر هذا المعنى في سورتين من أقصر سور القرآن ولكنهما من أعظمها، وهما سورتي الإخلاص والكافرون، حيث يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد - اللَّهُ الصَّمَد ) ، فيها إثبات


(1) أخرجه ابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني (٩٦٤)، والطبراني في معجمه الكبير (٤٥٨٢)، وأحمد في المسند، ٠٤٩٢/٣ ٣٤١/٤


والحاكم في المستدرك ۱۵۱ وابن حبان كما في الموارد (٢٩٣/٥ - ٢٩٤، برقم ١٦٨٣).


فالحق أن معنى كلمة التوحيد: لا معبود بحق إلا الله، قال الله تعالى : وشهد الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إله إلا هو العزيز الحكيم (آل عمران : (۱۸)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قبلك من رسول إلا توحي إليه أنه لا إله إلا أنا فَاعْبُدُونِ (الأنبياء : (٢٥)، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَن اعْبُدُوا الله وَاحْتَنِبُوا الطَّاغُوت) (النحل : (٣٦)، فهذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى تبين أن الله هو المعبود بحق وحده لا شريك له، فاتضح أن معنى (الإله) هو المعبود؛ ولهذا قال قوم هود: وقالوا أجنننا لنعبد الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آباؤنا (الأعراف: (۷۰)، ولما قال النبي الكفار قريش (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) (1) ، قالوا: أجَعَلَ الآلية إلها وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (ص: ٥)، لأنهم قد اعتادوا عبادة الأوثان والأشجار، والقبور، وطلب قضاء الحاجات وتفريج الكروب فاستنكروا هذه الكلمة؛ لأنها تبطل الهتهم من دون الله تعالى.


كما قال الله جل جلاله: ﴿وَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَتَنَا لَتَارِكُوا الهَيْنَا لِلشَاعِرِ


مجنون (الصافات: ٣٥ - ٣٦)


فهذه من أصرح الأدلة في بيان معنى لكمة التوحيد (لا إله إلا الله).


ولا تتحقق الشهادة إلا بركنين


الأول: نفي الألوهية والعبادة عن سائر الأنداد والألهة المعبودة من دون الله.


الثاني: إثبات الألوهية والعبادة الله دون ما سواه، قال تعالى : ولقد بعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَن أَعْبُدُوا الله وَاحْتَبَبُوا الطَّاغُوت، وقال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَها والله سميع عليم، ويظهر هذا المعنى في سورتين من أقصر سور القرآن ولكنهما من أعظمها، وهما سورتي الإخلاص والكافرون، حيث يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد - اللهُ الصَّمَد ) ، فيها إثبات


(1) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٦٤)، والطبراني في معجمه الكبير (٤٥٨٢)، وأحمد في المسند، ٠٤٩٢/٣ ٠٣٤١/٤ والحاكم في المستدرك ١ ١٥، وابن حبان كما في الموارد، (٢٩٣/٥ - ٢٩٤، برقم ١٦٨٣).


38


وحدانية الله تعالى وتفرده في العبودية، ويقول جل وعلا: (وقل يا أنها الكافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) ، فيها


البراءة مما يعبد من دون الله.


ويظهر ركنا النفي والإثبات في قول إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وإذ قال استحقاق العبادة عن غير الله في قوله : إنني براء مما تَعْبُدُونَ، وأثبت استحقاقها الله سبحانه في


إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِني بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون - إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ) ، فقد نفى إبراهيم عليه السلام


قوله : إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) .


معنى العبادة وشروط قبولها:


العبادة في اللغة: الذل والخضوع، يقال: بغير معبد، أي: مذلل وطريق معبد: إذا كان مذللا قد وطئته


الأقدام.


وشرعاً: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.


وهي تبنى على ثلاثة أركان:


الأول: كمال الحب للمعبود سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أشد حبا لله [البقرة: ١٦٥].


الثاني: كمال الرجاء، كما قال تعالى: ويرجون رحمته [الإسراء: ٥٧]


الثالث: كمال الخوف من الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء: ٥٧]


والعبادة لا تقبل إلا بشرطين:


1 - الإخلاص فيها للمعبود؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الخالص، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا


الله مخلصين له الدين البيئة : ٥]، وقال تعالى: (قل الله أعبد مخلصا له ديني [الزمر : ١٤].


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

مقدمة : يُعدّ ...

مقدمة : يُعدّ التعلّم من أهم العمليات التي تساهم في تنمية قدرات الفرد وتطوير معارفه ومهاراته، فهو ا...

وأنشئت ثلاث محا...

وأنشئت ثلاث محاكم إدارية في كل من: الجزائر وهران، قسنطينة وكانت تشكيلتها تضم الرئيس وثلاثة مستشارين ...

يُعد الإجراء ال...

يُعد الإجراء الإداري عنصراً أساسيًا للحفاظ على قوة القانون وصون الحقوق والاتصالات داخل المؤسسة التعل...

لفصل الأول: تأس...

لفصل الأول: تأسيس الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا 1. العوامل التي ساعدت على نشر الدعوة الإسماعيلية و...

في حراك سياسي و...

في حراك سياسي وقبلي ومجتمعي متزامن، أعلنت أحزاب ومكونات سياسية وقبلية بمحافظة صنعاء مواقف داعمة لدعو...

برع الشعراء الع...

برع الشعراء العرب في فن الاعتذار، واستخدموا أجمل الكلمات وأصدق المشاعر لاستعطاف الآخرين وطلب الصفع م...

لقد ترك مصطلح "...

لقد ترك مصطلح "بنات الصدور" بصمة واضحة ومستمرة في تاريخ الأدب العربي، حيث استُخدم كأداة بلاغية قوية ...

تعتبر الإدارة ا...

تعتبر الإدارة العمومية العصب الحساس والواجهة الأساسية التي من خلالها تقدم الدولة خدماتها المختلفة لل...

إذا كان الفصل ا...

إذا كان الفصل السابق قد تناول الإطار المفاهيمي للجريمة الدوائية الرقمية، والقيمة الجنائية للبيانات ا...

ps://doi.org/10...

ps://doi.org/10.53656/ped2022-6.09 Research Insights Изследователски проникновения TEACHER-PARENT RE...

*هل هو مجدي اقت...

*هل هو مجدي اقتصاديا ؟ ولماذا؟* نعم، وبقوة لثلاثة أسباب رئيسية: لا تحتاجين إلى محل أو موظفين يمكنك ...

جهة الدار البيض...

جهة الدار البيضاء-سطات، التي تقود القاطرة الاقتصادية للبلاد، تستأثر بنسبة 13.5% من إجمالي فقراء المغ...

Tech news