Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (Using the clustering technique)

كَانَ شَابٌ ۚ فَلاحٍ ، طَيِّبُ الْقَلْبِ ، يَعِيشُ مَعَ زَوْجَتِهِ سَعِيدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا ، قَانِعَيْنِ بِما أَعْطَاهُمَا اللهُ ، أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمَا ، مِنْ خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ . وَلَمْ يَكُنْ يُكَدِرُ سَعَادَتَهُما ، وَيُنَقِصُ حَيَاتَهُما ، إِلا حِرْمانُهُمَا الْأَطفَالَ ، فَهُما لَمْ يُرْزَقا طفلاً ، يَمْلَأُ قَلْبَيْهِمَا فَرَحًا ، في بَيْتِهِما الْبَهْجَةَ وَالسرور . وَكَثِيرًا مَا دَعَتِ الزَّوْجَةُ الله ، فِي صَلَوَاتِهَا ، أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهَا بِطِفْلٍ ، تَسْمَعُهُ وَهُوَ يُنَادِيها : يَا أُمِّي ، فَتَتِمَّ هَنَاءَتُهَا ، وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّام ، انْتَهَى الْفَلَاحُ مِنْ عَمَلِهِ ، وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَمَعَهُ حُزْمَةٌ مِنَ الْعَطَبِ ، فَأَلْقَاهَا بِجَانِبِ الْحَائِطِ ، ثِيَابَهُ ، وَجَلَسَ يَتَنَاوَلُ طَعَامَ الْعَشَاءِ ، وَبِجَانِبِهِ زَوْجَتُهُ . وَبَعْدَ الْعَشَاءِ ، أَخَذَتِ الزَّوْجَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا ، وَتَقُصُّ عَلَيْهِ حُلْمًا رَأَتْهُ فِي نَوْمِهَا ، فَقَالَتْ : لَقَدْ حَلَمْتُ ، فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، أَنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَدِ اسْتَجَابَ لِدُعَائِي ، صَلَوَاتِي ، وَرَزَقَنَا طفلاً جَمِيلاً . وَحِينَمَا كَانَتْ تَقُصُّ عَلَى زَوْجِهَا حُلْمَهَا ، وَزَوْجُهَا يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا فَرحًا ، مُتَمَنِّيّاً أَنْ يَتَحَقَّقَ هَذَا الْحُلْمُ ، رَأَى الأَثْنَانِ ثُعباناً صَغِيرًا ، كَانَ الشُّعْبَانُ صَغِيرًا ، لَطِيفَ الْحَرَكَةِ ، فَلَمَّا رَآهُ الزَّوْجَانِ ، سَكَنَا عَنِ الكَلَامِ ، وَجَعَلَا يَتَأَمَّلَانِ حَرَكَاتِهِ . ثُمَّ تَذَكَّرَتِ الزَّوْجَةُ حَالَهَا ، وَبَدَأَتْ تَبْكِي، وَتَقُولُ لِزَوْجِهَا : . أنْظُرْ . حَتَّى التَّعَابِينُ لَهَا صِغَارٌ ، أَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ لَنَا أَطْفَالٌ . أَخَذَ الزَّوْجُ يُصَبِرُ زَوْجَتَهُ وَيُسَلِّيها ، وَهِيَ لَا تَكْفُ عَنِ الْبُكَاءِ . وَفَجْأَةً رَأَى الزَّوْجَانِ الثعبانَ الصَّغِيرَ ، يَقْتَرِبُ مِنْهُمَا ، وَيَرْفَعُ نَحْوَهُمَا رَأْسَهُ ، وَيَقُولُ بِصَوْتٍ جَمِيلٍ ، وَ فِي لُفَةٍ صَحِيحَةٍ: لا تبكي، يا سَيِّدَتِي، عَلَى أَنَّكَ لَمْ تُرْزَقِي أَطْفَالًا. خُذِينِي طِفْلاً لَكِ ، وَرَينِي كَمَا تُرَبِّي الأُم ظُفْلَهَا ، وَأَنَا أَعِدُكِ وَعْدًا صَادِقًا ، أَنْ أُحِبَّكِ ، وَأَنْ أَكُونَ بَارًا بِكِ ، وَبِزَوْجِكِ ، مُطِيعًا لَكُمَا . وَثِقِي - يَا سَيِّدَتِي - أَنَّكِ لَنْ تَنْدَمِي ، إِذَا فَعَلْتِ هذَا . وَتَأَ كَذِي أَنَّني سَأَرُدُّ لَكِ الْجَمِيلَ ، تَرْ بيَتَكِ ، وَعِنَايَتَكِ ، وَحَنَانَكِ ، ثُمَّ الْتَفَتَ التَّعْبَانُ نَحْوَ الْفَلَاحِ ، وَقَالَ : وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي تَأَكُمْ أَنَّكَ سَتَنَالُ الْخَيْرَ ، إِذَا تَبَنَّيْتَنِي ، عَجِبَ الزَّوْجَانِ لِحَدِيثِ التَّعَبانِ الصَّغِيرِ ، عَجَبًا شَدِيدًا ، وَلَمْ يَسْتَطِيعَا الكَلَامَ ، لِشِدَّةِ دَهْشَتِهِمَا ، وَمَضَتْ فَتْرَةٌ مِنَ السُّكُوتِ ، كَانَ التَّعْبَانُ فِي أَثْنَائِهَا ، يَتَقَدَّمُ جِهَةَ الزَّوْجَةِ ، فِي هُدُوءٍ وَخَوْفٍ ، حَتَّى صَارَ بِجِوَارِهَا ، فَوَقَفَ عَنِ الْحَرَكَةِ ، وَمَدَّ جَسَدَهُ الصَّغِيرَ ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ . فَقَالَتِ الزَّوْجَةُ : أَيُّهَا الثَّعْبَانُ الصَّغِيرُ اللَّطِيفُ : يَسُرُّنَا أَنْ تَتَّخِذَكَ وَلَدًا لَنَا ، وَأَنْ نُرَيْبَكَ ، كَمَا يُرَبِّي الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ أَطْفَالَهُمْ ، وَأَنْ نَعْتَنِيَ بِكَ ، وَنُحِبَّكَ ، كَأَنَّكَ ابْنُ حَقِيقِي لَنَا . ثُمَّ قَامَتْ فَحَمَلَتِ التَّعْبَانَ ، وَنَظَفَتَهُ ، وَوَضَعَتْهُ فِي مَكَانٍ نَظِيف . ثُمَّ صَنَعَتْ لَهُ فِرَاشًا لَيْنَا مِنْ قِطْعَةِ حَرِيرِ كَانَتْ عِنْدَهَا ، وَأَرْقَدَتْهُ فِي صُوَانِ الْمَلَابِسِ ، مَفْتُوحًا لِلتَّهْوِيَةِ ، حَتَّى لَا يَمُوت . وَفِي كُلِّ يَوْمٍ كَانَتِ الزَّوْجَةُ تُقَدِّمُ لِلتَّعْبَانِ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهَا . مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فِي آنِيَةٍ خَاصَّةٍ ، وَفِي مَوَاعِيدِ الْفَطُورِ وَالْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ، وَاعْتَنَتْ بِهِ كُلَّ الْعِنَايَةِ ، كَمَا تَهْتَمُ الأُمُّ بِطِفْلِهَا الصَّغِيرِ . نَمَا الثَّعْبَانُ وَكَبِرَ ، وَصَارَ ضَعْمًا ، أَضْخَمَ مِنْ أَي تُعْبَانِ رَآهُ الْفَلَّاحُ وَزَوْجَتُهُ . وَكَانَ يَرْحَفُ إِلَى حَدِيقَةِ الْمَنْزِلِ ، فِي النَّهَارِ ، وَيَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ فِي مَوَاعِيدِ الطَّعَامِ ، كَأَنَّهُ إِنْسَانُ مُنَظَّم دَقِيق . فَإِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ ، دَخَلَ الصُّوَانَ ، وَكَانَ يُخَاطِبُ الْفَلَّاحَ بِقَوْلِهِ : يَا أَبِي ، وَيُخَاطِبُ الْفَلاحَةَ بِقَوْلِهِ : يَا أُمِّي . وَإِذَا احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ، وَأَدَبٍ ، وَإِذَا شَكَا شَيْئًا ذَكَرَهُ لَهُمَا فِي رِقَةِ وَلُطْفٍ . وَالْفَلَاحُ وَزَوْجَتُهُ وَالتَّعَبَّانُ ، يَعِيشُونَ كَأَنَّهُمْ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ قَالَ الثَّعْبَانُ لِأَبِيهِ : أَبي : إِني قَدْ كَبِرْتُ ، وَأَصْبَحْتُ شَابًّا، أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ . قَالَ الْفَلاحَ : هَذَا رَأَي جَمِيلٌ . وَسَأَبْحَثُ فِي الْحَقْلِ عَنْ رَفِيقَةٍ لَكَ ، مِنْ بَنَاتِ جِنْسِكَ، لِتَكُونَ زَوْجَةً لَكَ ، في حَيَاتِكَ ، حُلْوهَا وَمُرِهَا . قَالَ التَّعانُ : لَا ، يَا أَبِي ، الشَّعَابِينِ ، فَإِنَّهَا لاَ تَصْلُحُ لِي، وَلاَ أَصْلُحُ لَهَا . وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ الْأَمِيرَةَ الْجَمِيلَةَ ، بنتَ السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ ، فَاذْهَبْ إِلَى الْعَاصِمَةِ ، وَأَسْأَلْ عَنْ قَصرِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ أَطْلُبِ الْإِذْنَ فِي مُقابَلَتِهِ ، وَحِينَمَا يُسْمَحُ لَكَ بِالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَذْكُرْ لَهُ رَغْبَنِي وَأُمْنِيَّتِي ، وَقُلْ لَهُ : إِنَّ عِنْدِي تُعْبَانًا كَبِيرًا ، يَتَمَنَّى أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَكَ الْأَمِيرَةَ . وَكَانَ الفَلَاحُ امْرَأَ سَاذَجَ الْقَلْبِ ، فَنَفَذَ أَمْرَ الثَّعْبَانِ ، وَسَافَرَ إِلَى الْعَاصِمَةِ ، وَبَحَتْ حَتَّى عَرَفَ قَصْرَ السُّلْطَانِ ، وَطَلَبَ الْإِذْنَ في مُقابَلَتِهِ ، لِأَمْرِ هَامَ، فَلَمَّا سُمِحَ لَهُ ، وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قَالَ لَهُ : سَيّدِي السُّلْطَانَ الْعَظِيمَ : إِنَّ فِي بَيْتِي تُعْبَانًا كَبِيرًا ، : قَدْ رَبَّيْتُهُ مُنْذُ صِغَرِهِ ، وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمِيرَةَ ابْنَتَكُمْ . وَقَدْ أَنَابَنِي عَنْهُ فِي أَنْ أَخْطَبَهَا ، لِتَكُونَ زَوْجَةٌ لَهُ . غَرِيبٌ ، يَتَكَلَّمُ كَمَا يَتَكَلَّمُ الْإِنْسَانُ ، الإنْسَانُ، وَلَوْ أَنَّهُ عَلَى صُورَةِ ثُعبان . رَأَى السُّلْطَانُ أَنَّ الرَّجُلَ وَقَالَ لَهُ : ارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ ، وَأَخْبِرِ الثَّعْبَانَ أَنَّني مُسْتَعِدٌ أَنْ يُحَوِّلَ جَمِيعَ الحِمَارِ ، حَدِيقَةِ قَصْرِي ، إِلَى ذَهَب . ثُمَّ أُخْرِجَ الْفَلَّاحُ ، وَعَدَّ السُّلْطَانُ هذَا الكَلَامَ كُلَّهُ مُزَاحًا ، وَلَمْ يُفَكَرْ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ ذلِكَ . رَجَعَ الْفَلَّاحُ إِلَى بَيْتِهِ ، وَأَخْبَرَ الثَّعْبَانَ بِرِسَالَةِ السُّلْطَانِ ، وَرِضَائِهِ عَنِ الزَّوَاجِ ، إِذَا حَوَّلَ لَهُ الثَّعْبَانُ ثِمَارَ الْحَدِيقَةِ إِلَى ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ التَّعْبَانُ : أَرْجُو أَنْ تَخْرُجَ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ غَدًا ، وَتَلْتَقِطَ مِنَ الْحَدِيقَةِ مَا تَجِدُهُ مِنْ بُدُورِ الْفَوَاكِهِ ، وَجُذُورِهَا ، وَعِيدَانِها الَّتِي تَصْلُحُ لِلْفَرْسِ وَالِزْرَاعَةِ ، ثُمَّ خُذْهَا إِلَى حَدِيقَةِ السُّلْطَانِ ، وَابْذُرْ فِيهَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الْبُدُورِ ، مِنَ الْجُذُورِ وَالْعِيدَانِ، وَسَتَجِدُ بَعْدَ ذلِكَ الْعَجَبَ الْعُجَابَ . فَقَالَ الْفَلَّاحُ : سَأَبْدُلُ كُلَّ جُهْدِي ، وَأَعْمَلُ مَا فِي وُسْعِي ، وَ فِي الْفَجْرِ أَسْتَيْقَظَ ، وَحَمَلَ سَلَّةٌ كَبِيرَةً فِي يَدِهِ ، وَذَهَبَ إلَى الْحَدِيقَةِ ، وَأَخَدَ يَلْتَقِطُ كُلَّ مَا يَجِدُهُ ، مِنَ الْبُدُورِ وَالْجُذُورِ ، وَكُلَّ مَا يَصْلُحُ لِلْغَرْسِ، مِنْ فُرُوعِ الْفَوَاكِهِ ، حَتَّى مَلَأَ السَّنَّةَ ، فَحَمَلَهَا فِي يَدِهِ، وَذَهَبَ بِهَا إِلَى حَدِيقَةِ السُّلْطَانِ ، وَزَرَعَ فِيهَا مَا أَحْضَرَهُ مَعَهُ ، مِنْ نَوَى المِشْمِ وَالْخَوْحُ وَالْمَانْجُو، وَأَلْقَى مَا مَعَهُ مِنَ الْبُدُورِ ، وَغَرَسَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجُذُورِ وَالعِيدَانِ ، كَمَا وَصَّاهُ الثعبان . وَلَمْ يَكَدْ يَنْتَهِي مِنَ الْغَرْسِ وَالزِرَاعَةِ ، الْحَدِيقَةِ كُلَّهَا ، قَدْ تَحَوَّلَتْ سِيقانُهَا ، وَأَغْصَانُها ، وَفُرُوعُهَا ، وَأَوْرَاقُهَا ، وَثِمَارُهَا ، وَفَوَاكِهُهَا ، إِلَى ذَهَبٍ لَامِع بَرَاقٍ . فَوَقَفَ الْفَلَّاحُ ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ ؛ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ مُسْرِعًا ، لِيُخْبِرَ الثَّعْبَانَ بِمَا حَدَثَ ، وَنَزَلَ السُّلْطَانُ إِلَى حَدِيقَةِ قَصْرِهِ ، لِيَقْضِي فِيهَا بَعْضَ الْوَقْتِ، فَرَأَى مَنْظَرًا عَجِيبًا : شَاهَدَ الْأَشْجَارَ ، وَالْفَوَاكه الَّتِي بِالْحَدِيقَةِ قَدْ تَحَوَّلَتْ كُلُّهَا إِلَى أَشْجَارٍ مِنَ الذَّهَبِ ، وَفَوَارِكَة مِنَ الذَّهَبِ، وَأَزْهَارٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَلَمْ يُصَدِّقْ عَيْنَيْهِ ، فَنَظَرَ مَرَّةً ثَانِيَةٌ ، وَمَرَّةً ثَالِثَةٌ ، نَظرَةً فَاحِصَةٌ ، لِيَتَأَكَدَ وَيَتَحَقَّقَ مِمَّا يَرَى ، وَقَدْ تَأَكَدَ وَتَثَبَّتَ مِما رَآهُ ، وَعَلِمَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، أَنَّ الْحَدِيقَةَ كُلَّهَا قَدْ تَحَوَّلَتْ حَقًّا إِلَى ذَهَب ، وَأَخَذَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ ، فِي نَفْسِهِ : إِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَمَلِ الْفَلَاحِ ، الْفَقِيرِ ، الْمِسْكِينِ ، وَبَعْدَ هَذَا ، أَرْسَلَ التَّعْبَانُ الْفَلاحَ إِلَى السُّلْطَانِ ، يَسْأَلُهُ الْوَفَاء بِوَعْدِهِ ، الَّذِي وَعَدَهُ ، التعبَانُ الْأَمِيرَةَ ، بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَتِ الْحَدِيقَةُ إِلَى ذَهَبٍ فَأَجَابَ السُّلْطَانُ : إِنْتَظِرْ قَلِيلاً ؛ فَلَيْسَ الْأَمْرُ سَهْلاً كَمَا تَظُنُّ . وَإِذَا أَرَادَ الثَّعْبَانُ حَقًّا أَنْ تُحَقَّقَ رَغْبَتُهُ ، وَيَتَزَوَّجَ ابْنَتِي الْأَمِيرَةَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُغَطِيَ أَرْضِ الْقَصْرِ كُلَّهَا ، بِطَبَقَةٍ مِنَ الذَّهَبِ. وَيَجِبُ أَنْ يُنَفِّذَ هَذَا قَبْلَ أَنْ أَسْمَحَ لِابْنَتِي ، وَهِيَ أَمِيرَةٌ مِنْ أَحْسَنِ الْأَمِيرَاتِ ، رَجَعَ الْفَلاحُ إِلَى الثَّعَانِ ، السُّلْطَانِ ، لِئَلَّا يَغْضَبَ وَيَشْتَدَّ غَضَبُهُ ، وَلكِنَّهُ أَضْطر في النّهَايَةِ ، أَنْ يَذْكُرَ لِلشُّعْبَانِ مَا قَالَهُ السُّلْطَانُ. فَقَالَ لَهُ الثَّبَانُ : اِذْهَبْ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الْحَقْلِ، وَأَجْمَعَ حُزْمَةٌ مِنَ الْأَعْشَابِ الخَضْرَاءِ ، وَاجْعَلْهَا بِشَكْلِ مِكْنَسَةٍ ، ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى قَصْرِ السُّلْطَانِ، وَأَكُنُرْ بِهَا أَرْضِ الْقَصْرِ حُجْرَةٌ حُجْرَةً ، وَطَبَقَةٌ طَبَقَةُ، وَلَا تَتْرُكَ شِبْرًا مِنَ الْقَصْرِ دُونَ أَنْ تَكْتُسَهُ بِهذِهِ الْمِكْنَسَةِ، وَسَتَرَى بَعْدَ ذلِكَ الْعَجَبَ الْعُجَابَ ، وَسَيَجِدُ السُّلْطَانُ فِي قَصْرِهِ، طبَقَةً مِنَ الذَّهَبِ فِي كُلِّ مَكَانٍ . جَرَى الْفَلَّاحُ إِلَى الْحَقْلِ ، وَجَمَعَ أَحْسَنَ الْأَعْشَابِ الخَضْرَاءِ ، وَكَوَّنَ مِنْهَا حُزْمَةً ، وَرَبَطَهَا ، وَجَعَلَ مِنْهَا مِكْنَسَةً خَضْرَاءَ ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْقَصْرِ ، وَاسْتَأْذَنَ فِي أَنْ يُسْمَحَ لَهُ بِكَسِ الْقَصْرِ، مِنْ أَعْلَاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ، بِهَذِهِ الْمِكْنَةِ، فَأُذِنَ لَهُ. وَبَدَأَ يَكنُسُ حُجُرَاتِ الْقَصْرِ ، وَكُلَّمَا كَنَسَ حُجْرَةٌ مِنْهَا ، تَحَوَّلَتْ أَرْضُهَا إِلَى طَبَقَةٍ كَثِيفَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، ذَهَبِي بَرَّاقٍ . وَبَعْدَ أَن أَنْتَهَى مِنَ الدَّوْرِ الْأَوَّلِ ، أَنْتَقَلَ إِلَى الدَّوْرِ . الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثِ ، حَتَّى كَنَسَ الْقَصْرَ كُلَّهُ بِهَذِهِ الْمَكْنَسَةِ الْعَجِيبَةِ ، فَصَارَتْ أَرْضُهُ كُلُّها طَبَقَاتٍ كَثِيفَةٌ ذَهَيَّةً . وَبَعْدَ ذلِكَ قَابَلَ الْفَلاحَ السُّلْطَانَ ، نَائِبًا عَنِ الشُّعْبَانِ ، يَغِي بِوَعْدِهِ ، وَيَسْمَحَ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ الأَميرَةُ الْجَمِيلَةُ الشُّعْبَانَ ، بأَنْ تَتَزَوَّجَ الامير بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَتْ رَغْبَةُ السُّلْطَانِ وَأُمْنِيَّتُهُ ، وَتَحَوَّلَتْ أَرْضِ الْقَصْرِ كُلَّهَا ، إِلَى طَبَقَاتِ ذَهَيَّةٍ بَرَاقَةٍ . وَلَمْ يَسْتَطِعِ السُّلْطَانُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ ، فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ قَبِلْتُ أَنْ تَتَزَوَّجَ ابْنَتِي الثَّعْبَانَ الَّذِي رَبَّيْتَهُ ، وَحَدَّثْتَنِي عَنْهُ ، وَلَكِنَّ أَمَامَ التَّعْبَانِ صُعُوبَةٌ أُخْرَى هِيَ أَنْ تَرْضَى ابْنَتِي أَنْ تَتَزَوَّجَهُ. طَلَبَ السُّلْطَانُ ابْنَتَهُ الْأَمِيرَةَ ، وَقَالَ لَهَا : ابْنَتِي الْعَزِيزَةَ الْغَالِيَةَ ، لَقَدْ وَعَدَ أَبُوكِ وَعْدًا طَائِشًا ، غَيْرَ مَعْقُولٍ ، وَعْدًا بَعِيدًا عَنِ الْحِكْمَةِ ، وَقَدْ أَسْرَعَ فِي الْوَعْدِ ، وَلَكِنَّهُ وَعْدٌ عَلَى أَي حَالٍ . وَيَجِبُ أَنْ أُنقِذَهُ ، وَأَفِيَ بِهِ . وَأَمَلِي كَبِيرٌ فِي أَنْ تُنَفَذِي وَعْدَ أَبِيكِ ، وَتَنِي بِهِ ، حَتَّى لَا يُقَالَ : إِنَّ سُلْطَانَ الْبِلَادِ أَخْلَفَ وَعْدَهُ ، وَلَمْ يَفِ بِهِ . وَخُلْفُ الْوَعْدِ عِنْدِي رَذِيلَةٌ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا إِنْسَانٌ . فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ إِنَّنِي يَا أَبِي طَوْعُ إِرَادَتِكَ . وَإِنَّ أَوَامِرَكَ لَنَافِدَةٌ ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا مَوْتِي أَوْ هَلَاكِي. وَسَأَفْعَلُ كُل مَا تَأْمُرُني بهِ . فَأَمُرْ بِمَا تَشَاءُ ، وَسَأْنَفْذُ أَمْرَكَ فِي الْحَالِ ، وَلَنْ أَتَرَدَّدَ . فَقَالَ السُّلْطَانُ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَتَزَوجِي مَنِ اخْتَرْتُهُ زَوْجًا لَكَ . فَأَحْنَتْ رَأْسَهَا طَاعَةٌ لِأَيهَا ، وَوَعَدَتْ أَنْ تُحَقِّقَ رَغْبَتَهُ ، وَتَتَزَوَّجَ مَنِ اخْتَارَهُ زَوْجًا لَهَا ، وَشَرِيكَا فِي حَيَاتِهَا الْمُقْبِلَةِ . تُعْبَانًا لَا إِنْسَانًا . وَعَدَتِ الْأَمِيرَةُ أَبَاهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنِ اخْتَارَهُ لَهَا ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ الْفَلَّاحَ لِإِحْضَارِ التَّعَانِ إِلَى الْقَصْرِ ، الْأَمِيرَةُ خَطِيبَهَا ، وَزَوْجَهَا الْمُنْتَظَرَ ، وَشَرِيكَهَا فِي الْحَيَاةِ . وَبَعْدَ سَاعَةٍ حَضَرَ الشُّعْبَانُ رَاكِبًا عَرَبَةً ، مَصْنُوعَةً مِنَ الذَّهَبِ ، يَجُرُّهَا أَرْبَعَهُ أَ أَفْيَالِ. وَحِينَمَا مَرَّتِ الْعَرَبَةُ الذَّهَبِيَّةُ، الْمَدِينَةِ ، هَرَبَ النَّاسُ خَوْفًا وَفَزَعًا ، الذِي يَجْلِسُ فِي دَاخِلِهَا ، وَصَلَتِ الْعَرَبَةُ الذَّهَبِيَّةُ إِلَى الْقَصْرِ ، وَفِيهَا تُعبَانٌ مُخِيفٌ ، . وَمَعَهُ الْفَلاحُ ، وَرِجَالِ الْقَصرِ ، وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا ، وَهَرَبُوا جَمِيعًا . أَمَّا السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ ، فَقَدْ جَرَيَا إِلَى غُرْفَةِ الْأَمِيرَةِ ، وَطَلَبَا مِنْهَا أَنْ تَهْرُبَ مَعَهُما ، مِنْ هَذَا الشُّعَبانِ الْوَحْشِ ، وَقَالَ لَهَا السُّلْطَانُ : هَيَا نَهْرُبِّ ، يَا ابْنَتِي الْعَزِيزة . هَيَا . يَجِبُ أَنْ نَخْتَنِي مِنْ هُنَا، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الثعبانُ ، البَشِعُ الفَظِيعُ . قَالَتِ الْأَمِيرَةُ : لَا يَا أَبِي ، لَنْ أَفِرَّ ، وَلَنْ أَهْرُبَ ، فَأَنَا قَدْ وَعَدْتُكَ، بِأَنْ أَتَزَوَّجَ مَنِ اخْتَرْتَهُ لِي ، وَأَنْتَ قَدْ وَعَدْتَ التَّعْبَانَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَنِي ، وَعَدَا وَأَخْلَفَا وَعْدَهُمَا . فَهَذَا عَارٌ لَا أَحْتَمِلُهُ، مِنَ الْقَصْرِ ، وَأَغْلَقَا بَابَهَا عَلَيْهِمَا . وَبَعْدَ لَحَظَاتِ ذَهَبَ التَّعْبَانُ إِلَى حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ ، وَاسْتَأْذَنَ وَدَخَلَ ، فَرَآهَا وَاقِفَةٌ ثَابِتَةٌ هَادِئَةٌ ، لَا يَبْدُو الْخَوْفُ عَلَى مَظْهَرِهَا ، وَلَا الْفَزَعُ عَلَى وَجْهِهَا . وَرَآهَا تَنْحَنِي تَحِيَّةٌ لَهُ ، نظَرَ الثَّعْبَانُ إِلَيْهَا نَظَرَةً كُلُّهَا إِعْجَابٌ وَتَقْدِيرٌ ، فَهُوَ مُعْجَب بِهُدُونِهَا وَتَبَاتِهَا، فِي هَذَا الْمَوْقِفِ الْمُخِيفِ، مُعْجَب بِضَبْطِ عَوَاطِفِهَا، مُقَدِرْ لِوَفَائِهَا بِوَعْدِهَا، وَمُحَافَظَتِهَا عَلَى عَهْدِهَا ، وَتَأَثَرَ بِرِضَائِهَا بِهِ كُلَّ التَّأَتُرِ ، مَعَ أَنَّهُ تُعبَانٌ ، شَكْلُهُ مُخِيفٌ ، وَهِيَ أَمِيرَةٌ فَائِقَةُ الْجَمَالِ ، فَأَجَابَتْهُ : نَعَمْ ، وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي نَطَقَتْ بِهذِهِ الْجُمْلَةِ ، تَحَوَّلَ الثعبان الْمُخِيفُ الْقَبِيحُ الْمَنْظَرِ ، إِلَى شَابٌ جَمِيلٍ ، حَسَنِ الْهِنْدَام ، مُبْتَسِم أَلْقَم ، أَزْرَقِ الْعَيْنَيْنِ، أَسْوَدِ الشَّعْرِ ، الرُّجُولَةِ ، وَالشَّجَاعَةِ وَالشَّهَامَةِ . سَمِعَ السُّلْطَانُ ، وَهُوَ مُخْتَفٍ مَعَ السُّلْطَانَةِ، فِي الطَّبَقَةِ العُلْيَا مِنَ الْقَصْرِ ، أَنَّ التَّعْبَانَ الكَبِيرَ ، حُجْرَتِهَا ، فَقَالَ لِلسُّلْطَانَةِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعِ : وَا أَسَفَاهُ : وَا حُزْنَاهُ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ الثَّعْبَانُ قَتَلَ ابْنَتَنَا الْعَزِيزَةَ الْوَحِيدَةَ . لَقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْهَا وَقَتَلْتُهَا، بِطَمَعِي، وَجَشَعِي ، وَشَرَاهَتِي ، وَمَحَبَّتِي لِلذَّهَبِ ، وَتَفْكِيرِي فِي الْغِنَى ، شَيْءٍ آخَرَ سِوَى الذَّهَبِ . ثُمَّ خَرَجَ السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ ، مِنَ الْحُجْرَةِ العُلْيَا ، الَّتِي اخْتَفَيَا فِيهَا ، وَذَهَبًا إِلَى حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ ، الَّتِي دَخَلَهَا الثَّعْبَانُ، فَوَجَدَا الْحُجْرَةَ مُعْلَقَةً عَلَيْهِمَا فَنَظَرَ السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ مِنَ النَّافِدَةِ ، فَلَمْ يَجِدَا مَعَ الْأَمِيرَةِ تُعْبَانًا ، وَإِنَّمَا رَأَيَا شَابًّا، صَحِيحَ الْجِسْمِ ، رَائِعَ الْجَمَالِ ، تَظْهَرُ عَلَيْهِ الْقُوَّةُ وَالشَّجَاعَةُ . وَرَأَيَا جِلْدَ التُنْبَانِ مُلْقَى فِي رُكُن مِنْ أَرْكَانِ الْحُجْرَةِ فَعَجِبَا كُلَّ الْعَجَبِ ، وَأَدْرَكَا أَنَّ فِي سِرًّا . فَرِحَ السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ فَرَحًا لَا يُقَدَّرُ ، حِينَمَا رَأَيَا ابْنَتَهُمَا لَمْ تُصَبْ بِسُوءٍ ، وَطَرَقَا بَابَ الْحُجْرَةِ ، يُهَتَان خَطِيبَهَا ، الَّذِي قَصَّ عَلَيْهما قِصَّتَهُ ، سَاخِرَةٌ مَارِكرَةٌ ، إِلَى شَكْلِ تُعْبَانِ ، وَهُوَ أَمِيرٌ ، كَثِيرًا، وَلَكِنَّ الْفَرَحَ لَمْ يَبْقَ طَوِيلًا، لَنْ تَصِيرَ تُعْبَانًا مَرَّةً أُخْرَى وَأَلْقَتِ الْجِلْدَ فِي النَّارِ ، إِلَيْهَا الْأَمِيرُ نَظرَةً كُلَّهَا حُزْنٌ وَأَلَمْ ، وَقَالَ : إِنَّكِ لَا تَعْلَمِينَ مَاذَا فَعَلْتِ، وَعَلَى أَي خَطَرٍ أَقدَمْتِ. وَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ حَرْقُ جِلْدِ الثَّقْبَانِ ، تَحَوَّلَ الْأَمِيرُ الْمِسْكِينُ ، إِلَى طَائِرٍ أَبْيَضَ حَزِينٍ ، وَبَدَأَ يَطِيرُ إِلَى نَافِدَةٍ قَدْ أُغْلِق زُجَاجُهَا ، فَكَسَرَ زُجَاجَ النَّافِدَةِ بِقُوَّتِهِ ، وَجَرَحَ نَفْسَهُ ، وَخَرَجَ مِنَ النَّافِدَةِ ، وَطَارَ بَعِيدًا فِي السَّمَاءِ. وَرَأَى السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ وَالْأَمِيرَةُ ، تَتَسَاقَطُ فَوْقَ رِيشِهِ الْأَبْيَض . وَجَرَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى النَّافِدَةِ ، وَنَظَرَتْ إِلَى الطَّائِرِ الْجَرِيح الْمِسْكِينِ ، وَهُوَ يَطِيرُ، النَّظر فِي السَّمَاءِ الزَّرْقَاءِ . فَمَدَّتِ الْأَمِيرَةُ ذِرَاعَيْهَا إِلَى السَّمَاءِ ، تَطْلُبُ لَهُ مِنَ اللهِ النَّجَاةَ . وَبَدَأَتْ تَبْكِي بُكَاءَ مُرَّا، وَحَاوَلَ أَبَوَاهَا أَنْ يُسْكِتَاهَا ، وَيُسَلِّيَاهَا ، وَيَنْصَحَا لَهَا بِالصَّبْرِ . وَلكِنَّ بُكَاءَهَا كَانَ يَشْتَهُ ، وَحُزْنَهَا كَانَ يَزِيدُ ، أَقْبَلَ اللَّيْلُ ، وَذَهَبَ كُل فَرْدٍ فِي الْقَصْرِ إِلَى فِرَاشِهِ ، إِلا الْأَمِيرَةَ ، فَإِنَّهَا لَبِسَتْ مَلَابِسَهَا ، وَتَرَكَتْ حُجْرَتَهَا ، وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا وَأُمِّهَا، تَسْتَأْذِنُهُمَا فِي الْخُرُوج ، صَمَّمَتِ الْأَمِيرَةُ عَلَى أَنْ تَبْحَتْ فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ ، حَتَّى تَجِدَ خَطِيبَهَا الْأَمِيرَ الْمِسْكِينَ ، اللَّذِي وَعَدَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ . خَرَجَتِ الْأَمِيرَةُ مِنَ الْقَصْرِ وَحْدَهَا ، بِمُصاحَبَتِهَا ، وَمُرَافَقَتِهَا ، لِلْبَحْثِ مَعَهَا ، وَتَرَكَتِ الْمَدِينَةَ وَسَارَتْ ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى غَابَةٍ كَبِيرَةٍ ، فَدَخَلَتْهَا ، وَاسْتَمَرَّت سَائِرَةٌ فِيهَا ، حَتَّى قَابَلَهَا تَعْلَبُ ، فَتَأَلَّمَ لِحَالِهَا ، لَمَّا رَآهَا حَزِينَةً بَاكِيَةَ الْعَيْنِ ، وَعَرَضَ عَلَيْهَا اسْتِعْدَادَهُ لِمُسَاعَدَتِهَا ، بِأَنْ يُرْشِدَهَا إِلَى الطَّرِيقِ فِي الْغَابَةِ ؛ لِأَنَّهَا وَحْدَهَا ، فَشَكَرَتِ الْأَمِيرَةُ لِلتَّعْلَبِ شُعُورَهُ النَّبِيل ، وَرَضِيَتْ بِذَهَابِهِ مَعَهَا لِإِرْشَادِهَا . وَسَارَا مَعًا فِي الْغَابَةِ لَيْلًا . وَلِحُسْنِ حَظِهَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً ، وَكَانَ ضَوْءُ الْقَمَرِ سَاطِعاً فِي كُلِّ مَكَانٍ . وَبَعْدَ مُدَّةٍ تَعِبَتِ الْأَمِيرَةُ مِنَ الْمَشْيِ ، وَأَشْتَدَّ بِهَا التَّعَبُ ، وَاضْطُرَّتْ إِلَى أَنْ تَجْلِسَ عَلَى الْحَشِيشِ الْأَخْضَرِ الرَّطَب ، تَحْتَ أَشْجَارِ الْغَابَةِ ، لِتَسْتَرِيحَ مِنَ التَّعَبِ ، ثُمَّ تَقُومَ وَتُكمل رِحْلَتَهَا ، وَبَحْتَهَا عَنْ خَطِيبهَا الْمِسْكِينِ . وَجَلَسَ التَّعْلَبُ قَرِيباً مِنْهَا ، لِيَحْرُسَهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَوَحِشَةِ . وَلِشِدَّةِ تَعَبِهَا غَلَبَهَا النَّوْمُ ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ مُقَاوَمَتَهُ ، فَنَامَتْ نَوْمًا عَمِيقًا ، مِنَ النَّوْمِ ، حَتَّى سَمِعَتِ الطُّيُورَ عَلَى الشَّجَرَةِ ، بِصَوْتٍ جَمِيلٍ ، لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْ قَبْلُ ، تفهَمِينَ يَا سَيِّدَتِي مَا تَقُولُهُ هَذِهِ الطُّيُورُ ؟ فَأَجَابَتِ الْأَمِيرَةُ : لَا ، إِنِّي لَا أَفْهَمُ لُغَةَ الطُّيُورِ ، أُحِبُّ صَوْتَهَا الْعَذَبَ ، وَعِنَاءَهَا الْجَمِيلَ . أَمَّا التَّعْلَبُ فَقَدْ فَهِمَ مَا تَقُولُ ، فَبَدَأَ يَشْرَحُ لِلْأَمِيرَةِ ، بِلُغَةِ هَادِئَةٍ بَطِيئَةٍ ، مَا تَقْصِدُهُ الطُّيُورُ مِنْ غِنَائِهَا ، وَيُفَسِرُ لَهَا مَعْنَى أُغْنِيَّتِهَا، وَيُبَيِّنُ لَهَا أَنَّ هَذِهِ الطُّيُورَ، تَتَحَدَّثُ عَنْ أَمِيرٍ مَسْحُورٍ ، قَدْ مُسِحَ مِنْ قَبْلُ، بِتَأْثِيرِ السَحْرِ ، فَتَحَوَّلَ إِلَى شَكْلِ تُعْبَانِ، خ وَعَاشِ كَمَا يَعِيسُ الثَّعْبَانُ ، ثُمَّ عُنِيَتْ بِتَرْبِيَتِهِ سَيِّدَةٌ فَلاحَةٌ ، وَاتَّخَذَتْهُ مِثْلَ طِفْلِ لَهَا ، وَتَبَنَاهُ زَوْجُهَا ، وَاسْتَمَرَّ عِنْدَهُمَا عَشْرَ سَنَوَاتٍ ، وَقَدِ انْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَوَاتُ الْعَشْرُ ، سَنَةٌ بَعْدَ أُخْرَى ، حَتَّى كَبِرَ ، وَأَحَبَّ أَمِيرَةٌ مِنَ الْأَمِيرَاتِ ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. فَرِضِي أَبُوهَا ، بَعْدَ أَنْ قَامَ لَهُ الثَّعْبَانُ بِأَشْيَاءَ عَجِيبَةٍ غَرِيبَةٍ وَوَعَدَهُ أَنْ يُزَوجَهُ ابْنَتَهُ ، وَرَضِيَتِ الْأَمِيرَةُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا هَذَا التَّعْبَانُ ، حَتَّى لَا يُقَالَ : إِنَّ أَبَاهَا أَخْلَفَ وَعْدَهُ . فَزَالَ تَأْثِيرُ . السّحْرِ عَنْهُ ، وَرَجَعَ إِلَى صُورَتِهِ الْأُولَى ، وَهِيَ صُورَةُ إِنْسَانِ كَمَا كَانَ . وَفِي أَثْنَاءِ وُجُودِهِ بِحُجْرَتِهَا فِي الْقَصْرِ ، قَامَتْ أُيُّهَا السُّلْطَانَةُ ، بِالْقَاءِ جِلْدِهِ فِي النَّارِ، لِتَتَخَلَّص مِنْ شَكل التُعْبَانِ، وَصُورَةِ التَّعْبَانِ ، حَتى لَا يَلْحَقِّ ابْنَتَهَا أَيُّ شَرٌ ، أَوْ أَذًى . سَكَتَ التَّعْلَبُ ، فَبَكَتِ الْأَمِيرَةُ ، حِينَمَا عَرَفَتْ أَنَّ الطُّيُور تَذكُرُ قِصَّة خَطِيبهَا ، وَتُبَيِّنُ مَا حَدَتْ لَهُ وَلَهَا ، وَرَجَتِ الثَّعْلَبَ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ ، التي تُغَيِّيهَا الطُّيُورُ، مَاذَا أَصَابَ الْأَمِيرَ ، قَالَ التَّعْلَبُ : وَقَدْ ظَنَّتْ أُمُهَا ، الْأَمِيرَةِ ، وَلَكِنَّهَا أَسَاءَتْ إِلَيْهَا أَكْبَرَ إِسَاءَةٍ ، بِحُسْنِ نِيَّةٍ ، لِأَنَّ الْأَمِيرَ تَحَوَّلَ إِلَى طَائِرٍ أَبْيَضَ ، كَالْحَمَامَةِ الْبَيْضَاءِ ، وَصَارَ فِي حَالَةٍ يُرْقَى لَهَا . وَهُوَ الآنَ فِي شِدَّةِ الْخَطَرِ ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ. فَسَأَلَتْهُ الْأَمِيرَةُ : أَرْجُو أَنْ تَذكُرَ لِي: لِمَاذَا هُوَ فِي شِدَّةِ الخَطَرِ؟ فَأَجَابَ التَّعْلَبُ : لِأَنَّ وَالِدَةَ الْأَمِيرَةِ قَدْ حَرَقَتْ جِلْدَ الثَّعْبَانِ ، فَحُكمَ عَلَى الْأَمِيرِ بِأَنْ يُمْسْحَ ، وَيَتَحَوَّلَ إِلَى طَائِرٍ، لِكَيْ يَهْرُبَ مِنَ الْحُجْرَةِ . فَتَحَوَّلَ إِلَى طَائِرٍ أَبْيَضَ . وَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنَ النَّافِذَةِ بِقُوَّةٍ ، كَانَ زُجَاجُهَا مُغْلَقَاً ، فَكُسِرَ الزُّجاج ، وَجُرِحَتْ ذِرَاعُهُ جُرْحًا بَلِينًا ، وَرُبَّمَا يَمُوتُ مِن هذا الجُرْحِ . أَصْغِي يَا سَيِّدَتِي : أَلَا تَسْمَعِينَ صَوْتَ الطُّيُورِ فَوْقَ الشَّجَرَةِ ؟ إِنَّهُ صَوْتُ مُحْزِنَ كُلَّ الْحُزْنِ : لِأَنَّ الْأَمِيرَ الْآنَ فِي أَشَدِ حَالَاتِ الْخَطَرِ. وَلَكِنْ بِإِخْلَاصِ خَطِيبَتِهِ وَوَفَائِهَا لَهُ. وَبَحْثِهَا عَنْهُ، وَتَفْكِيرِهَا فِيهِ ، وَهُوَ طَائِرٌ جَرِيحٌ مِسْكِينَ ، عَادَ أَمِيرًا كَمَا كَانَ . وَرَجَعَ إِلَى قَصْرٍ أَبِيهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي حَالَةٍ خَطِرَةٍ ، مِنَ الْجُرُوحِ الَّتِي بِذِرَاعِهِ ، الْأَخِيرَةِ ، وَقَدْ يَمُوتُ مِنْ هَذِهِ الْجُرُوحِ . فَسَأَلَتْهُ الْأَمِيرَةُ : أَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي ، لِعِلَاجِهِ وَشِفَائِهِ مِنْ جُرُوحِهِ ؟ فَأَجَابَ التَّعْلَبُ : هُنَاكَ وَسِيلَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَط ، لِشِفَائِهِ وَعِلَاجِهِ ، أَنْ تَتَمَكَّنَ الْأَمِيرَةُ الَّتِي خَطَبَهَا ، وَأَحَبَّهَا ، وَأَخْلَصَ لَهَا الْإِخْلَاص كُلَّهُ ، مِنْ ذَيْلِ كُلِّ طَائِرٍ ، مِنْ تِلْكَ الطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ ، غِنَاءٌ مُحْزِنًا، وَتُفَرِّدُ تَغْرِيدًا مُبْكِياً ، فَوْقَ الشَّجَرَةِ ، ثُمَّ تَذْهَبَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهَا، لِتَضَعَ هَذَا الرِّيشَ فَوْقَ جُرُوحِهِ . وَحْدَهُ ، يُشْفَى الأَمِيرُ مِنْ مَرَضِهِ ، بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى . سَمِعَتِ الْأَمِيرَةُ هَذِهِ النَّصِيحَةَ ، وَقَالَتْ لَهُ : إِنَّهَا خَطِيبَةُ الأمير المِسْكِين ، وَقَدْ حَضَرَتْ لِلْبَحْتِ عَنْهُ ، وَالْعَمَلِ عَلَى نَجَاتِهِ ، وَإِنْقَاذِهِ مِنْ تَأْثِيرِ السّحْرِ وَالْمَرَضِ ، وَرَجَتْهُ أَنْ يَأْتِيَ لَهَا بِرِيشَةٍ، مِنْ ذَيْلِ كُلِّ طَائِرٍ مِنْ هَذِهِ الطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ ، الْمَرِيضَ ، وَتَوَسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يُسْدِيَ إِلَيْهَا هَذَا الْمَعْرُوفَ ، وَوَعَدَتْهُ أَنْ تَعُدَّهُ عَلَى الدَّوَامِ الصَّدِيقِ الْوَفِيَّ لَهَا ، أَحْسَنَ مُكَا فَأَةٍ عَلَى جَمِيلِهِ . فَأَجَابَ التَعْلَبُ: سَأُحَاوِلُ ذَلِكَ بِكُلِّ سُرُورٍ . ولَكِنَّ الْأَمْرَ . يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ طَوِيلٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطُّيُورَ كَثِيرَةُ الْخَجَلِ ، شَدِيدَةُ الْحَيَاءِ ، سَرِيعَةُ الطَّيَرَانِ ، إِذَا قَرُبْتُ مِنْهَا نَهَارًا ، تَرَيْنَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ ، وَأَنَّ الطُّيُورَ تَرَى كُلَّ حَرَكَةٍ . فَإِذَا قَرُبْتُ مِنْهَا الْآنَ طَارَتْ وَهَرَبَتْ . وَسَنُضْطَرُّ إِلَى أَنْ نَنْتَظِرَ إِلَى الْمَسَاءِ ، حَتَّى يَنْقَضِيَ الْنَّهَارُ بِنُورِهِ ، وَيُقْبِلَ اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ ، وَتَذْهَبَ الطُّيُورُ إِلَى عِشَاشِهَا لِلتَنَامَ ، وَحِينَئِذٍ أَتَسَلَّقَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ هُدُوءٍ ، الْأَرْبَعَةِ ، وَهُوَ فِي عُمِّهِ . قَضَتِ الْأَمِيرَةُ النَّهَارَ كُلَّهُ فِي الْغَابَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، وَمَعَهَا التَّعْلَبُ الْوَفِي الْحَكِيمُ ، وَأَخَذَتْ تَعُدُّ النَّهَارَ بِالسَّاعَةِ ، فَطَالَ النَّهَارُ ، وَطَالَ الْوَقْتُ ، وَبَدَا لَهَا أَنَّ السَّاعَاتِ تَمُرُّ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ. وَأَخِيرًا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ الَّذِي تَنتَظِرُهُ الْأَمِيرَةُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ ، وَأَخَذَ كُلُّ طَائِرٍ يَذْهَبُ إِلَى عُيْهِ ، الطُّيُورُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى الشَّجَرَةِ لِتَنَامَ فِي عِشَاشِهَا أَخَذَتِ الْأَمِيرَةُ وَالتَّعْلَبُ يَنْظُرَانِ إِلَى الطُّيُورِ التِي فَوْقَ الشَّجَرَةِ ، وَيَنتَظِرَانِ ذَهَابَهَا إِلَى عِشَاشِهَا لِتَنَامَ فِيهَا . وَحِينَما تَأَكَدَ التَّعْلَبُ أَنَّ الطُّيُورَ الْأَرْبَعَةَ ، تَرَكَتْ فُرُوعَ الشَّجَرَةِ ، وَنَامَتْ فِي عِشَاشِهَا . تَسَلَّقَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ هُدُوءٍ ؛ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ أَيُّ طَائِرٍ ، وَلَا يَتَحَرَّكَ مِنْ عُنْهِ . وَبِسُرْعَةٍ وَمَهَارَةٍ أَخَذَ رِيشَةٌ مِنْ ذَيْلِ كُلِّ طَائِرٍ مِنْ هَذِهِ الطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ الْحَزِينَةِ عَلَى الْأَمِيرِ . تُغَنِّي ، وَتَذْكُرُ فِي غِنَائِهَا بِصَوْتِهَا السَّعِيرِ الْمُحْزِنِ قِصَّةَ الْأَمِيرِ وَمَا حَدَتْ لَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَدَّمَ لِلأَمِيرَةِ الرِّيشَاتِ الْأَرْبَعَ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِعِلَاجِ الْأَمِيرِ مِنْ جُرُوحِهِ . فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ : أَيُّهَا التَّعْلَبُ الْحَكِيمُ ، إِنِّي أُقَدِّمُ لَكَ أَجْزَلَ الشِّكْرِ وَأَوْفَرَهُ. وَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى مُكَا فَأَتِكَ. وَلَنْ أَنْسَى مَعْرُوفَكَ طُولَ الْحَيَاةِ . فَقَالَ التَّعْلَبُ : لَقَدْ قُمْتُ يَا سَيِّدَتِي بِوَاجِبِي نَحْوَ إِنْسَانِ مَرِيض عَزِيزِ عَلَى الطُّيُورِ وَالْإِنْسَانِ ، وَلَا شُكْرَ عَلَى وَاجِبٍ. وَوَصَفَ كلَهَا التَّعْلَبُ قَصْرَ الْأَمِيرِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ، بِكُلِ سُرْعَةِ ، كَمَا تَجْرِي الفَزَالَةُ المُسْرِعَةُ النَّشِيطَةُ ، وَصَلَتْ إِلَى قَصْرِ الْأَمِيرِ الْجَريح ، حَيْثُ يُقِيمُ مَعَ أَبِيهِ السُّلْطَانِ . وَفِي الْحَالِ أَرْسَلَتْ إِلَى السُّلْطَانِ تُخْبِرُهُ أَنَّهَا قَدْ حَضَرَتْ لِتُعَالِجَ الْأَمِيرَ مِنْ جُرُوحِهِ ، فَاسْتَبْعَدَ الْمَلِكُ ذلِكَ وَقَالَ : كَيْفَ تَسْتَطِيعُ فَتَاهُ أَنْ تَشْفِيَ أَمِيرًا تَحَوَّلَ إِلَى تُعبَانِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِنْسَانًا كَحَالَتِهِ الْأُولَى ، وَقَدْ جُرحَ جُرُوحًا قَاتِلَةٌ ، وَعَجَزَ الْأَطِيَّاءُ وَالْجَرَّاحُونَ فِي الْبِلَادِ عَنْ عِلَاجِهِ وَشِفَائِهِ مِنْ هَذِهِ الْجُرُوحِ؟ تَوَسَلَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَرَكَعَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا ،

Original text

كَانَ شَابٌ ۚ فَلاحٍ ، طَيِّبُ الْقَلْبِ ، يَعِيشُ مَعَ زَوْجَتِهِ سَعِيدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا ، قَانِعَيْنِ بِما أَعْطَاهُمَا اللهُ ، رَاضِيَيْنِ بما
أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمَا ، مِنْ خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ .
وَلَمْ يَكُنْ يُكَدِرُ سَعَادَتَهُما ، وَيُنَقِصُ حَيَاتَهُما ، إِلا حِرْمانُهُمَا الْأَطفَالَ ، فَهُما لَمْ يُرْزَقا طفلاً ، يَمْلَأُ قَلْبَيْهِمَا فَرَحًا ، وَيَنْشُرُ
في بَيْتِهِما الْبَهْجَةَ وَالسرور .
لي
وَكَثِيرًا مَا دَعَتِ الزَّوْجَةُ الله ، فِي صَلَوَاتِهَا ، أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهَا بِطِفْلٍ ، تَسْمَعُهُ وَهُوَ يُنَادِيها : يَا أُمِّي ، فَتَتِمَّ هَنَاءَتُهَا ، وَتَكْمل
سَعَادَةُ زَوْجِهَا .
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّام ، انْتَهَى الْفَلَاحُ مِنْ عَمَلِهِ ، وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَمَعَهُ حُزْمَةٌ مِنَ الْعَطَبِ ، فَأَلْقَاهَا بِجَانِبِ الْحَائِطِ ، وَغَيَّرَ
ثِيَابَهُ ، وَجَلَسَ يَتَنَاوَلُ طَعَامَ الْعَشَاءِ ، وَبِجَانِبِهِ زَوْجَتُهُ . وَبَعْدَ الْعَشَاءِ ، أَخَذَتِ الزَّوْجَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا ، وَتَقُصُّ عَلَيْهِ حُلْمًا رَأَتْهُ فِي نَوْمِهَا ، فَقَالَتْ : لَقَدْ حَلَمْتُ ، فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، أَنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَدِ اسْتَجَابَ لِدُعَائِي ، وَتَقَبَّلَ
صَلَوَاتِي ، وَرَزَقَنَا طفلاً جَمِيلاً ...
وَحِينَمَا كَانَتْ تَقُصُّ عَلَى زَوْجِهَا حُلْمَهَا ، وَزَوْجُهَا يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا فَرحًا ، مُتَمَنِّيّاً أَنْ يَتَحَقَّقَ هَذَا الْحُلْمُ ، رَأَى الأَثْنَانِ ثُعباناً صَغِيرًا ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَعْوَادِ الْعَطَبِ
كَانَ الشُّعْبَانُ صَغِيرًا ، لَطِيفَ الْحَرَكَةِ ، فَلَمَّا رَآهُ الزَّوْجَانِ ،
سَكَنَا عَنِ الكَلَامِ ، وَجَعَلَا يَتَأَمَّلَانِ حَرَكَاتِهِ ... ثُمَّ تَذَكَّرَتِ الزَّوْجَةُ حَالَهَا ، وَبَدَأَتْ تَبْكِي، وَتَقُولُ لِزَوْجِهَا : . أنْظُرْ ... حَتَّى التَّعَابِينُ لَهَا صِغَارٌ ، أَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ لَنَا أَطْفَالٌ . أَخَذَ الزَّوْجُ يُصَبِرُ زَوْجَتَهُ وَيُسَلِّيها ، وَهِيَ لَا تَكْفُ عَنِ الْبُكَاءِ . وَفَجْأَةً رَأَى الزَّوْجَانِ الثعبانَ الصَّغِيرَ ، يَقْتَرِبُ مِنْهُمَا ، وَيَرْفَعُ نَحْوَهُمَا رَأْسَهُ ، وَيَقُولُ بِصَوْتٍ جَمِيلٍ ، وَ فِي لُفَةٍ صَحِيحَةٍ: لا تبكي، يا سَيِّدَتِي، عَلَى أَنَّكَ لَمْ تُرْزَقِي أَطْفَالًا... خُذِينِي طِفْلاً لَكِ ، وَرَينِي كَمَا تُرَبِّي الأُم ظُفْلَهَا ، وَأَنَا أَعِدُكِ وَعْدًا صَادِقًا ، أَنْ أُحِبَّكِ ، وَأَنْ أَكُونَ بَارًا بِكِ ، وَبِزَوْجِكِ ، مُطِيعًا لَكُمَا . وَثِقِي - يَا سَيِّدَتِي - أَنَّكِ لَنْ تَنْدَمِي ، إِذَا فَعَلْتِ هذَا . وَتَأَ كَذِي أَنَّني سَأَرُدُّ لَكِ الْجَمِيلَ ، وَأَنَّنِي لَنْ أَنْسَى لَكِ
تَرْ بيَتَكِ ، وَعِنَايَتَكِ ، وَحَنَانَكِ ، وَرِعَايَتَكِ
ثُمَّ الْتَفَتَ التَّعْبَانُ نَحْوَ الْفَلَاحِ ، وَقَالَ : وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي تَأَكُمْ أَنَّكَ سَتَنَالُ الْخَيْرَ ، إِذَا تَبَنَّيْتَنِي ، وَأَنَّكَ سَتَجِدُنِي الْوَلَدَ
الطَّيِّبَ المُطِيعَ
عَجِبَ الزَّوْجَانِ لِحَدِيثِ التَّعَبانِ الصَّغِيرِ ، عَجَبًا شَدِيدًا ، وَلَمْ يَسْتَطِيعَا الكَلَامَ ، لِشِدَّةِ دَهْشَتِهِمَا ، وَمَضَتْ فَتْرَةٌ مِنَ السُّكُوتِ ، كَانَ التَّعْبَانُ فِي أَثْنَائِهَا ، يَتَقَدَّمُ جِهَةَ الزَّوْجَةِ ، فِي هُدُوءٍ وَخَوْفٍ ، حَتَّى صَارَ بِجِوَارِهَا ، فَوَقَفَ عَنِ الْحَرَكَةِ ، وَمَدَّ جَسَدَهُ الصَّغِيرَ ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ . فَقَالَتِ الزَّوْجَةُ : أَيُّهَا الثَّعْبَانُ الصَّغِيرُ اللَّطِيفُ : يَسُرُّنَا أَنْ تَتَّخِذَكَ وَلَدًا لَنَا ، وَأَنْ نُرَيْبَكَ ، كَمَا يُرَبِّي الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ أَطْفَالَهُمْ ، وَأَنْ نَعْتَنِيَ بِكَ ،
وَنُحِبَّكَ ، كَأَنَّكَ ابْنُ حَقِيقِي لَنَا .
ثُمَّ قَامَتْ فَحَمَلَتِ التَّعْبَانَ ، وَنَظَفَتَهُ ، وَوَضَعَتْهُ فِي مَكَانٍ نَظِيف . ثُمَّ صَنَعَتْ لَهُ فِرَاشًا لَيْنَا مِنْ قِطْعَةِ حَرِيرِ كَانَتْ عِنْدَهَا ،
وَأَرْقَدَتْهُ فِي صُوَانِ الْمَلَابِسِ ، وَتَرَكَتْ جُزْءًا مِنْ بَابِ الصُّوَانِ
مَفْتُوحًا لِلتَّهْوِيَةِ ، حَتَّى لَا يَمُوت .
وَفِي كُلِّ يَوْمٍ كَانَتِ الزَّوْجَةُ تُقَدِّمُ لِلتَّعْبَانِ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهَا . مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فِي آنِيَةٍ خَاصَّةٍ ، وَفِي مَوَاعِيدِ الْفَطُورِ وَالْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ، وَاعْتَنَتْ بِهِ كُلَّ الْعِنَايَةِ ، وَاهْتَمَّتْ بِأُمُورِهِ
كَمَا تَهْتَمُ الأُمُّ بِطِفْلِهَا الصَّغِيرِ .
نَمَا الثَّعْبَانُ وَكَبِرَ ، وَصَارَ ضَعْمًا ، أَضْخَمَ مِنْ أَي تُعْبَانِ رَآهُ الْفَلَّاحُ وَزَوْجَتُهُ . وَكَانَ يَرْحَفُ إِلَى حَدِيقَةِ الْمَنْزِلِ ، فِي النَّهَارِ ، وَيَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ فِي مَوَاعِيدِ الطَّعَامِ ، كَأَنَّهُ إِنْسَانُ مُنَظَّم دَقِيق . فَإِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ ، دَخَلَ الصُّوَانَ ، وَنَامَ إِلَى
الصباح .
وَكَانَ يُخَاطِبُ الْفَلَّاحَ بِقَوْلِهِ : يَا أَبِي ، وَيُخَاطِبُ الْفَلاحَةَ بِقَوْلِهِ : يَا أُمِّي . وَإِذَا احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ، طَلَبَهُ مِنْهُمَا فِي احْتِرَامٍ
وَأَدَبٍ ، وَإِذَا شَكَا شَيْئًا ذَكَرَهُ لَهُمَا فِي رِقَةِ وَلُطْفٍ .
مَرَّتِ الْأَشْهُرُ وَالسَنُونَ
وَالْفَلَاحُ وَزَوْجَتُهُ وَالتَّعَبَّانُ ،
يَعِيشُونَ كَأَنَّهُمْ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ
سعيدة .
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ قَالَ
الثَّعْبَانُ لِأَبِيهِ : أَبي : إِني قَدْ كَبِرْتُ ، وَأَصْبَحْتُ شَابًّا، وَإِنِّي
أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ ...
قَالَ الْفَلاحَ : هَذَا رَأَي جَمِيلٌ . وَسَأَبْحَثُ فِي الْحَقْلِ عَنْ رَفِيقَةٍ لَكَ ، مِنْ بَنَاتِ جِنْسِكَ، لِتَكُونَ زَوْجَةً لَكَ ، تُشَارِكُكَ
في حَيَاتِكَ ، حُلْوهَا وَمُرِهَا ...
قَالَ التَّعانُ : لَا ، يَا أَبِي ، إِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِنَ
الشَّعَابِينِ ، فَإِنَّهَا لاَ تَصْلُحُ لِي، وَلاَ أَصْلُحُ لَهَا . وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ الْأَمِيرَةَ الْجَمِيلَةَ ، بنتَ السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ ، فَاذْهَبْ إِلَى الْعَاصِمَةِ ، وَأَسْأَلْ عَنْ قَصرِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ أَطْلُبِ الْإِذْنَ فِي مُقابَلَتِهِ ، وَحِينَمَا يُسْمَحُ لَكَ بِالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَذْكُرْ لَهُ رَغْبَنِي وَأُمْنِيَّتِي ، وَقُلْ لَهُ : إِنَّ عِنْدِي تُعْبَانًا كَبِيرًا ، يَتَمَنَّى أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَكَ الْأَمِيرَةَ . وَكَانَ الفَلَاحُ امْرَأَ سَاذَجَ الْقَلْبِ ، فَنَفَذَ أَمْرَ الثَّعْبَانِ ، وَسَافَرَ إِلَى الْعَاصِمَةِ ، وَبَحَتْ حَتَّى عَرَفَ قَصْرَ السُّلْطَانِ ، وَطَلَبَ الْإِذْنَ في مُقابَلَتِهِ ، لِأَمْرِ هَامَ، فَلَمَّا سُمِحَ لَهُ ، وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قَالَ لَهُ : سَيّدِي السُّلْطَانَ الْعَظِيمَ : إِنَّ فِي بَيْتِي تُعْبَانًا كَبِيرًا ،
: قَدْ رَبَّيْتُهُ مُنْذُ صِغَرِهِ ، وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمِيرَةَ ابْنَتَكُمْ . وَقَدْ أَنَابَنِي عَنْهُ فِي أَنْ أَخْطَبَهَا ، لِتَكُونَ زَوْجَةٌ لَهُ . وَهُوَ تُعْبَان
غَرِيبٌ ، يَتَكَلَّمُ كَمَا يَتَكَلَّمُ الْإِنْسَانُ ، وَيُفَكِّرُ كَمَا يُفَكِّرُ
الإنْسَانُ، وَلَوْ أَنَّهُ عَلَى صُورَةِ ثُعبان .
رَأَى السُّلْطَانُ أَنَّ الرَّجُلَ
سَاذَج في تفكيرِهِ، بَسِيطٌ في
كَلَامه . فَضَحِكَ بِمِلْءٍ فَمِهِ
وَقَالَ لَهُ : ارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ ،
وَأَخْبِرِ الثَّعْبَانَ أَنَّني مُسْتَعِدٌ أَنْ
أُزَوِّجَهُ ابْنَتِي، إِذَا اسْتَطَاعَ أَنْ
يُحَوِّلَ جَمِيعَ الحِمَارِ ، الَّتِي فِي
حَدِيقَةِ قَصْرِي ، إِلَى ذَهَب . ثُمَّ أُخْرِجَ الْفَلَّاحُ ، وَعَدَّ السُّلْطَانُ هذَا الكَلَامَ كُلَّهُ مُزَاحًا ، وَلَمْ يُفَكَرْ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ ذلِكَ . رَجَعَ الْفَلَّاحُ إِلَى بَيْتِهِ ، وَأَخْبَرَ الثَّعْبَانَ بِرِسَالَةِ السُّلْطَانِ ، وَرِضَائِهِ عَنِ الزَّوَاجِ ، إِذَا حَوَّلَ لَهُ الثَّعْبَانُ ثِمَارَ الْحَدِيقَةِ إِلَى ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ التَّعْبَانُ : أَرْجُو أَنْ تَخْرُجَ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ غَدًا ، وَتَلْتَقِطَ مِنَ الْحَدِيقَةِ مَا تَجِدُهُ مِنْ بُدُورِ الْفَوَاكِهِ ، وَجُذُورِهَا ،
وَعِيدَانِها الَّتِي تَصْلُحُ لِلْفَرْسِ وَالِزْرَاعَةِ ، ثُمَّ خُذْهَا إِلَى حَدِيقَةِ السُّلْطَانِ ، وَابْذُرْ فِيهَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الْبُدُورِ ، وَأَغْرِس فِيهَا مَا وَجَدْتَهُ
مِنَ الْجُذُورِ وَالْعِيدَانِ، وَسَتَجِدُ بَعْدَ ذلِكَ الْعَجَبَ الْعُجَابَ .
فَقَالَ الْفَلَّاحُ : سَأَبْدُلُ كُلَّ جُهْدِي ، وَأَعْمَلُ مَا فِي وُسْعِي ،
لِتَحْقِيقِ رَغْبَتِكَ
وَ فِي الْفَجْرِ أَسْتَيْقَظَ ، وَحَمَلَ سَلَّةٌ كَبِيرَةً فِي يَدِهِ ، وَذَهَبَ إلَى الْحَدِيقَةِ ، وَأَخَدَ يَلْتَقِطُ كُلَّ مَا يَجِدُهُ ، مِنَ الْبُدُورِ وَالْجُذُورِ ، وَكُلَّ مَا يَصْلُحُ لِلْغَرْسِ، مِنْ فُرُوعِ الْفَوَاكِهِ ، حَتَّى مَلَأَ السَّنَّةَ ، فَحَمَلَهَا فِي يَدِهِ، وَذَهَبَ بِهَا إِلَى حَدِيقَةِ السُّلْطَانِ ، وَزَرَعَ فِيهَا مَا أَحْضَرَهُ مَعَهُ ، مِنْ نَوَى المِشْمِ وَالْخَوْحُ وَالْمَانْجُو، وَأَلْقَى مَا مَعَهُ مِنَ الْبُدُورِ ، وَغَرَسَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجُذُورِ وَالعِيدَانِ ،
كَمَا وَصَّاهُ الثعبان .
وَلَمْ يَكَدْ يَنْتَهِي مِنَ الْغَرْسِ وَالزِرَاعَةِ ، حَتَّى رَأَى أَشْجَارَ
الْحَدِيقَةِ كُلَّهَا ، قَدْ تَحَوَّلَتْ سِيقانُهَا ، وَأَغْصَانُها ، وَفُرُوعُهَا ،
وَأَوْرَاقُهَا ، وَثِمَارُهَا ، وَفَوَاكِهُهَا ، إِلَى ذَهَبٍ لَامِع بَرَاقٍ . فَوَقَفَ الْفَلَّاحُ ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ ؛
. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ مُسْرِعًا ، لِيُخْبِرَ الثَّعْبَانَ بِمَا حَدَثَ ، مِنَ
الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائب .
وَنَزَلَ السُّلْطَانُ إِلَى حَدِيقَةِ قَصْرِهِ ، لِيَقْضِي فِيهَا بَعْضَ الْوَقْتِ، فَرَأَى مَنْظَرًا عَجِيبًا : شَاهَدَ الْأَشْجَارَ ، وَالْفَوَاكه الَّتِي بِالْحَدِيقَةِ قَدْ تَحَوَّلَتْ كُلُّهَا إِلَى أَشْجَارٍ مِنَ الذَّهَبِ ، وَفَوَارِكَة مِنَ الذَّهَبِ، وَأَزْهَارٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَلَمْ يُصَدِّقْ عَيْنَيْهِ ، فَنَظَرَ مَرَّةً ثَانِيَةٌ ، وَمَرَّةً ثَالِثَةٌ ، نَظرَةً فَاحِصَةٌ ، لِيَتَأَكَدَ وَيَتَحَقَّقَ مِمَّا يَرَى ، وَقَدْ تَأَكَدَ وَتَثَبَّتَ مِما رَآهُ ، وَعَلِمَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، أَنَّ الْحَدِيقَةَ كُلَّهَا قَدْ تَحَوَّلَتْ حَقًّا إِلَى ذَهَب ، وَأَخَذَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ ، مُتَعَجِباً حَائِرًا مَدْهُوشًا : مَا مَعْنَى هَذَا ؟ وَمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ ؟ وَأَخَذَ يُرَدّدُ
فِي نَفْسِهِ : إِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَمَلِ الْفَلَاحِ ، الْفَقِيرِ ، الْمِسْكِينِ ، الَّذِي طَلَبَ مِنِّي أَنْ يَتَزَوَّجَ الثَّعْبَانُ
ابنتي
وَبَعْدَ هَذَا ، أَرْسَلَ التَّعْبَانُ الْفَلاحَ إِلَى السُّلْطَانِ ، يَسْأَلُهُ الْوَفَاء بِوَعْدِهِ ، الَّذِي وَعَدَهُ ، وَهُوَ أَنْ يَسْمَحَ بِأَنْ يَتَزَوَّج
التعبَانُ الْأَمِيرَةَ ، بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَتِ الْحَدِيقَةُ إِلَى ذَهَبٍ فَأَجَابَ السُّلْطَانُ : إِنْتَظِرْ قَلِيلاً ؛ فَلَيْسَ الْأَمْرُ سَهْلاً كَمَا تَظُنُّ . وَإِذَا أَرَادَ الثَّعْبَانُ حَقًّا أَنْ تُحَقَّقَ رَغْبَتُهُ ، وَيَتَزَوَّجَ ابْنَتِي الْأَمِيرَةَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُغَطِيَ أَرْضِ الْقَصْرِ كُلَّهَا ، بِطَبَقَةٍ مِنَ الذَّهَبِ. وَيَجِبُ أَنْ يُنَفِّذَ هَذَا قَبْلَ أَنْ أَسْمَحَ لِابْنَتِي ، وَهِيَ أَمِيرَةٌ مِنْ أَحْسَنِ الْأَمِيرَاتِ ، أَنْ تَتَزَوَّجَ تُعْبَانًا مِنَ
التَّعَابِينِ .
رَجَعَ الْفَلاحُ إِلَى الثَّعَانِ ، وَقَدْ خَافَ أَنْ يُبَلِّغَهُ رِسَالَةَ
السُّلْطَانِ ، لِئَلَّا يَغْضَبَ وَيَشْتَدَّ غَضَبُهُ ، وَلكِنَّهُ أَضْطر في النّهَايَةِ ، أَنْ يَذْكُرَ لِلشُّعْبَانِ مَا قَالَهُ السُّلْطَانُ.
فَقَالَ لَهُ الثَّبَانُ : اِذْهَبْ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الْحَقْلِ، وَأَجْمَعَ حُزْمَةٌ مِنَ الْأَعْشَابِ الخَضْرَاءِ ، وَاجْعَلْهَا بِشَكْلِ مِكْنَسَةٍ ، ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى قَصْرِ السُّلْطَانِ، وَأَكُنُرْ بِهَا أَرْضِ الْقَصْرِ حُجْرَةٌ حُجْرَةً ، وَطَبَقَةٌ طَبَقَةُ، وَلَا تَتْرُكَ شِبْرًا مِنَ الْقَصْرِ دُونَ أَنْ تَكْتُسَهُ بِهذِهِ الْمِكْنَسَةِ، وَسَتَرَى بَعْدَ ذلِكَ الْعَجَبَ الْعُجَابَ ، وَسَيَجِدُ السُّلْطَانُ فِي قَصْرِهِ،
فه
طبَقَةً مِنَ الذَّهَبِ فِي كُلِّ مَكَانٍ .
جَرَى الْفَلَّاحُ إِلَى الْحَقْلِ ، وَجَمَعَ أَحْسَنَ الْأَعْشَابِ الخَضْرَاءِ ، وَكَوَّنَ مِنْهَا حُزْمَةً ، وَرَبَطَهَا ، وَجَعَلَ مِنْهَا مِكْنَسَةً خَضْرَاءَ ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْقَصْرِ ، وَاسْتَأْذَنَ فِي أَنْ يُسْمَحَ لَهُ بِكَسِ الْقَصْرِ، مِنْ أَعْلَاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ، بِهَذِهِ الْمِكْنَةِ، فَأُذِنَ لَهُ. وَبَدَأَ يَكنُسُ حُجُرَاتِ الْقَصْرِ ، وَكُلَّمَا كَنَسَ حُجْرَةٌ مِنْهَا ،
تَحَوَّلَتْ أَرْضُهَا إِلَى طَبَقَةٍ كَثِيفَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَصَارَت كَبِسَاطِ
ذَهَبِي بَرَّاقٍ . وَبَعْدَ أَن أَنْتَهَى مِنَ الدَّوْرِ الْأَوَّلِ ، أَنْتَقَلَ إِلَى الدَّوْرِ . الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثِ ، حَتَّى كَنَسَ الْقَصْرَ كُلَّهُ بِهَذِهِ الْمَكْنَسَةِ الْعَجِيبَةِ ، فَصَارَتْ أَرْضُهُ كُلُّها طَبَقَاتٍ كَثِيفَةٌ ذَهَيَّةً . وَبَعْدَ ذلِكَ قَابَلَ الْفَلاحَ السُّلْطَانَ ، نَائِبًا عَنِ الشُّعْبَانِ ، وَرَجَاهُ أَنْ
يَغِي بِوَعْدِهِ ، وَيَسْمَحَ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ الأَميرَةُ الْجَمِيلَةُ الشُّعْبَانَ ،
بأَنْ تَتَزَوَّجَ الامير بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَتْ رَغْبَةُ السُّلْطَانِ وَأُمْنِيَّتُهُ ، وَتَحَوَّلَتْ أَرْضِ الْقَصْرِ كُلَّهَا ، إِلَى طَبَقَاتِ ذَهَيَّةٍ بَرَاقَةٍ . وَلَمْ يَسْتَطِعِ السُّلْطَانُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ ، فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ قَبِلْتُ أَنْ تَتَزَوَّجَ ابْنَتِي الثَّعْبَانَ الَّذِي رَبَّيْتَهُ ، وَحَدَّثْتَنِي عَنْهُ ، وَلَكِنَّ أَمَامَ التَّعْبَانِ صُعُوبَةٌ أُخْرَى هِيَ أَنْ تَرْضَى ابْنَتِي أَنْ تَتَزَوَّجَهُ.
طَلَبَ السُّلْطَانُ ابْنَتَهُ الْأَمِيرَةَ ، وَقَالَ لَهَا : ابْنَتِي الْعَزِيزَةَ الْغَالِيَةَ ، لَقَدْ وَعَدَ أَبُوكِ وَعْدًا طَائِشًا ، غَيْرَ مَعْقُولٍ ، وَعْدًا بَعِيدًا عَنِ الْحِكْمَةِ ، وَقَدْ أَسْرَعَ فِي الْوَعْدِ ، وَلَكِنَّهُ وَعْدٌ عَلَى أَي حَالٍ . وَيَجِبُ أَنْ أُنقِذَهُ ، وَأَفِيَ بِهِ . وَأَمَلِي كَبِيرٌ فِي أَنْ تُنَفَذِي وَعْدَ أَبِيكِ ، وَتَنِي بِهِ ، حَتَّى لَا يُقَالَ : إِنَّ سُلْطَانَ الْبِلَادِ أَخْلَفَ وَعْدَهُ ، وَلَمْ يَفِ بِهِ . وَخُلْفُ الْوَعْدِ عِنْدِي رَذِيلَةٌ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا إِنْسَانٌ .
فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ إِنَّنِي يَا أَبِي طَوْعُ إِرَادَتِكَ . وَإِنَّ أَوَامِرَكَ لَنَافِدَةٌ ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا مَوْتِي أَوْ هَلَاكِي. وَسَأَفْعَلُ كُل مَا تَأْمُرُني بهِ . فَأَمُرْ بِمَا تَشَاءُ ، وَسَأْنَفْذُ أَمْرَكَ فِي الْحَالِ ، وَلَنْ أَتَرَدَّدَ . فَقَالَ السُّلْطَانُ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَتَزَوجِي مَنِ اخْتَرْتُهُ زَوْجًا لَكَ . فَأَحْنَتْ رَأْسَهَا طَاعَةٌ لِأَيهَا ، وَوَعَدَتْ أَنْ تُحَقِّقَ رَغْبَتَهُ ، وَتَتَزَوَّجَ مَنِ اخْتَارَهُ زَوْجًا لَهَا ، وَشَرِيكَا فِي حَيَاتِهَا الْمُقْبِلَةِ . وَلَمْ تَعْلَمَ الْأَمِيرَةُ الْمِسْكِينَةُ أَنَّ أَبَاهَا قَدْ وَعَدَ أَنْ يُزَوِّجَهَا
تُعْبَانًا لَا إِنْسَانًا .
وَعَدَتِ الْأَمِيرَةُ أَبَاهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنِ اخْتَارَهُ لَهَا ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ الْفَلَّاحَ لِإِحْضَارِ التَّعَانِ إِلَى الْقَصْرِ ، لِتَرَى
الْأَمِيرَةُ خَطِيبَهَا ، وَزَوْجَهَا الْمُنْتَظَرَ ، وَشَرِيكَهَا فِي الْحَيَاةِ . وَبَعْدَ سَاعَةٍ حَضَرَ الشُّعْبَانُ رَاكِبًا عَرَبَةً ، مَصْنُوعَةً مِنَ الذَّهَبِ ، يَجُرُّهَا أَرْبَعَهُ أَ أَفْيَالِ. وَحِينَمَا مَرَّتِ الْعَرَبَةُ الذَّهَبِيَّةُ، مِنْ شَوَارِيع
الْمَدِينَةِ ، هَرَبَ النَّاسُ خَوْفًا وَفَزَعًا ، مِنْ مَنْظَرِ التَّعْبَانِ الكَبير
الذِي يَجْلِسُ فِي دَاخِلِهَا ، وَبِجَانِبِهِ أَحَدُ الْفَلَّاحِينَ
وَصَلَتِ الْعَرَبَةُ الذَّهَبِيَّةُ إِلَى الْقَصْرِ ، وَفِيهَا تُعبَانٌ مُخِيفٌ ، . وَمَعَهُ الْفَلاحُ ، فَارْتَعَدَ كُلُّ مَنْ رَآهَا مِنَ الْحَرَسِ وَالْخَدَم
وَرِجَالِ الْقَصرِ ، وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا ، وَهَرَبُوا جَمِيعًا . أَمَّا السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ ، فَقَدْ جَرَيَا إِلَى غُرْفَةِ الْأَمِيرَةِ ، وَطَلَبَا مِنْهَا أَنْ تَهْرُبَ مَعَهُما ، مِنْ هَذَا الشُّعَبانِ الْوَحْشِ ، وَقَالَ لَهَا السُّلْطَانُ : هَيَا نَهْرُبِّ ، يَا ابْنَتِي الْعَزِيزة ... هَيَا ... يَجِبُ أَنْ نَخْتَنِي مِنْ هُنَا، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الثعبانُ ، البَشِعُ الفَظِيعُ . قَالَتِ الْأَمِيرَةُ : لَا يَا أَبِي ، لَنْ أَفِرَّ ، وَلَنْ أَهْرُبَ ، فَأَنَا قَدْ وَعَدْتُكَ، بِأَنْ أَتَزَوَّجَ مَنِ اخْتَرْتَهُ لِي ، وَأَنْتَ قَدْ وَعَدْتَ التَّعْبَانَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَنِي ، وَلَا يَضِحُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ السُّلْطَانَ وَابْنَتَهُ قَدْ
وَعَدَا وَأَخْلَفَا وَعْدَهُمَا . فَهَذَا عَارٌ لَا أَحْتَمِلُهُ، وَسَأَبْقَى هُنَا حَتَّى
يَأْتِيَ خَطِيبي .


فَتَأَلَّمَ السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ، وَهَرَبَا إِلَى حُجْرَةٍ بِالطَّبَقَةِ الْعُلْيَا
مِنَ الْقَصْرِ ، وَأَغْلَقَا بَابَهَا عَلَيْهِمَا .
وَبَعْدَ لَحَظَاتِ ذَهَبَ التَّعْبَانُ إِلَى حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ ، وَاسْتَأْذَنَ وَدَخَلَ ، فَرَآهَا وَاقِفَةٌ ثَابِتَةٌ هَادِئَةٌ ، لَا يَبْدُو الْخَوْفُ عَلَى مَظْهَرِهَا ، وَلَا الْفَزَعُ عَلَى وَجْهِهَا . وَرَآهَا تَنْحَنِي تَحِيَّةٌ لَهُ ،
وَتَرْحِيباً :
نظَرَ الثَّعْبَانُ إِلَيْهَا نَظَرَةً كُلُّهَا إِعْجَابٌ وَتَقْدِيرٌ ، فَهُوَ مُعْجَب بِهُدُونِهَا وَتَبَاتِهَا، فِي هَذَا الْمَوْقِفِ الْمُخِيفِ، مُعْجَب بِضَبْطِ عَوَاطِفِهَا، مُقَدِرْ لِوَفَائِهَا بِوَعْدِهَا، وَمُحَافَظَتِهَا عَلَى عَهْدِهَا ، وَتَأَثَرَ بِرِضَائِهَا بِهِ كُلَّ التَّأَتُرِ ، مَعَ أَنَّهُ تُعبَانٌ ، شَكْلُهُ مُخِيفٌ ، وَهِيَ أَمِيرَةٌ فَائِقَةُ الْجَمَالِ ، فَقَالَ لَهَا : هَلْ قَبِلْتِ الزَّوَاجَ بِي أَيَّتها الْأَمِيرَةُ الْجَمِيلَةُ ؟
فَأَجَابَتْهُ : نَعَمْ ، لَقَدْ قَبِلْتُ
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي نَطَقَتْ بِهذِهِ الْجُمْلَةِ ، تَحَوَّلَ الثعبان الْمُخِيفُ الْقَبِيحُ الْمَنْظَرِ ، إِلَى شَابٌ جَمِيلٍ ، حَسَنِ الْهِنْدَام ، مُبْتَسِم أَلْقَم ، أَزْرَقِ الْعَيْنَيْنِ، أَسْوَدِ الشَّعْرِ ، تَظْهَرُ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ
الرُّجُولَةِ ، وَالشَّجَاعَةِ وَالشَّهَامَةِ .
سَمِعَ السُّلْطَانُ ، وَهُوَ مُخْتَفٍ مَعَ السُّلْطَانَةِ، فِي الطَّبَقَةِ العُلْيَا مِنَ الْقَصْرِ ، أَنَّ التَّعْبَانَ الكَبِيرَ ، قَدْ دَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ فِي
حُجْرَتِهَا ، فَقَالَ لِلسُّلْطَانَةِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعِ : وَا أَسَفَاهُ : وَا حُزْنَاهُ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ الثَّعْبَانُ قَتَلَ ابْنَتَنَا الْعَزِيزَةَ الْوَحِيدَةَ . لَقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْهَا وَقَتَلْتُهَا، بِطَمَعِي، وَجَشَعِي ، وَشَرَاهَتِي ، وَمَحَبَّتِي لِلذَّهَبِ ، وَتَفْكِيرِي فِي الْغِنَى ، وَعَدَم تَفْكِيرِي فِي
شَيْءٍ آخَرَ سِوَى الذَّهَبِ ... وَلَكِنْ مَا فَائِدَةُ الذَّهَبِ الآنَ ؟ وَمَا فَائِدَةُ الْمَالِ ؟ وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَالُ أَنْ يَرُدَّ لِي ابْنَتِي
الغالية ؟
خواند
ثُمَّ خَرَجَ السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ ، مِنَ الْحُجْرَةِ العُلْيَا ، الَّتِي اخْتَفَيَا فِيهَا ، وَذَهَبًا إِلَى حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ ، الَّتِي دَخَلَهَا الثَّعْبَانُ، فَوَجَدَا الْحُجْرَةَ مُعْلَقَةً عَلَيْهِمَا فَنَظَرَ السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ مِنَ النَّافِدَةِ ، فَلَمْ يَجِدَا مَعَ الْأَمِيرَةِ تُعْبَانًا ، وَإِنَّمَا رَأَيَا شَابًّا، صَحِيحَ الْجِسْمِ ، رَائِعَ الْجَمَالِ ، تَظْهَرُ عَلَيْهِ الْقُوَّةُ وَالشَّجَاعَةُ . وَرَأَيَا جِلْدَ التُنْبَانِ مُلْقَى فِي رُكُن مِنْ أَرْكَانِ الْحُجْرَةِ فَعَجِبَا كُلَّ الْعَجَبِ ، وَأَدْرَكَا أَنَّ فِي سِرًّا .
مدة
فَرِحَ السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ فَرَحًا لَا يُقَدَّرُ ، حِينَمَا رَأَيَا ابْنَتَهُمَا لَمْ تُصَبْ بِسُوءٍ ، وَطَرَقَا بَابَ الْحُجْرَةِ ، وَاسْتَأْذَنَا فِي
الدُّخُول . وَلَمَّا دَخَلَا جَعَلَا يُعَائِقَان الْأَمِيرَةَ وَيُقَبِّلَانِهَا
يُهَتَان خَطِيبَهَا ، الَّذِي قَصَّ عَلَيْهما قِصَّتَهُ ، وَكَيْفَ سَحَرَتْهُ
وَيُهَتِّشَانِ
سَاخِرَةٌ مَارِكرَةٌ ، إِلَى شَكْلِ تُعْبَانِ ، وَهُوَ أَمِيرٌ ، وَابْنُ سُلْطَانٍ
عَظِيم. فَسُرَّ الْجَمِيعُ سُرُورًا
كَثِيرًا، وَلَكِنَّ الْفَرَحَ لَمْ يَبْقَ طَوِيلًا، فَقَدْ جَرَتِ السُّلْطَانَةُ إِلَى
جِلْدِ النُّعْمَانِ ، وَقَالَتْ لِلْأَمِيرِ :
لَنْ تَصِيرَ تُعْبَانًا مَرَّةً أُخْرَى
وَأَلْقَتِ الْجِلْدَ فِي النَّارِ ، فَنَظَرَ
إِلَيْهَا الْأَمِيرُ نَظرَةً كُلَّهَا حُزْنٌ
وَأَلَمْ ، وَقَالَ : إِنَّكِ لَا تَعْلَمِينَ مَاذَا فَعَلْتِ، وَعَلَى أَي خَطَرٍ أَقدَمْتِ. وَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ حَرْقُ جِلْدِ الثَّقْبَانِ ، تَحَوَّلَ الْأَمِيرُ الْمِسْكِينُ ، إِلَى طَائِرٍ أَبْيَضَ حَزِينٍ ، وَبَدَأَ يَطِيرُ إِلَى نَافِدَةٍ قَدْ أُغْلِق زُجَاجُهَا ، فَكَسَرَ زُجَاجَ النَّافِدَةِ بِقُوَّتِهِ ، وَجَرَحَ نَفْسَهُ ، وَخَرَجَ مِنَ النَّافِدَةِ ، وَطَارَ بَعِيدًا فِي السَّمَاءِ. وَرَأَى السُّلْطَانُ وَالسُّلْطَانَةُ وَالْأَمِيرَةُ ، قَطَرَاتِ الدَّمِ
الْأَحْمَرِ
، تَتَسَاقَطُ فَوْقَ رِيشِهِ الْأَبْيَض .
وَجَرَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى النَّافِدَةِ ، وَنَظَرَتْ إِلَى الطَّائِرِ الْجَرِيح الْمِسْكِينِ ، وَهُوَ يَطِيرُ، وَاسْتَمَرَّتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى اخْتَفَى عَنِ
. النَّظر فِي السَّمَاءِ الزَّرْقَاءِ . فَمَدَّتِ الْأَمِيرَةُ ذِرَاعَيْهَا إِلَى السَّمَاءِ ، تَطْلُبُ لَهُ مِنَ اللهِ النَّجَاةَ . وَبَدَأَتْ تَبْكِي بُكَاءَ مُرَّا، وَحَاوَلَ أَبَوَاهَا أَنْ يُسْكِتَاهَا ، وَيُسَلِّيَاهَا ، وَيَنْصَحَا لَهَا بِالصَّبْرِ . وَلكِنَّ بُكَاءَهَا كَانَ يَشْتَهُ ، وَحُزْنَهَا كَانَ يَزِيدُ ، عَلَى فَقَدِهَا خَطِيبَهَا الْأَمِيرَ الشَّابَ الْجَمِيلَ
أَقْبَلَ اللَّيْلُ ، وَذَهَبَ كُل فَرْدٍ فِي الْقَصْرِ إِلَى فِرَاشِهِ ، إِلا الْأَمِيرَةَ ، فَإِنَّهَا لَبِسَتْ مَلَابِسَهَا ، وَتَرَكَتْ حُجْرَتَهَا ، وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا وَأُمِّهَا، تَسْتَأْذِنُهُمَا فِي الْخُرُوج ، لِلْبَحْثِ عَنْ خَطِيببِهَا الْأَمِيرِ
الْمَسْحُورِ ، وَلَمْ يَجِدِ الْأَبُ وَالْكُمْ فَائِدَةً مِنَ الْمُعَارَضَةِ
فَسَمَحَا لَهَا سَحَالَهَا
صَمَّمَتِ الْأَمِيرَةُ عَلَى أَنْ تَبْحَتْ فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ ، حَتَّى تَجِدَ خَطِيبَهَا الْأَمِيرَ الْمِسْكِينَ ، اللَّذِي وَعَدَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ . خَرَجَتِ الْأَمِيرَةُ مِنَ الْقَصْرِ وَحْدَهَا ، وَلَمْ تَسْمَحْ لِأَحَدٍ
بِمُصاحَبَتِهَا ، وَمُرَافَقَتِهَا ، لِلْبَحْثِ مَعَهَا ، وَتَرَكَتِ الْمَدِينَةَ وَسَارَتْ ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى غَابَةٍ كَبِيرَةٍ ، فَدَخَلَتْهَا ، وَاسْتَمَرَّت سَائِرَةٌ فِيهَا ، حَتَّى قَابَلَهَا تَعْلَبُ ، فَتَأَلَّمَ لِحَالِهَا ، لَمَّا رَآهَا حَزِينَةً بَاكِيَةَ الْعَيْنِ ، وَعَرَضَ عَلَيْهَا اسْتِعْدَادَهُ لِمُسَاعَدَتِهَا ، بِأَنْ يُرْشِدَهَا إِلَى الطَّرِيقِ فِي الْغَابَةِ ؛ لِأَنَّهَا وَحْدَهَا ، وَلَيْسَ مَعَهَا
أَحَدٌ يَحْرُسُهَا ، فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ
فَشَكَرَتِ الْأَمِيرَةُ لِلتَّعْلَبِ شُعُورَهُ النَّبِيل ، وَرَضِيَتْ بِذَهَابِهِ مَعَهَا لِإِرْشَادِهَا . وَسَارَا مَعًا فِي الْغَابَةِ لَيْلًا . وَلِحُسْنِ حَظِهَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً ، وَكَانَ ضَوْءُ الْقَمَرِ سَاطِعاً فِي كُلِّ مَكَانٍ .
وَبَعْدَ مُدَّةٍ تَعِبَتِ الْأَمِيرَةُ مِنَ الْمَشْيِ ، وَأَشْتَدَّ بِهَا التَّعَبُ ، وَاضْطُرَّتْ إِلَى أَنْ تَجْلِسَ عَلَى الْحَشِيشِ الْأَخْضَرِ الرَّطَب ، تَحْتَ أَشْجَارِ الْغَابَةِ ، لِتَسْتَرِيحَ مِنَ التَّعَبِ ، ثُمَّ تَقُومَ وَتُكمل رِحْلَتَهَا ، وَبَحْتَهَا عَنْ خَطِيبهَا الْمِسْكِينِ . وَجَلَسَ التَّعْلَبُ قَرِيباً مِنْهَا ، لِيَحْرُسَهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَوَحِشَةِ . وَلِشِدَّةِ تَعَبِهَا غَلَبَهَا النَّوْمُ ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ مُقَاوَمَتَهُ ، فَنَامَتْ نَوْمًا عَمِيقًا ، وَلَمْ تَكَدْ
تَسْتَيْقِظُ
مِنَ النَّوْمِ ، حَتَّى سَمِعَتِ الطُّيُورَ عَلَى الشَّجَرَةِ ، تُغَنِّي
بِصَوْتٍ جَمِيلٍ ، لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْ قَبْلُ ، فَسَأَلَهَا التَّعْلَبُ : هَلْ
تفهَمِينَ يَا سَيِّدَتِي مَا تَقُولُهُ هَذِهِ الطُّيُورُ ؟
فَأَجَابَتِ الْأَمِيرَةُ : لَا ، إِنِّي لَا أَفْهَمُ لُغَةَ الطُّيُورِ ، وَلكِنِّي
أُحِبُّ صَوْتَهَا الْعَذَبَ ، وَعِنَاءَهَا الْجَمِيلَ .
أَمَّا التَّعْلَبُ فَقَدْ فَهِمَ مَا تَقُولُ ، فَبَدَأَ يَشْرَحُ لِلْأَمِيرَةِ ، بِلُغَةِ هَادِئَةٍ بَطِيئَةٍ ، مَا تَقْصِدُهُ الطُّيُورُ مِنْ غِنَائِهَا ، وَيُفَسِرُ لَهَا مَعْنَى أُغْنِيَّتِهَا، وَيُبَيِّنُ لَهَا أَنَّ هَذِهِ الطُّيُورَ، تَتَحَدَّثُ عَنْ أَمِيرٍ مَسْحُورٍ ، قَدْ مُسِحَ مِنْ قَبْلُ، بِتَأْثِيرِ السَحْرِ ، فَتَحَوَّلَ إِلَى شَكْلِ تُعْبَانِ،
خ وَعَاشِ كَمَا يَعِيسُ الثَّعْبَانُ ، ثُمَّ عُنِيَتْ بِتَرْبِيَتِهِ سَيِّدَةٌ فَلاحَةٌ ، وَاتَّخَذَتْهُ مِثْلَ طِفْلِ لَهَا ، وَتَبَنَاهُ زَوْجُهَا ، وَاسْتَمَرَّ عِنْدَهُمَا عَشْرَ سَنَوَاتٍ ، وَقَدِ انْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَوَاتُ الْعَشْرُ ، سَنَةٌ بَعْدَ أُخْرَى ، حَتَّى كَبِرَ ، وَأَحَبَّ أَمِيرَةٌ مِنَ الْأَمِيرَاتِ ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
فَرِضِي أَبُوهَا ، بَعْدَ أَنْ قَامَ لَهُ الثَّعْبَانُ بِأَشْيَاءَ عَجِيبَةٍ غَرِيبَةٍ وَوَعَدَهُ أَنْ يُزَوجَهُ ابْنَتَهُ ، وَرَضِيَتِ الْأَمِيرَةُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا هَذَا التَّعْبَانُ ، حَتَّى لَا يُقَالَ : إِنَّ أَبَاهَا أَخْلَفَ وَعْدَهُ . فَزَالَ تَأْثِيرُ . السّحْرِ عَنْهُ ، وَرَجَعَ إِلَى صُورَتِهِ الْأُولَى ، وَهِيَ صُورَةُ إِنْسَانِ كَمَا كَانَ . وَفِي أَثْنَاءِ وُجُودِهِ بِحُجْرَتِهَا فِي الْقَصْرِ ، قَامَتْ أُيُّهَا السُّلْطَانَةُ ، بِالْقَاءِ جِلْدِهِ فِي النَّارِ، لِتَتَخَلَّص مِنْ شَكل التُعْبَانِ، وَصُورَةِ التَّعْبَانِ ، حَتى لَا يَلْحَقِّ ابْنَتَهَا أَيُّ شَرٌ ، أَوْ أَذًى . سَكَتَ التَّعْلَبُ ، فَبَكَتِ الْأَمِيرَةُ ، حِينَمَا عَرَفَتْ أَنَّ الطُّيُور تَذكُرُ قِصَّة خَطِيبهَا ، وَتُبَيِّنُ مَا حَدَتْ لَهُ وَلَهَا ، وَرَجَتِ الثَّعْلَبَ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ ، التي تُغَيِّيهَا الطُّيُورُ، وَيَشْرَحَ لَهَا
مَاذَا أَصَابَ الْأَمِيرَ ، وَهَلْ زَالَ هَذَا السِّحْرُ ؟
قَالَ التَّعْلَبُ : وَقَدْ ظَنَّتْ أُمُهَا ، أَنَّ فِي عَمَلِهَا نَجَاةَ ابْنَتِها


الْأَمِيرَةِ ، وَلَكِنَّهَا أَسَاءَتْ إِلَيْهَا أَكْبَرَ إِسَاءَةٍ ، بِحُسْنِ نِيَّةٍ ،
لِأَنَّ الْأَمِيرَ تَحَوَّلَ إِلَى طَائِرٍ أَبْيَضَ ، كَالْحَمَامَةِ الْبَيْضَاءِ ، وَصَارَ فِي حَالَةٍ يُرْقَى لَهَا . وَهُوَ الآنَ فِي شِدَّةِ الْخَطَرِ ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ.
فَسَأَلَتْهُ الْأَمِيرَةُ : أَرْجُو أَنْ تَذكُرَ لِي: لِمَاذَا هُوَ فِي شِدَّةِ الخَطَرِ؟ فَأَجَابَ التَّعْلَبُ : لِأَنَّ وَالِدَةَ الْأَمِيرَةِ قَدْ حَرَقَتْ جِلْدَ الثَّعْبَانِ ، فَحُكمَ عَلَى الْأَمِيرِ بِأَنْ يُمْسْحَ ، وَيَتَحَوَّلَ إِلَى طَائِرٍ، لِكَيْ يَهْرُبَ مِنَ الْحُجْرَةِ . فَتَحَوَّلَ إِلَى طَائِرٍ أَبْيَضَ . وَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنَ النَّافِذَةِ بِقُوَّةٍ ، كَانَ زُجَاجُهَا مُغْلَقَاً ، فَكُسِرَ الزُّجاج ، وَجُرِحَتْ ذِرَاعُهُ جُرْحًا بَلِينًا ، وَرُبَّمَا يَمُوتُ مِن هذا الجُرْحِ ... أَصْغِي يَا سَيِّدَتِي : أَلَا تَسْمَعِينَ صَوْتَ الطُّيُورِ فَوْقَ الشَّجَرَةِ ؟ إِنَّهُ صَوْتُ مُحْزِنَ كُلَّ الْحُزْنِ : لِأَنَّ الْأَمِيرَ الْآنَ فِي أَشَدِ حَالَاتِ الْخَطَرِ. وَلَكِنْ بِإِخْلَاصِ خَطِيبَتِهِ وَوَفَائِهَا لَهُ. وَبَحْثِهَا عَنْهُ، وَتَفْكِيرِهَا فِيهِ ، وَهُوَ طَائِرٌ جَرِيحٌ مِسْكِينَ ، قَدْ
عَادَ أَمِيرًا كَمَا كَانَ . وَرَجَعَ إِلَى قَصْرٍ أَبِيهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي حَالَةٍ خَطِرَةٍ ، مِنَ الْجُرُوحِ الَّتِي بِذِرَاعِهِ ، وَهُوَ أَلْآنَ فِي أَيَّامِهِ
الْأَخِيرَةِ ، وَقَدْ يَمُوتُ مِنْ هَذِهِ الْجُرُوحِ .
فَسَأَلَتْهُ الْأَمِيرَةُ : أَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي ، عَنْ وَسِيلَةٍ
لِعِلَاجِهِ وَشِفَائِهِ مِنْ جُرُوحِهِ ؟
فَأَجَابَ التَّعْلَبُ : هُنَاكَ وَسِيلَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَط ، لِشِفَائِهِ وَعِلَاجِهِ ، أَنْ تَتَمَكَّنَ الْأَمِيرَةُ الَّتِي خَطَبَهَا ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا
وَهِيَ
وَأَحَبَّهَا ، وَأَخْلَصَ لَهَا الْإِخْلَاص كُلَّهُ ، مِنْ أَنْ تَأْخُذَ رِيشَةً
مِنْ ذَيْلِ كُلِّ طَائِرٍ ، مِنْ تِلْكَ الطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ ، التي تُغَنِّي
غِنَاءٌ مُحْزِنًا، وَتُفَرِّدُ تَغْرِيدًا مُبْكِياً ، فَوْقَ الشَّجَرَةِ ، ثُمَّ تَذْهَبَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهَا، لِتَضَعَ هَذَا الرِّيشَ فَوْقَ جُرُوحِهِ . وَبِهَذَا الْعِلَاجِ
وَحْدَهُ ، يُشْفَى الأَمِيرُ مِنْ مَرَضِهِ ، بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى . سَمِعَتِ الْأَمِيرَةُ هَذِهِ النَّصِيحَةَ ، فَأَخْبَرَتِ الثَّعْلَبَ بِشَخْصِيَّتِهَا
وَقَالَتْ لَهُ : إِنَّهَا خَطِيبَةُ الأمير المِسْكِين ، وَقَدْ حَضَرَتْ لِلْبَحْتِ عَنْهُ ، وَالْعَمَلِ عَلَى نَجَاتِهِ ، وَإِنْقَاذِهِ مِنْ تَأْثِيرِ السّحْرِ وَالْمَرَضِ ، وَرَجَتْهُ أَنْ يَأْتِيَ لَهَا بِرِيشَةٍ، مِنْ ذَيْلِ كُلِّ طَائِرٍ مِنْ هَذِهِ الطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ ، وَيُعْطِيَهَا هَذَا الرِّيشَ لِتُعَالِجَ بِهِ الْأَمِيرَ
، الْمَرِيضَ ، وَتَوَسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يُسْدِيَ إِلَيْهَا هَذَا الْمَعْرُوفَ ، وَوَعَدَتْهُ أَنْ تَعُدَّهُ عَلَى الدَّوَامِ الصَّدِيقِ الْوَفِيَّ لَهَا ، وَأَنْ تُكافتَهُ
أَحْسَنَ مُكَا فَأَةٍ عَلَى جَمِيلِهِ .
فَأَجَابَ التَعْلَبُ: سَأُحَاوِلُ ذَلِكَ بِكُلِّ سُرُورٍ . ولَكِنَّ الْأَمْرَ .
يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ طَوِيلٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطُّيُورَ كَثِيرَةُ الْخَجَلِ ، شَدِيدَةُ الْحَيَاءِ ، سَرِيعَةُ الطَّيَرَانِ ، إِذَا قَرُبْتُ مِنْهَا نَهَارًا ، وَأَنْتِ
. تَرَيْنَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ ، وَأَنَّ الطُّيُورَ تَرَى كُلَّ حَرَكَةٍ . فَإِذَا قَرُبْتُ مِنْهَا الْآنَ طَارَتْ وَهَرَبَتْ . وَسَنُضْطَرُّ إِلَى أَنْ نَنْتَظِرَ إِلَى الْمَسَاءِ ، حَتَّى يَنْقَضِيَ الْنَّهَارُ بِنُورِهِ ، وَيُقْبِلَ اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ ،
وَتَذْهَبَ الطُّيُورُ إِلَى عِشَاشِهَا لِلتَنَامَ ، وَحِينَئِذٍ أَتَسَلَّقَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ هُدُوءٍ ، وَآخَذُ رِيشَةً مِنْ ذَيْلِ كُلِّ طَائِرٍ مِنْ هَذِهِ الطُّيُورِ
الْأَرْبَعَةِ ، وَهُوَ فِي عُمِّهِ .
قَضَتِ الْأَمِيرَةُ النَّهَارَ كُلَّهُ فِي الْغَابَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، وَمَعَهَا التَّعْلَبُ الْوَفِي الْحَكِيمُ ، وَأَخَذَتْ تَعُدُّ النَّهَارَ بِالسَّاعَةِ ، فَطَالَ النَّهَارُ ، وَطَالَ الْوَقْتُ ، وَبَدَا لَهَا أَنَّ السَّاعَاتِ تَمُرُّ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ.
وَأَخِيرًا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ الَّذِي تَنتَظِرُهُ الْأَمِيرَةُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ ، وَأَخَذَ كُلُّ طَائِرٍ يَذْهَبُ إِلَى عُيْهِ ، وَاجْتَمَعَتِ
الطُّيُورُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى الشَّجَرَةِ لِتَنَامَ فِي عِشَاشِهَا أَخَذَتِ الْأَمِيرَةُ وَالتَّعْلَبُ يَنْظُرَانِ إِلَى الطُّيُورِ التِي فَوْقَ
الشَّجَرَةِ ، وَيَنتَظِرَانِ ذَهَابَهَا إِلَى عِشَاشِهَا لِتَنَامَ فِيهَا . وَحِينَما تَأَكَدَ التَّعْلَبُ أَنَّ الطُّيُورَ الْأَرْبَعَةَ ، تَرَكَتْ فُرُوعَ الشَّجَرَةِ ، وَنَامَتْ فِي عِشَاشِهَا . تَسَلَّقَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ هُدُوءٍ ؛
حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ أَيُّ طَائِرٍ ، وَلَا يَتَحَرَّكَ مِنْ عُنْهِ . وَبِسُرْعَةٍ وَمَهَارَةٍ أَخَذَ رِيشَةٌ مِنْ ذَيْلِ كُلِّ طَائِرٍ مِنْ هَذِهِ الطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ الْحَزِينَةِ عَلَى الْأَمِيرِ . وَهِيَ الطُّيُورُ الَّتِي كَانَتْ
. تُغَنِّي ، وَتَذْكُرُ فِي غِنَائِهَا بِصَوْتِهَا السَّعِيرِ الْمُحْزِنِ قِصَّةَ الْأَمِيرِ وَمَا حَدَتْ لَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَدَّمَ لِلأَمِيرَةِ الرِّيشَاتِ الْأَرْبَعَ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِعِلَاجِ الْأَمِيرِ مِنْ جُرُوحِهِ . فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ : أَيُّهَا التَّعْلَبُ الْحَكِيمُ ، إِنِّي أُقَدِّمُ لَكَ أَجْزَلَ الشِّكْرِ وَأَوْفَرَهُ. وَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى مُكَا فَأَتِكَ.
وَلَنْ أَنْسَى مَعْرُوفَكَ طُولَ الْحَيَاةِ .
فَقَالَ التَّعْلَبُ : لَقَدْ قُمْتُ يَا سَيِّدَتِي بِوَاجِبِي نَحْوَ إِنْسَانِ مَرِيض عَزِيزِ عَلَى الطُّيُورِ وَالْإِنْسَانِ ، وَلَا شُكْرَ عَلَى وَاجِبٍ. وَوَصَفَ كلَهَا التَّعْلَبُ قَصْرَ الْأَمِيرِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَوَدَّعَتْهُ وَجَرَتْ
بِكُلِ سُرْعَةِ ، كَمَا تَجْرِي الفَزَالَةُ المُسْرِعَةُ النَّشِيطَةُ ، حَتَّى
می
۳۸
وَصَلَتْ إِلَى قَصْرِ الْأَمِيرِ الْجَريح ، حَيْثُ يُقِيمُ مَعَ أَبِيهِ السُّلْطَانِ . وَفِي الْحَالِ أَرْسَلَتْ إِلَى السُّلْطَانِ تُخْبِرُهُ أَنَّهَا قَدْ حَضَرَتْ لِتُعَالِجَ الْأَمِيرَ مِنْ جُرُوحِهِ ، فَاسْتَبْعَدَ الْمَلِكُ ذلِكَ وَقَالَ : كَيْفَ تَسْتَطِيعُ فَتَاهُ أَنْ تَشْفِيَ أَمِيرًا تَحَوَّلَ إِلَى تُعبَانِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِنْسَانًا كَحَالَتِهِ الْأُولَى ، وَقَدْ جُرحَ جُرُوحًا قَاتِلَةٌ ، وَعَجَزَ الْأَطِيَّاءُ وَالْجَرَّاحُونَ فِي الْبِلَادِ عَنْ عِلَاجِهِ وَشِفَائِهِ مِنْ هَذِهِ الْجُرُوحِ؟ تَوَسَلَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَرَكَعَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا ، وَرَجَتْهُ أَنْ يَسْمَحَ لَهَا


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

الاجابة علي تسا...

الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...

مقدمة التعريف ب...

مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...

دروس في المال: ...

دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...

درك الإمام أن ط...

درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...

2 - بداية عصر ا...

2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...

بالقرب من مدينة...

بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...

This is my Engl...

This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...

ينتسب المعنيون ...

ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...

زار وفد شركة «م...

زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...

Tech news